٤٠ - التَّشْدِيدُ فِي الخُرُوجِ مِنَ المَسْجِدِ بَعْدَ الأذَانِ
أي هذا باب في ذكر الحديث الدال على تشديد الوعيد في الخروج من المسجد بعد الأذان قبل الصلاة. وموضع الاستدلال قوله: «فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -»، لأن من عصاه يدخل النار، فقد أخرج البخاري من حديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى»، قيل: ومن يأبى؟، قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى». والله تعالى أعلم.
٦٨٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَمَرَّ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ النِّدَاءِ حَتَّى قَطَعَهُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ - ﷺ -«.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (محمد بن منصور) بن ثابت الجوَّاز المكي، ثقة، من [١٠] تقدم في ٢١.
٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمد الكوفي، ثم المكي، ثقة ثبت حجة، من [٨] تقدم في ١.
٣ - (عمر بن سعيد) بن مسروق الثوري، أخو سفيان، ثقة، من [٦].
روى عن أبيه، والأعمش، وعمار الدَّهَبِي، وأشعث بن أبي الشعثاء، وزياد بن فياض، وغيرهم، وعنه أخوه مبارك بن سعيد، وابنه حفص بن عمر، وابن عيينة، وعمرو بن أبي قيس، وإبراهيم بن طهمان، وأبو بكر بن عياش. قال النسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به. ووثقه الدارقطني. أخرج له مسلم، وأبو داود، والمصنف.
٤ - (أشعث بن أبي الشعثاء) سليم بن الأسود المحاربي الكوفي، ثقة، من [٦] تقدم في ١١٢.
٥ - (أبو الشعثاء) سليم بن الأسود المحاربي الكوفي، ثقة، من كبار [٣] تقدم في ١١٢.
٦ - (أبو هريرة) الصحابي الجليل - ﵁ -، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات.
ومنها: أن الأئمة اتفقوا عليهم، إلا شيخه، فمن أفراده، وعمر ابن سعيد، فممن انفرد به هو، ومسلم، وأبو داود.
ومنها: أنهم كوفيون، إلا شيخه، فمكي، وأبا هريرة، فمدني.
ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه.
ومنها: أن صحابيه أكثر الصحابة رواية، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي الشعثاء) سليم بن الأسود بن حنظلة المحاربي، أنه (قال: رأيت أبا هريرة) - ﵁ -، ولفظ أبي داود «كنا مع أبي هريرة في المسجد» (ومر رجل في المسجد) جملة في محل نصب على الحال، بتقدير «قد» عند البصريين، أي والحال أنه قد مر رجل في المسجد (بعد النداء) أي الأذان، ولفظ أبي داود «فخرج رجل حين أذن المؤذن بالعصر» (حتى قطعه) أي قطع المسجد بالمشي حتى جاوزه، والمراد أنه خرج منه. وفي رواية ابن ماجه: «فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي، فأتبعه أبو هريرة بصره» (فقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -) هو مقابل لمحذوف، لأن «أمَّا» هذه كما قال الطيبي للتفصيل، فتقتضي شيئين أو أكثر، فيكون التقدير: أما من ثبت في المسجد حتى صلى، فقد أطاع أبا القاسم - ﷺ -، وأما هذا فقد عصى.
قال الجامع: وقد تأتي «أما» لغير تفصيل أصلًا، فلا تحتاج إلى تقدير، كما بينه ابن هشام الأنصاري في مغنيه جـ ١ ص ٥٤ بحاشية
الأمير، وعلى هذا فلا حاجة هنا لتقدير شيء.
والظاهر أن أبا هريرة - ﵁ - علم أن الرجل خرج بدون ضرورة مبيحة للخروج، كحاجة الوضوء مثلًا، فلذا جزم بعصيانه.
ثم إن ظاهر الحديث يدل على تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان، لأنه -وإن كان موقوفًا- لكنه في حكم المرفوع، إذ مثل هذا لا يقال من قبل الرأي، كما سيأتي تمام البحث فيه في المسائل إن شاء الله تعالى.
بل قد جاء ما يدل على رفعه صريحًا، فقد أخرج الحديث أحمد من طريق المسعودي وشريك، كلاهما عن أشعث عن أبي الشعثاء بنحوه، وزاد: في حديث شريك، ثم قال: أمرنا رسول الله - ﷺ -: «إذا كنتم في المسجد، فنودي بالصلاة، فلا يخرج أحدكم حتى يصلي» وكذا ورد التصريح عند الطبراني في الأوسط من رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول الله: «لا يسمع النداء في مسجدي هذا، ثم يخرج منه لحاجة، ثم لا يرجع إليه إلا منافق».
قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وقال المنذري: رواته محتج بهم في الصحيح.
وقوله: «مسجدي هذا» ليس للاحتراز عن غيره، كما يدل عليه ما أخرجه ابن ماجه بسنده إلى عثمان - ﵁ -، أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أدركه الأذان في المسجد، ثم خرج لم يخرج لحاجة، وهو لا يريد الرجعة، فهو منافق».
وفي سنده عبد الجبار بن عمر الأيلي الأموي ضعيف، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة متروك، لكن يشهد له ما تقدم من حديث الطبراني، ويشهد له أيضًا ما روى أبو داود في مراسله، والبيهقي جـ ٣ ص ٥٦ عن سعيد بن المسيب: أن النبي - ﷺ - قال: «لا يخرج أحد من المسجد بعد النداء، إلا منافق، إلا لعذر، أخرجته حاجة، وهو يريد الرجوع».
ومراسيل سعيد بن المسيب قال أحمد: صحاح، لا نرى أصح من مرسلاته. وقال الشافعي: إرسال ابن المسيب عندنا حسن. أفاده في المرعاة جـ ٣ ص ٥٢٢ - ٥٢٣.
وقد صحح الشيخ الألباني حديث عثمان. انظر «صحيح ابن ماجه» جـ ١ ص ١٢٣.
والحاصل أن قول أبي هريرة: «فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -» قد ثبت كونه مرفوعًا. والله أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٦٨٣)، و«الكبرى» (١٦٤٧) عن محمد بن منصور
المكي، عن سفيان بن عيينة، عن عمر بن سعيد، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه، عنه. وفي (٦٨٤) و«الكبرى» (١٦٤٨) عن أحمد ابن عثمان بن حكيم، عن جعفر بن عون، عن أبي عميس، عن أبي صخرة، عن أبي الشعثاء، عنه. والله أعلم.
الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه.
فأخرجه مسلم في «الصلاة» عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي الأحوص، عن إبراهيم بن المهاجر، عن أبي الشعثاء، به. وعن أبي عمر المكي عن ابن عيينة، به.
وأبو داود فيه عن محمد بن كثير، عن الثوري، عن إبراهيم بن المهاجر به.
والترمذي فيه عن هناد، عن وكيع، عن الثوري، وقال: حسن صحيح. وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة به.
وأخرجه أبو عوانة (٢/ ٨)، والدارمي (١/ ٢٧٤)، وأحمد (٢/ ٤١٠، ٤١٦، ٤٧١). انظر «إرواء الغليل» جـ ١ جـ ٢٦٣. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في مذاهب العلماء في الخروج من المسجد بعد الأذان:
دل حديث الباب على تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان، وهذا
لمن لا عذر له، للأحاديث التي ذكرناها.
قال الإمام الترمذي -﵀- بعد ذكر الحديث ما نصه: وعلى هذا العملُ عند أهل العلم، من أصحاب النبي - ﷺ -، ومَنْ بعدهم أن لا يخرج أحد من المسجد إلا من عذر، أن يكون على غير وضوء، أو أمر لابد منه، ويروى عن إبراهيم النخعي أنه قال: يخرج ما لم يأخذ المؤذن في الإقامة، وهذا عندنا لمن له عذر في الخروج منه. انتهى.
وعن مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيب قال: يقال: لا يخرج من المسجد أحد بعد النداء إلا أحد يريد الرجوع إليه، إلا منافق.
قال الحافظ أبو عمر -﵀- في التمهيد: وهذا لا يقال مثله من جهة الرأي، ولا يمكن إلا توقيفًا، وقد روي معناه مسندًا عن النبي - ﷺ -، فلذلك أدخلناه. ثم أخرج بأسانيده حديث أبي هريرة المذكور في الباب، ثم قال: قال أبو عمر: أجمعوا على القول بهذا الحديث لمن لم يصل، وكان على طهارة، وكذلك إذا كان قد صلى وحده، إلا لما لا يعاد من الصلوات، فإذا كان ما ذكرنا فلا يحل له الخروج من المسجد بإجماع إلا أن يخرج للوضوء، وينوي الرجوع.
واختلفوا فيمن صلى في جماعة، ثم أذن المؤذن وهو في المسجد لتلك الصلاة.
وقد كره جماعة من العلماء خروج الرجل من المسجد بعد الأذان، إلا للوضوء لتلك الصلاة بنية الرجوع إليها، وسواء صلى وحده، أو