HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٩٣٥

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، قَالَ اللهُ ﷿: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قَالَ: جَمْعَهُ فِي صَدْرِكَ، ثُمَّ تَقْرَأَهُ، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ، وَأَنْصِتْ؛ فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ قَرَأَهُ، كَمَا أَقْرَأَهُ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص309
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٢ ص ١٤٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, صحيح البخاري, صحيح مسلم, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٢ ص١٢٢
٩٣٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ [القيامة: ١٦، ١٧]. قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ [القيامة: ١٦، ١٧]، قَالَ: جَمْعَهُ فِي صَدْرِكَ، ثُمَّ تَقْرَأَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ، فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ، وَأَنْصِتْ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ قَرَأَهُ كَمَا أَقْرَأَهُ». رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، تقة ثبت [١٠]، تقدم في ١/ ١. ٢ - (أبو عوانة) الوَضَّاحُ بن عبد الله اليشكري مولاهم الواسطي البزاز، مشهور بكنيته، ثقة ثبت [٧]، مالت سنة ١٧٥، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤١/ ٤٦. ٣ - (موسى بن أبي عائشة) الهمْداني -بسكون الميم- مولاهم، أبو الحسن الكوفي، ثقة عابد، يرسل [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٠/ ٨٣٤. ٤ - (سعيد بن جُبَير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه [٣] قتل سنة ٩٥ - ولم يكمل الخمسين، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٨/ ٤٣٦. ٥ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر ﵁، تقدم في ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات أثبات، وأنهم من رجال الجماعة، وأن شيخه بغلاني، وشيخ شيخه واسطي، والصحابي بصري، والباقيان كوفيان. ومنها: أنهم من الأفراد، لا يشاركهم أحد من الرواة في أسمائهم مع أسماء آبائهم. ومنها: أن أبا عوانة كان كتابه في غاية الإتقان. ومنها: أن موسى بن أبي عائشة لا يعرف اسم أبيه. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي موسى، عن سعيد. ومنها: أن صحابيه أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى -١٦٩٦ - حديثًا، اتفق الشيخان منها على ٧٥ وانفرد البخاري بـ ٢٨ ومسلم بـ ٤٩ حديثًا. ومنها: أن فيه الإخبارَ في أوله، والتحديث في ثانيه، والعنعنة في الباقي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن ابن عباس) ﵄ (في قوله تعالى) أي في توضيحِ معانيه، وبيان سبب نزوله ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦، ١٧]. قال الحافظ ابن كثير ﵀: هذا تعليم من الله تعالى لرسوله - ﷺ - في كيفية تلقيه الوحي من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك في قراءته، فأمره الله ﷿ إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له، وتكفل الله له أن يجمعه في صدره، وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه، وأن يبينه له، ويفسره، ويوضحه، فالحالة الأولى جمعه في صدره، والثانية تلاوته، والثالثة تفسيره، وإيضاح معناه، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] أي بالقرآن، كما قال تعالى. ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] انتهى . (قال: كان النبي - ﷺ -) لفظة «كان» في مثل هذا التركيب تفيد الاستمرار (يعالج من التنزيل شدة) المعالجة: محاولة الشيء بمشقة. و«شدة» بالنصب مفعول «يعالج». وقال الكرماني ﵀: يجوز أن يكون مفعولًا مطلقًا له، أي يعالج معالجة شديدة. اهـ. فعلى هذا يحتاج إلى شيئين: أحدهما: تقدير المفعول به لـ«يعالج». والثاني: تأويل الشدة بالشديدة، وتقدير الموصوف لها، فافهم. قاله البدر العيني رحمه الله تعالى. (وكان مما يحرك شفتيه) إنما كرر لفظة «كان» لطول الكلام، وقد قال العلماء: إذا طال الكلام جاز إعادة اللفظ، ونحوه، كقوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥]، فأعاد «أنكم» لطول الكلام، وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ ﴿عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٨٩] إلى قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ [البقرة: ٨٩]. قاله النووي رحمه الله تعالى . واختلفوا في معنى هذا الكلام، وتقديِرِه، فقال القاضي عياض معناه: كثيرًا ما كان يفعل ذلك. قال: وقَيل: معناه هذا من شأنه، ودَأبِهِ، فجعل «ما» كناية عن ذلك، وأدغمت نون «مِنْ» في ميم «ما». ومنه قوله في حديث سمرة ﵁: «كان رسول الله - ﷺ - إذا صلى الصبح مما يقول لأصحابه مَنْ رأى منكم رؤيا» أي هذا شأنه. وحديث البراء ﵁: «كنا إذا صلينا خلف النبي - ﷺ - مما نحب أن نكون عن يمينه». أي هذا شأننا. وقال بعضهم: معناه «ربما» لأن «مِنْ» إذا وقع بعدها «ما» كانت بمعنى «ربما»، قاله الشيرازي، وابن خروف، وابن طاهر، والأعلم، وخرّجوا عليه قول سيبويه: «واعلم أنهم مما يحذفون كذا». وأنشدوا قول الشاعر [من الطويل]: وَإِنَّا لَمِمَّا نَضْرِبُ الْكَبْشَ ضَرْبَةً … عَلى رَأسهِ نُلْقِي اللِّسَانَ مِنَ الفَمِ وقال الكرماني: أي كان العلاج ناشئًا من تحريك الشفتين، أي مبدأ العلاج منه. وفيه نظر، لأنه جعل اسم كان ضميرًا يعود على العلاج المفهوم من «يعالج»، والأقرب كونه ضمير النبي - ﷺ -، ولأن الشدة -كما قال الحافظ- حاصلة قبل التحريك. قال الكرماني: أو «ما» بمعنى «مَنْ»، إذ قد تجيء للعقلاء أيضًا، أي وكان ممن يحرك شفتيه . زاد في الرواية الآتية في التفسير من «الكبرى» جـ ٦ ص ٥٠٣ -: «قال ابن عباس: أنا أحركهما لك كما كان رسول الله - ﷺ - يحركهما، قال سعيد: وأنا أحركهما كما كان ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه، فأنزل الله ﷿: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] … ونحوه عند الشيخين، ولفظ البخاري في»بدء الوحي«:»فقال ابن عباس، فأنا أحركهما لكم، كما كان رسول الله - ﷺ - يحركهما، وقال سعيد: أنا أحركهما، كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦]. قال في الفتح: قوله: «فقال ابن عباس: فأنا أحركهما» جملة معترضة بالفاء، وذلك جائز، كما في قول الشاعر: وَاعْلَمْ فَعِلْمُ الْمَرْءِ ينْفَعُهُ … أن سَوْفَ يأتِي كُلُّ ما قُدرَا وفائدة هذا زيادة البيان في الوصف على القول، وعَبَّرَ في الأول بقوله: «كان يحركهما»، وفي الثاني بـ «رأيت»، لأن ابن عباس لم ير النبي - ﷺ - في تلك الحالة، لأن سورة «القيامة» مكية باتفاق، بل الظاهر أن نزول هذه الآيات كان في أول الأمر، وإلى هذا جنح البخاري في إيراده في «بدء الوحي»، ولم يكن ابن عباس إذ ذاك وُلِدَ، لأنه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين. لكن يجوز أن يكون النبي - ﷺ - أخبره بذلك بَعْدُ، أو بعض الصحابة أخبره أنه شاهد النبي - ﷺ -، والأول هو الصواب، فقد ثبت ذلك صريحًا عند أبي داود الطيالسي، في مسنده من أبي عوانة بسنده بلفظ: «قال ابن عباس: فأنا أحرك لك شفتي كما رأيت رسول الله - ﷺ -» . وأما سعيد بن جبير فرأى ذلك من ابن عباس بلا نزاع. ولا تنافي بين قوله: «فحرك شفتيه»، وقوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامه: ١٦]، لأن تحريك الشفتين بالكلام المشتمل على الحروف التي لا ينطق بها إلا اللسان يلزم منه تحريك اللسان، أو اكتفى بالشفتين، وحذف اللسان لوضوحه، لأنه الأصل في النطق، إذ الأصل حركة الفم، وكل من الحركتين ناشئ عن ذلك. ويدل عليه رواية البخاري في التفسير من طريق جرير: «يحرك لسانه وشفتيه»، فجمع بينهما. وكان النبي - ﷺ - في ابتداء الأمر إذا لقن القرآن نازع جبريل القراءة، ولم يصبر حتى يتمها، مسارعةً إلى الحفظ، لئلا ينفلت منه شيء. قاله الحسن وغيره. ووقع في رواية الترمذي: «يحرك به لسانه يريد أن يحفظه». وللنسائي: «يعجل بقراءته ليحفظه». ولابن أبي حاتم: «يتلقى أوله، ويحرك به شفتيه، خشية أن ينسى أولَه قبل أن يفرغ من آخره». وفي رواية الطبري، عن الشعبي: «عجل يتكلم به من حبه إياه». وكلا الأمرين مراد. ولا تنافي بن محبته إياه، والشدة التي تلحقه في ذلك، فأمر بأن يُنصتَ حتى يُقضَى إليه وَحْيُه، وَوُعِدَ بأنه آمن من تفلته منه بالنسيان، أو غيره. ونحوُهُ قوله تعالى. ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]. أي بالقراءة. انتهى ما في «الفتح» بزيادة من «عمدة القاري» . (قال الله ﷿) وفي رواية «الكبرى» في التفسير: «فأنزل الله ﷿» (﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦] الضمير عائد على القرآن، وإن لم يجر له ذكر، لكن القرآن يرشد إليه، بل دلّ عليه سياق الآية. أي لا تعجل بقراءة القرآن ما دام جبريل يقرؤه. واحتج بهذا من جوز اجتهاد النبي - ﷺ -، وجوز الفخر الرازي أن يكون أذن له في الاستعجال إلى وقت ورود النهي عن ذلك، فلا يلزم وقوع الاجتهاد في ذلك . (﴿لِتَعْجَلَ بِه﴾ [القيامة: ١٦]) أي لتأخذه على عجلة، ثم علل النهي عن العجلة بقوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]) أي جمعه في صدرك، وإثبات قراءته في لسانك، كما أشار إليه بقوله: (قال) أي ابن عباس ﵄ مفسرًا لهذه الجملة (جمعه في صدرك) رواية المصنف أوضح من رواية البخاري في «بدء الوحي»، ولفظه: «جمعه لك صَدْركُ». برفع صدرُك على الفاعلية، قال في الفتح: كذا في أكثر الروايات، وفيه إسناد الجمع إلى الصدر بالمجاز، كقوله أنبت الربيع البقل، أي أنبت الله في الربيع البقل، واللام في «لك» للتبيين، أو للتعليل. انتهى . (ثم تقرأه) بالنصب بـ «ـأن» مضمرة، لكونه معطوفًا على اسم خالص، وهو «جَمْعُهُ»، كما قال ابن مالك في «الخلاصة»: وَإِنْ عَلَى اسمٍ خَالِصٍ فِعْلٌ عُطِفْ … تَنْصِبُهُ أنْ ثَابِتًا أوْ مُنْحَذِفْ ومنه قول الشاعر [من البسيط]: إِنِّي وَقَتْلِي سُلَيْكًا ثُمَّ أعْقِلَهُ … كَالثَّوْرِ يُضْرَبُ لَمَّا عَافَتِ الْبَقَرُ فـ «ـأعقله» منصوب لعطفه على اسم صريح، وهو «قتلي». والتقدير هنا: «ثم قِرَاءتُكَ له». (﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ [القيامة: ١٨]) أي إذا تلاه عليك جبريل ﵇، ففيه إضافة ما يكون عن أمر الله تعالى إليه ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]) أي فاستمع له، ثم اقرأه كما أقرأك. قاله ابن كثير في تفسيره. فالقرآن هنا بمعناه المصدري، وهو القراءة. (قال) ابن عباس ﵄ (فاستمع له، وأنصِتْ) فيه لغتان: قطع همزته، ووصلها، يقال: أنصت إنصاتًا: استمع، يتعدى بالحرف، فيقال: أنصت الرجلُ للقارئ، وقد يحذف الحرف، فيُنصَبُ المفعولُ، فيقال: أنصت الرجلُ القارئَ، ضُمنَ «سمعه». ونَصَتَ له يَنْصتُ، من باب ضرب، لغةٌ: أي سكت مستمعًا، وهذا يتعدى بالهمزة، فيَقال: أنصته، أي أسكته. قاله الفيومي . وقال الأزهري: يقال: أنصت، ونَصَتَ، وانتصت، ثلاث لغات، أفصحهن «أنصت»، وبها جاء القرآن العزيز. انتهى. والاستماع أخص من الإنصات، لأن الاستماع: الإصغاء، والإنصات: السكوت، ولا يلزم من السكوت الإصغاء، فقد يستمع، ولا ينصت، فلهذا جُمِعَ بينهما، كما قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. أفاده في شرح مسلم . زاد في رواية البخاري: «﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]، ثم إن علينا أن تقرأه»، وفي رواية له: «علينا أن نبينه بلسانك» وفي رواية «على لسانك». البيان الإجمالي؛ فلا يتم الاستدلال. (فكان رسول الله - ﷺ -) بعد نزول هذه الآية (إِذا أتاه جبريل استمع) لقراءته (فإِذا انطلق جبريل) أي ذهب، وانصرف من عنده (قرأه كما أقرأه) فاعل «قرأ» الأول ضمير النبي - ﷺ -، وفاعل «قرأ» الثاني ضمير جبريل ﵇. يعني أن رسول الله - ﷺ - كان بعد نزول هذه الآية إذا أتاه جبريل ﵇ استمع لقراءته، فإذا انصرف جبريل قرأ النبي - ﷺ - مثل ما قرأ جبريل ﵇ من غير زيادة، ولا نقصان. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس ﵄ هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر الصنف له: أخرجه هنا -٣٧/ ٩٣٤ - و«الكبرى» ٣٧/ ١٠٠٥ - وفي التفسير -١١٦٣٤ - عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن موسى بن عقبة أبي عائشة، عن سعيد بن جبير، عنه. و«الكبرى» في «فضائل القرآن» -٧٩٧٨ - عن هناد بن السري، عن عَبِيدة، عن موسى به، مختصرًا: «كان إذا نزل عليه الوحي يعالج من ذلك شدة». وفي «التفسير» -١١٦٣٥ - عن أحمد بن سليمان، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] قال. «كان يحرك لسانه، مخافة أن يُفِلتَ منه». وفي -١١٦٣٦ - أيضًا عن أحمد بن عَبْدَة، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «كان النبي - ﷺ - إذا نزل القرآن عليه، يُعجلُ بقراءته، ليحفظه، فأنزل الله ﷿: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] إلى قوله: ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]. والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري في«بدء الوحي»، عن موسى بن إسماعيل- وفي«التوحيد»عن قتيبة- كلاهما، عن أبي عوانة-، وفي«التفسير»عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل- وعن الحميدي، عن ابن عيينة-، وفي«التفسير»، وفي«فضائل القرآن»عن قتيبة، عن جرير- أربعتهم عن موسى بن أبي عائشة به. ومسلم في الصلاة عن قتيبة، وأبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن جرير به. وعن قتيبة، عن أبي عوانة به. والترمذي في«التفسير» عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة به. وقال: حسن صحيح. وأخرجه الحميدي رقم ٥٢٧ - وأحمد جـ ١ ص ٢٢٠ و٣٤٣. (المسألة الرابعة): في فوائده: منها: بيان ما كان النبي - ﷺ - يلقاه من معالجة الشدة عند نزول الوحي عليه، وذلك لثقل الوحي، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]. ومنها: أنه كان يحرك شفتيه، لئلا ينسى، وقيل: إنما كان يفعل ذلك من حبه له، وحلاوته في لسانه، فنهي عن ذلك حتى يجتمع، لأن بعضه مرتبط لبعضه. ومنها: أن فيه من مصطلح الحديث النوعَ المسمى بـ «المسلسل بتحريك الشفتين»، فقد تسلسل بتحريك النبي - ﷺ - لابن عباس، كما تقدم في رواية أبي داود الطيالسي، أنه رآه يحرك شفتيه، ثم بتحريك ابن عباس ﵄ لسعيد، ثم بتحريك سعيد لموسى بن أبي عائشة، وهلم جرّا حتى وصل إلينا من أحد مشايخنا، وهو الشيخ إسماعيل عثمان زين اليمني رحمه الله تعالى. وفائدة التسلسل اشتماله على زيادة الضبط، واتصال السماع، وعدم التدليس، لكن غالب المسلسلات لا يصح تسلسلها، كحديث الرحمة المسلسل بالأولية، فإنه انقطع اتصاله على سفيان بن عيينة، فمن رواه مسلسلًا إلى آخره، فقد وهم. وقد بين الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى المسلسل مع بيان فائدته في ألفيته «منظومة الأثر» حيث قال: هُوَ الَّذي إِسْنَادُهُ رِجَالَهْ … قدْ تَابَعُوا فِي صِفَةٍ أوْ حَالَهْ قَوْلِيَّة فِعْليَّةٍ كِلَيْهمَا … لَهُمْ أَوِ الإِسنَادِ فِيمَا قُسِّمَا وَخَيْرُهُ الدَّالُ عَلَى الْوَصْفِ وَمِنْ … مُفَادِهِ زيَادَةُ الضَّبْطِ زُكِنْ وَقَلَّمَا يًسْلَمُ في التَّسلْسُلِ … مِن خَللٍ وَرُبَّمَا لَمْ يُوصَلِ كَأوَّلِيَّةٍ لِسُفْيَانَ انْتَهَى … وَخَيْرُهُ مُسَلْسَلٌ بِالْفُقَهَا ومنها: أن الله تعالى تكفل لرسوله - ﷺ - أن لا ينسى القرآن، وأنه كان لعد نزول هذه الآية يستمع، وينصت لجبريل، فإذا انتهى جبريل من قراءته، وذهب من عنده، قرأه النبي - ﷺ - على أصحابه كما أقرأه، من غير زيادة، ولا نقص، كما قال تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦]. ومنها. أن فيه إشارة إلى أن أحدًا لا يحفظ القرآن إلا بعون الله تعالى، وفضله، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧]. ومنها: أنه استُدلّ به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، كما هو مذهب الجمهور من أهل السنة، وهو الصحيح في الأصول، ونص عليه الشافعي ﵀، لما تقتضيه «ثُمَّ» من التراخي. قال في «الفتح»: أول من استدلّ لذلك بهذه الآية القاضي أبو بكر ابن الطيب، وتبعوه، وهذا لا يتم إلا على تأويل البيان بتبيين المعنى، وإلا فإذا حمل على أن المراد استمرار حفظه له، وظهوره على لسانه فلا. قال الآمدي: يجوز أن يراد بالبيان الإظهار، لا بيان المجمل، يقال: بان الكوكب. إذا ظهر. قال: ويؤيد ذلك أن المراد جميع القرآن، والمجمل إنما هو بعضه، ولا اختصاص لبعضٍ بالأمر المذكور، دون بعض. وقال أبو الحسين البصري: يجوز أن يراد البيان التفصيلي، ولا يلزم منه جواز تأخير البيان الإجمالي، فلا يتم الاستدلال. وتعقب باحتمال إرادة المعنيين: الإظهارِ والتفصيلِ، وغيرِ ذلك، لأن قوله: «بيانه» جنس مضاف، فيعم جميع أصنافه، من إظهاره، وتبيين أحكامه، وما يتعلق بها، من تخصيص، وتقييد، وغير ذلك. انتهى ما في «الفتح» في كتاب التفسير . وقال العلامة العيني ﵀: تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع عند الكل، إلا عند من جوز تكليف ما لا يطاق، وأما تأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة فاختلفوا فيه، فذهب الأكثرون إلى جوازه، واختاره ابن الحاجب، وقال الصيرفي، والحنابلة: ممتنع، وقال الكرخي بالتفصيل، وهو أن تأخيره عن وقت الخطاب ممتنع في غير المجمل، كبيان التخصيص، والتقييد، والنسخ، إلى غير ذلك، وجائز في المجمل، كالمشترك، وقال الجبائي. تأخير البيان عن وقت الخطاب ممتنع في غير النسخ، وجائز في النسخ. انتهى كلام العيني رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله عنه: الذي دْهب إليه الجمهور من جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، لا عن وقت الحاجة هو الصواب، لظاهر قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] فإن المعنى جميع أنواع البيان، التي من جملتها بيان المعنى المراد، وحمل الآية على بعض أنواع البيان دون بعض تَحَكّم لا دليل عليه. فتنبه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [فائدة]: ذكر الحافظ العراقي رحمه الله تعالى قصة بدء الوحي، وما يتعلق به في ألفية السيرة المسماة «الدرر السنية في سيرة خير البرية»، فقال: بَابُ كيْفَ كان بَدْءُ الْوَحْي حَتَّى إِذَا مَا بَلَغَ الرَّسُولُ … الأرْبَعِينَ جَاءَهُ جِبْرِيلُ وَهْوَ بِغَارٍ بِحِرَاءٍ مُخْتَلِي … فَجَاءَهُ بِالْوَحْيِ مِنْ عِنْدِ الْعَلِي فِي يَوْمِ الاثْنَيْنِ وَكانَ قَدْ خَلَتْ … مِنْ شَهْرِ مَوْلِدٍ ثَمَانٌ إِنْ ثَبَتْ وَقِيلَ فِي سَابِعِ عشْرِ رَجَبِ … وَقِيلَ بَل فِي رَمَضَانَ الطَّيبِ
مصادر المؤلف (١١)

١. تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٤٧٩.

٢. شرح مسلم جـ ٤ ص ١٦٥ - ١٦٦.

٣. راجع الفتح جـ ١ ص ٤٣، وعمدة القاري جـ ١ ص ٧٢. ونقلته ملخصًا. وذكر العيني وجهين آخرين تركتهما لركاكتهما.

٤. هكذا نقل في الفتح في تفسير سورة «القيامة» عن مسند أبي داود الطيالسي عن أبي عوانة، ولكن الذي رأيته في مسنده ص ٣٣٩ نصه: «قال ابن عباس: إنما أحرك شفتي كما كان رسول الله - ﷺ - يحرك» … والحافظ ﵀ ثبت في النقل، فلا أدري من أي موضع نقله. فيتأمل. والله تعالى أعلم.

٥. فتح جـ ١ ص ٤٣ - ٤٤. عمدة القاري جـ ١ ص ٧٣.

٦. فتح في كتاب التفسير جـ ٩ ص ٦٩٠.

٧. فتح جـ ١ ص ٤٤.

٨. المصباح جـ ٢ ص ٦٠٧.

٩. جـ ٤ ص ١٦٦ - ١٦٧.

١٠. جـ ٩ ص ٦٩٠ - ٦٩١.

١١. عمدة القاري جـ ١ ص ٧٣.