HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٨٦١

أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ، فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص286
  • زبير علي زئي:صحيح مسلم
ج ٢ ص ١١٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٠ ص٦٦٥
٨٦١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ، فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا». رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن) بن المسْوَر بن مَخْرَمَةَ الزهري البصري، صدوق، مات سنة ٢٥٦، من صغار [١٠]، أخرج له مسلم، والأربعة. تقدم في ٤٢/ ٤٨. ٢ - (سفيان) بن عيينة، الإِمام الحجة الثبت، مات سنة ١٩٨، من [٨]، أخرجه له الجماعة. تقدم في ١/ ١. ٣ - (الزهري) محمد بن مسلم، أبو بكر المدني، الإِمام الحجة المثبت، مات سنة ١٢٥، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١. ٤ - (سعيد) بن المسيب بن حزن بن أبي وهب القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، والفقهاء الكبار، مات سنة ٩٤، من كبار [٢]، أخرج له الجماعة. تقدم في ٩/ ٩. ٥ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له البخاري، وأنهم مدنيون إلا شيخه فبصري، وسفيان فكوفي، ثم مكي. ومنها: أنه من أصح أسانيد أبي هريرة ﵁. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ الزهري عن سعيد. ومنها: أن سعيدًا أحد الفقهاء السبعة من التابعين. ومنها: أن أبا هريرة ﵁ أحد المكثرين السبعة من الصحابة، روى ٥٣٧٤ حديثًا. ومنها: أن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله تعالى أعلم. تنبيه: اختلف في إسناد حديث أبي هريرة ﵁ هذا: فأخرجه البخاري عن آدم بن أبي إياس، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة … قال: وعن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. قال الحافظ: قوله: وعن الزهري. أي بالإسناد الذي قبله، وهو آدم، عن ابن أبي ذئب، عنه، أي إن ابن أبي ذئب حدث به، عن الزهري، عن شيخين، حدثاه به، عن أبي هريرة، وقد جمعهما البخاري في [باب المشي إلى الجمعة] عن آدم، فقال فيه: عن سعيد، وأبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة. وكذلك أخرجه مسلم من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عنهما. وذكر الدارقطني الاختلاف فيه على الزهري، وجزم بأنه عنده عنهما جميعًا، قال: وكان ربما اقتصر على أحدهما. وأما الترمذي، فإنه أخرجه من طريق يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة وحده، ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد وحده. قال: وقول عبد الرزاق أصح. ثم أخرجه من طريق ابن عيينة، عن الزهري، كما قال عبد الرزاق، وهذا عمل صحيح، لو لم يثبت أن الزهري حدث به عنهما. وقد أخرجه البخاري في [باب المشي إلى الجمعة] من طريق شعيب، ومسلمٌ من طريق يونس، كلاهما عن الزهري، عن أبي سلمة وحده. فترجح ما قال الدارقطني. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى . والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة) ﵁، أنه (قال: إذا أتيتم الصلاة) أي خرجتم إليها، وأردتم حضورها، وليس الراد ظاهره؛ لأنه لا يناسب قوله: «فلا تأتوها، وأنتم تسعون». قاله السندي رحمه الله تعالى. ووقع عند أحمد من رواية همام، عن أبي هريرة ﵁: «إذا نودي بالصلاة» … قال الحافظ ولي الدين العراقي ﵀: يحتمل أن يراد بالنداء الأذان، ويحتمل أن يراد به الإقامة، ويدل للاحتمال الثاني قوله في رواية أخرى في الصحيح: «إذا أقيمت الصلاة» … وسواء فسرناه بالأذان أو الإقامة فليس هذا القيد معتبرًا في الحكم، فلو قصد الصلاة قبل الإقامة كره له الإسراع أيضًا، بل هو أولى بالكراهة؛ لأنه بعد الإقامة يخاف فوت بعض الصلاة، وقبلها لا يخاف ذلك، فإذا نهي عن الإسراع مع خوف فوات بعض الصلاة، فمع عدم الخوف أولى، فهذا من التنبيه بالأدنى على الأعلى، وهو من مفهوم الموافقة، وقد صرح بذلك النووي، فقال في «شرح مسلم»: إنما ذكر الإقامة لينبه بها على ما سواها؛ لأنه إذا نهي عن إتيانها سعيًا في حال الإقامة مع خوفه فوت بعضها، فقبل الإقامة أولى، وأكد ذلك ببيان العلة، فقال -ﷺ-: «فإن أحدكم إذ كان يَعْمِد إلى الصلاة، فهو في صلاة». قال: وهذا يتناول جميع أوقات الإتيان إلى الصلاة، وأكد ذلك تأكيدًا آخر، فقال: «فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا». فحصل به تنبيه وتأكيد، لئلا يتوهم متوهم أن النهي إنما هو لمن لم يخف فوت بعض الصلاة، فصرح بالنهي، وإذ فات من الصلاة ما فات. انتهى. وهو حسن. وقال والدي -يعني الحافظ العراقي- في «شرح الترمذي» بعد حكايته: ويحتمل أن هذا خرج مخرج الغالب؛ لأن الغالب أنه إنما يفعل ذلك من خاف الفوت، فأما من بادر في أول الوقت، فلا يفعل ذلك، لوثوقه بإدراك أول الصلاة. انتهى. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: هذه الوصية بالسكينة، إنما هي لمن غفل عن المشي إلى المسجد حتى سمع الإقامة، أو لمن كان له عذر، وكلاهما سواء في النهي عن الإسراع. انتهى. ومقتضى هذه العبارة، أنه فهم أن مفهوم الشرط هنا معتبر، وأنه من مفهوم المخالفة، فلا ينهى عن الإسراع مَن قَصَدَ الصلاةَ قبل الإقامة، وهذا مردود يُنفَرُ عن القول به ببادىء الرأي وآخره، إلا أن يقال: إنما خص النهي عن الإسراع بما بعد الإقامة؛ لأنه يدخل في الصلاة مُنبَهِرًا، فيمنعه ذلك عن الخشوع، وإقامة الأركان على وجهها، وأما إذا كان قبل الإقامة، فإنه إذا وصل إلى المسجد لا يدخل في الصلاة بمجرد دخوله؛ لأن الصلاة لم تُقَمْ، فيستريح، ويذهب عنه ما به من البهر والتعب قبل الإقامة، وفي هذا نظر؛ لأن الصلاة وإن كانت لم تُقَمْ، فقد تقام بمجرد وصوله إلى المسجد، فيقع في المحذور، ثم إن هذا المعنى ليس هو المعتبر في الحديث على ما سيأتي بيانه، وقد ظهر بذلك أنه وقع التردد في أن هذا من مفهوم الموافقة، أو المخالفة، أو لا مفهوم له، والأول هو الراجح. والله أعلم. انتهى كلام ولي الدين رحمه الله تعالى . (فلا تأتوها وأنتم تسعون) الجملة الاسمية في محل نصب على الحال من الفاعل. والمراد من السعي: الإسراع البليغ، وقد يطلق على مطلق المشي، كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الجمعة: ٩]. فلا تنافي بين الآية والحديث في الذهاب إلى الجمعة (وأتوها وأنتم تمشون) الجملة الاسمية كسابقتها. قال السندي ﵀: المشي وإن كان يعم السعي، لكن التقييد بقوله: «وعليكم السكينة» خصه بغيره، ولولا التقييد صريحًا لكفى المقابلة في إفادته. انتهى . وإنما أتى بجملة: «وأتوها …» إلخ بعد قوله: «فلا تأتوها …» إلخ تأكيدًا. (وعليكم السكينةُ) كذا في رواية البخاري عند غير أبي ذر، ورواية مسلم أيضًا، وضبطها القرطبي شارح مسلم بالنصب على الإغراء، وضبطها النووي بالرفع على أنها جملة في موضع الحال. ووقع في رواية أبي ذرّ للبخاري: «وعليكم بالسكينة» بزيادة الباء. قال في «الفتح»: واستشكل بعضهم دخول الباء، قال: لأنه متعد بنفسه، كقوله تعالى ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، وفيه نظر، لثبوت زيادة الباء في الأحاديث الصحيحة كحديث: «عليكم برخصة الله»، وحديث: «فعليه بالصوم، فإنه له وجاء»، وحديث: «فعليك بالمرأة»، قاله لأبي طلحة في قصة صفية وحديث: «عليك بعيبتك»، قالته عائشة لعمر، وحديث: «عليكم بقيام الليل»، وحديث: «عليك بخويصة نفسك». وغير ذلك. ثم إن الذي علل به هذا المعترض غير موف بمقصوده، إذ لا يلزم من كونه يجوز أن يتعدى بنفسه امتناع تعديه بالباء، وإذا ثبت ذلك فيدل على أن فيه لغتين والله أعلم. انتهى وقد اعترض العيني على كلامه الأخير بما فيه تعنت . قال الجامع عفا الله عنه: بل هذا القائل تضلع في علم التصريف وحققه، فلذا ذكر هذه القاعدة المهمة، ولا يخفى حسن كلامه على من سلك مسلك الإنصاف، ولم يحجبه التعصب والاعتساف، فإن من المعلوم عند أهل اللغة والتصريف أن بعض الكلمات تَتَعَدَّى بنفسها، وبعضها تتعدى بنفسها مرة، وتتعدى بحرف الجر مرة أخرى. مثل نصحه، ونصح له، وشكره، وشكر له، ومن طالع كتب اللغة لا يخفى عليه كثرة الأمثلة لذلك، وهذا المثال من قبيل الثاني، فقد سمع من العرب: عليك نفسك، وسمع: عليك بنفسك، لكن التعصب يغطي وجه الصواب، قاتل الله التعصب. نسأل الله السلامة والعافية. قال ولي الدين ﵀: والسكينة: هي الوقار، كما فسره أئمة اللغة، لكن في بعض طرقه في «صحيح البخاري»: «وعليكم السكينة والوقار»، فقال القاضي عياض في «المشارق»: كرر فيه الوقار للتأكيد، وكذا قال أبو العباس القرطبي: السكينة والوقار اسمان لمسمى واحد؛ لأن السكينة من السكون، والوقار من الاستقرار والتثاقل، وهما بمعنى واحد. وأنكر الحافظ العراقي قوله: إن الوقار من الاستقرار؛ لأن الوقار معتل الفاء، وهذا واضح، وقال في «الصحاح»: الوقار: الحلم والرزانة. وقال النووي: الظاهر أن بينهما فرقًا، وأن السكينة في الحركات، واجتناب العبث، ونحو ذلك، والوقار في الهيئة، وغض البصر، وخفض الصوت، والإقبال على طريقه من غير التفات، ونحو ذلك. انتهى . (فما أدركتم، فصلوا) قال الكرماني ﵀: الفاء جواب شرط محذوف، أي إذا بينت لكم ما هو أولى بكم، فما أدركتم فصلوا (وما فاتكم فاقضوا) هكذا رواه ابن عيينة، عن الزهري بلفظ: «فاقضوا»، ورواه الأكثرون عنه بلفظ: «فأتموا». قال في «الفتح»: هذا هو الصحيح في رواية الزهري، وحكم مسلم في كتابه «التمييز» على ابن عيينة بالوَهَم، مع أنه أخرج إسناده في صحيحه، لكن لم يسق لفظه. وكذا روى أحمد عن عبد الرزاق بلفظ: «فأتموا». واختلف أيضا في حديث أبي قتادة، فرواية الجمهور: «فأتموا»، ووقع لمعاوية بن هشام، عن سفيان: «فاقضوا»، كذا ذكره ابن أبي شيبة عنه. وأخرج مسلم إسناده في «صحيحه»، عن ابن أبي شيبة، فلم يسق لفظه أيضًا. وروى أبو داود مثله عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: ووقعت في رواية أبي رافع، عن أبي هريرة. واختلف في حديث أبي ذرّ، قال: وكذا قال ابن سيرين، عن أبي هريرة: «وليقض». قال الحافظ: ورواية ابن سيرين عند مسلم بلفظ: «صل ما أدركت، واقض ما سبقك». والحاصل أن أكثر الروايات ورد بلفظ: «فأتموا» وأقلها بلفظ: «فاقضوا». وإنما تظهر فائدة ذلك إذا جعلنا بين الإتمام والقضاء مغايرة، لكن إذا كان مخرج الحديث واحدًا، واختلف في لفظة منه وأمكن رد الاختلاف إلى معنى واحد كان أولى، وهنا كذلك؛ لأن القضاء وإن كان يطلق على الفائت غالبًا، لكنه يطلق على الأداء أيضًا، ويرد بمعنى الفراغ، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠]. ويرد بمعان أخَر، فيُحْمَلُ قوله: «فاقضوا» على معنى الأداء، أو الفراغ، فلا يغاير قوله: «فأتموا» فلا حجة فيه لمن تمسك برواية «فاقضوا» على أن ما أدركه المأموم هو آخر صلاته، حتى استحب له الجهر في الركعتين الأخريين، وقراءة السورة، وترك القنوت، بل هو أولها، وإن كان آخر صلاة إمامه؛ لأن الآخر لا يكون إلا عن شيء تقدمه، وأوضح دليل على ذلك أنه يجب عليه أن يتشهد في آخر صلاته على كل حال، فلو كان ما يدركه مع الإِمام آخرًا له لما احتاج إلى إعادة التشهد. وقول ابن بطال: إنه ما تشهد إلا لأجل السلام، لأن السلام يحتاج إلى سبق تشهد -ليس بالجواب الناهض على دفع الإيراد المذكور. واستدل ابن المنذر لذلك أيضًا على أنهم أجمعوا على أن تكبيرة الافتتاح لا تكون إلا في الركعة الأولى. انتهى ما في «الفتح» . وسيأتي تمام البحث على هذا في المسائل الآتية إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه المصنف هنا ٥٧/ ٨٦١، وفي «الكبرى» ٥٧/ ٩٣٤ بالإسناد المذكور. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه أحمد ٢/ ٥٣٢، والبخاري ١/ ٦٤ و٢/ ٩، وفي «جزء القراءة» ١٦٩ و١٧٠ و١٧١ و١٧٢ و١٧٦ و١٧٧ و١٧٨، ومسلم ٢/ ٩٩ و٢/ ١٠٠، وأبو داود ٢/ ٥٧٢ و٥٧٣، والترمذي رقم ٣٢٧ و٣٢٨ و٣٢٩، وابن ماجه رقم ٧٧٥، وأحمد جـ ٢/ ٢٥٣ و٣٢٨ و٢٧٠ و٢٣٩ و٤٥٢ و٣٨٢ و٣٨٧ و٤٧٢، والحميدي رقم ٩٣٥، والدارمي ١٢٨٦، وابن خزيمة ١٥٠٥، ١٧٧٢. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: اختلف في إسناد حديث أبي هريرة ﵁ هذا: فأخرجه البخاري، عن آدم بن أبي إياس، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة … قال: وعن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة … قال الحافظ: قوله: وعن الزهري. أي بالإسناد الذي قبله، وهو آدم، عن ابن أبي ذئب، عنه، أي إن ابن أبي ذئب حدث به، عن الزهري، عن شيخين، حدثاه له، عن أبي هريرة، وقد جمعهما البخاري في [باب المشي إلى الجمعة] عن آدم، فقال فيه: عن سعيد، وأبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة، وكذلك أخرجه مسلم من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري عنهما. وذكر الدارقطني الاختلاف فيه على الزهري، وجزم بأنه عنده عنهما جميعًا، قال: وكان ربما اقتصر على أحدهما. وأما الترمذي، فإنه أخرجه من طريق يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة وحده، ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد وحده. قال: وقول عبد الرزاق أصح. ثم أخرجه عن طريق ابن عيينة، عن الزهري، كما قال عبد الرزاق، وهذا عمل صحيح، لو لم يثبت أن الزهري حدث به عنهما. وقد أخرجه البخاري في [باب المشي إلى الجمعة] من طريق شعيب، ومسلمٌ من طريق يونس، كلاهما عن الزهري، عن أبي سلمة وحده. فترجح ما قال الدارقطني. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى . والله تعالى أعلم. المسألة الخامسة: يستفاد من هذا الحديث: النهي عن الإسراع في إتيان الصلاة، وهو الذي أراده المصنف ﵀ هنا، حيث ترجم بقوله [السعي إلى الصلاة] فينبغي لمن أتى إلى الصلاة أن يأتيها بتؤدة ووقار. قال الحافظ ولي الدين ﵀: وظاهره أنه لا فرق في ذلك بين الجمعة وغيرها، ولا بين أن يخاف فوت تكبيرة الإحرام، أو فوت ركعة، أو فوت الجماعة بالكلية، أو لا يخاف شيئًا من ذلك، وبهذا قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وروى ابن أبي شيبة في مصنفه هذا المعنى عن عبد الله بن مسعود، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وأنس بن مالك، والزبير بن العوام، وأبي ذرّ، وعلي بن الحسين، ومجاهد، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد. وروى ابن أبي شيبة الهرولة إلى الصلاة عن ابن عمر، والأسود، وسعيد بن جبير، وعن إبراهيم النخعي، قال: رأيت عبد الرحمن بن يزيد مسارعًا إلى الصلاة، ومن ابن عمر أنه سمع الإقامة بالبقيع، فأسرع المشي. وعن ابن مسعود أنه قال: أحق ما سعينا إلى الصلاة. وقال الترمذي في «جامعه»: اختلف أهل العلم في المشي إلى المسجد، فمنهم من رأى الإسراع إذا خاف فوت التكبيرة الأولى، حتى ذكر بعضهم أنه كان يهرول إلى الصلاة، ومنهم من كره الإسراع، واختار أن يمشي على تؤدة ووقار، وبه يقول أحمد وإسحاق، وقالا: العمل على حديث أبي هريرة. وقال إسحاق: إن خاف فوت التكبيرة الأولى، فلا بأس أن يسرع في المشي. انتهى. وقال الحافظ العراقي في «شرح الترمذي» بعد نقل ما تقدم عن مصنف ابن أبي شيبة. والظاهر أن من أطلق الإسراع عن ابن عمر وغيره، إنما هو عند خوف تكبيرة الإحرام كما قيده الترمذي، فقد روى ابن أبي شيبة من رواية محمد بن زيد بن خليدة، قال: كنت أمشي مع ابن عمر إلى الصلاة، فلو مشت معه نملة، لرأيت أن لا يسبقها. وحُكي عن ابن مسعود أيضا الإسراع إذا خاف فوت التكبيرة الأولى، وحُكي عن مالك أنه إذا خاف فوت الركعة أسرع، وقال: لا بأس لمن كان على فرس أن يحرك الفرس، قاله القاضي عياض، وتبعه صاحب «المفهم»، وتأوله بعضهم على الفرق بين الراكب والماشي؛ لأنه لا ينهز كما ينهز الماشي. وحكي أيضًا عن إسحاق أنه يسرع إذا خاف فوت الركعة، وهو مخالف لما حكاه الترمذي عن إسحاق من تعليق الإسراع بخوف فوات التكبيرة الأولى، ولعله يقول بالإسراع في الموضعين. والله أعلم. انتهى. وقال أبو إسحاق المروزي عن الشافعية بالإسراع إذا خاف فوت تكبيرة الإحرام. وقال ابن بطال بعد نقله عن ابن عمر أنه سمع الإقامة، فأسرع المشي، وهذا يدل على ما روي عنه أنه لا يسرع المشي إلى الصلاة أنه جعل معنى قوله: «وعليكم بالسكينة» على ما إذا لم يخش فوت الصلاة، وكان في سعة من وقتها، قال: وقوله: «إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة»، يرد فعل ابن عمر، ويبين أن الحديث على العموم، وأن السكينة تلزم من سمع الإقامة كما تلزم عن كان في سعة من الوقت. انتهى. وأما الجمعة، فلا نعلم أحدًا قال بالإسراع لها دون غيرها من الصلوات، وأما قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، فإن المراد بالسعي فيه مطلق المضي، أو القصد. وقال عكرمة، ومحمد بن كعب القرظي: السعي: العمل، وبوب البخاري علي هذا الحديث: «باب المشي إلى الجمعة»، وقول الله تعالى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، ومن قال: السعي: العمل والذهاب، لقول الله تعالى ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩] انتهى . وقال الحافظ أبو بكر ابن المنذر ﵀ بعد ذكر نحو ما تقدم من الخلاف: ما نصه: يمشي المرء إذا خرج إلى الصلاة على عادته التي يمشي في سائر الأوقات، وأغفل عن قال: يسعى إذا خاف فوات التكبيرة الأولى، جائز أن يسعى إذا خاف فوات الركوع، والخروج عن ظاهر خبر رسول الله -ﷺ- غير جائز انتهى . وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀ بعد ذكر الخلاف أيضًا ما نصه: معلوم أن النبي -ﷺ- إنما زجر عن السعي من خاف الفوت: «إذا أقيمت الصلاة»؛ و«إذا ثوب بالصلاة»؛ وقال: «فما أدركتم فصلوا»، فالواجب أن يأتي الصلاة من خاف فوتها؛ ومن لم يخف بالوقار والسكينة، وترك السعي، وتقرير الخطأ، لأمر النبي -ﷺ- بذلك، وهو الحجة -ﷺ-. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله هذان الإمامان: أبو بكر ابن المنذر، وأبو عمر بن عبد البر رحمهما الله تعالى من أن الخروج عن ظاهر خبر رسول الله -ﷺ- غير جائز، وأنه -ﷺ- هو الحجة دون غيره تحقيق حقيق بالقبول، وما عداه من الأقوال لا يَلتَفتُ إليه من حقق المنقول، ويُعتذر عمن خالفوه بأنه لم يصل إليهم النهي، أو وصل إليهم ولكن تأولوه، وما قصدوا مخالفته، فحاشاهم أن يُظَنَّ بهم ذلك، فالقوم أهل اتباع، لا أهل ابتداع، فرضي الله تعالى عنهم جميعًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السادسة: قال الحافظ ولي الدين العراقي ﵀: المعنى في نهي قاصد الصلاة عن الإسراع، وأمره بالمشي بسكينة أمور: أحدها: قوله -ﷺ- في رواية مسلم: «فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة، فهو في صلاة»، فأشار بذلك إلى أنه ينبغي أن يتأدب بآداب الصلاة، من ترك العجلة، والخشوع، وسكون الأعضاء، ومن هذا أمره -ﷺ- مَن خرج إلى المسجد أن لا يشبك بين أصابعه، وعلل ذلك بكونه في صلاة، وحَكَى النوويُّ هذا المعنى عن العلماء. الثاني: تكثير الخطأ، فقد روى الطبراني بإسناد صحيح، عن أنس بن مالك ﵁، قال: كنت أمشي مع زيد بن ثابت، فقارب الخطا، فقال: أتدري لم مشيت بك هذه المِشْيَة؟ فقلت: لا، فقال: لتكثر خُطانا في المشي إلى الصلاة، وقد روي هذا مرفوعًا من حديث زيد بن ثابت، ومن حديث أنس ﵄. الثالث: ذكر المهلب أن المعنى في ذلك أن لا يبهر الإنسان نفسه، فلا يتمكن من ترتيل القرآن، ولا من الوقار اللازم له في الخشوع. انتهى. وذكره القاضي عياض أيضًا. وقال الحافظ العراقي: ينبني على المعنيين، أي الأولين عود المصلي من المسجد إلى بيته، فإن عللنا بالمعنى الأول، فقد زال في رجوعه إلى بيته كونه في صلاة، وإن عللنا بالمعنى الثاني، فيستحب أيضًا المشي، ومقاربة الخطا، لحديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «من راح إلى مسجد الجماعة، فخطوة تمحو سيئة، وخطوة تكتب حسنة، ذاهبًا وراجعًا». وإسناده جيد. قال ولي الدين: وإن عللنا بالمعنى الثالث، فلا يثبت هذا الحكم في الرجوع، كما قلنا على المعنى الأول. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: تعليله بالمعنى الثاني أولى، لحديث عبد الله بن عمرو المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السابعة: قال الحافظ ولي الدين ﵀: هذا الحديث ناسخ لما روي أن الصحابة ﵃ كانوا إذا سبقوا ببعض الصلاة صلوا ما فاتهم منفردين، تم دخلوا مع الإِمام فصلوا معه بقية الصلاة، كما رواه أبو داود في أبواب الأذان عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثنا أصحابنا، قال: كان الرجل إذا جاء يسأل، فيخبر بما سبق من صلاته، وأنهم قاموا مع رسول الله -ﷺ- من بين قائم، وراكع، وقاعد، ومصل مع رسول الله -ﷺ-، فجاء معاذ، فأشاروا إليه، فقال معاذ: لا أراه على حال إلا كنت عليها، فقال: «إن معاذًا قد سن لكم، كذلك فافعلوا». ورواه الطبراني في «معجمه» من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ، وهي لفظ: فقال: «قد سن لكم معاذ، فاقتدوا به، إذا جاء أحدكم، وقد سُبق بشيء من الصلاة، فليصل مع الإِمام بصلاته، فإذا فرغ الإِمام، فليقض ما سبقه به». قال المزني: قوله: «إن معاذًا قد سن لكم» يحتمل أن يكون النبي -ﷺ- أُمِرَ أن تُسن هذه السنة، فوافق ذلك فعل معاذ، وذلك أن بالناس حاجة إلى رسول الله -ﷺ- في كل ما يسن، وليس بهم حاجة إلى غيره. انتهى. ويحتمل أن يقال: لا نسخ في هذه القضية، ولكن الأمران جائزان، أعني متابعة الإِمام فيما هو فيه، ثم استدراك ما بقي بعد سلامه، والدخول في الصلاة منفردًا، ثم الاقتداء بالإمام في أثناء الصلاة، وكان الصحابة ﵃ يفعلون أحد الأمرين، فلما فعل معاذ الأمر الآخر استحسنه النبي -ﷺ-، ورجحه على الأمر الأول، لا أنه حتمه، وصيره ناسخًا بحيث إنه امتنع فعل الأمر الآخر. والله أعلم انتهى . المسألة الثامنة: استُدلَّ بهذا الحديث على إدراك الجماعة بجزء من الصلاة وإن قلّ؛ لأنه -ﷺ- قال: «فما أدركتم، فصلوا». ولم يفصل بين القليل والكثير، وبهذا قال الجمهور، قال ابن حزم: وهذا خبر زائد على الخبر الذي فيه: «من أدرك من الصلاة مع الإِمام ركعة، فقد أدرك الصلاة». قال: وروينا عن ابن مسعود أنه أدرك قومًا جلوسًا في آخر صلاتهم، فقال: أدركتم إن شاء الله وعن شقيق بن سلمة: من أدرك التشهد فقد أدرك الصلاة. وعن الحسن، قال: إذا أدركهم سجودًا سجد معهم. وعن ابن جريج: قلت لعطاء: إن سمع الإقامة والأذان، وهو يصلي المكتوبة، أيقطع صلاته، ويأتي الجماعة؟ قال: إن ظن أنه يدرك من المكتوبة شيئًا، فنعم، وذهب الغزالي من الشافعية إلى أن الجماعة لا تدرك بأقل من ركعة. انتهى . وقال في «الفتح»: واستدل بهذا الحديث على حصول فضيلة الجماعة لإدراك جزء من الصلاة، لقوله: «فما أدركتم، فصلوا»، ولم يفصل بين القليل والكثير، وهذا قول الجمهور، وقيل: لا تدرك الجماعة بأقل من ركعة؛ لحديث: «من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك»، وقياسًا على الجمعة، وأجيب عنه لأنه ورد في الأوقات، وأن في الجمعة حديثًا خاصًا بها. قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور من أن الجماعة تدرك بإدراك جزء من الصلاة وإن قل هو الحق، لوضوح دليله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة التاسعة: قال الحافظ ولي الدين ﵀: استدل ابن حزم ﵀ بهذا الحديث على أنه إذا وجد الإِمام جالسًا في آخر الصلاة قبل أن يسلم، وجب عليه أن يدخل معه، سواء طمع بإدراك الصلاة عن أولها في مسجد آخر، أم لا، فحمل الأمر في قوله -ﷺ-: «فما أدركتم فصلوا»، على الوجوب على عادته، ثم ذكر آثارًا عن السلف بالأمر بصلاة ما أدركه، يمكن حملها على الاستحباب كما حمل الجمهور الأمر في هذا الحديث على ذلك. وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن جرير، عن عبد العزيز بن رفيع، عن رجل من أهل المدينة، عن النبي -ﷺ- أنه سمع خفق نعلي، وهو ساجد، فلما فرغ من صلاته، قال: «من هذا الذي سمعت خفق نعله؟» قال: أنا يا رسول الله، قال: «فما صنعت؟»، قال: وجدتك ساجدًا، فسجدت، قال: «هكذا فاصنعوا، ولا تعتدوا بها، من وجدني راكعًا، أو قائمًا، أو ساجدًا، فليكن معي على حالتي التي أنا عليها». انتهى كلام ولي الدين رحمه الله تعالى. قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن ما قاله ابن حزم من وجوب المتابعة هو الأقرب إلى الصواب، لأن الأمر للوجوب على الراجح عند الأصوليين، إلا إذا وجد له صارف، ولم يَذْكُر الجمهور دليلًا صارفًا عن الوجوب، فكيف يحمل على الاستحباب؟ فتبصر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة العاشرة: قال الحافظ ولي الدين ﵀: استدل بقوله -ﷺ-: «وما فاتكم، فأتموا» على أن ما أدركه المسبوق مع الإِمام هو أول صلاته، وما يأتي به بعد سلام الإِمام هو آخر صلاته، وهو مذهب الشافعي، ورواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن عمر، وعلي، وأبي الدرداء، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن المسيب، والحسن، وسعيد بن جبير، وحكاه ابن المنذر عن هؤلاء، خلا سعيد بن جبير، وقال: إنه لا يثبت عن عمر، وعلي، وأبي الدرداء، وحكاه أيضًا عن مكحول، وعطاء، والزهري، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وإسحاق بن راهويه، والمزني، قال ابن المنذر: وبه أقول. ورواه البيهقي عن ابن عمر، ومحمد بن سيرين، وأبي قلابة، وهو منصوص مالك في «المدونة»، فإنه قال فيها: إن ما أدرك فهو أول صلاته، إلا أنه يقضي مثل الذي فاته من القراءة بأم القرآن وسورة. قال ابن بطال: ورواه ابن نافع عن مالك. وقال سحنون في «العتبية»: هو الذي لم نعرف خلافه، وهو قول مالك، أخبرني به غير واحد. وحكاه ابن بطال عن أحمد بن حنبل، وحكاه القاضي عياض عن جمهور العلماء والسلف، وحكاه النووي عن جمهور العلماء من السلف والخلف وذهب آخرون إلى أن ما أدركه مع الإِمام هو آخر صلاته، وما يأتي به بعد سلام الإِمام هو أول صلاته، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه. ورواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن ابن مسعود، وابن عمر، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وأبي قلابة، وعمرو بن دينار، والشعبي، وابن سيرين، وعُبيد بن عُمَير، وحكاه ابن المنذر عن مالك، وسفيان الثوري، والشافعى، وأحمد. فأما مالك فهو المشهور في مذهبه، كما قال القاضي عبد الوهاب. قال ابن بطال: وهو قول أشهب، وابن الماجشون، واختاره ابن حبيب، وقال: الذي يقضي هو أولها؛ لأنه لا يستطيع أن يخالف إمامه، فتكونَ له أولى، وللإمام ثانيةً، أو ثالثة. انتهى. وأما الشافعي، فليس هذا مذهبه، وما رأيت أحدًا حكاه عنه، إلا أن النووي حكاه في «الروضة»، قال: إنه حكي عنه قول غريب أنه يجهر. وأما أحمد، فكذلك حكاه عنه الخطابي أيضًا، وهو خلاف ما حكاه عنه ابن بطال، كما تقدم. واستدل هؤلاء بقوله في الرواية الأخرى: «وما فاتكم فاقضوا»، فلما استعمل لفظ القضاء في المأتي به بعد سلام الإِمام، دل على أنه مؤخر عن محله، وأنه أول الصلاة، لكنه يقضيه. وأجاب الجمهور عنه بجوابين: أحدهما: تضعيف هذه اللفظة، كما تقدم عن غير واحد. قال الجامع عفا الله عنه: لكن الأصح صحتها. فتبصر. والله تعالى أعلم. الثاني: أن قوله: «اقضوا» بمعنى أتموا، والعرب تستعمل القضاء على غير معنى إعادة ما مضى، قال الله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠]، وقالوا: قضى فلان حق فلان، فيحمل القضاء في هذا الحديث على هذا المعنى جمعًا بين الروايتين. وفي المسألة مذهب ثالث: أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال، وآخرها بالنسبة إلى الأقوال، وهي رواية عن مالك، ويوافقه ما نص عليه الشافعي ﵀ من أنه لو أدرك ركعتين من رباعية، ثم قام للتدارك يقرأ السورة في الركعتين، واختلف أصحابه في هذا، فقال بعضهم: هو تفريع على قوله: يستحب قراءة السورة في جميع الركعات، وقال بعضهم: هو تفريع على القولين معًا، لئلا تخلو صلاته عن السورة، وصححه النووي، ويوافقه ما رواه البيهقي عن علي بن أبي طالب أنه قال: ما أدركت مع الإِمام فهو أول صلاتك، واقض ما سبقك به من القرآن. انتهى المقصود من كلام ولي الدين رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن مذهب القائلين بأن ما يقضيه المسبوق أول صلاته هو الأرجح، لظهور دليله؛ لأن «ما» في قوله: «وما فاتكم» للعموم، فكل ما فات المسبوق من الأفعال والأقوال يجب عليه الإتيان به، لعموم هذا النص، والذي وجب عليه الإتيان به هو الذي فاته، وما فاته إلا أول صلاته، فإذا أتى به فقد قضاه، وما في رواية الأكثرين من لفظ: «فأتموا» لا ينافي هذا المعنى، إذ لولا إتيانه بما فاته من أول صلاته لما حصل الإتمام، فإن الذي أدركه مع الإِمام ناقص لا يتم حتى يقضي ما فاته، فإذا قضاه فقد أتم نقصة، ولا يستلزم ذلك أن يكون ما يقضيه أخيرًا. والحاصل أنه يجب عليه الإتيان بما سُبِقَ به من قراءة الفاتحة، والسورة، وسائر الأفعال التي فاتته مع الإمام، وإذا كانت الصلاة جهرية جهر فيها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الحادية عشرة: في اختلاف أهل العلم في إدراك الركعة بإدراك الركوع: ذهب الجمهور إلى أن عن أدرك الإِمام راكعًا تحتسب له تلك الركعة، على تفصيل في حد إدراك الركوع عندهم. وذهب بعض أهل العلم إلى أن من أدرك الإِمام راكعًا لم تحسب له تلك الركعة، للأمر بإتمام ما فاته؛ لأنه فاته الوقوف والقراءة، وهو قول أبي هريرة ﵁، وجماعة، بل حكاه البخاري في «جزء القراءة خلف الإِمام» عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإِمام، واختاره ابن خزيمة والصبغي وغيرهما من محدثي الشافعية، وقواه الشيخ تقي الدين السبكي من المتأخرين. قاله في «الفتح» . وقال العلامة الشوكاني ﵀ عند البحث عن وجوب قراءة الفاتحة على كل إمام ومأموم في كل ركعة: ما نصه: ومن هاهنا يتبين لك ضعف ما ذهب إليه الجمهور أن من أدرك الإِمام راكعًا دخل معه، واعتد بتلك الركعة، وإن لم يدرك شيئًا من القراءة. واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة ﵁: «من أدرك الركوع من الركعة الأخيرة في صلاته يوم الجمعة، فليضعف إليها ركعة أخرى». رواه الدارقطني من طريق ياسين بن معاذ، وهو متروك، وأخرجه الدارقطني بلفظ: «إذا أدرك أحدكم الركعتين يوم الجماعة، فقد أدرك، وإذا أدرك ركعة فليركع إليها أخرى». ولكنه رواه من طريق سليمان بن داود الحراني، ومن طريق صالح بن أبي الأخضر، وسليمان متروك، وصالح ضعيف. على أن التقييد بالجمعة في كلا الروايتين مشعر بأن غير الجمعة بخلافها، وكذا التقييد بالركعة في الرواية الأخرى يدلّ على خلاف المدّعى؛ لأن الركعة حقيقة لجميعها، وإطلاقها على الركوع وما بعده مجاز، لا يصار إليه إلا لقرينة، كما وقع عند مسلم من حديث البراء ﵁ بلفظ: «فوجدت قيامه، فركعته، فاعتداله، فسجدته» … فإن وقوع الركعة في مقابلة القيام، والاعتدال، والسجود، قرينة تدلّ على أن المراد بها الركوع. وقد ورد حديث: «من أدرك ركعة من صلاة الجمعة» بألفاظ لا تخلو طرقها عن مقال، حتى قال ابن أبي حاتم في «العلل» عن أبيه: لا أصل لهذا الحديث، إنما المتن: «من أدرك من الصلاة ركعة، فقد أدركها». وكذا قال الدراقطني، والعقيلي، وأخرجه ابن خزيمة عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا بلفظ: «من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدركها قبل أن يقيم الإِمام صلبه». وليس في ذلك دليل لمطلوبهم، لما عرفت من أن مسمى الركعة جميع أذكارها، وأركانها حقيقة شرعية وعرفية، وهما مقدمتان على اللغوية، كما تقرر في الأصول، فلا يصح جعل حديث ابن خزيمة، وما قبله قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي. فإِن قلت: فأيّ فائدة على هذا في التقييد بقوله: «قبل أن يقيم صلبه»؟. قلت: دفع توهم أن من دخل مع الإِمام، ثم قرأ الفاتحة، وركع الإِمام قبل فراغه منها غير مدرك. إذا تقرر لك هذا، علمت أن الواجب الحمل على الإدراك الكامل للركعة الحقيقية، لعدم وجود ما تحصل به البراءة من عهدة أدلة وجوب القيام القطعية، وأدلة وجوب الفاتحة. وقد ذهب إلى هذا بعض أهل الظاهر، وابن خزيمة، وأبو بكر الصّبغي. روى ذلك ابن سيد الناس في «شرح الترمذي»، وذكر فيه حاكيًا عمن روى عن ابن خزيمة أنه احتج لذلك بما روي عن أبي هريرة أنه -ﷺ- قال: «من أدرك الإِمام في الركوع، فليركع معه، وليُعِدِ الركعة». وقد رواه البخاري في «القراءة خلف الإِمام» من حديث أبي هريرة أنه قال: «إن أدركت القوم ركوعًا لم تعتدّ بتلك الركعة». قال الحافظ: وهذا هو المعروف عن أبي هريرة موقوفًا، وأما المرفوع فلا أصل له. وقال الرافعي تبعًا للإمام: إن أبا عاصم العبادي حكى عن ابن خزيمة أنه احتج له. وقد حكى هذا المذهب البخاري في «القراءة خلف الإِمام» عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإِمام، وحكاه في «الفتح» عن جماعة من الشافعية، وقواه الشيخ تقي الدين السبكي، وغيره من محدثي الشافعية، ورجحه المقبلي، قال: وقد بحثت هذه المسألة، وأحطتها في جميع بحثي فقهًا وحديثًا، فلم أحصل منها على غير ما ذكرت -يعني من عدم الاعتداد بإدراك الركوع فقط-. قال العراقي في «شرح الترمذي» بعد أن حكى عن شيخه السبكي أنه كان يختار أنه لا يعتدّ بالركعة من لا يدرك الفاتحة، ما لفظه: وهو الذي نختاره. اهـ. والعجب ممن يدعي الإجماع، والمخالفُ مثل هؤلاء. وأما احتجاج الجمهور بحديث أبي بكرة ﵁، حيث صلى خلف الصف مخافة أن تفوته الركعة، فقال -ﷺ-: «زادك الله حرصًا، ولا تَعُد» ولم يؤمر بإعادة الركعة، فليس فيها ما يدلّ على ما ذهبوا إليه؛ لأنه كما لم يأمره بالإعادة لم ينقل إلينا أنه اعتدّ بها، والدعاء له بالحرص لا يستلزم الاعتداد بها؛ لأن الكون مع الإِمام مأمور له، سواء كان الشيء الذي يدركه المؤتم معتدًا به، أم لا، كما في حديث: «إذا جئتم إلى الصلاة، ونحن سجود، فاسجدوا، ولا تعدوها شيئًا». أخرجه أبو داود وغيره على أن النبي -ﷺ- قد نهى أبا بكرة عن العودة إلى مثل ذلك، والاحتجاج بشيء قد نهي عنه لا يصح. وقد أجاب ابن حزم في «المُحَلَّى» عن حديث أبي بكرة، فقال: إنه لا حجة لهم فيه؛ لأنه ليس فيه اجتزاء بتلك الركعة. ثم استدلّ على ما ذهب إليه من أنه لابد في الاعتداد بالركعة عن إدراك القيام والقراءة بحديث: «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا». ثم جزم بأنه لا فرق بين فوت الركعة، والركن، والذكر المفروض؛ لأن الكل فرض لا تتم الصلاة إلا به. قال: فهو مأمور بقضاء ما سبقه به الإِمام وإتمامه، فلا يجوز تخصيص شيء من ذلك بغير نص آخر، ولا سبيل إلى وجوده. قال: وقد أقدم بعضهم على دعوى الإجماع على ذلك، وهو كاذب في ذلك؛ لأنه قد روي عن أبي هريرة أنه لا يعتد بالركعة حتى يقرأ أم القرآن. وروي القضاء أيضًا عن زيد بن وهب. ثم قال: فإن قيل: إنه يكبر قائمًا، ثم يركع، فقد صار مدركًا للوقفة. قلنا: وهذه معصية أخرى، وما أمر الله تعالى قط، ولا رسوله -ﷺ- أن يدخل في الصلاة من غير الحال التي يجد الإِمام عليها، وأيصا لا يجزىء قضاء شيء يسبق به من الصلاة إلا بعد سلام الإِمام، لا قبل ذلك. وقال أيضًا في الجواب استدلالهم بحديث: «من أدرك من الصلاة ركعة، فقد أدوك الصلاة»: إنه حجة عليهم؛ لأنه مع ذلك لا يسقط عنه قضاء ما لم يدرك من الصلاة. انتهى. والحاصل أن أنهض ما احتح به الجمهور في المقام حديث أبي هريرة ﵁ باللفظ الذي ذكره ابن خزيمة، لقوله فيه: «قبل أن يقيم صلبه» كما تقدم، وقد عرفت أن ذكر الركعة فيه مخاف لمطلوبهم، وابن خزيمة الذي عولوا عليه في هذه الرواية من القائلين المذهب الثاني، كما عرفت، ومن البعيد أن يكون هذا الحديث عنده صحيحًا، ويذهب إلى خلافه . ومن الأدلة على ما ذهبنا إليه في هذه المسألة حديث أبي قتادة، وأبي هريرة ﵄ المتفق عليه بلفظ: «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا». قال الحافظ في «الفتح»: قد استدل لهما على أن من أدرك الإِمام راكعًا لم تحتسب له تلك الركعة، للأمر بإتمام ما فاته؛ لأنه فاته القيام والقراءة فيه، ثم قال: وحجة الجمهور حديث أبي بكرة. وقد عرفت الجواب عن احتجاجهم له. وقد ألف السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير رسالة في هذه المسألة، ورجح مذهب الجمهور، وقد كتبت أبحاثًا في الجواب عليها. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجح عندي في هذه المسألة قول من قال لعدم الاعتداد بإدراك الركوع إلا إذا أدرك القيام والقراءة، لقوة دليله، كما عرفت تفصيله فيما سبق. وهو الذي رجحه الإِمام البخاري، ونقله عن كل من قال بوجوب = كنت لا أعرف يحيى بن أبي سليمان بعدالة ولا جرح … إلخ. وقال أيضًا: والنبي -ﷺ- إن صح عنه الخبر أراد بقوله: «فلا تعدوها شيئًا». أي لا تعدوها سجدة، إلى آخر كلامه. فأفاد أن الحديث لم يصح عنده، وإن كانت ترجمته تدل على أنه يقول بمذهب الجمهور. وأما ما عزاه إليه في الفتح، وتبعه الشوكاني من أنه من القائلين بعدم الاعتداد فلعله في كتبه الأخرى غَير «صحيحه»، فليتأمل. القراءة على المأموم، كما حققه في «جزء القراءة»، وابن خزيمة، وابن حزم، ورجحه من متأخري الشافعية المتقي السبكي، والحافظ العراقي، والعلامة الشوكاني في «النيل»، كما مر تحقيقه. لكن من الغريب أن الشوكاني تراجع عن هذا القول، فقال بترجيح مذهب الجمهور في فتاواه المعروف بـ «الفتح الرباني»، كما نقل نصه العلامة محمد شمس الحق صاحب «عون المعبود» في شرح أبي داود جـ ٣ ص ١٥٧، لكنه ما أتى لدليل مقنع، إنما ذكر ما تقدم في أدلة الجمهور التي أجاب هو عنها قريبًا، فأجاد، وأفاد. والحاصل أن مذهب القائلين بعدم الاعتداد بإدراك الركوع هو المذهب القوي، فلا تعدل أيها الموفق إلى غيره، وإن كثر القائلون، فالشأن في قوة الدليل، لا في كثرة القال والقيل. وفقنا الله تعالى لما يحبه ويرضاه. خاتمة: أختم بها البحث السابق: اعلم أنني بعدما كتبت ما تقدم في تحقيق المسألة السابقة، وجدت من كتب في هذا الموضوع، فأحسن، وهو: العلامة عبد الرحمن بن يحيى بن علي المعلمي اليماني ١٣١٣ - ١٣٨٦ هـ، فإنه قد كتب رسالة قيمة بعنوان «هل يدرك المأموم الركعة بإدراك الركوع مع الإِمام»، حقق فيها الموضوع، وناقش كل الأدلة مناقشة علمية من غير تعصب واعتساف، بل باعتدال وإنصاف، فأعطى المسألة حقها، وأفاد وأجاد، ورجح القول بعدم الاعتداد. والشيخ ﵀ معروف بطول الباع في تحقيق المسائل العلمية، وموصوف بالتأدب والإنصاف، كما يظهر ذلك لمن يطالع كتابه «التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل». فرأيت ختم المسألة بها تتميمًا للفائدة، وتكميلًا للعائدة. قال ﵀ بعد الخطبة: أما بعد: فإن الأخ العلامة الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة المدرس بالمسجد الحرام، ومدير مدرسة دار الحديث الخيرية -عافاه الله- أطلعني على رسالته المحررة في اختيار إدراك المأموم الركعة بإدراكه الركوع مع الإِمام، وأشار علي أن أكتب ما يظهر لي في هذه المسألة. فأستعين بالله ﵎، وأقول: قال البخاري في «جزء القراءة»: «والقيام فرض في الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وقال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]. وقال النبي:«صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا» وبسط الكلام في تثبيت فرضية قراءة الفاتحة في كل ركعة حتى على المأموم وساق في موضع آخر الأحاديث في وجوب قضاء المسبوق ما فاته، ولم ينازعه الشيخ إلا في هذه القضة، فظاهر صنيعه أنه يسلم ما استدل به البخاري على فرضية القيام، وعلى فرضية قراءة الفاتحة في كل ركعة، حتى على المأموم، وعلى فرضية قضاء ما فات، مع أن تلك الأدلة تتناول هذه القضية المستثناة من ذلك العموم، ويتلخص من كلامه الاحتجاج على هذا التلخيص بأمور: الأول: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا جئتم إلى الصلاة، ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدوها شيئًا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة». قال الشيخ : سكت عليه أبو داود، والمنذري، واحتج به ابن خزيمة في «صحيحه». الثاني: ابن وهب: حدثني يحيى بن حميد، عن قرة بن عبد الرحمن، عن ابن شهاب الزهرى، أخبره أبو سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل أن يقيم الإِمام صلبه». قال الشيخ: أخرجه الدارقطني، وابن خزيمة محتجًا على أن من أدرك الركوع مع الإِمام أدرك الركعة. الثالث: حديث مالك، عن الزهري، على أبي سلمة، على أبي هريرة مرفوعًا: «من أدرك من الصلاة ركعة، فقد أدركها». الرابع: الحسن البصري، عن أبي بكرة، أنه انتهى إلى النبي -ﷺ-، وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي -ﷺ-، فقال: «زادك الله حرصًا، ولا تعد» أخرجه البخاري في «صحيحه»، وذكروا أن فيه دلالتين: الأولى: لولا أن أبا بكرة كان يرى أنه بإدراكه الركوع يدرك الركعة، لَمَا بادر إلى الركوع قبل أن يبلغ إلى الصف. الثانية: أن النبي -ﷺ- أقرّ أبا بكرة على السلام معه، ولم يأمره بإتمام، ولا إعادة. الخامس: أشار الشيخ إلى دليل خامس، وهو أنه ثبت عن جماعة من الصحابة القول بالإدراك، ولم يتحقق عن أحد منهم خلافه، وتبعهم الجمهور. النظر في هذه الأمور أما الحديث الأول: قد تفرد به يحيى بن أبي سليمان، رواه عن زيد أبي عتاب، وسعيد المقبري، عن أبي هريرة. ويحيى هذا قال فيه البخاري: منكر الحديث. روى عنه أبو سعيد عبد الرحمن بن عبد الله بن عبيد مولى بني هاشم، وعبد الله بن رجاء البصري مناكير، يعني وهما ثقتان، فالحمل في تلك المناكير على يحيى، ولم يتبين سماعه من زيد، ولا من المقبري به، ومذهب البخاري وشيخه ابن المديني أن ذلك في حكم المنقطع، وجرى المتأخرون على هذا المذهب، ونسبوه إلى المحققين، وخالفهم مسلم، فذكر في مقدمة «صحيحه» أنه يكتفي بثبوت المعاصرة، وإمكان اللقاء والسماع، لكن في سياق كلامه وفحواه ما يدل على أن مراده الإمكان البَيِّنُ. وقال أبو حاتم في يحيى هذا: مضطرب الحديث ليس بالقوي، يكتب حديثه. وقال البيهقي في «المعرفة» في هذا الحديث: تفرد به يحيى بن أبي سليمان هذا، وليس بالقوي. كذا في التعليق على الدارقطني ص ١٣٢. وذكر البيهقي هذا الحديث في «السنن» جـ ٢ ص ٨٩، ثم قال: تفرد به يحيى بن أبي سليمان المدني، وقد روي بإسناد آخر أضعف من ذلك عن أبي هريرة، ثم ساق الحديث الآتي. وذكر الذهبي يحيى هذا في «ميزانه»، وذكر له حديثًا آخر، كأنه استنكره. وقال ابن خزيمة بعد أن أخرج في «صحيحه» هذا الحديث: وفي القلب شيء من هذا الإسناد، فإني لا أعرف يحيى بن أبي سليمان بعدالة، ولا جرح، وإنما أخرجت خبره؛ لأنه لم يختلف فيه العلماء. كذا في «تهذيب التهذيب». وظاهره أن ابن خزيمة لم يكن حين كتب هذا يعرف اختلافًا في إدراك الركعة بإدراك الركوع، ثم اطلع بعد على الخلاف، فرجع إلى القول بعدم الإدراك، فقد نقلوا ذلك عنه. والله أعلم. ويعارض ما تقدم أن أبا داود أخرج الحديث في «سننه»، وسكت عليه، وقد قال في «رسالته» إلى أهل مكة: ما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته، ومنه ما لا يصح سنده، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح. وأن المنذري سكت عنه، كما ذكره الشيخ وأن ابن حبان ذكر هذا في ثقاته، وأن شعبة روى عنه، كما في ترجمة يحيى من «التهذيب»، وقد ذكروا شعبة فيمن لا يروي إلا عن ثقة، وأن الحاكم أخرج هذا الحديث في «المستدرك» جـ ١ ص ٢١٦، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ويحيى بن أبي سليمان من ثقات المصريين. فأما سكوت أبي داود، فإنما يدل على أنه يرى أن هذا الحديث ليس فيه وهن شديد، وهذا مراده بقوله: صالح، على أنه إنما ذكره في [باب الرجل يدرك الإِمام ساجدًا، كيف يصنع] فلعل مراده أنه ليس فيه وهن شديد بالنسبة إلى ذلك الباب، لأن ذاك الحكم متفق عليه، فلا يلزم من هذا أنه ليس فيه وهن شديد مطلقًا، وقد عرف من تصرفات البخاري في «صحيحه» ما يشبه هذا، فإنه ربما يذكر الحديث في غير مظنته، ويعرض عنه في مظنته، حيث يترجح له في تلك الظنة خلاف ذلك الحديث، كأنه يرى أنه صحيح حيث ذكره لا في مظنته. وأما ابن حبان، فإنه يذكر في «الثقات» كل من روى عن ثقة، وروى عنه ثقة، ولم يجد له منكرًا، خرج هو بذلك في الثقات، فتوسع، كما في ترجمته من «التنكيل» وأوضحت هناك ما يوثق به من توثيق ابن حبان مما لا يوثق به من الثاني كما يعلم مما شرحته هناك . وأما في ترجمة يحيى هذا من «التهذيب»: إن شعبة روى عنه … إلخ، فإن ابن حجر التزم أن يذكر في ترجمة شعبة جميع شيوخه، ولم يذكر فيهم يحيى هذا، وإنما ذكر أبا بَلْج يحيى بن أبي سليم، وهو رجل آخر، فأخشى أن يكون اشتباه، ومع ذلك ففي «فتح المغيث» للسخاوي ص ١٣٤: «من كان لا يروي إلا عن ثقة، إلا في النادر الإِمام أحمد، وشعبة .... وذلك في شعبة على المشهور … وإلا فقد قال عاصم ١ - أن يصرح به كأن يقول: كان متقنًا، أو مستقيم الحديث، أو نحو ذلك. ٢ - أن يكون الرجل من شيوخه الذين جالسهم وخَبَرَهم. ٣ - أن يكون من المعروفين بكثرة الحديث بحيث يعلم أن ابن حبان وقف له على أحاديث كثيرة. ٤ - أن يظهر من سياق كلامه أنه قد عرف ذلك الرجل معرفة جيدة. ٥ - ما دون ذلك. فالأولى: لا تقل عن توثيق غيره من الأئمة، بل لعلها أثبت من توثيق كثير منهم. والثانية: قريب منها. والثالثة: مقبولة. والرابعة: صالحة. والخامسة: لا يؤمن فيها الخلل. انتهى كلامه ﵀. ابن علي: سمعت شعبة يقول: لو لم أحدثكم إلا عن ثقة، لم أحدثكم عن ثلاثة، وفي نسخة عن ثلاثين … وعلى كل حال، فهو لا يروي عن متروك، ولا عمن أجمع على ضعفه. وأما مستدرك الحاكم، فقد عرف أَنَّ فيه تخليطًا كثيرًا، وتساهلًا في التصحيح، وفيما يقع فيه من التوثيق، وقد شرحت ذلك في ترجمة الحاكم من «التنكيل». وقد ذكر هو يحيى هذا في موضع آخر، واقتصر على قوله: يحيى مدني سكن مصر، لم يذكر بجرح. ذكر ذلك ابن حجر في «التهذيب»، وقال: كأنه جعله مصريًا، لرواية أهل مصر عنه. يعني: والمعروف أنه مدني سكن البصرة، فأما رواية بعض المصريين عنه، فكأنهم لقوه بالدينة، أو بالموسم، أو نحو ذلك، وكفى بكلمة البخاري جرحًا، وقد جاء عنه أنه قال: كل من قلت فيه: منكر الحديث، لا تحل الرواية عنه. انظر «فتح المغيث»، طبع الهند ص ١٦٢. ومما يوضح وَهْن هذا الحديث أن يحيى هذا تفرد به عن رجلين معروفين: أحدهما: وهو سعيد المقبري مشهور جدًّا، فكيف يقبل من مثل يحيى مثل هذا التفرد. وأما الحديث الثاني: فتفرد به يحيى بن حميد بن أبي سفيان المعافري المصري، رواه عن قرة بن عبد الرحمن بن حَيْوَئِيل، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. ويحيى بن حميد هذا قال فيه البخاري: مجهول، لا يعتمد على حديثه. وضعفه الدارقطني، وذكره العقيلي في الضعفاء، وتقدم عن البيهقي أن هذا الحديث أضعف من سابقه. وقال ابن يونس في تاريخ مصر: أسند حديثًا واحدًا، وله منقطعات. وقال ابن عدي: تفرد بهذه الزيادة، ولا أعرف له غيره. أقول: وإذا لم يكن له غير هذا الحديث، وقد تفرد به، فكيف يقبل؟. فإِن قيل: فقد ذكره ابن حبان في «الثقات»، وأخرج ابن خزيمة حديثه هذا في «صحيحه». قلت: أما ثقات ابن حبان فقد تقدم ما فيها، وأما ابن خزيمة، فإنه يخرج في «صحيحة» للمجهول إذا لم يستنكر حديثه، وكأنه لم يستنكر هذا؛ لأنه عند كتابة الصحيح كان يرى الإدراك متفقًا عليه بين أهل العلم، كما تقدم في الكلام على الحديث الأولى. ومع هذا فقُرَّةُ بن عبد الرحمن فيه كلام، قال الإِمام أحممد: منكر الحديث. وقال ابن معين: ضعيف الحديث. وقال أبو زرعة: الأحاديث التي يرويها مناكير. وأخرج له مسلم في «صحيحه» مقرونًا بآخر، ولعل اعتماده كان على ذاك الآخر، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وأشار إلى لين فيه. نعم قوله أول الحديث: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها»، معروف صحيح كما يأتي في الحديث الثالث، وإنما المنكر زيادته: «قبل أن يقيم الإِمام صلبه». وقد دفع البخاري في «جزء القراءة» هذه الزيادة بأن مالكًا وجماعة من الأئمة رووا الحديث عن الزهري بسنده، ولم يذكروا هذه الزيادة، قال: وقوله: «قبل أن يقيم الإِمام صلبه» لا معنى له، ولا وجه لزيادته. يعني أن معنى الحديث في رواية مالك والأئمة: من أدرك من الصلاة في وقتها ركعة، أي واحدة من الثنتين اللتين هما الصبح، أو الثلاث التي هي المغرب، أو الأربع التي هي الظهر أو العصر، أو العشاء للمقيم -فقد أدركها- أي أدرك الصلاة أداء، أي أنها لم تفته، وإذا كان كذلك، فلا معنى ولا وجه لزيادة: «قبل أن يقيم الإِمام صلبه»، غاية الأمر أن يكون أحد الرواة توهم أن معنى الحديث: من أدرك الركوع مع الإِمام فقد أدرك الركعة، فزاد هذه الزيادة تفسيرًا في زعمه، وقد جوز بعضهم أن تكون من زيادة الزهري؛ لأنه قد عرف عنه أنه كثيرًا ما يصل الحديث بكلام من عنده على وجه التفسير، أو نحوه، فربما التبس ذلك على بعض الضعفاء، كقُرَّةَ. قال البخاري في موضع آخر من «جزء القراءة»: قال مالك: قال ربيعة للزهري: إذا حدثت، فبيِّنْ كلامك من كلام النبي -ﷺ-، لكن سيأتي في الكلام على الحديث الثالث ما يدفع هذا التجويز، فالظاهر أن الزيادة من قرة بن عبد الرحمن، أو يحيى بن حميد. وأما الحديث الثالث: فلا خلاف في صحته، وهو في «الموطأ»، و«الصحيحين»، وغيرهما، والتشبث به في هذه المسألة مبني على زعم أن معناه: من أدرك من الصلاة مع الإِمام ركوعًا، فقد أدرك الركعة، وقد يستأنس لهذا بالزيادة المتقدمة، وبما في «صحيح مسلم» عن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا: «من أدرك ركعة من الصلاة مع الإِمام، فقد أدرك الصلاة». فأما الزيادة السابقة فقد فسر ما فيها، وأما زيادة: «مع الإِمام»، فقد ردها نفسه، فرواه عن يونس، ومن جماعة، عن الزهري، قال: وليس في حديث أحد منهم. «مع الإِمام». وله في «صحيح البخاري»، و«جزء القراءة»، وسنن … وغيرها طرق كثيرة عن يونس وغيره بدون هذه الزيادة، والظاهر أن الوهم في زيادتها من حرملة، وهو الذي روى عن ابن وهب، عن يحيى بن حميد الحديث، فكأنه جاءه الوهم هناك. وقد أخرج البخاري في «جزء القراءة» من طريق سليمان بن بلال، أخبرني عبيد الله بن عمر، ويحيى بن سعيد، ويونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن النبي -ﷺ- قال: «من أدرك من الصلاة ركعة، فقد أدرك الصلاة، إلا أنه يقضي ما فاته»، وهو ذاك الحديث عينه، وزيادة: «إلا أنه يقضي ما فاته» تدفع زيادة يحيى ابن حميد، وزيادة حرملة. وفي رواية في «صحيح مسلم»، وغيره من طريق الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، مرفوعًا: «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر». والحديث بهذا اللفظ ونحوه أشهر، فقد صح هكذا كما ترى عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وهو سند الأول. وأخرجه البخاري في «الصحيح» بنحوه من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة. وأخرجه مسلم من طريق عطاء بن يسار، وبسر ابن سعيد، والأعرج، عن أبي هريرة. ومن حديث عائشة. ووقع في بعض الروايات بلفظ: «سجدة»، ولفظ حديث عائشة: «من أدرك من الصلاة سجدة …» وفي آخره: «والسجدة إنما هي الركعة». وفي «الفتح» في شرح قوله: «فقد أدرك الصبح»، ويحمل على أنه أدرك الوقت، فإذا صلى ركعة أخرى، فقد كملت صلاته. وقد صرح بذلك في رواية الدراوردي عن زيد بن أسلم، أخرجه البيهقي من وجهين، ولفظه: «من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس، وركعة بعدما تطلع الشمس، فقد أدرك الصلاة». وأصرح منه رواية أبي غسان محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، وهو ابن يسار، عن أبي هريرة بلفظ: «من صلى ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، ثم صلى ما بقي بعد غروب الشمس، فلم تفته العصر». وقال مثل ذلك في الصبح. وقد تقدمت رواية المصنف -يعني البخاري- من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة، وقال فيها: «فليتم صلاته» وللنسائي من وجه آخر: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة كلها إلا أنه يقضي ما فاته». وللبيهقي من وجه آخر: «من أدرك ركعةً من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليصل إليها أخرى» وهذا كله يبين أنه لا وجه لزيادة: «مع الإِمام»، ولا لزيادة: «قبل أن يقيم الإِمام صلبه»، كما يبين أنه لا وجه للتشبث بهذا الحديث في قضية إدراك الركعة بإدراك الركوع. ويوضح ذلك أن أبا هريرة نفسه لم يفهم هذا من الحديث، فقد صح عنه كما يأتي: «لا يجزيك إلا أن تدرك الإِمام قائمًا»، وهكذا الزهري صح عنه أنه ذكر الحديث عن أبي سلمة مرفوعًا بلفظ: «من أدرك من الصلاة ركعة واحدة، فقد أدركها». ثم قال الزهري: «ونرى لما بلغنا عن رسول الله -ﷺ- أنه من أدرك من الجمعة ركعة واحدة، فقد أدرك». يعني أن كون الجمعة مع الإِمام هو في معنى الوقت للصلاة في أن كلًا منهما إذا فات فأتت الصلاة، فإنه كانت السنة بأنه يكفي لإدراك الوقت إدراكُ ركعة، فكذلك ينبغي أن يكفي إدراك الجمعة مع الإِمام إدراك ركعة. ويوضحه أيضًا أن الركعة في عرف الشرع حقيقة في واحدة من الاثنتين اللتين هما الصبح، أو من الثلاث التي هي المغرب، أو من الأربع التي هي الظهر، أو العصر، أو العشاء في حق المقيم، ونحو ذلك. وقد دافع الشيخ عافاه الله، فقال: بل الركعة حقيقة في الركوع لغة وشرعًا كالسجدة، وإطلاقها على ما يشمل القيام والقراءة والركوع والسجود من باب إطلاق الجزء على الكل، كإطلاق السجدة على ذلك، وكإطلاق العين على الجاسوس، والرقبة على العبد. ومما جاء في إطلاقها على الركوع … فذكر حديث يحيى بن أبي سليمان، وحديث يحيى بن حميد المتقدمين، وحديث البراء في وصف صلاة النبي -ﷺ-، وفيه: «فوجدت قيامه، كركعته، وسجدته، واعتداله في الركعة كسجدته»، وستة أحاديث في وصف صلاة الكسوف، ثم قال: فأنت ترى في هذه الأحاديث إطلاق الركعة على الركوع بدون قرينة؛ لأنها حقيقة، وإن كانت اشتهرت في عرف المتأخرين فيما هو أعم من الركوع، فذلك لا ينادي حقيقتها اللغوية والشرعية في الركوع. أقول: في هذا كله نظر، نعم إطلاق ركعة على المرة من الركوع موافق للحقيقة اللغوية، لكن لا يلزم أن يكون هكذا في الشرع. وقوله من باب إطلاق الجزء على الكل حق، فيكون مجازًا، لكن لا يلزم من ذلك أن يكون مجازًا في الشرع، وكافة الحقائق الشرعية -أعني الألفاظ التي نقلها الشارع عن معانيها اللغوية إلى معان شرعية -بين معانيها الشرعية ومعانيها اللغوية علاقات مجازية، كالإيمان، والصلاة، والزكاة، والصيام، وغيرها. وأما تلك الأحاديث التي ذكرها الشيخ، فالأولان لم يثبتا كما مر، ومع ذلك، فالقرينة فيهما قائمة، وهي في الأول قوله: «إذا جئتم إلى الصلاة، ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدوها شيئًا»، وفي الثاني قوله: «قبل أن يقيم الإِمام صلبه»، فكل من هاتين العبارتين يقتضي أن تكون كلمة «ركعة» في بقية الحديث مرادًا بها الركوع، فلولا هذا الاقتضاء لما سلمنا أن الركعة في الحديثين عبارة عن الركوع، على أننا إنما نسلم ذلك على فرض صحة الزيادة المقتضية، فأما إذا أبطلناها فلا، كما تقدم. والقراءة في حديث البراء في قوله: «قيامه كركعته» إنه من الممتنع أن يكون القيام وحده مساويًا لما يشمله، ويشمل الركوع والاعتدال والسجدتين والجلسة بينهما، ضرورة أن الجزء لا يساوي الكل. وأما قوله فيه: «واعتداله في الركعة كسجدته» فالقرينة فيه أنه يظهر أن تعريف الركعة للعهد الذكري، وبذلك تكون الثانية عين الأولى، ويساعد ذلك قوله: «واعتداله»، ومع هذا فليس هذا اللفظ في الصحيح، والذي في البخاري: «كان ركوع النبي -ﷺ- وسجوده، وإذا رفع رأسه من الركوع، وبين السجدتين قريبًا من السواء» ونحوه في صحيح مسلم في رواية، وفي أخرى: «فوجدت قيامه، فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين …». وأصل هذا الحديث من لفظ الصحابي، لا من لفظ النبي -ﷺ-، ومع ذلك فقد اختلفت رواياتها وألفاظها، فيمكن أن يكون ما وقع في بعض الروايات من التعبير عن الركوع بالركعة إنما هو ممن بعد الصحابي. وأما الأحاديث في صلاة الكسوف فأصلها من لفظ الصحابي أيضًا، ومع ذلك اختلفت رواياتها، وألفاظها، فيمكن أن يكون ما وقع في بعض الروايات من التعبير عن الركوع بالركعة، إنما هو ممن بعد الصحابي، ومع ذلك فالقرينة قائمة، وهي ما يعلم من السياق والروايات الأخرى، وأرى الأمر في ذلك أوضح من أن يحتاج إلى الإطالة. على أن ورود الكلمة في النصوص الشرعية مع دلالة القرينة على أن المراد منها معناها اللغوي لا يدفع أن يكون الشرع نقلها إلى معنى آخر تكون فيه حقيقة شرعية، هذه «صلاة» نقلها الشارع إلى معنى غير معناها لغة، ومع ذلك وردت في عدة نصوص بحسب معناها اللغوي، كقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقوله: ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ٩٩]، وقوله: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. فإن قيل: فإنه يكفي القائل بأن لفظ «ركعة» حقيقة شرعية في المرة من الركوع أن يقول: قد ثبت أنها حقيقة لغوية في ذلك، والأصل موافقة الشرع للغة؟ قلت: فعلينا البيان: في الصلاة الشرعية أمران كل منهما إلى لفظ يدل عليه: الأول: المرة من الركوع. والثاني: الواحدة التي تتألف صلاة المغرب من ثلاث منها، والصبح والجمعة من اثنتين، وكذا بقية الفرائض في حق المسافر، أما المقيم فمن أربع، وهكذا يختلف حال سائر الصلوات، كالعيدين والاستسقاء، والنوافل، والحاجة في الشرع إلى ذكر الثاني أكثر منهما إلى ذكر الأول، وبتتبع النصوص الشرعية يتضح أنها تعبر عن الأول غالبًا بالركوع، وتعبر عن الثاني بالركعة، وكثر هذا جدًّا من لفظ النبي -ﷺ-، ولفظ أصحابه في حياته، وبعد وفاته، وبتدبر ذلك يتبين أن الذي كان يتبادر في عهده -ﷺ- من كلمة «ركعة» في الكلام الشرعي هو الأمر الثاني، فهي حقيقة شرعية. فمما ورد من لفظ النبي -ﷺ- خاصة، مما ورد في الصحيح، أو أحدهما حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس .... ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس …»، وحديث عائشة مرفوعًا نحوه، وحديثها مرفوعًا: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها»، وحديث عثمان مرفوعا: «من توضأ نحو وضوئي هذا، تم صلى ركعتين …» وحديث أبي قتادة مرفوعًا: «إذا دخل أحدكم المسجد، فليصل ركعتين»، وحديث جابر في القدوم من سفر مرفوعًا: «صل ركعتين»، وحديثه في الداخل يوم الجمعة وقت الخطبة مرفوعًا: «قم فصل ركعتين»، وحديثه أيضًا مرفوعًا «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، وقد خرج الإِمام، فليصل ركعتين». وحديثه في الاستخارة مرفوعًا: «… فليركع ركعتين من غير الفريضة …»، وحديث أبي ذرّ مرفوعًا: «… ويجزىء من ذلك كله ركعتان يركعهما في الضحى»، وحديث أم حبيبة مرفوعًا: «من صلى اثنتي عشرة ركعة …» وحديث ابن عمر مرفوعًا: «الوتر ركعة من آخر الليل»، وحديثه أيضًا مرفوعًا: «فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة». إلى غير ذلك من الأحاديث في «الصحيحين»، وأما في غيرهما فكثير. ومما في «الصحيحين»، أو أحدهما الأحاديث التي ينص فيها على العدد فقط، كحديث أبي سعيد مرفوعًا: «إذا شك أحدكم فلم يدر كم صلى، ثلاثًا، أم أربعًا، فليطرح، وليس على ما استيقن، ثم يسجد … فإن كان صلى خمسًا، شفعن له صلاته، وإن كان صلى تمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان». فإن المتبادر الواضح أن المراد ثلاث ركعات .... وهكذا، ومثل هذا في الأحاديث كثير، ويدخل فيه تسمية صلاة الوتر وترًا، وقول الله ﵎: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣]. على ما رواه الإِمام أحمد وغيره عن عمران بن حصين أن النبي -ﷺ- سئل عن ذلك؟ فقال: «الصلاة بعضها شفع، وبعضها وتر». وأما الحديث الرابع: وهو حديث الحسن عن أبي بكرة ففي «الفتح»: أعله بعضهم بأن الحسن عنعنه، وقيل: إنه لم يسمع عن أبي بكرة، وإنما يروي عن الأحنف، عنه، ورُدّ هذا الإعلال برواية سعيد ابن أبي عروبة، عن الأعلم، قال حدثني الحسن أن أبا بكرة حدثه. أخرجه أبو داود والنسائي. أقول: وهكذا رأيته في عدة نسخ من «المجتبى» من سنن النسائي، لكنه في نسخ عن أبي داود: «أن أبا بكرة حدث» وهذا في حكم العنعنة، وبين سياق أبي داود والنسائي اختلاف، مع أن السند واحد، روياه عن حميد بن مسعدة، عن يزيد بن زريع، ممن سمع منه قديمًا، والحسن معروف بالرواية عمن لم يلقه، بل وصف بالتدليس، كما في «طبقات المدلسين» لابن حجر، وروايته عن الأحنف، عن أبي بكرة مشهورة في حديث: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما .. .» لكن لا يلزم من ذلك أن لا يكون يسمع من رجل غير الأحنف، عن أبي بكرة، وقد يشد الاتصال أن البخاري أخرج الحديث في «صحيحه»، ومذهبه اشتراط اللقاء حتى فيمن لم يعرف بالتدليس، ولا بالرواية عمن لم يلقه، فما بالك بهذا. وفي «مراسيل ابن أبي حاتم»، عن بهز بن أسد في شأن الحسن: «وسمع من أبي بكرة شيئًا». وعلى كل حال، فلم تسلم صحة هذا الحديث من مقال . ولننظر فيما ذكر من الدلالتين: فأما الأولى: وهي قولهم: لولا أن أبا بكرة كان يرى أنه بإدراكه الركوع يدرك الركعة لما بادر إلى الركوع قبل أن يبلغ الصف. ففيها نظر، لماذا لا يبادر لإدراك أفضل الركوع مع النبي -ﷺ-، وإني علم أنه لا تحسب له ركعة؟ بل قد يقال: إن هذا هو الذي ينبغي أن يظن بالصحابي، لا أن يظن به أنه حرص على إدراك الركعة، وإن فاته الخير الكثير فيها تفاديًا من أن يكون عليه ركعة أخرى بعد سلام الإِمام، فإن هذا يدل على الكسل والتبرم بالتعب اليسير في العبادة، والرغبة عن زيادة الأجر، فإنه إذا أدرك بعض الركعة، ولم تحسب له، ثم صلاها بعد سلام الإِمام كتب له أجر الصلاة كاملة وزيادة أجر ما أدركه من تلك الركعة، فأما من لم يدرك إلا بعض الركعة، وحسبت له ركعة، فإنه يفوته بعض أجر الصلاة كما لا يخفى، وقول النبي -ﷺ-: «زادك الله حرصًا، ولا تعد» يشعر بما ذكرنا، فإنه يدل أن ذاك الحرص محمود، فلذلك دعا له بالزيادة منه، وإنما نهى عن العود إلى الإخلال بالشروع من السكينة والوقار ونظم الصلاة، والحرص المحمود، وهو الحرص على زيادة الأجر، لا على التخلص من زيادة العمل غير مبال بما فيها من زيادة الأجر. فإِن قيل: فإن في «جزء القراءة» للبخاري من طريق عبد الله بن عيسى الخزاز ، عن يونس، عن الحسن، عن أبي بكرة .. فلما قضى رسول الله -ﷺ- قال لأبي بكرة: «أنت صاحب النفس؟» قال: نعم جعلني الله فداءك، خشيت أن تفوتني ركعة معك، فأسرعت المشي، فقال له رسول الله -ﷺ-: «زادك الله حرصًا، ولا تعد، صل ما أدركت، واقض ما سبق». وفي «مسند أحمد» جـ ٥ ص ٤٢ … بشار الخياط، قال: «سمعت عبد العزيز بن أبي بكرة، يحدث أن أبا بكرة جاء، والنبي -ﷺ- راكع … فسمع النبي -ﷺ- صوت نعل أبي بكرة، وهو يحضر، يريد أن يدرك الركعة ....». قلت: عبد الله بن عيسى الخزاز مجمع على ضعفه، وبشار الخياط هو ابن عبد الملك، ضعفه ابن معين، فلا ينفعه ذكر ابن حبان له في ثقاته، لما عرف من توسعه، وشيخُهُ عبد العزيز فيه مقال، وروايته مرسلة؛ لأنه لم يدرك القصة، ولعل قوله: «يريد الركعة» من ظن عبد العزيز، ومع ذلك فوقوع كلمة «ركعة» في هاتين الروايتين في سياق بيان أنه جاء، والنبي -ﷺ- راكع، ربما يسوغ في حملها على معنى الركوع. والله أعلم. وأما الدلالة الثانية: وهي قولهم: إن النبي -ﷺ- أقرّ أبا بكرة على السلام معه، ولم يأمره بإتمام ولا إعادة، ففي هذه الدعوى نظر، ولفظ البخاري في الصحيح من طريق همام، عن زياد الأعلم، عن الحسن، عن أبي بكرة … فذكر ذلك للنبي -ﷺ-، فقال: «زادك الله حرصًا، ولا تعد» كما تقدم أول الرسالة، وليس فيه ما يثبت هذه الدعوى، ونحو ذلك في سنن أبي داود، والنسائي من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن زياد الأعلم، ونحوه في «مسند أحمد» جـ ٥ ص ٣٩ من طريق أشعث، عن زياد الأعلم، ونحوه في «المسند» جـ ٥ ص ٤٦ من طريق قتادة وهشام، عن الحسن المصري. ورواه حماد بن سلمة، عن زياد الأعلم بسنده، واختلف على حماد، ففي «المسند» جـ ٥ ص ٤٥، عن عفان، عن حماد بنحو رواية الجماعة. وفي «سنن أبي داود» عن موسى بن إسماعيل، عن حماد، وفيه: «فلما قضى النبي -ﷺ- صلاته قال:«أيكم الذي ركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف؟ «فقال أبو بكرة: أنا …». وأرى رواية عفان أرجح لمزيد إتقان عفان، ولموافقته رواية الجماعة، كما تقدم، وحماد بن سلمة على إمامته كان يخطىء، وقد ووى بهذا الإسناد عينه حديثًا آخر في تقدم النبي -ﷺ- ليؤمهم، وتذكره أن عليه غسلًا، وفي آخر: فلما قضى الصلاة، قال: «إنما أنا بشر». وقد لا بيعد أن يكون ذهن حماد انتقل من أحد الحديثين إلى الآخر، ثم أتم التفسير بما يناسب، وجاء نحو هذه الزيادة في رواية عبد الله بن عيسى الخزاز، وفي رواية بشار الخياط، عن عبد العزيز بن أبي بكرة، وفي رواية نقلها الشيخ أول الرسالة عن «التلخيص الحبير»، عن ابن السكن، فلا أدري ما سندها؟ وعسى أن تكون راجعة إلى ما ذكر. وعلى كل حال، فالروايات الصحيحة المتينة لا أثر فيها لقوله: «فلما قضى ....» ولا ما في معناها، على أنها لو صحت لما كانت صريحة في الفورية، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]. ومعلوم أن بين القضاء والتزويج مهلة. وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص: ٢٩]، وبين قضائه الأجل، وشروعه في السير، وبين الإيناس مهلة. وعلى فرض صحة تلك الزيادة، وأن الظاهر في مثلها الفورية، فقد يكون أبو بكرة ممن يرى أن الركعة لا تدرك بالركوع، فرأى أن السياق قرينة على عدم الفورية، فيكون النبي -ﷺ- قد علم أن النهي لم يدرك إلا الركوع سيقوم لإتمام صلاته ، فلما سلم، وقام بعضهم يتم اشتغل النبي -ﷺ- بالذكر حتى سلم من سُبقَ، وحينَئذ سأل النبي -ﷺ-. وأرى أن من تدبر، وأنعم النظر لأن هذا احتمال غير بعيد، بل يتبين له أنه ليس هناك ما يدل دلالة تقوم بها الحجة على أن ركوع النبي -ﷺ- الذي أدركه أبو بكرة هو الركوع في الركعة الأولى، بل من المحتمل أن يكون هو الركوع في الثاثية، وهب أنه يَقْوَى عندك أنه الركوع في الركعة الأولى، وأن النبي -ﷺ- سأل عقب السلام، فأجابه أبو بكرة فورًا، فهل تجد تلك القوة كافيةً لتخصيص هذه القضية من النصوص العامة الموجية للقيام، ولقراءة الفاتحة، ولقضاء المسبوق ما قد فاته إلى غير ذلك مما مر، ويأتي؟. وأما الأمر الخامس: فقد أجاب عنه البخاري في «جزء القراءة» بقوله: ثنا عبيد بن يعيش، قال: حدثنا يونس، قال: حدثنا ابن إسحاق قال: أخبرني الأعرج، قال: سمعت أبا هريرة يقول: لا يجزيك إلا أن تدرك الإِمام قائمًا قبل أن يركع. حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، قال: قال أبو سعيد ﵁: لا يركع أحدكم حتى يقرأ أم القرآن. قال البخاري: وكانت عائشة تقول ذلك، وقال علي بن عبد الله (ابن المديني): إنما أجاز إدراك الركوع من أصحاب النبي -ﷺ- الذين لم يروا القراءة خلف الإِمام، منهم ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عمر، فأما من رأى القراءة، فإن أبا هريرة، قال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي؛ وقال: لا تعتد بها حتى تدرك الإِمام قائمًا. وقال البخاري في موضع آخر: حدثني معقل بن مالك، ثنا أبو عوانة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة، قال: إذا أدركت القوم ركوعًا لم تعتد بتلك الركعة. وقال في موضع آخر: عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن جعفر ابن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، أن أبا سعيد الخدري، كان يقول: لا يركعن أحدكم حتى يقرأ بفاتحة الكتاب. قال: وكانت عائشة تقول ذلك. أجاب الشيخ -عافاه الله- بقوله: ما حكاه البخاري عن أبي هريرة، هو من طريق ابن إسحاق، ومعارض بما ذكر مالك في «الموطأ» بخلافه، ويقول شارحه ابن عبد البر: هذا قول لا نعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قال به. وفي إسناده نظر، وما حكاه عن أبي سعيد، وعائشة من قولها، ليس نصًا صريحًا في عدم الاعتداد، بل هو في إتمام الفاتحة قبل أن يركع. أقول : محمد بن إسحاق ثقة عند كبار الأئمة، وقد ساق البخاري في «جزء القراءة» كلامًا طويلًا في تثبيته، وقد صرح هنا بالسماع، فانتفت تهمة التدليس، فأما ما في «الموطأ»، فبلاغ منقطع، لا تقوم به حجة، وربما يكون مالك إنما أخذه من عبد الرحمن بن إسحاق، فقد أشار البخاري إلى روايته نحو ذلك، وساق البخاري كلامًا في توهين عبد الرحمن هذا. والبخاري وشيخه ابن المديني إمامان مجتهدان مقدمان في معرفة النقل، والنَّقَلَة، فلا يدفع كلامهما في ذلك إلا بحجة واضحة. وما ذكره عن أبي سعيد، وعائشة إنما إحتجا به؛ لأنه يدل على أن المأموم إذا أدرك الإِمام قبيل الركوع لم يكن له أن يدع الفاتحة، أو بعضها، ثم يعتد بتلك الركعة، فإذا لم يتحمل عنه الإِمام بعضًا من الفاتحة فقط، فلأن لا يتحملها عنه كلها ومعها القيام أولى. وإذا كان الظاهر أن القول بالإدراك مخالف للقول بافتراض الفاتحة على المأموم، وكان المصرحون من الصحابة بالإدراك هم من الذين عرف عنهم القول بعدم افتراض الفاتحة على المأموم، وجاء عن جماعة من القائلين بالافتراض من الصحابة ما هو صريح، أو ظاهر في عدم الإدراك، ولم يثبت عن أحد منهم خلاف ذلك، فإنه يقوي جِدًّا ظن أن القائلين بالافتراض قائلون لعدم الإدراك، فكلام البخاري، وشيخه متين جدًّا. وأما أن الجمهور الغالب على الإدراك فحق، ولكن هل يكفي هذا لتخصيص النصوص الدالة على فرضية القيام، وفرضية الفاتحة، وفرضية قضاء ما فات؟ ومع تلك الأدلة الاعتبار الواضح، فإن المعهود في فرائض الصلاة أن لا يسقط شيء منها إلا لعذر بيّنٍ، وليس المسبوقية كذلك، لتمكن المسبوق بدون مشقة تُذكَرُ من الإتمام بعد سلام الإمام. ومن المسبوقين من يكون مقصرًا تقصيرًا واضحًا، فقد رأينا من يتكاسل عن القيام، فلا يكبر إلا عند ركوع الإِمام، ومنهم من يتشاغل بمحادثة رفيقه، أو تجميل لبسته، أو التفرج على بعض الأشياء، أو بتخطي الصفوف ليزاحم في الصف الأول بدون فرجة فيه، أو يتشاغل بذكر، أو دعاء إلى غير ذلك، والقائلون بالإدراك لم يفرقوا فيما أعلم. نعم لا ينكر أن للقول بالإدراك قوة مَّا، لذهاب الجمهور -ومنهم جماعة من علماء الصحابة- إليه، وما جاء مما يدل عليه على ما فيه، فلا لوم على من قوي عنده جدًّا، فقال به. فأما أنا فلا أرى له تلك القوة، والأصل بقاء النصوص على عمومها، واشتغال الذمة بالصلاة كاملة، والله الموفق. انتهت رسالة الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى بن علي المعلمي رحمه الله تعالى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حققه الشيخ ﵀ من أنه لا تدرك الركعة لإدراك الركوع دون القراءة هو الصواب لمن تدبره بالإنصاف، ولم يسلك مسلك الجمود والاعتساف. فلقد بذل جهده في تحقيق هذا الموضوع المهم، وأعمل فكره الوقّاد، فأسهب وأعاد، وأجاد، وأفاد، فجزاه الله تعالى على ذلك خير الجزاء. ومنه يعلم جواب ما كتبه الشيخ الألباني في «إرواء الغليل» جـ ٢ ص ٢٦٠ - ٢٦٦، وهي «السلسلة الصحيحة» جـ ١ ص ٤٠١ - ٤٠٨ منتصرًا لمذهب القائلين بالاعتداد، فصحح الأحاديث الضعيفة التي مر بيانها، فلقد أجاب الشيخ المعلمي ﵀ عن ذلك بما كفى وشفى لمن تأمل واكتفى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إِبراهيم، إِنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إِبراهيم إنك حميد مجيد. «السلام على النبي ورحمة الله وبركاته». سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إِله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إِليك. قال الجامع الفقير إِلى مولاه الغني القدير، محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الإتْيَوبي الوَلّوِيّ نزيل مكة -عفا الله عنه وعن والديه، آمين-: بحمد الله تعالى، وحسن توفيقه، تم الجزء العاشر من شرح الإِمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي رحمه الله تعالى، المسمى (ذخيرة العُقبى في شرح المجتبى) في مكة المكرمة، حَي الهِنْدَاوية. ويليه الجزء الحادي عشر مُفْتَتَحًا بـ (الإِسراع إِلى الصلاة من غير سعي). ٨٥/ ٨٦٢. أسأل الله تعالى الكريم أن يمنّ عليّ بإِتمام هذا الشرح على الوجه المطلوب، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، ونافعًا لي ولكل من تلقاه، إنه بعباده رؤوف رحيم. آمين. *** شرح سنن النسائي المسَمَّى ذخيرة العقبى في شرح المجتبى لجامعة الفقير إلى مولاه الغني القدير محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الإتيوبي الوَلَّوي المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة عفا الله عنه وعن والديه آمين الجزء الحادي عشر دَار آل بُروم للنشر والتوزيع بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله الرحمن الرحيم جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م دَار آل بروم للنشر والتوزيع المملكة العربية السعودية - مكة المكرمة - المكتب الرئيسي التنعيم صَ بُ: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوال ٠٥٥٥٤١٠٢٦) شرح سنن النسائي
مصادر المؤلف (٣٣)

١. فتح جـ ٢ ص ٣٢٨ - ٣٢٩.

٢. طرح التثريب جـ ٢ ص ٣٥٦ - ٣٥٧.

٣. شرح السندي جـ ٢ ص ١١٥.

٤. فتح جـ ٢ ص ٣٢٩.

٥. قال: وقال بعضهم -يريد صاحب الفتح-: ثم إن الذي علل بقوله: لأنه متعد بنفسه غير موف بمقصوده، إذ لا يلزم من كونه يتعدى بنفسه امتناع تعديه بالباء. اهـ. قلت: هذا القائل لم يشم شيئًا من علم التصريف، ونفي الملازمة غير صحيح. اهـ.

٦. طرح جـ ٢ ص ٣٥٧ - ٣٥٨.

٧. جـ ٢ ص ٣٣٠ - ٣٣١.

٨. فتح جـ ٢ ص ٣٢٨ - ٣٢٩.

٩. طرح التثريب جـ ٢ ص ٣٥٥ - ٣٥٦.

١٠. هكذا عبارة «الأوسط» ولعك صواب العبارة: «ومن قال: جائز أن يسعى إلخ». وهو عطف على ما قبله، أي وأغفل من قال: جائز إلخ، فليتأمل.

١١. الأوسط جـ ٤ ص ١٤٧.

١٢. التمهيد جـ ٢٠ ص ٢٣٣ - ٢٣٤. الاستذكار جـ ٤ ص ٣٨.

١٣. طرح التثريب جـ ٢ ص ٣٥٨.

١٤. طرح التثريب جـ ٢ ص ٣٥٨

١٥. المصدر المذكور جـ ٢ ص ٣٥٩.

١٦. طرح التثريب جـ ٢ ص ٣٦١ - ٣٦٣.

١٧. جـ ٢ ص ٣٣١.

١٨. قال الجامع عفا الله عنه: لم يصحح ابن خزيمة ﵀ الحديث، بل أشار إلى ضعفه، فقال بعد إخراجه، ما نصه: قال أبو بكر: في القلب من هذا الإسناد، فإني =

١٩. نيل الأوطار جـ ٣ ص ٦٧ - ٧٠.

٢٠. الرسالة مطبوعة بتحقيق عبد الرحمن بن عبد القادر المعلمي -مكتبة الإرشاد- صنعاء.

٢١. هو الشيخ محمد بن عبد الرزاق حمزة، ولد بمصر سنة ١٣١١ هـ، وتعلم بها، وسافر إلى مكة عام ١٣٤٤ هـ فتولى خطابة الحرم النبوي وإمامته، ثم نقل بعد سنتين إلى الحرم المكي مدرسًا للحديث والتفسير، وله مصنفات، وتوفي بمكة سنة ١٣٩٢. من الأعلام للزركلي جـ ٦ ص ٢٠٣.

٢٢. يعني الشيخ محمد عبد الرازق حمزة.

٢٣. الكلام هنا غير ملتئم، ولعل صواب العبارة: وهذا من الثاني، فليحرر.

٢٤. قال في«التنكيل» جـ ١ ص ٤٥٠ - ٤٥١ والتحقيق أن توثيقه على درجات:

٢٥. بياض بالأصل. ولعله «في سنن البيهقي» كما يرشد إليه كلامه فيما بَعْدُ. والله أعلم.

٢٦. هو الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة الذي ناقشه المصنف في هذه الرسالة.

٢٧. قال الجامع عفا الله عنه: أقول: لا شك في ترجيح صحته، كما جزم به البخاري، وصح تصريح الحسن بالتحديث عند النسائي، فلو فتحنا مثل الاحتمال والشك في الأحاديث الصحاح لما سلم لنا منها إلا القليل، ولاسيما فيما أخرجه أصحاب الصحاح. فتبصر.

٢٨. هكذا في الأصل، ولعل الصواب«فضل الركوع».

٢٩. «الخزَّاز» بمعجمات كما في «ت».

٣٠. هكذا عبارة الأصل، وفيها ركاكة، ولعل صواب العبارة: «فيكون النبي -ﷺ- قد عَلِمَ أن من لم يُدرك إلا الركوع سيقوم لإتمام صلاته إلخ». فليحرر.

٣١. وقع في نسخة «جزء القراءة»: ما لفظه: «حدثنا إسحاق»، بإسقاط لفظة «ابن»، والظاهر أنه غلط، والصواب: «ابن إسحاق» والله تعالى أعلم.

٣٢. هو الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة.

٣٣. القائل هو الشيخ المعلمي المناقش للشيخ محمد عبد الرزاق حمزة.