HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٦٣٩

أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا أَذَّنَ بِلَالٌ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ قَالَتْ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا، وَيَصْعَدَ هَذَا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص212
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٢ ص ١٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن الدارمي, صحيح البخاري, صحيح مسلم وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٨ ص٦٥
١٠ - هَلْ يُؤَذِّنَانِ جَميعًا أَوْ فُرَادَى أي هذا باب ذكر الحديث الدال على بيان حكم من سأل قائلًا: هل المؤذنان يؤذنان جميعًا، أو فرادى، أي حال كونهما مجتمعين في وقت واحد، أو حال كونهما فرادى، يؤذن كل منهما في وقت غير ما يؤذن فيه الآخر. قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀: والفقهاء من أصحاب الشافعي قالوا: يخيرون بين أن يؤذن كل واحد منهم في زاوية من زوايا المسجد، وبين أن يجتمعوا، ويؤذنوا دفعة واحدة. انتهى. عمدة جـ ٢ ص ١٨٢. قال الجامع: والاستدلال لهذا القول بحديث الباب بعيد، فإنه يدل على اتخاذ مؤذنين، يؤذن كل واحد منهما في غير الوقت الذي يؤذن فيه الآخر، لا أنهما يجتمعان في الأذان، فتبصر. والله تعالى أعلم. ٦٣٩ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أَذَّنَ بِلَالٌ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»، قَالَتْ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلاَّ أَنْ يَنْزِلَ هَذَا، وَيَصْعَدَ هَذَا. رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (يعقوب بن إِبراهيم) بن كثير بن أفلح العبدي مولاهم الدَّوْرَقِيُّ، أبو يوسف البغدادي، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٥٢ عن ٩٦ سنة، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢١/ ٢٢. ٢ - (حفص) بن غِياث بن طَلْق بن معاوية النخعي، أبو عمر الكوفي القاضي، ثقة، فقيه، تغير حفظه قليلًا في الآخر، توفي سنة ١٩٤، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٦/ ١٠٥. ٣ - (عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري، أبو عثمان المدني، ثقة، ثبت، توفي سنة بضع و١٤٠، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٥/ ١٥. ٤ - (القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، ثقة، فقيه، فاضل، توفي سنة ١٠٦، من كبار [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٢٠/ ١٦٦. ٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥. والله أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أنهم مدنيون، إلا شيخه فبغدادي، وحفصًا فكوفي. ومنها: أن شيخه ممن اتفق الستة بالرواية عنه بدون واسطة، وهم تسعة، جمعتهم في قولي: اشتَركَ الأئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ فِي تِسْعَةِ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ … النَّاقِدينَ الْبَارِعينَ الْبَرَرَهْ أُولَئِكَ الأشَجُّ وابْنُ معْمرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ، وَعَمْرٌو السَّرِي وَابْنُ الْعَلاءِ وابْنُ بَشَّارٍ كَذَا … ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى ومنها: أن فيه عبيد الله بن عمر العمري قدمه ابن معين في القاسم عن عائشة على الزهري، عن عروة، عنها. ومنها: أن القاسم هو أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة المجموعين في قول بعضهم: إِذَا قِيلَ مَنْ فِي العِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ … مَقَالَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ فَقُل: هُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عُرْوَةُ قَاسِمُ … سَعِيدٌ أبُو بَكْرٍ سُلَيْمَان خَارِجَهْ ومنها: أن فيه رواية الراوي عن عمته: القاسم، عن عائشة. ومنها: أن عائشة ﵂ من المكثرين السبعة من الصحابة ﵃، قال في ألفية الأثر: وَالمُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الأثَرْ … أبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ وَأنَسٌ، وَالْبَحْرُ كالْخُدْرِيِّ … وَجَابِرٌ، وَزَوْجَةُ النَّبِيِّ والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عائشة) ﵂، أنها (قالت: قال رسول الله - ﷺ -: إِذا أذن بلال فكلوا واشربوا) فيه أن هذا الأمر أمر إباحة، وإعلام بامتداد وقت السحور إلى هذا الوقت (حتى يؤذن ابن أم مكتوم، قالت) عائشة ﵂ (ولم يكن بينهما) أي بين أذانيهما (إِلا أن ينزل هذا) بكسر الزاي، من باب ضرب، أي ينزل بلال من محل الأذان، وفيه أن الأذان يكون في موضع مرتفع، إذِ القَصْد منه الإعلامُ، فكونه في مكان مرتفع أبلغ (ويصْعَد هذا) أي ابن أم مكتوم، وصَعِدَ بكسر العين، يقال: صَعِدَ في السلم، والدرجة، يصعَد، من باب تعِبَ، صعودًا، وصعِد السطحَ، وإليه، وصَعَّدت في الجبل -بالتثقيل-: إذا علوته. أفاده في المصباح. ومراد عائشة ﵂ بهذا تقليل المدة التي تكون بين أذانيهما. ثم إن رواية المصنف ﵀ صريحة في أن جملة «ولم يكن بين أذانيهما …» إلخ من كلام عائشة ﵂، لا من كلام القاسم، وأما ما وقع في صحيح البخاري في الصيام من قوله: قال القاسم: «لم يكن بين أذانيهما، إلا أن يرقى ذا، وينزل ذا»، فمعناه، كما قال الحافظ: قال القاسم في روايته عن عائشة. قال في الفتح: وفيه حجة لمن ذهب إلى أن الوقت الذي يقع فيه الأذان قبل الفجر هو وقت السحور، وهو أحد الأوجه في المذهب -يعني المذهب الشافعي- واختاره السبكي في شرح المنهاج، وحَكَى تصحيحه عن القاضي حسين، والمتولي، وقطع به البغوي، وكلامُ ابن دقيق العيد يشعر به، فإنه قال بعد أن حكاه: يُرَجَّحُ هذا بأن قوله: «إن بلالًا ينادي بليل» خبر يتعلق به فائدة للسامعين قطعًا، وذلك إن كان وقت الأذان مشتبهًا محتملًا لأن يكون عند طلوع الفجر، فبين - ﷺ - أن ذلك لا يمنع الأكل والشرب، بل الذي يمنعه طلوع الفجر الصادق، قال: وهذا يدل على تقارب وقت أذان بلال من الفجر. انتهى. ويقويه أيضًا ما تقدم من أن الحكمة في مشروعيته التأهب لإدراك الصبح في أول وقتها. وصحح النووي في أكثر كتبه أن مبدأه من نصف الليل الثاني، وأجاب عن الحديث في شرح مسلم، فقال: قال العلماء: معناه: أن بلالًا كان يؤذن، ويتربص بعد أذانه للدعاء ونحوه، فإذا قارب طلوع الفجر نزل، فأخبر ابن أم مكتوم، فيتأهب بالطهارة وغيرها، ثم يرقى ويشرع في الأذان مع أول طلوع الفجر. قال الحافظ: وهذا -مع وضوح مخالفته لسياق الحديث- يحتاج إلى دليل خاص لما صححه حتى يسوغ له التأويل. واحتج الطحاوي لعدم مشروعية الأذان قبل الفجر بقوله: لما كان بين أذانيهما من القرب ما ذكر من حديث عائشة ثبت أنهما كانا يقصدان وقتًا واحدًا، وهو طلوع الفجر، فيخطئه بلال، ويصيبه ابن أم مكتوم، وتعقب بأنه لو كان كذلك لما أقره النبي - ﷺ - مؤذنًا، واعتمد عليه، ولو كان كما ادعى لكان وقوع ذلك منه نادرًا، وظاهر حديث ابن عمر يدل على أن ذلك كان شأنه وعادته، والله أعلم. انتهى فتح الباري جـ ٢ ص ١٢٥. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا من طريق عبيد الله متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٦٣٩)، وفي «الكبرى» (١٦٠٣) عن يعقوب بن إبراهيم، عن حفص بن غياث، عن عبيد الله العمري، عن القاسم، عنها. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري ومسلم، فأخرجه البخاري في «الصلاة» عن، إسحاق ابن إبراهيم، وفي «الصوم» عن عُبَيد بن إسماعيل، كلاهما عن أبي أسامة- وفي «الصلاة» أيضًا عن يوسف بن عيسى، عن الفضل ابن موسى- وأخرجه مسلم في «الصوم» عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة- وعن إسحاق بن إبراهيم، عن عَبْدة بن سليمان- وعن أبي موسى محمد بن المثنى، عن حماد بن مَسْعَدة-، وفيه، وفي «الصلاة» عن محمد بن عبد الله بن نُمَير، عن أبيه- كلهم عن عبيد الله به. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في مذاهب أهل العلم في الأذان للصبح قبل دخول وقتها: ذهب إلى جواز ذلك مالك، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وداود، والجمهور، ورجع إليه أبو يوسف بعد أن كان يقول بالمنع. وذهب آخرون إلى منع الأذان بها قبل دخول وقتها كسائر الصلوات، وهو قول سفيان الثوري، وأبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، والحسن بن صالح بن حي، قالوا: فإن أذَّنَ لها قبل الفجر أعاد الأذان بعده. ورَوَى ابنُ أبي شيبة في مصنفه عن عائشة، قالت: ما كانوا يؤذنون حتى ينفجر الفجر، وعن إبراهيم النخعي، قال: شَيَّعْنَا علقمة إلى مكة، فخرجنا بليل، فسمع مؤذنًا يؤذن، فقال: أما هذا فقد خالف أصحاب محمد - ﷺ -، لو كان نائمًا لكان خيرًا له، فإذا طلع الفجر أذن، وعن إبراهيم النخعي أنه كره أن يؤذن قبل الفجر. وعن عبيد الله بن عمر، قلت لنافع: إنهم كانوا يُنَادُون قبيل الفجر؟ قال: ما كان النداء إلا مع الفجر. وحَكَى ابنُ حزم عن الحسن البصري، أنه قيل له: الرجل يؤذن قبل الفجر يوقظ الناس؟ فغضب، وقال: عُلُوج فَرَاغٌ، لو أدركهم عمر بن الخطاب لأوجع جنوبهم، من أذن قبل الفجر فإنما صلى أهل ذلك المسجد بإقامة لا أذان فيها. وعن إبراهيم النخعي أنه قال: كانوا إذا أذن المؤذن بليل قالوا له اتق الله، وأعد أذانك. وذهبت طائفة من أهل الحديث أنه إن كان للمسجد مؤذنان، يؤذن أحدهما قبل طلوع الفجر، والآخر بعد الفجر، فلا بأس أن يؤَذَّن للصبح إذا كان هكذا، وبه قال ابن حزم الظاهري، فقال: يجوز أن يؤذن قبل طلوع الفجر الثاني بمقدار ما يتم المؤذن أذانه، وينزل من المنارة أو العلو، ويصعد مؤذن آخر، ويطلع الفجر قبل ابتداء الثاني في الأذان. واحتج المانعون بحديث ابن عمر «أن بلالًا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي - ﷺ - أن يرجع فينادي: ألا إن العبد نام، فرجع فنادى: ألا إن العبد نام»، رواه أبو داود في سننه، وصحح وقفه على عمر في أذان مؤذن له يقال له: مسعود. وأجاب الجمهور عنه بأجوبة: أحدها: ضعفه، كما تقدم عن أبي داود، وضعفه أيضًا الشافعي، وعلي بن المديني، ومحمد بن يحيى الذهلي، والترمذي، وأبو حاتم، وأبو بكر الأثرم، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم. ثانيها: أنه عارضه على تقدير صحته ما هو أصح منه، وهو قوله ﵇ «إن بلالًا يؤذن بليل …» الحديث. قال البيهقي: والأحاديث الصحاح التي تقدم ذكرها مع فعل أهل الحرمين أولى بالقبول منه، ثم روى بإسناده عن شعيب بن حرب، قال: قلت لمالك ابن أنس: أليس قد أمر النبي - ﷺ - بلالًا أن يعيد الأذان؟ فقال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن بلالًا يؤذن بليل»، قلت: أليس قد أمره أن يعيد الأذان؟ قال: لا، لم يزل الأذان عندنا بليل. ثالثها: قال الخطابي: يشبه أن يكون هذا فيما تقدم من أول زمان الهجرة، فإن الثابت عن بلال أنه كان في آخر أيام رسول الله - ﷺ - يؤذن بليل ثم يؤذن بعده ابن أم مكتوم مع الفجر. وأجاب المانعون عن حديث الباب بأن هذا الأذان لم يكن لأجل الصلاة، وإنما كان لإيقاظ النائمين للسحور وغيره. أجاب بمعناه الطحاوي، وابن حزم، ويرده حديث زياد بن الحارث الصدائي، قال: لما كان أول أذان الصبح أمرني -يعني النبي - ﷺ - فأذنت، فجعلت أقول: أقيم يا رسول الله، فجعل ينظر إلى ناحية المشرق إلى الفجر، فيقول: «لا»، حتى إذا طلع الفجر … الحديث. رواه أبو داود، وغيره، وهو صريح في الأذان للصبح قبل الوقت من غير إعادته بعد دخول الوقت. قال الجامع: حديث الصدائي ضعيف، لا يصح الاستدلال به، فتنبه. وقال ابن عبد البر: وفي إجماع المسلمين على أن النافلة بالليل والنهار لا أذان لها ما يدل على أن أذان بلال بالليل إنما هو لصلاة الصبح. قال الجامع: فيما قاله نظر لا يخفى، فأذان بلال بين في الحديث سببه، وهو أنه يوقظ النائم ويرجع القائم، لا لأجل صلاة الصبح، كما زعمه، فتبصر. وقال الطحاوي: يجوز أن يكون بلال كان يؤذن في وقت يرى أن الفجر قد طلع فيه ولا يتحقق ذلك لضعف بصره، ثم استدل بما رواه عن أنس مرفوعًا: «لا يغرنكم أذان بلال، فإن في بصره شيئًا». قال الطحاوي: فدل على أن بلالًا كان يريد الفجر، فيخطئه، لضعف بصره. قال صاحب «طرح التثريب»: قلت: وهذا ضعيف؛ لأن قوله ﵊: «إن بلالًا يؤذن بليل» يقتضي أن هذه كانت طريقته، وعادته دائمًا، ولو كان لا يقع ذلك منه إلا لخطأٍ لم يقع إلا نادرًا، فإنه لولا أن الغالب إصابته لا رُتِّبَ مؤذنًا، واعتُمِدَ عليه في الأوقات. وفي «صحيح البخاري» من حديث ابن مسعود ﵁، عن النبي - ﷺ -: «لا يمنعن أحدكم» أو «أحدًا منكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن» أو «ينادي بليل، ليرجع قائمكم، ولينبه نائمكم …» الحديث، وهذا صريح في أنه كان يؤذن قبل الفجر، يقصد ذلك، ويتعمده. والله أعلم. انتهى من «طرح التثريب» باختصار، وبعض تصرف جـ ٢ ص ٢٠٥ - ٢٠٧. قال الجامع: الراجح عندي أن الأذان قبل الفجر سنة ثابتة، بأدلة صحيحة، وليس لأجل صلاة الصبح، وإنما هو لأجل أن يرجع القائم، ويستيقظ النائم، فلا يجزئ عن الأذان بعد طلوع الفجر، فتبصر، والله أعلم. المسألة الخامسة: أنه استدل بهذا الحديث على جواز الاعتماد في الرواية على الصوت من غير رؤية المخبر بأن يكون وراء حجاب، إذا كان عارفًا بالصوت، واعتمد في ذلك على إخبار ثقة، فإن ابن أم مكتوم لم يكن يشاهد ما يعرف به دخول الوقت، وإنما كان يعتمد في ذلك على إخبار من يخبره بذلك ممن يثق به، وأقره النبي - ﷺ - على ذلك، وأيضًا فإنه ﵊ أمر بالاعتماد على صوت المؤذن من غير مشاهدة، فإن ذلك يكون في الليل وظلمته، ولابد أن يميز صوت بلال من صوت ابن أم مكتوم، فإن لكل منهما حكمًا غير حكم الآخر، وبهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف. وعن شعبة بن الحجاج منعه لاحتمال الاشتباه. وأما في باب الشهادة فالأكثر على المنع من الاعتماد على الصوت فيها، وباب الشهادة أضيق، وبالاحتياط أجدر، ومن جوز استدل بهذا الحديث، قال المهلب: فيه جواز شهادة الأعمى على الصوت، لأنه ميز صوت من علمه الوقت ممن يثق به، فقام أذانه على قبوله مقام شهادة المخبر له. انتهى طرح التثريب جـ ٢ ص ٢١٠ - ٢١١. قال الجامع عفا الله عنه: القول بجواز شهادة الأعمى إذا كان عاقلًا يعرف الأصوات هو الحق، وهو الذي رجحه البخاري في صحيحه، حيث قال: «باب شهادة الأعمى، وأمره، ونكاحه، وإنكاحه، ومبايعته، وقبوله في التأذين وغيره، وما يعرف بالأصوات … إلى آخر ما قاله. انظر الصحيح بنسخة الفتح جـ ٥ ص ٣١٢. والله تعالى أعلم. المسألة السادسة: فيه جواز كون المؤذن أعمى، فابن أم مكتوم كان أعمى، وهو جائز بلا كراهة إذا كان معه بصير، كما كان بلال وابن أم مكتوم، وروى البيهقي في سننه عن عبد الله بن الزبير ﵄ أنه كان يكره أن يكون المؤذن أعمى. قال البيهقي: وهذا، والذي روي عن ابن مسعود في ذلك محمول على أعمى منفرد، لا يكون معه بصير يعلمه الوقت. انتهى. وبوب عليه البخاري في «صحيحه» «باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره». وقال ابن بطال: اختلفوا في أذان الأعمى، فكرهه ابن مسعود وابن الزبير، وكره ابن عباس إقامته، وأجازه طائفة، وروي أن مؤذن النخعي كان أعمى، وأجازه مالك، والكوفيون، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، إذا كان له من يُعَرَّفُه الوقت، لأن ابن أم مكتوم إنما كان يؤذن بعد أن يقال له: أصبحت أصبحت. انتهى «طرح التثريب». والله أعلم. المسألة السابعة: في هذا الحديث أن النبي - ﷺ - كان له مؤذنان بالمدينة، وفي صحيح مسلم عن عائشة، وابن عمر ﵃ قالا: كان لرسول الله -ﷺ - مؤذنان: بلال، وابن أم مكتوم. قال أبو بكر بن إسحاق الصِّبْغِيّ: والخبران صحيحان، فمن قال: كان له مؤذنان أراد اللذين كانا يؤذنان بالمدينة، ومن قال: ثلاثة أراد أبا محذورة الذي كان يؤذن بمكة. قال ولي الدين العراقي ﵀: وكان له مؤذن رابع؛ وهو سعد القرظ، أذن للنبي - ﷺ - بقباء مرارًا، ثم صار بعد النبي - ﷺ - مؤذنًا بالمدينة لما ترك بلال الأذان، وأذن له زياد بن الحارث الصدائي أيضًا، وقال: «إن أخا صداء أذن، ومن أذن فهو يقيم» رواه أبو داود، وغيره، لكنه لم يكن راتبًا، ولهذا عد مؤذنوا النبي - ﷺ - أربعة. انتهى. قال الجامع: تقدم أن حديث الصدائي لا يصح، فتنبه. قال الشافعي ﵀: وأحب أن أقتصر في المؤذنين على اثنين، لأنا إنما حفظنا أنه أذن لرسول الله - ﷺ - اثنان، ولا نُضَيِّقُ إن أذن أكثر من اثنين. واحتج في الإملاء في جواز أكثر من اثنين بقصة عثمان، فقال: ومعروف أنه زاد في عدد المؤذنين فجعله ثلاثة. وذكر أبو علي الطبري، والرافعي أن المستحب ألا يزاد على أربعة مؤذنين. وذكر النووي في الروضة أنه أنكر هذا القول كثيرون من أصحاب الشافعي، وقالوا: إنما الضبط بالحاجة ورؤية المصلحة، فإن رأى الإمام المصلحة في الزيادة على الأربعة فعله، وإن رأى الاقتصار على اثنين لم يزد، قال: وهذا هو الأصح. أفاده في طرح التثريب جـ ٢ ص ٢١١، ٢١٢. قال الجامع: ثم إن الأولى في تأذينهم أن يكون في أوقات مختلفة، كما ثبت عن مؤذني رسول الله - ﷺ -، إلا إذا دعت الحاجة إلى الأذان في وقت واحد، فلا مانع منه للضرورة. قال في الفتح: وأما أذان اثنين معًا فمنع منه قوم، ويقال: إن أول من أحدثه بنو أمية، وقال الشافعية: لا يكره، إلا إن حصل من ذلك تهويش. انتهى جـ ٢ ص ١٢٠. والله أعلم. المسألة الثامنة: في الحديث دليل على جواز نسبة الإنسان إلى أمه، وفي الصحابة جماعة عرفوا بذلك، منهم: ابن بُحَيْنَة، ويعلى ابن مُنْيَةَ، والحارث ابن الْبَرصَاء، وغيرهم، وحكي أن يحيى بن معين كان يقول: حدثنا إسماعيل ابن علية، فنهاه أحمد بن حنبل، وقال: قل إسماعيل بن إبراهيم، فإنه بلغني أنه كان يكره أن ينسب إلى أمه، فقال: قد قبلنا منك يا معلم الخير، ولهذا استثنى ابن الصلاح في علوم الحديث من الجواز ما يكرهه الملقب، وهو حسن، لكن قال الحافظ العراقي: الظاهر أن ما قاله أحمد على طريق الأدب، لا اللزوم. أفاده في الطرح جـ ٢ ص ٢١٣. وقال السيوطي ﵀ في «ألفية الأثر»:
مصادر المؤلف (١)

١. العُلُوج بالضم جمع علج بكسر، فسكون: يطلق على معان، منها الحمار، وهو المناسب هنا، أي هم مثل الحُمُر.