HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٣٣٣

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : أَخْبَرَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْفِرَاسِيَّةُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهَا «أَنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنَ الصَّلَاةِ قُمْنَ، وَثَبَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللهُ، فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَامَ الرِّجَالُ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص428
  • زبير علي زئي:صحيح البخاري
ج ٣ ص ٦٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٥ ص٣٢٠
ويقارب بين ذلك كلّه، فإن أطال منها شيئًا أطال الباقي، وإن أخفّ منها شيئًا أخفّ الباقي انتهى كلامه . قال الجامع: كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى يؤيّد ما رجّحته آنفًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٣٣٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْفِرَاسِيَّةُ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهَا أَنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنَ الصَّلَاةِ قُمْنَ، وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَامَ الرِّجَالُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن سلَمَة) المرادي المصري، ثقة [١٠] تقدم ١٩/ ٢٠. ٢ - (ابن وهب) عبد الله المصري الحافظ الثبت العابد [٩] تقدم ٩/ ٩. ٣ - (يونس) بن يزيد الأيلي، ثقة، من كبار [٧] تقدم ٩/ ٩. ٤ - (ابن شهاب) الزهري الإمام المشهور تقدم قريبًا. ٥ - (هند بنت الحارث الفراسية) ويقال لها: القرشية، وكانت تحت مَعبد بن المقداد ابن الأسود، ثقة [٣]. روت عن أمّ سلمة، وكانت من صواحباتها، وروى عنها الزهري، ذكرها ابن حبّان في «الثقات»، وقال ابن سعد: اسمها على الأصحّ الزَّهْراء، ثمّ قال: وقال الزُّبيدي: أخبرنا الزهريّ أن هندا بنت عبد المطلب. وذكر البخاريّ في «صحيحه» الخلاف في مَعْبَد بن المقداد، وكانت تدخل على أزواج النبي -ﷺ-، قال: وقال الليث، عن يحيى بن سعيد: حدثه ابن شهاب، عن امرأة من قريش، عن النبي -ﷺ- انتهى. أخرج لها الجماعة سوى مسلم، ولها في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٦ - (أم سلمة) هند بنت أبي أمية الهلالية، أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، تقدمت ١٢٣/ ١٨٣. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعي، عن تابعية، وأن هند بنت الحارث ليس لها ذكر في هذا الكتاب إلا في هذا الباب. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن يونس) بن يزيد الأيلي، أنه قال (قال ابن شهاب) وفي نسخة «عن ابن شهاب، قال» (أخبرتني هند) يجوز منعه من الصرف للعلمية والتأنيث، ويجوز صرفه لسكون وسطه، والأوّل أولى لاجتماع العلتين، وإن قاوم إحداهما خفة سكون وسطه، قال في «الخلاصة»: وَجْهَانِ فِي الْعَادِمِ تَذْكِيرًا سَبَقْ … وَعُجْمَةً كَهِنْدَ وَالْمَنْعُ أَحَقّ (بنت الحارث الفراسية) بكسر الفاء، وتخفيف الراء، آخره مهملة: نسبة إلى فراس بطن من كنانة. وهند تابعية، ولا يعرف لها راو غير الزهري، ولم يخرج لها مسلم، كما سبق. وقد اختلف في نسبتها، فمنهم من قال: الفراشية، ومنهم من قال: القرشية، فمن قال: من أهل النسب: إن كنانة جماع قريش، فلا مغايرة بين النسبتين، ومن قال: إن جماع قريش فهر بن مالك، فيحتمل أن يكون اجتماع النسبتين لهند على أن إحداهما بالأصالة، والأخرى بالمحالفة. قاله في «الفتح» . (أن أم سلمة) -﵂- (أخبرتها) أي أخبرت هندًا، زاد البخاري «وكانت من صواحباتها» (أن النساء في عهد رسول الله -ﷺ-) أي فى وقته (كنّ إذا سلّمن من الصلاة) التي صلينها جماعة في المسجد خلف رسول الله -ﷺ- (قُمن) أي من مكانهن، وخرجن إلى بيوتهنّ (وثبت رسول الله -ﷺ-) أي قعد في مكانه الذي صلّى فيه ليعقد الرجال بقعوده حتى لا تقع الفتنة باختلاط الرجال بالنساء في الطرقات. ففي رواية البخاري من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري: «كان رسول الله -ﷺ- إذا سلّم قام النساء حين يقضي تسليمه، ومكث يسيرًا قبل أن يقوم، قال ابن شهاب: فأُرَى -والله أعلم- أن مكثه لكي يَنْفُذ النساء قبل أن يدركهنّ من انصرف من القوم». (ومن صلى من الرجال) في محلّ رفع عطف على «رسول الله»، أي وثبت الرجال الذين صلّوا مع رسول الله -ﷺ- (ما شاء الله) «ما» مصدرية ظرفية، أي مدة مشيئة الله تعالى، أو موصولة، مفعول «مكث»، أي مكث الوقت الذي شاء الله تعالى أن يمكث فيه. وقد أفادت رواية البخاري من طريق جعفر بن ربيعة، عن ابن شهاب مقدار ذلك المكث، ولفظه: «كان يسلّم، فينصرف النساء، فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله -ﷺ-». ففيه أن مكثه كان بمقدار انصراف النساء، ودخولهن بيوتهن. قال في «الفتح»: وأفادت هذه الرواية الإشارة إلى أقلّ مقدار كان يمكثه -ﷺ- انتهى. (فإذا قام رسول الله -ﷺ- قام الرجال) أي الذين مكثوا معه لكي ينصرف النساء قبل أن يراهنّ الرجال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها هذا أخرجه البخاري. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٧٧/ ١٣٣٣ - وفي «الكبرى» -١١١/ ١٢٥٦ - بالسند المذكور. وأخرجه (خ) ١/ ٢١٢، و١/ ٢١٥، ١/ ٢١٩، و١/ ٢٢٠ (د) رقم ١٠٤٠ (ق) ٩٣٢ (أحمد) ٦/ ٢٩٦، و٦/ ٣١٠، و٦/ ٣١٦ (ابن خزيمة) ١٧١٨، و١٧١٩. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو استحباب الجلوس بين التسليم والانصراف. ومنها: مراعاة الإمام أحوال المأمومين. ومنها: الاحتياط في اجتناب ما قد يُفضي إلى المحذور. ومنها: اجتناب مواضع التُّهَم، وكراهةُ مخالطة الرجال للنساء في الطرقات، فضلًا عن البيوت. ومقتضى التعليل المذكور أن المأمومين إذا كانوا كلهم رجالًا فقط أنه لا يستحبّ هذا المكث، وعليه حمل ابن قُدَامة حديث عائشة -﵂- أنه -ﷺ- كان إذا سلّم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: «اللَّهمّ أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» الآتي برقم ٨٢/ ١٣٣٨. ومنها: أن النساء كنّ يحضرن صلاة الجماعة في المسجد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في مذاهب أهل العلم في حكم المكث في المصلَّى بعد السلام من الصلاة: قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: والمنقول عن السلف يدلّ على أن الإمام ينحرف عقب سلامه، ثم يجلس إن شاء. روى عبد الرزّاق في كتابه عن معمر، عن أبي إسحاق، عن أبى الأحوص، عن ابن مسعود قال: إذا سلّم الإمام، فليقم، ولينحرف عن مجلسه، قلت: يُجزئه أن ينحرف عن مجلسه، ويستقبل القبلة؟ قال: الانحراف بغرب، أو شرق عن غير واحد، وكان المسؤول معمرًا. وروى أيضًا بإسناده عن مجاهد قال: ليس من السنة أن يقعد حتى يقوم، ثم يقعد بعدُ إن شاء. وعن سعيد بن جبير أنه كان يفعله. وعن عطاء قال: قد كان يجلس الإمام بعدما يسلّم، وأقول أنا: قدر ما ينتعل نعليه. وعن أبي عُبيدة أنه قال -لمّا سمع مصعبًا يُكبّر ويهلل بعد صلاته مستقبل القبلة-: ما له؟ قاتله الله نَعَّار بالبِدَعِ. ويُستثنى من ذلك الجلوسُ بعد الفجر، فإنه لو جلس الإمام بعد استقباله الناس إلى أن تطلع الشمس كان حسنًا. ففي «صحيح مسلم» عن جابر بن سمرة -﵁- «أن النبي -ﷺ- كان لا يقوم من مصلّاه الذي يُصلي فيه الصبح، أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام». وروى وكيع بإسناده عن النخعي أنه كان إذا سلّم قام، إلا الفجر والعصر، فقيل له في ذلك؟ فقال: ليس بعدهما صلاة. قال أحمد -في الإمام إذا صلى بقوم الفجرَ، أو العصرَ-: أعجب إليّ أن ينحرف، ولا يقوم من موضعه، وكان أحمد إذا صلى بالناس الصبح جلس حتى تطلع الشمس. فأما جلوسه بعد الظهر، فقال أحمد: لا يُعجبني. قال القاضي أبو يعلى: ظاهر كلامه أنه يستحبّ بعد الصلاة التي لا يتطوع بعدها، ولا يُستحبّ بعد غيرها، قال: وروى الخلّال بإسناده، عن عابد الطائي، قال: كانوا يكرهرن جلوس الإمام في مصلّاه بعد صلاة يُصلّى بعدها، فإذا كانت صلاة لا يُصلى بعدها، فإن شاء قام، وإن شاء جلس. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بكراهة الجلوس في مكان الصلاة بعدها مما لا دليل عليه، بل هو مصادم للحديث الصحيح «إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه، ما لم يحدث، اللَّهم اغفر له، اللَّهم ارحمه». فتنبّه. والله تعالى أعلم. قال: وحُكي عن أصحاب الشافعي أن المستحبّ للإمام أن يقوم، ولا يجلس في كلّ الصلوات، وقد نصّ الشافعيّ في «المختصر» على أنه يُستحبّ للإمام أن يقوم عقب سلامه، إذا لم يكن خلفه نساء، فأما المأموم فلا يكره له الجلوس بعد الصلاة في مكانه يذكر الله، خصوصًا بعد الصبح والعصر، ولا نعلم في ذلك خلافًا. وقد صحّ الحديث في أن الملائكة تصلي على العبد ما دام في مصلاه ما لم يحدث. ووردت أحاديث في الجلوس بعد الصبح والعصر، وكان السلف الصالح يحافظون عليه. ومتى أطال الإمام الجلوسَ في مصلّاه، فإن للمأموم أن ينصرف، ويتركه، وسواء كان جلوسه مكروهًا، أو غير مكروه. قال ابن مسعود -﵁-: إذا فرغ الإمام، ولم يقم، ولم ينحرف، وكانت لك حاجة فاذهب، ودعه، فقد تمت صلاتك. أخرجه عبد الرزّاق. وذكر بإسناده عن عطاء قال: كلامه بمنزلة قيامه، فإن تكلّم فليقم المأموم إن شاء. وإن لم يُطل الإمام الجلوس فالسنّة أن لا يقوم المأموم حتى يقوم الإمام، كذا قال الزهريّ، والحسن، وقتادة، وغيرهم. وقال الزهريّ: إنما جُعل الإمام ليؤتم به -يشير إلى أن مشروعية الاقتداء لا تنقطع إلا بانصرافه. وفي «صحيح مسلم»، عن أنس -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «أيها الناس إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف». وحديث أم سلمة -﵂- المخرّج في هذا الباب يدلّ عليه، فإن النبي -ﷺ- كان يجلس يسيرًا حتى ينصرف النساء، فلا يختلط بهن الرجال، وهذا يدلّ على أن الرجال كانوا يجلسون معه، فلا ينصرفون إلا مع انصرافه. وفي هذا الحديث دليل على أن النبي -ﷺ- لم يكن يدعو بعد فراغ صلاته دعاء عامًا للمأمومين، فإنه لو كان كذلك لاشترك في حضوره الرجال والنساء، كما أَمَرَ بشهود النساء العيدين حتى الحيّض، وقال: «يشهدن الخير ودعوة المسلمين». فلو كان عقب الصلاة دعاء عام لشهده النساء مع الرجال أيضًا. وقال الشافعي في «الأمّ»: فإن قام الإمام قبل ذلك، أو جلس أطول من ذلك، فلا شيء عليه. قال: وللمأموم أن ينصرف إذا قضى الإمام السلام قبل قيام الإمام، وتأخيره حتى ينصرف بعد انصراف الإمام، أو معه أحبّ إليّ. وظاهر كلام كثير من السلف كراهة ذلك، كما تقدّم. وفي «تهذيب المدوّنة» للمالكية: ولا يقيم الإمام في مصلّاه إذا سلّم إلا أن يكون في سفر، أو فنائه، وإن شاء تنحّى وأقام. انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى ببعض تغيير . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في «الأم» هو الراجح عندي. وحاصله أن الإمام إن شاء جلس في مصلّاه، وإن شاء قام، ولا كراهة في شيء من ذلك، وأما المأموم فهو بالخيار بعد السلام، إن شاء جلس مع الإمام، وهو الأحبّ، وإن شاء انصرف، ولا كراهة في ذلك، إلا إذا كان هناك نساء يخاف الاختلاط معهن، فلا يقوم حتى ينصرفن. وأما القول بكراهة الانصراف قبل الإمام مستدلًا بالحديث المتقدّم، وهو قوله: «ولا بالانصراف» فهو غير صحيح عندي، لأن معنى الانصراف هنا -والله أعلم- هو السلام، بدليل أنه -ﷺ- قابله بالركوع، والسجود، والقيام، فنهى عن مسابقته بالركوع، والسجود، والقيام، والانصراف أي السلام، فلا يجوز للمأموم أن يسلّم قبل الإمام، إلا فيما استُثنِيَ بالنصّ، وهو ما إذا طوّل الإمام الصلاة، فللمأموم أن يسلم، ويصلي وحده، لقصة معاذ -﵁- المشهورة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في التطوع في محل الفريضة بعدها: قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وقد اختلف العلماء في تطوع الإمام في مكان صلاته بعد الصلاة، فأما ما قبلها، فيجوز بالاتفاق. فكرهت طائفة تطوّعه في مكانه بعد صلاته. وبه قال الأوزاعي، والثوريّ، وأبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وإسحاق، ورُوي عن علي -﵁- أنه كرهه، وقال النخعي: كانوا يكرهونه. ورَخّص فيه ابنُ عقيل من أصحاب أحمد، كما رجّحه البخاري، ونقله عن ابن عمر، والقاسم بن محمد. فأما المروي عن ابن عمر، فإنه لم يفعله، وهو إمام، بل كان مأمومًا. كذلك قال الإمام أحمد. وأكثر العلماء لا يكرهون للمأموم ذلك، وهو قول مالك، وأحمد. وقد أخرج أبو داود حديثًا يقتضي كراهته من حديث أبي رِمْثة -﵁-، قال: صلى بنا رسول الله -ﷺ-، وكان أبو بكر وعمر يقومان في الصفّ المقدّم عن يمينه، وكان رجل قد شهد التكبيرة الأولى من الصلاة، فصلى نبي الله -ﷺ-، ثم سلّم عن يمينه، وعن يساره حتى رأيت بياض خدّيه، ثم انفتل، فقام الرجل الذي أدرك التكبيرة الأولى من الصلاة ليشفع، فوثَبَ إليه عمر، فأخذ بمنكبيه، فهزّه، ثم قال: اجلس، فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلاتهم فَصْلٌ، فرفع النبي -ﷺ- بصره، فقال: «أصاب الله بك يا ابن الخطّاب» . وهذا الحديث إنما يدلّ على كراهة أن يَصلَ المكتوبةَ بالتطوّع بعدها من غير فصل، وإن فصل بالتسليم. ويدلّ عليه أيضًا ما رَوَى السائبُ بن يزيد قال: صلّيت مع معاوية الجمعة في المقصورة، فلمّا سلم قمت في مقامي، فصليت، فلمّا دخل أرسل إليّ، فقال: لا تَعُد لما فعلت، إذا صليت الجمعة، فلا تَصلْها بصلاة حتى تتكلّم، أو تخرج، فإن رسول الله -ﷺ- أمرنا بذلك أن لا تُوصَل صلاةٌ بصلاة حتى نتكلّم، أو نخرج. أخرجه مسلم . وروى حرب بإسناده عن عطاء أنه قال فيمن صلى المكتوبة: لا يصلي مكانه إلا أن يقطع بحديث، أو يتقدّم، أو يتأخر. وعن الأوزاعيّ قال: إنما يجب ذلك على الإمام أن يتحوّل من مصلّاه، قيل له: فما يُجزىء من ذلك؟ قال: أدناه أن يزيل قدميه من مكانه. قيل له: فإن ضاق مكانه؟ قال: فليتربع بعد سلامه، فإنه يُجزئه. ورَوَى أيضًا بإسناده عن ابن مسعود أنه كان إذا سلم قام وتحوّل من مكانه غير بعيد. قال حرب: وثنا محمد بن آدم، ثنا أبو المليح الرَّقّيّ، عن حبيب، قال: كان ابن عمر يكره أن يُصلي النافلة في المكان الذي يصلي فيه المكتوبة حتى يتقدّم، أو يتأخّر، أو يتكلّم. وهذه الرواية تخالف رواية نافع التي أخرجها البخاري . وقد ذكر قتادة عن ابن عمر أنه رأى رجلًا صلّى في مقامه الذي صلى فيه الجمعة، فنهاه عنه، وقال: لا أراك تصلي في مقامك، قال سعيد: فذكرته لابن المسيب، فقال: إنما يكره ذلك للإمام يوم الجمعة. وعن عكرمة، قال: إذا صليت الجمعة، فلا تصلها بركعتين حتى تفصل بينهما بتحوّل أو كلام. أخرجهما عبد الرزّاق. ومذهب مالك أنه يكره في الجمعة أن يتنفّل في مكانه من المسجد، ولا ينتقل منه، وإن كان مأمومًا، وأما الإمام فيكره أن يصلي بعد الجمعة في المسجد بكلّ حال. وقد قال الشافعي في «سنن حرملة»: حديث السائب بن يزيد عن معاوية هذا ثابت عندنا، وبه نأخذ، قال: وهذا مثل قوله لمن صلى، وقد أقيمت الصلاة. «أصلاتان معًا؟»، كأنه أحبّ أن يفصلها منها حتى تكون المكتوبات منفردات مع السلام بفصل بعد السلام. وقد روي أن النبي -ﷺ- اضطجع بعد ركعتي الفجر. وروى الشافعي عن ابن عُيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس -﵄- أنه كان يأمر إذا صلى المكتوبة، فأراد أن يتنفّل بعدها أن لا يتنفّل حتى يتكلّم، أو يتقدّم. قال ابن عبد البرّ: هذا حديث صحيح، قال: وقال الشعبي: إذا صلّيت المكتوبة، ثم أردت أن تتطوّع فاخطُ خطوة، وخالف ابنُ عمر ابنَ عباس -﵃- في هذا، وقال: وأيّ فصل أفصل من السلام؟. وقد ذكر الفقهاء من الحنابلة والشافعيّة أن هذا كلّه خلاف الأولى من غير كراهة فيه، وحديث معاوية -﵁- يدلّ على الكراهة انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى ببعض تصرّف . قال الجامع عفا الله عنه: كيف يدّعون عدمَ الكراهة، وقد صحّ حديث معاوية -﵁- المتقدّم، ودلالته على الكراهة واضحة؟، كما أشار إليه ابن رجب ﵀، فليُتَنبّه. والله تعالى أعلم. وكتب الحافظ ﵀ على قول الإمام البخاري ﵀: «ويذكر عن أبي هريرة رفعه:»لا يتطوّع الإمام في مكانه« ولم يصحّ انتهى. ما نصه: قوله:«ولم يصحّ»هو كلام البخاريّ، وذلك لضعف إسناده، واضطرابه، تفرّد به ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف ، واختلف عليه فيه. وقد ذكر البخاري الاختلاف فيه في«تاريخه»، وقال: لم يثبت هذا الحديث. وفي الباب عن المغيرة بن شعبة مرفوعًا أيضًا بلفظ:«لا يصلي الإمام في الموضع الذي صلى فيه حتى يتحوّل». رواه أبو داود، وإسناده منقطع. وروى ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي -﵁-، قال: «من السنة أن لا يتطوّع الإمام حتى يتحوّل من مكانه». وحكى ابن قدامة في «المغني» عن أحمد أنه كره ذلك، وقال: لا أعرفه عن غير عليّ، فكأنه لم يثبت عنده حديث أبي هريرة، ولا المغيرة، وكأن المعنى في كراهة ذلك خشية التباس النافلة بالفريضة. وفي مسلم «عن السائب بن يزيد، أنه صلى مع معاوية الجمعة، فتنفّل بعدها، فقال له معاوية: إذا صليت الجمعة فلا تَصِلها بصلاة حتى تتكلّم، أو تخرج، فإن النبي -ﷺ- أمرنا بذلك». ففي هذا إرشاد إلى طريق الأمن من الالتباس، وعليه تحمل الأحاديث المذكورة. ويؤخذ من مجموع الأدلّة أن للإمام أحوالا، لأن الصلاة إما أن تكون مما يُتطوّع بعدها، أو لا يتطوّع، الأول اختُلف فيه هل يتشاغل قبل التطوّع بالذكر المأثور، ثم يتطوّع؟ وهذا هو الذي عليه عمل الأكثرين، وعند الحنفية يبدأ بالتطوّع. وحجة الجمهور حديث معاوية -﵁-. ويمكن أن يقال: لا يتعين الفصل بين الفريضة والنافلة بالذكر، بل إذا تنحّى من مكانه كفى. فإن قيل: لم يثبت حديث التنحّي. قلنا: قد ثبت في حديث معاوية -﵁- «أو تخرج». ويترجّح تقديم الذكر المأثور بتقييده في الأخبار الصحيحة بدبر الصلاة. وزعم بعض الحنابلة أن المراد بدبر الصلاة ما قبل السلام. وتعُقّب بحديث «ذهب أهل الدثور»، فإن فيه «تسبحون دبر كلّ صلاة»، وهو بعد السلام جزْمًا، فكذا ما شابهه. وأما الصلاة التي لا يُتطوّع بعدها، فيتشاغل الإمام ومن معه بالذكر المأثور، ولا يتعيّن له مكان، بن إن شاءوا انصرفوا، وذكروا، وإن شاءوا مكثوا، وذكروا، وعلى الثاني إن كان للإمام عادة أن يعلّمهم، أو يعظهم، فيستحبّ أن يقبل عليهم بوجهه جميعًا، وإن كان لا يزيد على الذكر المأثور، فهل يقبل عليهم جميعًا، أو ينفتل، فيجعل يمينه من قبل المأمومين، ويساره من قبل القبلة، ويدعو؟ الثاني هو الذي جزم به أكثر الشافعيّة. ويحتمل إن قصر زمن ذلك أن يستمرّ مستقبلًا للقبلة، من أجل أنها أليق بالدعاء، ويُحمَلُ الأولُ على ما لو طال الذكر والدعاء انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى .
مصادر المؤلف (١٠)

١. «صحيح البخاري». جـ ٧ ص ٢٠٧.

٢. «فتح» جـ ٢ ص ٦٠٦.

٣. «شرح البخاري» جـ ٧ ص ٤٣٧ - ٤٤١.

٤. هذا الحديث ضعيف يأتي الكلام عليه قريبًا.

٥. «صحيح مسلم» جـ ٢ ص ٦٠١ رقم ٨٨٣ بنسخة محمد فؤاد.

٦. قال الإمام البخاريّ ﵀ في «صحيحه»: وقال لنا آدم: ثنا شعبة، عن أيوب، عن نافع، قال: كان ابن عمر يصلي في مكانه الذي صلى فيه الفريضة، وفعله القاسم. انتهى.

٧. «شرح صحيح البخاري» جـ ٧ ص ٤٣٠ - ٤٣٤.

٨. ذكره بالمعنى، ولفظه عند أبي داود: «أيعجز أحكم أن يتقدم، أو يتأخر، أو عن يمينه، أو عن شماله في الصلاة». ولابن ماجه: «إذا صلى أحكم» زاد أبو داود -يعني «في السبحة». والبيهقيّ: إذا أراد أراد أحكم أن يتطوع بعد الفريضة فليتقدّم … «الحديث. قاله في»الفتح«جـ ٢ ص ٦٠٥.

٩. بل متروك كما في«ت»، وفيه حجاج بن عبيد، وشيخه إبراهيم بن إسماعيل مجهولان.

١٠. «فتح» جـ ٢ ص ٦٠٥ - ٦٠٦.