HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٦٨٢

أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَامِرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ الْمُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ قَامَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ يُصَلُّونَ، حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ ﷺ، وَهُمْ كَذَلِكَ، وَيُصَلُّونَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ شَيْءٌ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيح
  • زبير علي زئي:صحيح البخاري
ج ٢ ص ٢٨

سلسلة الرواة

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٨ ص٣٥٥
وأبو داود فيه (٣٠١/ ٣) عن النفيلي، عن إسماعيل بن علية، عن الجريري به. والترمذي فيه (٢٢) عن هناد، عن وكيع، به. وقال: حسن صحيح. وابن ماجه فيه (١٤٩/ ١) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، ووكيع به. وأخرجه أحمد (٤/ ٨٦)، و(٥/ ٥٤)، و(٥/ ٥٥). وابن خزيمة (١٢٨٧)، والدارمي (١٤٤٧). والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٦٨٢ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: «أَنْبَأَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ الْمُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ قَامَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَيَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ، يُصَلُّونَ، حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ - ﷺ -، وَهُمْ كَذَلِكَ وَيُصَلُّونَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ شَيْءٌ». رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (إِسحاق بن إِبراهيم) الحنظلي المروزي نزيل نيسابور، ثقة ثبت حجة، من [١٠] تقدم في ٢. ٢ - (أبو عامر) عبد الملك بن عمرو القيسي العَقَدي البصري، ثقة، من [٩] تقدم في ٣٢٧. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الواسطي، ثم البصري، الإمام الحجة الثبت، من [٧] تقدم في ٢٦. تنبيه: قال الحافظ المزي -﵀- عند ذكر من أخرج حديث أنس هذا، في ترجمة عمرو بن عامر الأنصاري ما نصه: أخرجه النسائي في الصلاة عن إسحاق بن إبراهيم، عن أبي عامر، عن سفيان عنه نحوه، وفي نسخة: عن شعبة بدل سفيان. انتهى. تحفة جـ ١ ص ٢٩٣. قال الجامع: النسخ التي بين يدي من المجتبى، والسنن الكبرى كلها شعبة، ولم أر نسخة فيها سفيان، فالله أعلم. ٤ - (عمرو بن عامر الأنصاري) الكوفي، ثقة، من [٥]. روى عن أنس بن مالك، وعنه أبو الزناد، وشعبة، والثوري، ومسعر، وشريك، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقة صالح الحديث. وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له الجماعة. ٥ - (أنس بن مالك) الأنصاري الصحابي الجليل - ﵁ -، تقدم في ٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، إلا شيخه، فلم يخرج له ابن ماجه، وأنهم بصريون إلا شيخه فمروزي، ثم نيسابوري، وعمرو بن عامر، فكوفي، وفيه أنس أحد المكثرين، روى ٢٢٨٦ حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أنس بن مالك) - ﵁ -، أنه (قال: كان المؤذن إِذا أذن) وفي رواية الإسماعيلي «إذا أخذ في أذان المغرب» (قام ناس) في بعض النسخ «قام الناس» بالتعريف، وفي الكبرى «فيبتدر لُبَاب أصحاب رسول الله - ﷺ -» وفي رواية للبخاري من رواية سفيان، عن عمرو بن عامر عن أنس «لقد رأيت كبار أصحاب النبي - ﷺ - يبتدرون السواري» (فيبتدرون) أي يستبقون (السواري) جمع سارية، وهي الأسطوانة، وكأن غرضهم بالاستباق إليها الاستتار بها ممن يمر بين أيديهم، لكونهم يصلون فُرَادَى. قاله في «الفتح». (يصلون) جملة في محل نصب على الحال (حتى يخرج النبي - ﷺ -) أي من حجرته لصلاة المغرب (وهم كذلك) جملة في محل نصب على الحال أيضًا، أي والحال أنهم في تلك الحال. وزاد مسلم من طريق عبد العزيز بن صهيب، عن أنس: «فيجيء الغريب، فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليهما». (يصلون قبل المغرب) وفي بعض النسخ «ويصلون» بالواو، وللبخاري «يصلون الركعتين قبل المغرب» وهذه الجملة مؤكدة لجملة «يصلون» الأولي. (ولم يكن بين الأذان والإِقامة شيء) التنوين فيه للتكثير، أي لم يكن بين الأذان والإقامة شيء كثير من الزمن. وقال البخاري تعليقًا: قال عثمان بن جبلة، وأبو داود، عن شعبة: «لم يكن بينهما إلا قليل». وبالتقرير الذي ذكرناه يندفع -كما قال الحافظ- قول من زعم أن الرواية المعلقة معارضة للرواية الموصولة، بل هي مبينة لها، ونفي الكثير يقتضي إثبات القليل، وقد أخرج المعلقة الإسماعيلي موصولة من طريق عثمان بن عمر، عن شعبة بلفظ «وكان بين الأذان والإقامة قريب»، ولمحمد بن نصر من طريق أبي عامر، عن شعبة نحوه. وقال ابن المنير: يجمع بين الروايتين يحمل النفي المطلق على المبالغة مجازًا، والإثبات للقليل على الحقيقة. وحمل بعض العلماء حديث الباب على ظاهره، فقال: دل قوله: «ولم يكن بينهما شيء» على أن عموم قوله: «بين كل أذانين صلاة» مخصوص بغير المغرب، فإنهم لم يكونوا يصلون بينهما، بل كانوا يشرعون في الصلاة في أثناء الأذان، ويفرغون مع فراغه. قال: ويؤيد ذلك ما رواه البزار من طريق حيان بن عبيد الله، عن عبد الله ابن بريدة، عن أبيه مثل الحديث الأول، وزاد في آخره «إلا المغرب» انتهى. قال الحافظ -﵀-: وفي قوله: «ويفرغون مع فراغه» نظر؛ لأنه ليس في الحديث ما يقتضيه، ولا يلزم من شروعهم في أثناء الأذان ذلك. وأما رواية حيان -وهو بفتح المهملة، والتحتانية- فشاذة، لأنه، وإن كان صدوقًا عند البزار، وغيره، لكنه خالف الحفاظ من أصحاب عبد الله بن بريدة في إسناد الحديث ومتنه. وقد وقع في بعض طرقه عند الإسماعيلي: وكان بريدة يصلي ركعتين قبل المغرب، فلو كان الاستثناء محفوظًا لم يخالف بريدة روايته، وقد نقل ابن الجوزي في الموضوعات عن الفلاس أنه كذب حيانًا المذكور. انتهى. فتح جـ ٢ ص ١٢٧، ١٢٨. قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي في المسألة الرابعة تحقيق القول في رواية حيان بن عبيد الله المذكورة، وأن حيان الذي كذبه الفلاس ليس هو، بل هو حيان بن عبد الله، أبو جبلة الدارمي، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه هذا من رواية عمرو بن عامر عنه، أخرجه البخاري. والله أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٣٩/ ٦٨٦)، والكبرى (٣٦/ ١٦٤٦)، عن إسحاق ابن إبراهيم، عن أبي عامر العقدي، عن شعبة، عن عمرو بن عامر الأنصاري، عنه. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري في «الصلاة» عن قبيصة، عن سفيان- وعن بندار، عن غندر، عن شعبة، قال البخاري: وقال عثمان بن جبلة، وأبو داود، كلاهما عن شعبة عن عمرو بن عامر عنه. وأخرجه أحمد (٣/ ٢٨٠)، والدارمي رقم (١٤٤٨)، وابن خزيمة رقم (١٢٨٨)، وأخرجه أحمد (٣/ ١٢٩) من رواية أبي فزارة راشد ابن كيسان، قال: سألت أنسًا عن الركعتين قبل المغرب؟ قال: «كنا نبتدرهما على عهد رسول الله - ﷺ -». قال شعبة: ثم قال بعد، وسألته غير مرة؟ فقال: «كنا نبتدرهما» ولم يقل على عهد رسول الله - ﷺ -. وأخرجه أحمد (٣/ ٢٨٢)، وابن ماجه (١١٦٣) من رواية علي بن زيد بن جُدعان قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: «إن كان المؤذن ليؤذن على عهد رسول الله - ﷺ -، فيُرَى أنها الإقامة، من كثرة من يقوم، فيصلي الركعتين قبل المغرب». وأخرجه أحمد (٣/ ١٩٩) من رواية موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه، قال: «كان إذا قام المؤذن، فأذن صلاة المغرب في مسجد بالمدينة قام من شاء، فصلى، حتى تقام الصلاة، ومن شاء ركع ركعتين، ثم قعد، وذلك بعَيْنَي النبي - ﷺ -». وأخرجه مسلم (٢/ ٢١٢) من رواية عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك، قال: «كنا بالمدينة، فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري، فيركعون ركعتين، ركعتين، حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد، فيحسب أن الصلاة قد صليت، من كثرة من يصليهما». وأخرجه (٢/ ٢١١) من رواية المختار بن فلفل، قال: سألت أنس ابن مالك عن التطوع بعد العصر؟ فقال: كان عمر يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر، وكنا نصلي على عهد النبي - ﷺ - ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، فقلت له: أكان رسول الله - ﷺ - صلاهما؟ قال: كان يرانا نصليهما، فلم يأمرنا، ولم ينهانا. وأخرجه عبد بن حميد رقم (١٣٣٢) من رواية ثابت، قال: سمعت أنسًا يقول: «كان رسول الله - ﷺ - يخرج علينا بعد غروب الشمس، وقبل صلاة المغرب، فيرانا نصلي، فلا ينهانا، ولا يأمرنا». والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في بيان حديث «إن عند كل أذانين ركعتين، ماخلا صلاة المغرب». قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني -﵀- في «سننه»: حدثنا علي ابن محمد المصري، ثنا الحسن بن غليب، نا عبد الغفار بن داود، نا حيان بن عبيد الله، نا عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن عند كل أذانين ركعتين، ماخلا صلاة المغرب». قال: ونا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، ثنا عبد الواحد بن غياث، ثنا حيان بن عبيد الله العدوي، قال: كنا جلوسًا عند عبد الله ابن بريدة، فأذّن مؤذن صلاة الظهر، فلما سمع الأذان قال: قوموا فصلوا ركعتين قبل الإقامة، فإن أبي قال: قال رسول الله - ﷺ -: «عند كل أذانين ركعتان قبل الإقامة، ماخلا أذان المغرب»، قال ابن بريدة: «لقد أدركت عبد الله بن عمر يصلي تينك الركعتين عند المغرب، لا يدعهما على حال، قال: فقمنا فصلينا الركعتين قبل الإقامة، ثم انتظرنا حتى خرج الإمام، فصلينا معه المكتوبة». خالفه حسين المعلم، وسعيد الجريري، وكهمس بن الحسن، وكلهم ثقات، وحيان بن عبيد الله ليس بقوي. والله أعلم. انتهى. سنن الدارقطني جـ ١ جـ ٢٦٤، ٢٦٥. وكتب العلامة أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي في «التعليق المغني» ما نصه: والحديث أخرجه البيهقي في سننه، ورواه البزار في مسنده، وقال: لا نعلم رواه عن ابن بريدة إلا حيان بن عبيد الله، وهو رجل مشهور، من أهل البصرة، لا بأس به، وقال البيهقي في المعرفة: أخطأ فيه حيان بن عبيد الله في الإسناد والمتن جميعًا. أما السند، فأخرجاه في الصحيح عن سعيد الجريري، وكهمس، عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مغفل، عن النبي - ﷺ -، قال: «بين كل أذانين صلاة» قال في الثالثة: «لمن شاء». وأما المتن، فكيف يكون صحيحًا، وفي رواية ابن المبارك، عن كهمس في هذا الحديث، قال: وكان ابن بريدة يصلي قبل المغرب ركعتين. وفي رواية حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مغفل، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «صلوا قبل المغرب ركعتين»، وقال في الثالثة «لمن شاء» خشية أن يتخذها الناس سنة. رواه البخاري في صحيحه. انتهى. وذكر ابن الجوزي هذا الحديث في «الموضوعات» ونقل عن الفلاس أنه قال: كان حيان هذا كذابًا. انتهى. وقال السيوطي في اللآلئ المصنوعة: قال البزار بعد تخريجه: لا نعلم رواه إلا حيان، وهو بصري مشهور، ليس به بأس، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: لكنه اختلط، وذكره ابن عدي في الضعفاء. انتهى. وحيان هذا غير الذي كذبه الفلاس؛ ذاك حيان بن عبد الله -بالتكبير- أبو جبلة الدارمي، وهذا حيان بن عبيد الله -بالتصغير- أبو زهير البصري، ذكرهما في الميزان، وقال في ترجمة البصري: قال البخاري: ذكر الصلت عنه الاختلاط. وكذا قال في اللسان. وزاد في ترجمة البصري: وقال أبو حاتم: صدوق. وقال إسحاق بن راهويه: كان رجل صدق، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن حزم: مجهول، فلم يصب. انتهى. وفي صحيح البخاري من طريق كهمس، عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مغفل: أن رسول الله - ﷺ - قال: «بين كل أذانين صلاة». انظر التعليق المغني على الدارقطني جـ ١ ص ٢٦٤ - ٢٦٦. وقال البيهقي في سننه بعد أن أخرج حديث كهمس، عن عبد الله ابن بريدة، عن عبد الله بن مغفل: رواه حيان بن عبيد الله، عن عبد الله بن بريدة، فأخطأ في إسناده، وأتى بزيادة لم يتابع عليها، ثم أخرجه بسنده، ثم أخرج بسنده عن ابن خزيمة، أنه قال على إثر هذا الحديث: حيان بن عبيد الله هذا قد أخطأ في الإسناد، لأن كهمس بن الحسن، وسعيد بن إياس الجريري، وعبد المؤمن العتكي رووا الخبر عن ابن بريدة، عن عبد الله بن مغفل، لا عن أبيه، هذا علمي من الجنس الذي كان الشافعي -﵀- يقول: أخذ طريق المَجَرَّةِ، فهذا الشيخ لما رأى أخبار ابن بريدة عن أبيه توهم أن هذا الخبر هو أيضًا عن أبيه، ولعله لما رأى العامة لا تصلي قبل المغرب توهم أنه لا يصلى قبل المغرب، فزاد هذه الكلمة في الخبر، وازداد علمًا بأن هذه الرواية خطأ أن ابن المبارك قال في حديثه عن كهمس: فكان ابن بريدة يصلي قبل المغرب ركعتين، فلو كان ابن بريدة قد سمع من أبيه، عن النبي - ﷺ - هذا الاستثناء الذي زاد حيان بن عبيد الله في الخبر «ماخلا صلاة المغرب» لم يكن يخالف خبر النبي - ﷺ -، ثم ساق خبر ابن المبارك بسنده. انظر «السنن الكبرى» جـ ٢ ص ٤٧٤ - ٤٧٥. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين من مجموع ما تقدم أن زيادة الاستثناء «ماخلا صلاة المغرب» لا تصح، لأنها زيادة منكرة، لمخالفة حيان بن عبيد الله للثقات فيها، فهو وإن قال فيه أبو حاتم: صدوق، وقال ابن راهويه: رجل صدق، وقال البزار: ليس به بأس، إلا أن جرحه يقدم، لكونه مفسرًا، فقد قال البخاري: ذكر الصلت عنه الاختلاط، وقال: الدارقطني: ليس بقوي، وذكره ابن عدي في الضعفاء، ومن المقرر عند المحدثين أن الجرح المفسر مقدم على التعديل على الراجح، بل رجح بعضهم تقديم الجرح مطلقًا، قال الحافظ السيوطي -﵀- في منظومة الأثر: وَقَدِّمِ الْجَرْحَ وَلوْ عَدَّله … أكْثَرُ فِي الأقْوَى فَإِنْ فَصَّلَهُ فَقَالَ: مِنْهُ تَابَ أوْ نَفَاهُ … بِوَجْهِهِ قُدِّمَ مَنْ زَكَّاهُ وبهذا تعلم ضعف ما قاله ابن التركماني في الجوهر النقي بعد ذكر من وثقه: فهذه زيادة من ثقة، فيحمل على أن لابن بريدة فيه سندين، سمعه من ابن مغفل بغير تلك الزيادة، وسمعه من أبيه بالزيادة. انتهى. جـ ٢ ص ٤٧٦. فإن هذا ليس من تحقيق المحدثين، بل من الواجب عليه أن يذكر قول من ضعفه، ثم يعمل بمقتضى ما قاله المحدثون، من تقديم الجرح أو التعديل. فتبصر. والله أعلم. المسألة الخامسة: في بيان مذاهب أهل العلم في الصلاة قبل المغرب: قال الإمام الترمذي -﵀- في «جامعه»: وقد اختلف أصحاب النبي - ﷺ - في الصلاة قبل المغرب، فلم ير بعضهم الصلاة قبل المغرب، وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي - ﷺ -: أنهم كانوا يصلون قبل صلاة المغرب ركعتين، بين الأذان والإقامة. وقال أحمد وإسحاق: إن صلاهما فحسن، وهذا عندهما على الاستحباب. انتهى. وقال في «الفتح»: وقال القرطبي وغيره: ظاهر حديث أنس - ﵁ -: أن الركعتين بعد المغرب، وقبل صلاة المغرب كان أمرًا أقر النبي - ﷺ - أصحابه عليه، وعملوا به، حتى كانوا يستبقون إليه، وهذا يدل على الاستحباب، وكأن أصله قوله - ﷺ -: «بين كل أذانين صلاة». وأما كونه - ﷺ - لم يصلهما، فلا ينفي الاستحباب، بل يدل على أنهما ليستا من الرواتب. وإلى استحبابهما ذهب أحمد، وإسحاق، وأصحاب الحديث. وروي عن ابن عمر، قال: ما رأيت أحدًا يصليهما على عهد النبي - ﷺ -، وعن الخلفاء الأربعة، وجماعة من الصحابة أنهم كانوا لا يصلونهما. وهو قول مالك، والشافعي وادعى بعض المالكية نسخهما، فقال: إنما كان ذلك في أول الأمر، حيث نهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، فبين لهم في ذلك وقت الجواز، ثم ندب إلى المبادرة إلى المغرب في أول وقتها، فلو استمرت المواظبة على الاشتغال بغيرها لكان ذلك ذريعة إلى مخالفة إدراك أول وقتها. وتعقب بأن دعوى النسخ لا دليل عليها. والمنقول عن ابن عمر رواه أبو داود من طريق طاوس عنه. ورواية أنس المثبتة مقدمة على نفيه. والمنقول عن الخلفاء الأربعة رواه محمد بن نصر وغيره من طريق إبراهيم النخعي عنهم، وهو منقطع، ولو ثبت لم يكن فيه دليل على النسخ، ولا الكراهة. وقد أخرج البخاري في أبواب التطوع عن مرثد بن عبد الله اليزني، قال: «أتيت عقبة بن عامر الجهني، فقلت: ألا أعجبك من أبي تميم -يعني الجيشاني- يركع ركعتين قبل صلاة المغرب، فقال: عقبة: إنا كنا نفعله على عهد رسول الله - ﷺ -، قلت: فما يمنعك الآن، قال: الشغل». فلعل غيره أيضًا منعه الشغل. وقد روى محمد بن نصر وغيره من طرق قوية عن عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأُبَيّ بن كعب، وأبي الدرداء، وأبي موسى، وغيرهم: أنهم كانوا يواظبون عليهما. وأما قول أبي بكر بن العربي: اختلف فيها الصحابة، ولم يفعلها أحد بعدهم. فمردود بقول محمد بن نصر: وقد روينا عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يصلون الركعتين قبل المغرب. ثم أخرج ذلك بأسانيد متعددة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن بريدة، ويحيى بن عقيل، والأعرج، وعامر بن عبد الله ابن الزبير، وعراك بن مالك، ومن طريق الحسن البصري أنه سئل عنهما؟ فقال: حسنتين -والله- لمن أراد الله بهما. وعن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: حق على كل مؤمن إذا أذن المؤذن أن يركع ركعتين. وعن مالك قول آخر باستحبابهما. وعند الشافعية وجه رجحه النووي، ومن تبعه، وقال في شرح مسلم: قول من قال: إن فعلهما يؤدي إلى تأخير المغرب عن أول وقتها خيال فاسد منابذ للسنة، ومع ذلك فزمنهما زمن يسير، لا تتأخر به الصلاة عن أول وقتها. قال الحافظ -﵀-: ومجموع الأدلة يرشد إلى استحباب تخفيفهما، كما في ركعتي الفجر. قيل: والحكمة في الندب إليهما رجاء إجابة الدعاء، لأن الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد، وكلما كان الوقت أشرف كان ثواب العبادة فيه أكثر. واستدل بحديث أنس على امتداد وقت المغرب، وليس بواضح. انتهى. فتح جـ ٢ ص ١٢٨. قال الجامع عفا الله عنه: ثم بدا لي أن أنقل ما ذكره محمد بن نصر بتمامه من مختصره للعلامة أحمد بن علي المَقْرِيزي رحمهما الله تعالى إتمامًا للفائدة، حيث إن المسألة مهمة جدًا، فلابد من تحقيق ما ثبت عن السلف ﵏ فيها. قال -﵀-: باب الركعتين قبل المغرب قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فأجمع أهل العلم على أن الشمس إذا غربت فقد دخل الليل، وحل فطر الصائم، وجاء الخبر عن النبي - ﷺ - بأنه نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، فإذا غربت الشمس فقد حلت الصلاة، والصلاة في جميع الأوقات مندوب إليها، مرغب فيها، إلا الأوقات التي نهى النبي - ﷺ - عن الصلاة فيها، فإن الصلاة في الليل من أوله إلى آخره مباح مندوب إليه، لم ينه عن الصلاة في شيء من ساعاته، فكل صلاة بعد غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فهي من صلاة الليل، والفضائل التي جاءت لصلاة الليل مشتملة على صلاة الليل كله، وإن كانت الصلاة في بعض أوقاته أفضل منها في بعضٍ. وقد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يصلون قبل المغرب ركعتين. وثبت عن النبي - ﷺ - أنه أذن في ذلك لمن أراد أن يصلي، وفعل على عهده بحضرته، فلم ينه عنه. حدثنا وهب بن بقية، أخبرني خالد بن عبد الله، عن الجريري، عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله بن مغفل المزني - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - كان يقول: «بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، لمن شاء». حدثنا محمد بن عبيد، ثنا عبد الوارث بن سعيد، ثنا حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن عبد الله المزني. قال: كتبته، فنسيته، لا أدري عبد الله بن معقل، أو مغفل - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «صلوا قبل المغرب ركعتين، صلوا قبل المغرب ركعتين، صلوا قبل المغرب ركعتين، لمن شاء» خشية أن يتخذها الناس سنة. حدثنا إسحاق، أخبرنا سويد بن عبد العزيز، ثنا ثابت بن عجلان، عن سليم بن عامر، عن عبد الله بن الزبير، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من صلاة مفروضة، إلا وبين يديها سجدتان» قال محمد بن نصر: يعني ركعتين. حدثنا إسحاق، ومحمد بن يحيى، قالا: ثنا أبو عامر العقدي، عن شعبة، عن عمرو بن عامر، قال: سمعت أنس بن مالك - ﵁ - يقول: «كان المؤذن يؤذن على عهد رسول الله - ﷺ - لصلاة المغرب، فيبتدر لُباب أصحاب رسول الله - ﷺ - السواريَ، يصلون الركعتين قبل المغرب، حتى يخرج رسول الله - ﷺ -، وهم يصلون». زاد محمد بن يحيى: قال: وكان بين الأذان والإقامة يسير. وعن المختار بن فلفل، قال: سألت أنس بن مالك - ﵁ -، قلت: هل من صلاة بعد العصر؟ قال: لا، حتى تغيب الشمس. قلت: فإذا غابت؟ قال: ركعتين. قلت: قبل الصلاة؟ قال: نعم. قلت: هل رأيت رسول الله - ﷺ -؟ قال: لا، قلت: فهل رآكم تصلونهما؟ قال: نعم. قلت: «أكان أمركم بهما؟ قال: لا، ولا نهانا عنهما، كان إذا أذن المؤذن قام أحدنا فصلى ركعتين». وعن ثابت، عن أنس: «كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يبتدرون السواري إذا أذن المؤذن لصلاة المغرب، يصلون الركعتين قبل المغرب». وعن ثابت، عن أنس: «كان رسول الله - ﷺ - يخرج إلينا بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، فيرانا نصلي، فلا ينهانا، ولا يأمرنا». وفي رواية: «إن كان المؤذن ليؤذن، فيتبادر ناس من أصحاب رسول الله - ﷺ - السواري، فيصلون ركعتين، فما يعاب ذلك عليهم». وفي أخرى «كنا بالمدينة إذا أذن بالمغرب ابتدر القوم السواري، يصلون الركعتين، حتى إن الغريب ليدخل المسجد فيُرَى إن الصلاة قد صليت، من كثرة من يصليهما». وفي أخرى: «ثم إذا صليت العصر، فلا تصل حتى تغرب الشمس، فإذا غربت الشمس، فصل ركعتين، فإن أصحاب رسول الله - ﷺ - كذلك كانوا يفعلون». وعن أبي الخير: رأيت أبا تميم الجيشاني يركع الركعتين حين يسمع أذان المغرب، فأتيت عقبة بن عامر الجهني، فقلت له: ألا أعجبك من أبي تميم الجيشاني -عبد الله بن مالك- يركع ركعتين قبل المغرب، وأنا أريد أن أغمصه، فقال عقبة: إنا كنا نفعله على عهد رسول الله - ﷺ -، فما يمنعك الآن؟ قال: الشغل. وعن عبد الرحمن بن عوف، قال: كنا نركعهما، إذا زاحمنا، يعني بين الأذان والإقامة في المغرب. وعن زِرّ: قدمت المدينة، فلزمت عبد الرحمن بن عوف، وأُبَيَّ ابن كعب، فكانا يصليان قبل صلاة المغرب، لا يدعان ذلك. وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت أصحاب محمد - ﷺ -، وهم يصلون عند كل تأذين. وعن رغبان مولى حبيب بن مسلمة، قال: لقد رأيت أصحاب رسول الله - ﷺ - يَهُبُّونَ إليهما، كما يَهُبُّونَ إلى المكتوبة، يعني الركعتين قبل المغرب. وعن راشد بن يسار: أشهد على خمسة ممن بايع تحت الشجرة أنهم كانوا يصلون ركعتين قبل المغرب. وعن يحيى بن أيوب: حدثني ابن طاوس، عن أبيه طاوس: أن أبا أيوب الأنصاري صلى مع أبي بكر - ﵁ - بعد غروب الشمس قبل الصلاة، ثم لم يصل مع عمر - ﵁ -، ثم صلى مع عثمان - ﵁ -، فذكر ذلك له، فقال: إني صليت مع النبي - ﷺ -، ثم صليت مع أبي بكر، وفَرِقْتُ من عمر، فلم أصل معه، وصليت مع عثمان، إنه لين. قال محمد بن نصر: وهذا عندي، وهَم، إنما الحديث في الركعتين بعد العصر، لا في الركعتين قبل المغرب، لأن المعروف عن عمر أنه كان ينكر ركعتين بعد العصر، ويضرب عليهما، فأما الركعتان قبل المغرب فلا، وقد رواه معمر، عن ابن طاوس على ما قلنا، وهو أحفظ من يحيى بن أيوب، وأثبت. وعن خالد بن معدان: أنه كان يركع ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، لم يدعهما حتى لقي الله، وكان يقول: إن أبا الدرداء كان يركعهما، ويقول: لا أدعهما، وإن ضربت بالسياط. وقال عبد الله بن عمرو الثقفي: رأيت جابر بن عبد الله يصلي ركعتين قبل المغرب. وعن يحيى بن سعيد، أنه صحب أنس بن مالك إلى الشام، فلم يكن يترك ركعتين عند كل أذان. وسئل سعيد بن المسيب، عن الركعتين قبل المغرب؟ فقال: ما رأيت فقيهًا يصليهما، ليس سعد بن مالك، وفي رواية: كان المهاجرون لا يركعون الركعتين قبل المغرب، وكانت الأنصار يركعونهما، وكان أنس يركعهما. وعن مجاهدة قالت الأنصار: لا نسمع أذانًا إلا قمنا فصلينا. وعن الحسن بن محمد بن الحنفية، أنه كان يقول: إن عند كل أذان ركعتين. وسئل قتادة عن الركعتين قبل المغرب؟ فقال: كان أبو برزة ﵁ يصليهما. وسأل رجل ابن عمر، فقال: ممن أنت؟ قال من أهل الكوفة، قال: من الذين يحافظون على ركعتي الضحى، فقال: وأنتم تحافظون على الركعتين قبل المغرب، فقال ابن عمر: كنا نُحَدَّث أن أبواب السماء تفتح عند كل أذان. وعن ابن عباس، صلاة الأوابين ما بين الأذان وإقامة المغرب. وعن سويد بن غفلة: كنا نصلي الركعتين قبل المغرب، وهي بدعة ابتدعناها في إمرة عثمان، وعن عبد الله بن بريدة: كان يقال: ثلاثُ صلوات، صلاة الأوابين، وصلاة المنيبين، وصلاة التوابين؛ صلاة الأوابين ركعتان قبل صلاة الصبح، وصلاة المنيبين صلاة الضحى، وصلاة التوابين ركعتان قبل المغرب. وكان عبد الله بن بريدة، ويحيى بن عقيل يصليان قبل المغرب ركعتين. وعن الحكم: رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى يصلي قبل المغرب ركعتين. وسئل الحسن عنهما؟ فقال: حسنتين -والله- جميلتين لمن أراد الله بهما. وعن سعيد بن المسيب: حق على كل مؤمن إذا أذن المؤذن يركع ركعتين. وكان الأعرج، وعامر بن عبد الله بن الزبير يركعهما. وأوصى أنس بن مالك وُلْدَهُ أن لا يَدَعُوهما. وعن مكحول: على المؤذن أن يركع ركعتين على إثر التأذين. وعن الحكم بن الصلت: رأيت عراك بن مالك إذا أذن المؤذن بالمغرب قام، فصلى سجدتين قبل الصلاة. وعن السكن بن حكيم: رأيت عِلْبَاء بن أحمر اليشكري إذا غربت الشمس قام فصلى ركعتين قبل المغرب. وعن عبيد الله بن عبد الله بن عمر: إن كان المؤذن ليؤذن بالمغرب، ثم تقرع المجالس من الرجال، يقومون يصلونهما. وعن الفضل بن الحسن: أنه كان يقول: الركعتان اللتان تصليان بين يدي المغرب صلاة الأوابين. وقال أحمد بن حنبل: في الركعتين قبل المغرب أحاديث جياد، أو قال: صحاح عن النبي - ﷺ -، وأصحابه، وذكر حديث النبي - ﷺ -، فقال: إلا أنه قال: لمن شاء، فمن شاء صلى. قيل له: قبل الأذان، أم بين الأذان والإقامة؟ فقال: بين الأذان والإقامة، ثم قال: وإن صلى إذا غربت الشمس، وحلت الصلاة، أي فهو جائز، قال: هذا شيء ينكره الناس، وتبسم كالمتعجب ممن ينكر ذلك، وسئل عنهما؟ فقال: أنا لا أفعله، وإن فعله رجل لم يكن به بأس. ذكر من لم يركعهما عن النخعي، قال: كان بالكوفة من خيار أصحاب النبي - ﷺ - علي ابن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبو مسعود، وعمار بن ياسر، والبراء بن عازب، فأخبرني من رمقهم كلهم، فما رأى أحدًا منهم يصليهما قبل المغرب. وفي رواية: إن أبا بكر، وعمر، وعثمان، كانوا لا يصلون الركعتين قبل المغرب. وقيل لإبراهيم: إن ابن أبي الهذيل كان يصلي قبل المغرب ركعتين، فقال: إن ذاك لا يعلم. قال محمد بن نصر: ليس في حكايته هذا الذي روي عن إبراهيم أنه رمقهم، فلم يرهم يصلونهما دليل على كراهتهم لهما، إنما تركوهما لأن تركهما كان مباحًا، ألا ترى أن النبي - ﷺ - نفسه لم يرو عنه أنه ركعهما، غير أنه رغب فيهما، وكان ترغيبه فيهما أكثر من فعله لو فعلهما من غير أن يرغب فيهما، وقد يجوز أن يكون أولئك الذين حكى عنهم من حكى أنه رمقهم، فلم يرهم يصلونهما قد صلوهما في غير الوقت الذي رمقهم هذا. ويجوز أن يكون النبي - ﷺ - قد ركعهما في بيته حيث لم يره الناس، لأن أكثر تطوعه كان في منزله. وكذلك الذين رمقوا بعد النبي - ﷺ - يجوز أن يكونوا قد صلوا في بيوتهم، ولذلك لم يرهم الذي رمقهم يصلونهما، فإن كثيرًا من العلماء كانوا لا يتطوعون في المسجد. عن زيد بن وهب، قال: لما أذن المؤذن للمغرب قام رجل، فصلى ركعتين، وجعل يلتفت في صلاته، فعلاه عمر بالدرة، فلما قضى الصلاة، قال: يا أمير المؤمنين، نعم ما كسوت، قال: رأيتك تتلفت في صلاتك، ولم يعب الركعتين. حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد، ثني أبي، ثنا حسين، عن ابن بريدة: أن عبد الله المزني حدثه أن رسول الله - ﷺ - صلى قبل المغرب ركعتين، ثم قال: «صلوا قبل المغرب ركعتين»، ثم قال عند الثالثة: «لمن شاء»، خاف أن يحسبها الناس سنة. قال العلامة أحمد بن علي المقريزي في مختصر قيام الليل: هذا إسناد صحيح على شرط مسلم، فإن عبد الوارث بن عبد الصمد احتج به مسلم، والباقون احتج بهم الجماعة. وقد صح في ابن حبان حديث آخر أن النبي - ﷺ - صلى ركعتين قبل المغرب. انتهى. «مختصر قيام الليل» ص٢٩ - ٣٢. تنبيهات: الأول: وقع في سند محمد بن نصر سقط، وهو قول عبد الصمد: حدثني أبي، ونص «صحيح ابن حبان» جـ ٣ ص ٥٩: أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا أبي، حدثني أبي، حدثنا حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، أن عبد الله المزني، حدثه «أن رسول الله - ﷺ - صلى قبل المغرب ركعتين»، ثم قال: «صلوا قبل المغرب ركعتين» ثم قال عند الثالثة: «لمن شاء» خاف أن يحسبها الناس سنة. الثاني: وقع في نسخة «الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان» نقص، وهو قوله: «ثم قال: صلوا قبل المغرب ركعتين»، فألحقه المحقق من الأصل: «الأنواع والتقاسيم»، كما ذكر في تعليقه. جزاه الله خيرًا على ذلك. الثالث: في قول المقريزي: وقد صح في ابن حبان حديث آخر نظر، فان الحديث هو الحديث الذي أخرجه محمد بن نصر، وليس حديثًا آخر، كما ذكرته الآن، فتبصر. قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن المذهب الصحيح هو مذهب من يقول باستحباب الركعتين قبل صلاة المغرب، لما سمعت من الأدلة الصحيحة الصريحة، وأما ما ادعاه بعضهم من النسخ لها فباطل، وأما ما نقل من كراهة بعض السلف لها فيحمل على أنه لم يصل إليهم الخبر الصحيح، أو تأولوه، وليس قول أحد، ولا فعله حجة، إلا رسول الله - ﷺ - الذي قال الله تعالى في حقه: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. جعلنا الله وإياكم ممن يأخذ بهديه - ﷺ - ظاهرًا وباطنًا بمنه وكرمه، آمين. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.