HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٥٢٩

أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: «وَاللهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسِ بِوَقْتِ هَذِهِ الصَّلَاةِ، صَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّيهَا لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لِثَالِثَةٍ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص179
  • زبير علي زئي:إسناده صحيح
ج ١ ص ٢٦٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن الدارمي, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٧ ص٩٣
١٩ - الشَّفَقُ أي هذا باب ذكر الحديث، الدال على المعنى المراد من ذكر الشفق، في الأحاديث التي فيها أنه - ﷺ - «كان يصلي العشاء إذا غاب الشفق»، لكن استدلال المصنف به على ما قاله، من أنه الشفق الأبيض غير صحيح، كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى. ٥٢٨ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ رَقَبَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِمِيقَاتِ هَذِهِ الصَّلَاةِ عِشَاءِ الآخِرَةِ، كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّيهَا لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لِثَالِثَةٍ. رجال الإسناد: ستة ١ - (محمد بن قُدَامة) بن أعين بن المِسْور الهاشمي مولاهم أبو عبد الله المِصِّيصِيّ، ثقة، من [١٠]. قال النسائي: لا بأس به، وقال مَرَّةً: صالح. وقال الدارقطني: ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات». مات قريبا من سنة ٢٥٠. وقال مَسْلَمَةُ: ثقة، صدوق، رَوَى عنه المصنف، وأبو داود، وهو من أفرادهما. ٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرط الضَّبِّي، الكوفي نزيل الرَّيّ وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان في آخره يَهِمُ من حفظه، توفي سنة ١٨٨ عن ٧١ سنة، من [٨]، تقدم في ٢/ ٢. ٣ - (رَقَبَةُ) بن مَصْقَلَةَ العَبْدِيّ الكوفي أبو عبد الله، ثقة مأمون، توفي سنة ١٢٩، من [٦]، تقدم في ٤٠٣ في كتاب الغسل. ٤ - (جعفر بن إِياس) أبو بشر بن أبي وَحْشيَّة، ثقة من أثبت الناس في سعيد بن جبير، وضعفه شعبة في مجاهد، وحبيب بن سالم، من [٥]، تقدم في ٥٢٠. ٥ - (حبيب بن سالم) الأنصاري، مولى النعمان بن بشير، وكاتبه، لا بأس به، من [٣]، أخرج له مسلم والأربعة، روى عن مولاه، وعن حبيب بن يَسَاف، عنه، على اختلاف في ذلك، وقيل: عن أبيه عن النعمان بين بشير، وَرَوَى عن أبي هريرة. وعنه بشير بن ثابت، وأبو بشر جعفر بن إياس، وخالد بن عُرْفُطُةَ، وقتادة، فيما كتب إليه، ومحمد بن المنتشر، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقة. وقال البخاري: فيه نظر، وقال أبو أحمد بن عدي: ليس في متون أحاديثه حديث منكر، بل قد اضطرب في أسانيد ما يُرْوَى عنه. وقال الآجري عن أبي داود: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له مسلم، والأربعة. ٦ - (النعمان بن بشير) بن سَعْد بن ثَعْلَبَة بن جُلاس بن زيد بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الله المدني، له ولأبيه صحبة، وأمه عمرة بنت رَوَاحَةَ. رَوَى عن النبي - ﷺ -، وعن خاله عبد الله بن رواحة، وعمرَ، وعائشةَ. وعنه ابنه محمد، ومولاه حبيب بن سالم، والشعبي، وآخرون. قال الواقدي: ولد على رأس أربعة عشر شهرا من الهجرة، وهو أول مولود ولد في الأنصار بعد قدوم النبي - ﷺ -، هذا قول الأكثر، أنه ولد هو، وابن الزبير، عام اثنين من الهجرة، وقيل غير ذلك. وروى نحوه عن جابر أنه قال: أنا أسن منه بنحو من عشرين سنة، وما ولد قبل بدر إلا بثلاثة أشهر، أو أربعة. وقال يحيى بن معين: ليس يروي عن النبي - ﷺ - حديثًا، يقول فيه سمعت إلا في حديث الشعبي «الجسد مضغة»، والباقي من حديثه إنما هو عن النبي - ﷺ -، ليس فيه، سمعت. وقال أيضًا: أهل المدينة يقولون: لم يسمع من النبي - ﷺ -، وأهل العراق يصححون سماعه منه. وقال أبو نعيم: كان أميرًا على الكوفة في عهد معاوية. وقال أبو حاتم: كان أميرًا على الكوفة تسعة أشهر. وقال أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز: كان قاضي دمشق بعد فَضَالة بن عُبَيد. قال سماك بن حرب: استعمله معاوية على الكوفة، وكان من أخطب من سمعت. وقال الهيثم بن عدي: عزله معاوية عن الكوفة، ثم وَلاّه حِمْصَ. وقال ابن سعد: أخبرت عن أبي اليمان، عن إسماعيل بن عياش، عن يزيد بن سعيد، عن عبد الملك بن عَمير، قال: أتَى بشيرُ بنُ سعد بالنعمان إلى النبي - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، ادع له، فقال: أما ترضى أن يبلغ ما بلغت، ثم يأتي الشام، فيقتله منافق من أهل الشام. وقال أبو مسهر: كان النعمان بن بشير عاملًا على حمص، فبايع لابن الزبير -يعني بعد موت- يزيد بن معاوية، فلما تمرد أهل حمص خرج هاربًا، فاتبعه خالد بن خلي الكلاعي، فقتله. وقال خليفة ابن خياط: وفي أول سنة ستين، خرج النعمان من حمص، فاتبعه خالد ابن خلي الكلاعي، فقتله. وقال المفضل الغلابي، وغيره: قتل سنة ٦٦ وقيل: ٦٥، عن ٦٤ سنة، وأخرج له الجماعة. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم موثقون. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. ومنها: أن النعمان، وحبيبًا، ومحمَد بنَ قُدامة، هذا الباب أول محل ذكرهم. ومنها: أن فيه الإخبار والتحديثَ، والعنعنةَ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن النعمان بن بشير) بن سَعْد ﵄، أنه (قال: أنا أعلم الناس بميقات هذه الصلاة) وفي الرواية الآتية «والله إني لأعلم الناس بوقت هذه الصلاة». وإنما قال النعمان ﵁ هذا تحدثًا بنعمة الله تعالى عليه بزيادة العلم، مع ما فيه من حمل السامعين على اعتماد مرويه، ولعل وقوع هذا القول منه بعد موت غالب أكابر الصحابة، وحفاظِهِم الذين هم أعلم بذلك منه. قاله القاري. ويحتمل أنه قال ذلك على ظن أنه لم يضبط وقت صلاة العشاء من الصحابة أحد، كما ضبطه هو، بناء على أنه بحث عنه، واستقرأه، واجتهد في علمه ومشاهدته ما لم ير شيئا من ذلك لأحد من الصحابة. قاله في «المرعاة». (عشاء الآخرة) وفي الرواية الآتية «صلاة العشاء الآخرة»، وهو بالجر بدل من هذه الصلاة، ويحتمل النصب بتقدير «أغني». (كان رسول الله - ﷺ - يصليها) أي العشاء الآخرة (لسقوط القمر) اللام بمعنى «عند» أى عند غروبه (لثالثة) أي في ليلة ثالثة من الشهر، قال الطيبي: هو بدل من قوله: «لسقوط القمر»، أي وقت غروبه، قال القاري: وفيه بحث، والأظهر أنه متعلق بسقوط القمر. اهـ وقيل: صفة للقمر، أي لسقوط القمر الكائن لليلة ثالثة من الشهر. وحاصل المعنى أنه - ﷺ - كان يصلي العشاء الآخرة عند مغيب القمر في الليلة الثالثة من الشهر، وكأنه يريد به أن هذا هو الغالب، وإلا فقد علم أنه كان يعجل تارة، ويؤخر أخرى بحسب المصلحة، كما تقدم في حديث جابر ﵁ «كان إذا رآهم اجتمعوا عَجَّلَ، وإذا رآهم أبْطَئُوا أخر». قال في «المرعاة»: قال العلامة في تعليقه على الترمذي: قد استدل بعض علماء الشافعية بهذا الحديث على استحباب تعجيل العشاء. انظر المجموع للنووي جـ ٣ ص ٥٥ - ٥٨. وتعقبهم ابن التركماني في الجوهر النقي جـ ١ ص ٤٥٠، فقال: إن القمر في الليلة الثالثة يسقط بعد مضي ساعتين ونصف ساعة، ونصف سبع ساعة من ساعات تلك الليلة المجزأة على ثنتي عشرة ساعة، والشفق الأحمر يغيب قبل ذلك بزمن كثير، فليس في ذلك دليل على التعجيل عند الشافعية، ومن يقول بقولهم. قال: وقد يظهر هذا النقد صحيحًا دقيقًا في بادئ الرأي، وهو صحيح من جهة أن الحديث لا يدل على تعجيل العشاء، وخطأ من جهة حساب غروب القمر، فَلَعَلَّ ابن التركماني راقب غروب القمر في ليلة ثالثة من بعض الشهور، ثم ظن أن موعد غروبه متحد في كل ليلة ثالثة من كل شهر، وليس الأمر كذلك. ثم نقل لإثبات خطأ ابن التركماني جدولين لأوقات غروب القمر في الليالي الثالثة من شهور سنة ١٣٤٥ هـ وسنة ١٣٥٦ هـ بحساب مدينة القاهرة ذكر فيهما أوقات العشاء، وأوقات الفجر، وأوقات غروب القمر بالساعة العربية بتقسيم اليوم والليلة إلى ٢٤ ساعة، واحتساب مبدئها من غروب الشمس، قالى: ومنه يظهر خطأ ابن التركماني، فإنك إذا قسمت الوقت بين غروب الشمس، وبين طلوع الفجر، إلى اثني عشر قسمًا -سماها ابن التركماني ساعات- وجدت أن القمر يغرب في بعض الليالي الثالثة قبل الوقت الذي ذكر، وفي بعض الليالي بعده. ومنه يظهر أيضًا أن النعمان بن بشير لم يستقرئ أوقات صلاة النبي - ﷺ - العشاء استقراءً تامًا، ولعله صلاها في بعض المرات في ذلك الوقت، فظن النعمان أن هذا الوقت يوافق غروب القمر لثالثة دائمًا، ومما يؤيد ذلك أن رسول الله - ﷺ - لم يكن يلتزم وقتًا مُعَيَّنًا في صلاتها، كما قال جابر بن عبد الله في ذكر أوقات صلاة النبي - ﷺ -: «والعشاء أحيانًا يؤخرها، وأحيانًا يعجل، إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطئوا أخر»، وهو حديث صحيح أخرجه أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. اهـ. مرعاة جـ ٢ ص ٣٢٠، ٣٢١. وبالله التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث النعمان بن بشير - ﵄ - هذا صحيح. قال في «المرعاة»: قال ابن العربي في عارضة الأحوذي جـ ١ ص ٢٧٧: حديث النعمان حديث صحيح، وإن لم يخرجه الإمامان، فإن أبا داود خَرَّجَهُ عن مسدد، والترمذي عن ابن أبي الشوارب، كلاهما عن أبي عوانة، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية، عن بشير بن ثابت، عن حبيب بن سالم. فأما حبيب بن سالم مولى النعمان بن بشير، فقال أبو حاتم: هو ثقة، وأما بشير بن ثابت، فقال يحيى بن معين: إنه ثقة. ولا كلام فيمن دونهما، وإن كان هشيم قد رواه عن أبي بشر، عن حبيب بن سالم بإسقاط بشير. وما ذكرناه أصح، وكذلك رواه شعبة، وغيره، وخطَأُ من أخْطَأَ في الحديث لا يخرجه عن الصحة. انتهى. قال صاحب «المرعاة»: حديث شعبة أخرجه أحمد جـ ٤ ص ٢٧٢ عن يزيد بن هارون، والحاكم جـ ١ ص ١٩٤ من طريق يزيد بن هارون، عن شعبة، عن أبي بشر نحو رواية أبي عوانة، وحديث هشيم أخرجه أحمد جـ ٤ ص ٢٧٠، وأبو داود الطيالسي- كلاهما عن هشيم. وأخرجه الحاكم جـ ١ ص ١٩٤ من طريق عمرو بن عون، عن هشيم، عن أبي بشر، عن حبيب بن سالم، بغير ذكر واسطة بشير بن ثابت. قال الحاكم: تابعه رَقَبَةُ بن مَصْقَلَةَ عن أبي بشر، هكذا اتفق رَقَبَةُ وهشيم على رواية هذا الحديث عن أبي بشر، عن حبيب بن سالم، وهو إسناد صحيح، وخالفهما شعبة، وأبو عوانة، فقالا: عن أبي بشر، عن بشير بن ثابت، عن حبيب بن سالم. انتهى. ورَقَبَةُ بن مَصْقَلَة ثقة، وروايته عند النسائي، عن محمد بن قدامة، عن جرير بن عبد الحميد، عن رقبة، وهذا كما ترى قد اختلفت الرُّواةُ عن أبي بشر، فبعضهم رواه عنه، عن حبيب بن سالم بلا واسطة، وبعضهم رواه عنه، عن بشير بن ثابت، عن حبيب. وقد رجح الترمذي وتابعه ابن العربي روايةَ من زاد: عن بشير بن ثابت؛ قال الترمذي: وحديث أبي عوانة أصح عندنا، لأن يزيد بن هارون رَوَى عن شعبة، عن أبي بشر نحو رواية أبي عوانة. وصرح ابن العربي -كما تقدم- بأن هشيمًا أخطأ في روايته. ولكن متابعة رَقَبَة بن مَصْقَلَة له تُبْعِدُ احتمال الخطأ. والظاهر أن أبا بشر سمعه من حبيب، وسمعه من بشير بن ثابت، عن حبيب، فكان يرويه مرة هكذا ومرة هكذا، كما تراه كثيرا في صنيع الرواة. والإسنادُ صحيح في الحالين. كذا حققه صاحب التعليق. وهو تحقيق جيد. قال الجامع عفا الله عنه: هذا التحقيق حقيق بالقبول، لا كما قاله الترمذي، وتبعه عليه ابن العربي، وهذا الذي اعتمدته هو الذي يدل عليه صنيع المصنف ﵀ حيث ساق الحديث بالإسنادين، ولم يتعقب أحدهما بشيء من التعليل. والله أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٢٥٨) وفي «الكبرى» (١٥١٠) عن محمد بن قُدَامَة، عن جرير، عن رَقَبَة، عن جعفر بن إياس، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير .... و(٥٢٩) و«الكبرى» (١٥١١) عن عثمان بن عبد الله، عن عَفَّان، عن أبي عَوَانَةَ، عن أبي بِشْر، عن بشير بن ثابت، عن حبيب بن سالم، عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه أبو داود في الصلاة عن مسدد، عن أبي عوانة، عن أبي بشر، عن بشير بن ثابت، عن حبيب به. وأخرجه الترمذي فيه عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشَّوَارِب، عن أبي عوانة به. وعن محمد ابن أبان، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن أبي عوانة، نحوه. وقال: رَوَى هشيم هذا عن أبي بشر، عن حبيب -ولم يذكر بَشِيرَ بنَ ثابت- وحديثُ أبي عوانة أصَحُّ، لأن يزيد بن هارون روى عن شعبة، عن أبي بشر نحو رواية أبي عوانة. اهـ. وأخر جه أحمد، والحاكم، والبيهقي. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: أنه لم يتبين من ترجمة المصنف رحمه الله تعالى هنا في «المجتبى» بقوله: «الشفق» أىَّ شَفَقٍ يريد الاستدلالَ عليه بهذا الحديث؛ هو الشفق الأحمر، أم هو الشفق الأبيض؟، لكن بَيَّنَ مراده في «الكبرى» حيث قال: «ذِكْرُ مَا يُسْتَدَلُّ به عَلَى أنَّ الشفق البياضُ»، فأورد حديث النعمان هذا من طريق أبيَ عَوانة، عن أبي بشر، عن بشير، عن حبيب، عنه. فأفصح به أنه يريد ترجيح قول من قال: إن الشفق هو الأبيض، ولكن هذا الاستدلال غير واضح. وقد تقدم الاعتراض على ابن التركماني -في قوله: إن الأحمر يدخل قبل سقوط القمر لثالثة بزمن كثير ردًا على الشافعية في قولهم استحباب تعجيل العشاء مستدلين بحديث النعمان هذا - بأن ما قاله غير صحيح، بل أحيانًا يتقدم، وأحيانًا يتأخر، وهكذا هنا يعترض على المصنف في استدلاله بهذا الحديث على أن المراد بالشفق هو الأبيض بأن هذا غير صحيح، فقد يوافق هذا، وقد لا يوافقه، بأن يتقدم مع الأحمر، فلا يدل الحديث على ما قاله. والله أعلم. المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في معنى الشفق: قال المجد ﵀: الشَّفَقُ مُحَرَّكَةً: الحمرةُ في الأفُقِ من الغروب إلى العشاء الآخرة، أو إلى قريبها، أو إلى قريب العَتَمَةِ. اهـ. «ق». وقال الفيومي ﵀: الشفق: الحمرةُ من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، فإذا ذهب، قيل: غاب الشفقُ، حكاه الخليل، وقال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب كالشَّفق، وكان أحمر، وقال ابن قُتَيْبَةَ: الشفق: الأحمرُ من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، ثم يغيب ويبقى الشفق الأبيض إلى نصف الليل. وقال الزَّجَّاج: الشفق: الحمرة التي تُرَى في المغرب بعد سقوط الشمس، وهذا هو المشهور في كتب اللغة. وقال المُطَرِّزِيُّ: الشفقُ: الحمرة عن جماعة من الصحابة، والتابعين، وهو قول أهل اللغة، وبه قال أبو يوسف، ومحمد، وعن أبي هريرة أنه البياض، وبه قال أبو حنيفة، وعن أبي حنيفة قولٌ متَأخِّر أنه الحمرة. اهـ. «المصباح» جـ ١ ص ٣١٨. وقال النووي ﵀ في تهذيب الأسماء واللغات: أجمع العلماء على أن وقت صلاة العشاء يدخل بغيبوبة الشفق، والأحاديث الصحيحة مشهورة بذلك. ولكن اختلفوا في الشفق المراد به، هل هو الأحمر، أو الأبيض؟، والأحمر يتقدم والأبيض يتأخر. فذهب الشافعي، والجمهور ﵃ إلى أنه الحمرة. وذهب أبو حنيفة وآخرون ﵃ إلى أنه البياض. وَرَوى البيهقيُّ بإسناده الصحيح عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: الشفق: الحمرة. ورواه البيهقي أيضًا عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وأبي هريرة، وعُبادَة بن الصامت، وشَدَّادِ بن أوس ﵃. ورواه عن مكحول، وسفيان الثوري. ورواه مرفوعًا إلى رسول الله - ﷺ -، وليس بثابت عنه - ﷺ -. وحكى ابن المنذر في «الإشراف» أنه الحمرة عن ابن أبي ليلى، ومالك، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن. قال: ورُوِيَ ذلك عن ابن عمر، وابن عباس، وعن ابن عباس أيضًا أنه البياض. قال: وَرَوَيْنَا عن أنس، وأبي هريرة، وعمر بن عبد العزيز، ما يدل على أنه البياض، وبه قال أبو حنيفة. قال ابن المنذر: الشفق: البياض. وحكى القاضي أبو الطيب عن أبي ثور، وداود أنه الحمرة، وعن زُفَرَ، والمُزَنِيِّ أنه البياض. وحكاه غيره عن معاذ بن جبل الصحابي ﵁. ونقل البغوي عن أكثر أهل العلم أنه الحمرة. قال: واستدل أصحابنا للحمرة بأشياء من الحديث، والمعنى لا يظهر منها دلالةً مُحَقَّقَةً،، والذي ينبغي أن يُعتَمَدَ أن المعروف عند العرب أن الشفق الحمرة، وذلك مشهور في شعرهم، ونثرهم، ويدل عليه نقل أئمة اللغة. قال الإمام أبو منصور الأزهري في شرح ألفاظ المختصر: الشفق عند العرب: الحمرة. رَوَى سلمة عن الفراء، قال: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصبوغ، كأنه الشفق، وكان أحمرَ. وقال ابن فارس في المُجْمَل: قال ابن دُرَيدٍ: الشفقُ: الحمرة. قال ابن فارس: وقال أيضا الخليل: الشفق الحمرة التي من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة. وذكر قول الفراء، ولم يذكر ابنُ فارس غَيرَ هذا. وقال الزبيدي في «مختصر العين»: الشفق الحمرة بعد غروب الشمس. وقال الخطابي في «معالم السنن»: حُكِيَ عن الفراء أنه الحمرة، قال: وأخبرني أبو عُمَر عن ثعلب أن الشفق: البياض، قال الخطابي: وقال بعضهم: الشفق: اسم للحمرة، والبياض، إلا أنه إنما يطلق على أحمر ليس بِقَانئٍ، وأبيض ليس بنَاصِع، وانما يعلما المراد به بالأدلة، لا بنفس الاسم، كالقُرّ، وغيره من الأسماء للشتاء. اهـ. «تهذيب الأسماء، واللغات» جـ ٣ ص ١٦٥ - ١٦٦. وكتب الإمام المجتهد أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى في كتابه النفيس -«المُحَلَّى»- بحثا نفيسًا في هذه المسألة، فقال: (مسألة الشفق، والفجر) قال علي: الفجر فجران، والشفق شفقان، والفجر الأول هو المُستَطيل المُستَدَقُّ صاعدًا في الفَلَك، كَذَنبِ السِّرْحَان، وتَحْدُث بعده ظلمةٌ في الأفُقِ، لا يُحَرِّم الأكلَ، ولا الشربَ على الصائم، ولا يدخل به وقت صلاة الصبح. هذا لا خلاف فيه من أحد من الأمة كلها. والآخر هو البياض الذي يأخذ في عرض السماء في أفق المشرق في موضع طلوع الشمس، في كل زمان، ينتقل بانتقالها، وهو مقدمة ضوئها، ويزداد بياضه، وربما كان ديه توريد بحمرة بديعة، وبتبينه يدخل وقت الصوم، ووقت الأذان لصلاة الصبح، ووقت صلاتها، فأما دخول وقت الصلاة بتبينه فلا خلاف فيه من أحد من الأمة. وأما الشفقان: فأحدهما الحمرة، والثاني البياض، فوقت المغرب عند ابن أبي ليلى، وسفيان الثوري، ومالك، والشافعي، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، والحسي بن حي، وداود، وغيرهم: يخرج، ويدخل وقت صلاة العتمة، بمغيب الحمرة، وعلى قول أحمد بن حنبل، وإسحاق، إلا أن أحمد، قال: يستحب في الحضر خاصة دون السفر أن لا يصلي إلا إذا غاب البياض، ليكون على يقين من مغيب الحمرة، فقد تُواريها الجُدْران، وقال أبو حنيفة، وعبد الله بن المبارك، والمُزَني، وأبو ثَوْر: لا يخرج وقت المغرب، ولا يدخل وقت العَتَمَة إلا بمغيب البياض. قال علي: قد صح أن رسول - ﷺ - حد خروج وقت المغرب، ودخول وقت العتمة بمغيب نور الشفق، والشفق يقع في اللغة على الحمرة، وعلى البياض، فإن ذلك كذلك، فلا يجوز أن يخص قوله ﵇ بغير نص، ولا إجماع، فوجب أنه إذا غاب ما يسمى شفقًا، فقد خرج وقت المغرب، ودخل وقت العتمة، ولم يقل ﵇ قط: حتى يغيب كل ما يسمى شفقًا. وبرهانٌ قاطعٌ، وهو أنه قد ثبت أن رسول الله - ﷺ - حد وقت العتمة بأن أوله إذا غاب الشفق، وآخره ثلث الليل الأول، ورُوِيَ أيضًا نصف الليل، وقد عَلِمَ كلُّ من له علم بالمطالع، والمغارب، ودَوَرَان الشمسِ: أن البياض لا يغيب، إلا عند ثلث الليل الأول، وهو الذي حد ﵇ خروج أكثر الوقت فيه، فصح يقينا أن وقتها داخل قبل ثلث الليل الأول بيقين. فقد ثبت بالنص أنه داخل قبل مغيب الشفق الذي هو البياض بلا شك ، فإن ذلك كذلك، فلا قول أصلا، إلا أنه الحمرة بيقين، إذ قد بطل كونه البياض. واحتج من قَلَّدَ أبا حنيفة بأن قال: إذا صلينا عند غروب البياض، فنحن على يقين بإجماع أننا قد صلينا عند الوقت، وإن صلينا قبل ذلك، فلم نصل بيقين إجماع في الوقت. قال علي: هذا ليس شيئًا، لأنه إن التزموه، أبطل عليهم جمهورَ مذهبهم، فيقال مثل هذا في الوضوء بالنبيذ، وفي الاستنشاق، والاستنثار، وقراءة أم القرآن، والطمأنينة، وكل ما اختلف فيه، مما يبطل الصوم، والحج، ومما تجب فيه الزكاة، فيلزمهم أن لا يؤدوا عملًا من الشريعة إلا حتى لا يختلف اثنان في أنهم قد أدَّوْهُ، كما أمروا، ومع هذا لا يصح لهم من مذهمهم جزء من مائة جزء بلا شك. وذكروا حديث النعمان بن بشير: أنه ﵇ كان يصلي العتمة لسقوط القمر ليلة ثالثة، ولو كان لكان أعظم حجةٍ لنا، لأن الشفق الأبيض يبقى بعد هذه مدة طويلة بلا خلاف. واحتج بعضهم بالأثر: «أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي العشاء الآخرة إذا اسود الليل»، وبقاء البياض يمنع من سواد الأفق. قال علي: وهذا خطأ، لأنه يصلي العتمة مع بياض القمر، وهو أمنع من سواد الأفق على أصولهم: من البياض الباقي بعد الحمرة الذي لا يمنع من سواد الأفق، لقلته، ودِقَّتِهِ. وذكروا حديث النعمان بن بشير: أنه ﵇ كان يصلي العتمة لسقوط القمر ليلة ثالثة. وهذا لا حجة لهم فيه، لأننا لا نمنع من ذلك، ولا من تأخيرها إلى نصف الليل، بل هو أفضل، وليس في هذا، المنع من دخول وقتها قبل ذلك. وذكروا حديثًا ساقطًا موضوعًا، فيه أنه ﵇ صلى العتمة قبل غروب الشقق. وهذا لو صح -ومعاذ الله من ذلك- لما كان فيه إلا جواز الصلاة قبل وقتها، وهو خلاف قولهم، وقولنا. وذكروا عن ثعلب: أن الشفق البياض. قال علي: لسنا ننكر أن الشفق البياض، والشفق الحمرة، وليس ثعلب حجة في الشريعة، إلا في نقله، فهو ثقة، وأما في رأيه فلا. وأظرف ذلك احتجاج بعضهم بأن الشفق مشتق من الشفقة، وهي الرِّقَّة، ويقال: ثوب شفيق إذا كان رقيقًا، وقالوا: البياض أحق بهذا، لأنها أجزاء رقيقة تبقى بعد الحمرة. قال علي: وهذا هَوَس، ناهيك به، فإن قيل لهم: بل الحمرة أولى به لأنها تتولد عن الإشفاق، والحياء!، وكل هذا تخليط هو في الهزل أدخل منه في الجِدِّ. وقال بعضهم: لما كان وقت صلاة الفجر يدخل بالفجر الثاني وجب أن يدخل وقت صلاة العتمة بالشفق الثاني، فعورضوا بأنه لما كان الفجر فجرين، وكان دخول وقت صلاة الفجر الذي معه الحمرة وجب أن يكون دخول وقت العتمة بالشفق الذي معه الحمرة. وقالوا أيضًا: لما كانت الحمرة -التي هي مقدمة طلوع الشمس- لا تأثير لها في خروج وقت صلاة الفجر، وجب أن يكون أيضا لا تأثير لها في خروج وقت المغرب، فعورضوا بأنه لما كانت الطوالع ثلاثة، والغوارب ثلاثة، وكان الحكم في دخول وقت صلاة الصبح للأوسط من الطوالع: وجب أن يكون الحكم في دخول صلاة العتمة للأوسط من الغوارب. وهذه كلها تخاليط، ودعاوٍ فاسدة، متكاذبة، وإنما أوردناها لِيَعْلَمَ من أنعم الله تعالى عليه بأن هداه لإبطال القياس في الدين: عظيمَ نعمة الله تعالى عليه في ذلك، وليتبصر من غَلِطَ، فقال به . وما توفيقنا إلا بالله تعالى. اهـ المحلى جـ ١ ص ١٩٢ - ١٩٥. قال الجامع عفا الله عنه: قد تَبَيَّن بما قال هؤلاء الأئمة أن الأرجح في معنى الشفق المذكورِ في حديث صلاة العشاء هو الحمرة، لقوة مُتَمَسَّكِهِ الذي ذُكِرَ في كلامهم. والله أعلم. خاتمة: نسأل الله تعالى حسنها- في ذكر ثلاث فوائد: الأولى: قال النووي رحمه الله تعالى: للعشاء أربعة أوقات: فضيلة، واختيار، وجواز، وعذر، فالفضيلة أول الوقت، والاختيار بعده إلى ثلث الليل في الأصح، وفي قول: نصفه، والجواز إلى طلوع الفجر الثاني، والعذر وقت المغرب لمن جمع بسفر، أو مطر. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: والجواز إلى طلوع الفجر، هذا مذهبه ومذهب أكثر العلماء، لكن الصحيح الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة أن الجواز إلى نصف الليل، وسيأتي تحقيق ذلك في بابه، إن شاء الله تعالى. الثانية: قال النووي أيضًا: قال صاحب التتمة: في بلاد المشرق نَوَاحٍ تقصر لياليهم فلا يغيب الشفق عندهم، فأولُ وقت العشاء عندهم أن يَمْضِيَ من الزمان بعد غروب الشمس قدر ما يغيب الشفق في مثله في أقرب البلاد إليهم. الثالثة: قال أيضًا: قيل: إن بين المغرب، والعشاء نصف سدس الليل، فإن طال الليل، طال نصف السدس، وإن قصر: قصر. ذكر النووي هذه الفوائد في مجموعه جـ ٣ ص ٤٠، ٤١. والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
مصادر المؤلف (٦)

١. وقد صرح ابن هشام بأن اللام تأتي بمعنى «عند» كقولهم: كتبته لخمس خلون، وجعل منه ابن جني قراءة الجحدري: «بل كذبوا بالحقِ لماَ جاءهم» بكسر اللام، وتخفيف الميم، انظر مغني اللبيب بحاشية الأمير جـ ١ ص ١٧٨.

٢. هكذا أبهمه، فلينظر من هو العلامة.

٣. واستدلال الشافعية به أيضًا غير صحيح، لأنه قد يتأخر عن أول الوقت. فتبصر.

٤. قال العلامة أحمد شاكر في تعليقه على «المحلى»: هذه القطعة من أبدع حجج ابن حزم، وأمتنها، وقد نقل الشوكاني معناها في نيل الأوطار جـ ١ ص ٤١١ عن شرح الترمذي لابن سيد الناس، وأنا أظن أنه أخذها عن ابن حزم، ويكاد يكون لفظهما متحدًا. اهـ. جـ ١ ص ١٩٣.

٥. قال العلامة أحمد شاكر ﵀: هذا الحديث لم أجده، إلا أن البيهقي أشار إليه في السنن، فقال: والذي رواه سليمان بن موسى، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر، عن النبي - ﷺ - في أوقات الصلاة: ثم صلى العشاء قبل غيبوبة الشفة«مخالف لسائر الروايات. جـ ١ ص ٣٧٣، ولكنه رَوَى حديث سليمان في ص ٣٧٢ بلفظ»ثم صلى المغرب قبل غيبوبة الشفق«، ونقل الشوكاني بعد حديث النعمان بن بشير أن ابن العربي، قال: هو صحيح، وصلى قبل غيبوبة الشفق». جـ ١ ص ٤١١.

٦. قال الجامع: هذا عند المحققين في القياس الفاسد بأن كان في مقابلة النصوص، وأما غيره فلا يرد، وأما ابن حزم فمذهبه رد القياس مطلقًا. فتنبه.