HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٧٧٩

أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَعَلَّكُمْ سَتُدْرِكُونَ أَقْوَامًا، يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ لِغَيْرِ وَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتُمُوهُمْ فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَصَلُّوا مَعَهُمْ، وَاجْعَلُوهَا سُبْحَةً».
  • عبد الفتاح أبو غدة:حسن صحيح
  • الألباني:حسن صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص258
  • زبير علي زئي:صحيح
ج ٢ ص ٧٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٩ ص٦٣٠
٧٧٩ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَعَلَّكُمْ سَتُدْرِكُونَ أَقْوَامًا، يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ لِغَيْرِ وَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتُمُوهُمْ، فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَصَلُّوا مَعَهُمْ، وَاجْعَلُوهَا سُبْحَةً». رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (عبيد الله بن سعيد) أبو قُدامة السرخسي، تقدم قبل باب. ٢ - (أبو بكر بن عيّاش) بن سالم الأسدي الكوفي المقرىء الحنّاط مشهور بكنيته، واختلف في اسمه على نحو عشرة أقوال، والأصح أن اسمه كنيته. ثقة عابد كبر فساء حفظه، وكتابه صحيح، مات سنة ١٩٤، من [٧]، وقيل: قبل ذلك، وقد قارب المائة. أخرج له الجماعة، تقدم في ٩٨/ ١٢٧. ٣ - (عاصم) بن أبي النجود المقرىء. ٤ - (زِرّ) بن حُبيش. ٥ - (عبد الله) بن مسعود. تقدموا في الباب الماضي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عبد الله) بن مسعود ﵁، أنه (قال: قال رسول الله -ﷺ-: لعلكم ستدركون) و«لعل» هنا للتحقيق، بدليل الروايات الأخرى، فقد تقدم في حديث أبي ذرّ ﵁ عند مسلم: «يا أبا ذر، إنه سيكون بعدي أمراء، يميتون الصلاة» الحديث. ولأبي داود من حديث عبادة بن الصامت ﵁، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إنها ستكون عليكم أمراء بعدي، تشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها، حتى يذهب وقتها، فصلّوا الصلاة لوقتها». فقال رجل: يا رسول الله، أصلي معهم؟ قال: «نعم، إن شئت». وفي رواية: إن أدركتها معهم أَأُصلي معهم؟ قال: «نعم، إن شئت». وهو حديث صحيح. وله من حديث قبيصة بن وَقّاص ﵁، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يكون عليكم أمراء بعدي، يؤخرون الصلاة، فهي لكم، وهي عليهم، فصلوا الصلاة معهم ما صلَّوا القبلة». وفي إسناده صالح بن عبيد، وثقه ابن حبان، وقال ابن القطان: لا نعرف حاله، لكن الحديث صحيح لشواهده. (أقوامًا، يصلون الصلاة لغير وقتها) هذا ظاهر في كونهم يخرجونها عن وقتها، وأصرح منه حديث عبادة بن الصامت ﵁ المتقدم، ففيه: «تشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها حتى يذهب وقتها …» الحديث. وقال النووي ﵀: والمراد تأخيرها عن وقتها المختار، لا عن جميع وقتها، فإن المنقول عن الأمراء المتقدمين والمتأخرين إنما هو تأخيرها عن وقتها المختار، ولم يؤخرها أحد منهم عن جميع وقتها، فيجب حمل هذه الأخبار على ما هو الواقع. انتهى . واعترض الحافظ ﵀ على هذا في الفتح، فقال في شرح حديث أنس ﵁ «لا أعرف شيئًا مما أدركت، إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضُيِّعَتْ»، ما نصه: قال المهلب: والمراد بتضييعها تأخيرها عن وقتها المستحب، لا أنهم أخرجوها عن الوقت، كذا قال. وتبعه جماعة، وهو مع عدم مطابقته للترجمة -يعني ترجمة البخاري ﵀ بقوله: «باب تضييع الصلاة عن وقتها»- مخالف للواقع، فقد صح أن الحجاج، وأميره الوليد، وغيرهما كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، والآثار في ذلك مشهورة: منها: ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: أخر الوليد الجمعة حتى أمسى، فجئت، فصليت الظهر قبل أن أجلس، ثم صليت العصر، وأنا جالس، إيماء، وهو يخطب. وإنما فعل ذلك عطاء خوفًا على نفسه من القتل. ومنها: ما رواه أبو نعيم شيخ البخاري في «كتاب الصلاة» من طريق أبي بكر بن عتبة، قال: صليت إلى جنب أبي جحيفة، فمَسَّى الحجاج بالصلاة، فقام أبو جحيفة، فصلى. ومن طريق ابن عمر: أنه كان يصلي مع الحجاج، فلما أخر الصلاة ترك أن يشهدها معه. ومن طريق محمد بن أبي إسماعيل، قال: كنت بمنى، وصحف تقرأ للوليد، فأخروا الصلاة، فنظرت إلى سعيد بن جبير، وعطاء يومئان إيماء، وهما قاعدان. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الحافظ ﵀ هو اللائق بظواهر الأحاديث، ففيها: «يصلون الصلاة لغير وقتها»، وفيها: «يميتون الصلاة عن وقتها»، وفيها: «تشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها، حتى يذهب وقتها»، وكلها تقدمت، فتأويل هذه النصوص بتأخيرها عن وقتها المستحب تكلف بارد، وتعسف كاسد. والحاصل أن الأولى أن يحمل الإخراج على ظاهره، فهم يخرجونها عن وقتها لاشتغالهم بأمورهم، لا جحدًا لوجوبها، فإنهم لو أخروها جحدًا وجب مقاتلتهم، وتحرم الصلاة خلفهم. والله تعالى أعلم. (فإِن أدركتموهم) أي أدركتم وقتهم، وتولَّوا أمركم (فصلوا الصلاة لوقتها) أي في وقتها المستحب، وفي رواية البيهقي «فصلوا في بيوتكم للوقت الذي تعرفون …» (وصلوا معهم، واجعلوها سبحة) أي اجعلوا تلك الصلاة التي صليتموها معهم نافلة. قال في اللسان: و«السُّبْحَة» -يعني بضم، فسكون-: الدعاءُ، وصلاةُ التطوع، والنافلةُ، يقال: فرغ فلان من سُبْحته: أي من صلاة النافلة، سميت الصلاة تسبيحًا لأن التسبيح تعظيم الله، وتنزيهه من كل سُوء. قال ابن الأثير: وإنما خصت النافلة بالسبحة، وإن شاركتها الفريضة في معنى التسبيح؛ لأن التسبيحات في الفرائض نوافل، فقيل لصلاة النافلة سُبْحة؛ لأنها نافلة كالتسبيحات والأذكار في أنها غير واجبة. اهـ . والحديث صريح في أن الصلاة الأولى هي الفريضة، وأن الثانية هي نافلة، وإلى هذا ذهب الجمهور، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسائل إن شاء الله تعالى. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا صحيح. والله أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا (٢/ ٧٧٩) بالسند المذكور، وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن محمد بن الصباح، عن أبي بكر بن عياش، بسند المصنف. وأحمد في مسنده (١/ ٣٧٩) وابن خزيمة في صحيحه رقم (١٦٤٠). وأخرجه أبو داود بسند صحيح عن عمرو بن ميمون الأودي، قال: قدم علينا معاذ بن جبل اليمن؛ رسولَ رسول الله -ﷺ- إلينا، قال: فسمعت تكبيره مع الفجر، رجل أجَشُّ الصوت ، قال: فألقيت عليه محبتي، فما فارقته، حتى دفنته بالشام ميتًا، ثم نظرت إلى أفقه الناس بعده، فأتيت ابن مسعود، فلزمته حتى مات، فقال: قال لي رسول الله -ﷺ-: «كيف بكم إذا أتت عليكم أمراء، يصلون الصلاة لغير ميقاتها؟» قلت: فما تأمرني إذا أدركني ذلك يا رسول الله؟ قال: «صل الصلاة لميقاتها، واجعل صلاتك معهم سبحة». وأخرجه البيهقي في «الكبرى»: أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، ثنا أبو جعفر أحمد بن مهران الأصفهاني، ثنا محمد بن الصباح، ثنا إسماعيل بن زكريا، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله -يعني ابن مسعود- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إنه سيلي أمركم قوم يطفئون السنة، ويحدثون بدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها»، قال ابن مسعود: فكيف يا رسول الله إن أدركتهم؟ قال: «يا ابن أم عبد، لا طاعة لمن عصى الله» انتهى . قالها ثلاثًا. قال الجامع: رجال هذا الإسناد وُثّقوا، وقد سمع عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود من أبيه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده. منها: أن الإمام إذا أخر الصلاة عن أول الوقت المستحب ينبغي للشخص أن يصليها في أول الوقت منفردًا، ثم يصليها مع الإمام إن أدركه، فيجمع بين فضيلتي أول الوقت، والجماعة. قال النووي ﵀: فلو أراد الاقتصار على إحداهما، فهل الأفضل الاقتصار على فعلها منفردًا في أول الوقت، أم الاقتصار على فعلها جماعة في آخر الوقت؟ فيه خلاف مشهور لأصحابنا -يعني الشافعية- واختلفوا في الراجح، والمختارُ استحباب الانتظار إن لم يفحش التأخير. ومنها: الحث على موافقة الأمراء في غير معصية، لئلا تتفرق الكلمة، وتقع الفتنة. ومنها: أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوة، حيث أخبر النبي -ﷺ- بما سيكون بعده من تحول الأمراء عن طريق الحق، بحيث إنهم لا يبالون بتأخير الصلاة التي هي من أعظم أركان الدين، فكيف بما دونها من تغيير السنن، وإحداث البدع، وهذا من معجزاته -ﷺ-، حيث وقع طبْقًا لما أخبر به، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]. ومنها: اهتمامه -ﷺ- بأصحابه الذين يتأخرون بعده، ويتولى عليهم من يغير الأمور، فأرشدهم إلى كيفية معايشتهم، وحثهم على عدم الخروج عليهم، وأمرهم بالإحسان معهم إذا أحسنوا، واجتنابهم إذا أساءوا. ومنها: أن العالم ينبغي له أن يبدأ بالمسألة من غير أن يُسألَ، إذا كان الناس في حاجة إليها. ومنها: أنه ينبغي للجاهل أن يطلب من العالم حَلَّ المسألة، وتوضيحها إذا لم يتبين له وجهها. والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في الصلاة خلف أئمة الجْور، ومن لا يُرضَى حاله؛ من الخوارج، وأهل البدع: ذهبت طائفة من أهل العلم إلى جواز الصلاة خلفهم: قال الإمام الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة ﵀ في مصنفه: ثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن عُمَير بن هاني، قال: شهدت ابن عمر، والحجاج محاصر ابن الزبير، فكان منزل ابن عمر بينهما، فكان ربما حضر الصلاة مع هؤلاء، وربما حضر الصلاة مع هؤلاء. حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر، عن أبيه، قال: كان الحسن ابن علي، والحسين يصليان خلف مروان. قال: فقيل له: أما كان أبوك يصلي إذا رجع إلى البيت؟ قال: فيقول: لا والله، ما كانوا يزيدون على صلاة الأئمة. حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كانوا يصلون خلف الأمراء، ما كانوا. حدثنا هشيم، عن أبي حُرَّة، عن الحسن، قال: لا يضر المؤمن صلاته خلف المنافق، ولا ينفع المنافق صلاة المؤمن خلفه. حدثنا أبو أسامة، عن حبيب بن جزي ، قال: سألت أبا جعفر عن الصلاة خلف الأمراء؟ قال: صل معهم. حدثنا كثير بن هشام ، عن جعفر بن بُرقان، قال: سألت ميمونًا عن الصلاة خلف الأمراء؟ فقال: صل معهم. حدثنا كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، قال: سألت ميمونًا عن رجل، فذكر أنه من الخوارج، فقال: أنت لا تصل له، إنما تصل لله، قد كنا نصلي خلف الحجاج، وكان حروريًا أزرقيًا . حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، قال: كان عبد الله يصلي معهم إذا أخروا عن الوقت قليلًا، ويرى أن مَأثَم ذلك عليهم. حدثنا وكيع عن سفيان، عن العلاء بن المسيب، عن رجل، عن سعيد بن جبير، أنه كان يصلي مع الحجاج عند أبواب كِنْدَة، وخرج عليه. حدثنا وكيع، ثنا بَسَّام، قال: سألت أبا جعفر عن الصلاة مع الأمراء؟ فقال: صلّ معهم، فإنا نصلي معهم، قد كان الحسن والحسين يبتدران الصلاة خلف مروان. قال: فقلت: الناس يزعمون أن ذلك تَقِيّة، قال: وكيف إن الحسن بن علي يسب مروان في وجهه، وهو على المنبر حتى تولى! حدثنا وكيع، ثنا سفيان، عن إبراهيم بن أبي حفصة، قال: قلت لعلي بن حسين: إن أبا حمزة الثُّمالي، وكان فيه غلوّ يقول: لا نصلي خلف الأئمة، ولا نناكح إلا من يرى مثل ما رأينا، فقال علي بن حسين: بل نصلي خلفهم، ونناكحهم بالسنة. حدثنا وكيع، ثنا سفيان، عن الأعمش، قال: كانوا يصلون خلف الأمراء، ويحتسبون بها. حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عقبة الأسدي، عن زيد بن أبي سليمان أن أبا وائل كان يجمِّع مع المختار. حدثنا وكيع، ثنا سفيان عن مسلم، عن أبي فَرْوة، قال: رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى، وأشار إلى محمد بن سعد، والحجاج يخطب أن اسكت. حدثنا الفضل بن دُكَين، عن الأعمش، عن القاسم بن مخيمِرَة أنه كان يصلي خلف الحجاج. انتهى. «مصنف ابن أبي شيبة» . وأخرج البيهقي بسنده عن مكحول، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الجهاد واجب عليكم مع كل أمير بَرًّا كان أو فاجرًا، والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم برًّا كان، أو فاجرًا، وإن عمل الكبائر، والصلاة واجبة على كل مسلم برًّا كان، أو فاجرًا، وإن عمل الكبائر». قال البيهقي: وهذا إسناده صحيح، إلا أن فيه إرسالًا بين مكحول وأبي هريرة . وأخرج أيضًا بسنده عن عمير بن هانىء، قال: بعثني عبد الملك بن مروان بكتب إلى الحجاج، فأتيته، وقد نصب على البيت أربعين مَنْجَنِيقًا، فرأيت ابن عمر إذا حضرت الصلاة مع الحجاج صلى معه، وإذا حضر ابن الزبير صلى معه؛ فقلت له يا أبا عبد الرحمن أتصلي مع هؤلاء، وهذة أعمالهم؟ فقال: يا أخا أهل الشام، ما أنا لهم بحامد، ولا نطيع مخلوقًا في معصية الخالق، قال: قلت: ما تقول في أهل الشام؟ قال: ما أنا لهم بحامد. قلت: فما تقول في أهل مكة؟ قال: ما أنا لهم بعاذر؛ يقتتلون على الدنيا، يتهافتون في النار تهافت الذباب في المرق. قلت: فما تقول في هذه البيعة التي أخذ علينا مروان؟ قال: قال ابن عمر: كنا إذا بايعنا رسول الله -ﷺ- على السمع والطاعة يلقننا «فيما استطعتم». وأخرج أيضًا بسنده عن يونس بن عبيد، عن نافع، قال: كان ابن عمر يسلم على الخشبية ، والخوارج، وهم يقتتلون، فقاله: من قال: حي على الصلاة أجبته، ومن قال: حي على الفلاح أجبته، ومن قال: حي على قتل أخيك المسلم، وأخذ ماله، قلت: لا. انتهى . ومنعت طائفة الصلاة خلف أهل البدع، وأمر بعضهم من صلى خلفهم بالإعادة، كان سفيان الثوري يقول في الرجل يكذّب بالقدر: لا تقدموه. وقال أحمد في الجهمي يصلي خلفه: يعيد، والقدري إذا كان يرد الأحاديث، ويخاصم فليعد، والرافضي يصلي خلفه: يعيد. وقال أحمد: لا يصلي خلف أحد من أهل الأهواء إذا كان داعية إلى هواه. وقد حكي عن مالك أنه قال: لا يصلى خلف أهل البدع من القدرية، وغيرهم، ويصلى خلف أئمة الجور. قاله ابن المنذر رحمه الله تعالى . وقال العلامة العيني ﵀: وكان أبو حنيفة ﵀ لا يرى الصلاة خلف المبتدعة، ومثله عن أبي يوسف. انتهى . وقال النووي ﵀ في «المجموع» ما حاصله: من كفر ببدعته لا تصح الصلاة وراءه، ومن لا يكفر تصح؛ فممن يكفر: من يجسم تجسيمًا صريحًا، ومن ينكر العلم بالجزئيات. وأما من يقول بخلق القرآن فهو مبتدع، واختلف أصحابنا في تكفيره، فأطلق أبو علي الطبري في «الإفصاح»، والشيخ أبو حامد الإسفرايني، ومتابعوه، القول بأنه كافر، قال أبو حامد، ومتابعوه: المعتزلة كفار، والخوارج ليسوا بكفار، ونقل المتولي تكفير من يقول بخلق القرآن عن الشافعي، وقال القفال، وكثيرون من الأصحاب: يجوز الاقتداء بمن يقول بخلق القرآن وغيره من أهل البدع، قال صاحب العدة: هذا هو المذهب. قال النووي: وهذا هو الصواب، فقد قال الشافعي ﵀: أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم. ولم يزل السلف والخلف يرون الصلاة وراء المعتزلة، ونحوهم، ومناكحتهم، وموارثتهم، وإجراء سائر الأحكام عليهم. وتأول الإمام الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي، وغيره من أصحابنا المحققين ما نقل عن الشافعي، وغيره من العلماء؛ من تكفير القائل بخلق القرآن على أن المراد كفران النعمة، لا كفران الخروج عن الملة، وحَمَلَهم على هذا التأويل ما ذكرته من إجراء أحكام الإسلام عليهم . قال الشافعي ﵀: ومن صلى صلاة من بالغ مسلم، يقيم الصلاة، أجزأته، ومَن خلفه صلاتُهم، وإن كان غير محمود الحال في دينه، أيّ غاية بلغ، يخالف الحمد في الدين، وقد صلى أصحاب النبي -ﷺ- خلف من لا يَحْمَدون فعاله، من السلطان وغيره. انتهى كلام الشافعي رحمه الله تعالى . وقال ابن المنذر: إن كفر ببدعته لم تجز الصلاة وراءه، وإلا فتجوز، وغيره أولى . وقال الإمام المحقق أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى: ما نعلم أحدًا من الصحابة ﵃ امتنع من الصلاة خلف المختار، وعبيد الله بن زياد، والحجاج، ولا فاسق أفسق من هؤلاء، وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. ولا برّ أبرّ من الصلاة وجمعها في المساجد، فمن دعا إليها ففرض إجابته، وعونه على البر والتقوى الذي دعا إليهما، ولا إثم بعد الكفر آثم من تعطيل الصلوات في المساجد، فحرام علينا أن نعين على ذلك، وكذلك الصيام، والحج، والجهاد؛ من عمل شيئًا من ذلك عملناه معه، ومن دعانا إلى إثم لم نجبه، ولم نعنه عليه. وكل هذا قول أبي حنفية، والشافعي، وأبي سليمان -يعني داود الظاهري- رحمهم الله تعالى. انتهى كلام ابن حزم رحمه الله تعالى . وقال العلامة الشوكاني ﵀ ما ملخصه: قد ثبت إجماع أهل العصر الأول من بقية الصحابة، ومن معهم من التابعين إجماعًا فعليًا، ولا يبعد أن يكون قوليًا على الصلاة خلف الجائرين؛ لأن الأمراء في تلك الأعصار كانوا أئمة الصلوات الخمس، فكان الناس لا يؤمهم إلا أمراؤهم، في كل بلدة فيها أمير، وكان الدولة إذ ذاك لبني أمية، وحال أمرائهم لا يخفى. وقد أخرج البخاري عن ابن عمر أنه كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف. وأخرج مسلم، وأهل السنن أن أبا سعيد الخدري صلى خلف مروان صلاة العيد في قصة تقديمه الخطبة على الصلاة، وإخراج منبر النبي -ﷺ-، وإنكار بعض الحاضرين. وأيضًا قد ثبت أنه -ﷺ- أخبر بأنه يكون على الأمة أمراء يميتون الصلاة ميتة الأبدان، ويصلونها لغير وقتها، فقالوا: يا رسول الله، بم تأمرنا؟ فقال: «صلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم مع القوم نافلة». ولاشك أن من أمات الصلاة، وفَعَلها في غير وقتها غير عدل، وقد أذن النبي -ﷺ- بالصلاة خلفه نافلة، ولا فرق بينها وبين الفريضة في ذلك. والحاصل أن الأصل عدم اشتراط العدالة، وأن كل من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره. فالقائل بأن العدالة شرط، كما روي عن العترة، ومالك، وجعفر بن مبشر، وجعفر بن حرب محتاج إلى دليل، ينقل عن ذلك الأصل. ثم إن محل النزاع إنما هو في صحة الصلاة خلف من لا عدالة له، وأما أنها مكروهة فلا خلاف في ذلك. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى في نيله باختصار . قال الجامع عفا الله عنه: كلام العلامة الشوكاني ﵀ كلام نفيس جدًّا. وحاصله جواز الصلاة خلف من صحت صلاته لنفسه من كل بالغ مسلم، وإن كانت سيرته غير محمودة؛ لأن أصحاب رسول الله -ﷺ- كانوا يصلون خلف من لا يحمدون سيرته من السلاطين وغيرهم، كما صرح به الشافعي رحمه الله تعالى فيما سبق، وهو الذي عليه جمهور السلف والخلف، فتصح الصلاة خلف أئمة الجَوْر، وأهل الأهواء الذين لا يكفّرون بأهوائهم، وإن كان الأولى الصلاة خلف الأئمة الصلحاء. والله تعالى أعلم، وهو الهادي إلى الطريق الأقوم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. …
مصادر المؤلف (١٩)

١. شرح مسلم جـ ٥ ص ١٤٧.

٢. فتح جـ ٢ ص ١٩٦.

٣. لسان جـ ٣ ص ١٩١٦.

٤. بفتح الهمزة: أي غليظه.

٥. السنن الكبرى جـ ٣ ص ١٢٧.

٦. حبيب بن جزي العبسي الكوفي. ذكره الطوسي في رجال الشيعة، وقال: روى عن الصادق، ويقال: إنه أدرك الباقر رحمه الله تعالى. اهـ لسان الميزان جـ ٢ ص ١٦٩.

٧. كثير بن هشام الكلابي، أبو سهل الرقي، نزيل بغداد، ثقة من السابعة، مات سنة ٢٠٧، وقيل: ٢٠٨.

٨. قال في «ق»: الأزارقة من الخوارج نسبوا إلى نافع بن الأزرق. اهـ.

٩. جـ ٢ ص ٣٧٨ - ٣٧٩.

١٠. معرفة السنن والآثار جـ ٢ ص ٤٠٠.

١١. الخشبية هم أصحاب المختار بن أبي عبيد. كذا في مجمع البحار. وقال صاحب القاموس: هم قوم من الجهمية. اهـ من هامش السنن الكبرى جـ ٣ ص ١٢٢.

١٢. السنن الكبرى جـ ٣ ص ١٢٢.

١٣. الأوسط جـ ٤ ص ٢٣٢.

١٤. عمدة القاري جـ ٥ ص ٢٣٢.

١٥. انظر المجموع جـ ٤ ص ٢٥٣ - ٢٥٤.

١٦. انظر الأم جـ ١ ص ١٤٠ طبعة مصورة عن طبعة بولاق.

١٧. انظر المجموع جـ ٤ ص ٢٥٤.

١٨. المحلَّى جـ ٤ ص ٢١٤.

١٩. نيل الأوطار جـ ٤ ص ٦١ - ٦٣.