HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٩٤٧

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَمَّتِهِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ ، عَنْ خَالَتِهَا أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ قَالَتْ: «أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصَبِيٍّ مِنْ صِبْيَانِ الْأَنْصَارِ فَصَلَّى عَلَيْهِ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: طُوبَى لِهَذَا، عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا وَلَمْ يُدْرِكْهُ قَالَ: أَوَغَيْرُ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ خَلَقَ اللهُ - ﷿ - الْجَنَّةَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا وَخَلَقَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ النَّارَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا وَخَلَقَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص42
  • زبير علي زئي:صحيح مسلم
ج ٤ ص ٥٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح مسلم, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٩ ص١٨١
بجواز الصلاة على الغائب، وأقوى دليل على ذلك قصّة النجاشيّ - ﵁ -، فإن أقلّ ما يستفاد منه أنه - ﷺ - فعله لبيان الجواز، وأما ما عداها مما يدلّ على أنه - ﷺ - صلى على غائب غيره، فلا يثبت شيء منها: فقد ذُكر أنه - ﷺ - صلى على ثلاثة غير النجاشيّ، معاوية بن معاوية المزنيّ، وزيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، لكنها كلها لم تثبت: أما حديث صلاته على معاوية بن معاوية المزنيّ، فقد وردت قصته من حديث أنس، وأبي أمامة، مسندةً، ومن طريق ابن المسيّب، والحسن البصريّ مرسلة. فأما حديث أنس، ففي سندها محبوب بن هلال المزني، قال في «الميزان»: لا يعرف، وحديثه منكر. وقال البخاريّ: لا يتابع على حديثه. وله طريق آخر فيه يحيى بن أبي محمد قد ضُعّف، وبقية بن الوليد مدلّس تدليس التسوية، وله طريق ثالث، وفيها العلاء بن يزيد الثقفيّ، متفق على ضعفه، بل قال ابن المدينيّ: يضع الحديث. وقال ابن حبّان: روى عن أنس نسخة موضوعة، منها الصلاة بتبوك صلاة الغائب على معاوية بن معاوية الليثيّ. وأما حديث أبي أمامة، ففيه نوح بن عمرو السكسكيّ، قال ابن حبّان: إنه سرق هذا الحديث، وفيه بقية المذكور أيضًا. فقد تبيّن لك مما سقناه من كلام أهل العلم على أسانيدها، وبيانهم شدة ضعفها أنها غير صالحة للاحتجاج بها. وقد تعب صاحب «عون المعبود» في الكلام عليها، وحاول أن يقويها، فلم يأت بشيء له طائل، فتأمله بإنصاف، ولا تَتَهَوَّرْ بالاعتساف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٥٨ - الصَّلَاةُ عَلَى الصِّبْيَانِ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: «الصبيان» -بكسر الصاد المهملة، وضمها-، جمع صبيّ: الصغير، وُيجمع على صِبْية بالكسر. وفي «اللسان»: والصبيّ: من لَدُن يُولَد إلى أن يُفطَمَ، والجمع أَصْبِيةٌ، وصِبْوَةٌ، وصَبْيةٌ، وصِبْوانٌ، وصُبْوانٌ، وصِبْيان انتهى. وفي «القاموس»: و«الصبيّ»: من لم يُفطَم بَعدُ، والجمع أَصْبِيَةٌ، وأَصْبٍ، وصِبْوَة، وصَبْيةٌ، وصِنية، وصِبْوان، وصِبْيَانٌ، وتُضَمّ هذه الثلاثة انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٩٤٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَمَّتِهِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ خَالَتِهَا أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِصَبِيٍّ، مِنْ صِبْيَانِ الأَنْصَارِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، قَالَتْ: عَائِشَةُ، فَقُلْتُ: طُوبَى لِهَذَا، عُصْفُورٌ، مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ، لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا، وَلَمْ يُدْرِكْهُ، قَالَ: «أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ، يَا عَائِشَةُ، خَلَقَ اللَّهُ -﷿- الْجَنَّةَ، وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا، وَخَلَقَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ النَّارَ، وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا، وَخَلَقَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائي، ثقة ثبت [١١] ١٠٨/ ١٤٧. [تنبيه]: قوله «عمرو بن منصور» هكذا نسخ، المجتبى«وقع فيها»عمرو بن منصور«ووقع في»الكبرى«جـ ١ ص ٦٣٣»محمد بن منصور«وهو الذي في»تحفة الأشراف«جـ ١٢ ص ٤٠٣ وكتب في هامشه: ما نصه: وقع في النسخة المطبوعة:»عمرو بن منصور«بدل»محمد« وهو تصحيف. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي في دعوى التحصيف نظر؛ إِذْ دلاليل على ذلك؛ إذ كل من عمرو بن منصور، ومحمد بن منصور، وهو الجوّاز - شيخ للمصنف، وكلاهما يرويان عن ابن عيينة، فلا دليل لترجيح أحدهما على الآخر، ولكن الحديث لا يتأثر بهذا؛ إذ كلاهما ثقة فتنبَّه. واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (سفيان) بن عيينة المذكور قبل باب. ٣ - (طلحة بن يحيى) بن طلحة بن عبيد اللَّه التيميّ المدنيّ، نزيل الكوفة، صدوق يخطىء [٦] ٣٦/ ٥٨٠. ٤ - (عائشة بنت طلحة) بن عبيد اللَّه التيمية، أم عمران، أمها أم كلثوم بنت أبي بكر، كانت فائقة الجمال، ثقة [٣]. قال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة حَجَّة. وقال العجليّ: مدنيّة تابعيّة ثقة. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: حدث عنها الناس لفضلها وأدبها. وذكرها ابن حبّان في «الثقات». روى لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب ثمانية أحاديث. ٥ - (عائشة) أم المؤمنين - ﵂ - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِصَبِيِّ، مِنْ صِبْيَانِ الْأَنْصَارِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ) هذا محلّ الترجمة، ففيه مشروعية الصلاة على الصبيان، وسيأتي بيان اختلاف أهل العلم فيه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى (قَالَتْ: عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: طُوبَى لِهَذَا) قال ابن منظور -﵀-: طُوبَى فُعلَى من الطِّيب، كأنّ أصله طُيْبَى، فقلبوا الياء واوًا للضمّة قبلها. وفي «التهذيب»: والعرب تقول: طُوبَى لكَ، ولا تقول: طوباك، وهذا قول أكثر النحويين، إلا الأخفش، فإنه قال: من العرب مَن يُضيفها، فيقول: طوباك. وقال أبو بكر: طوباك إن فعلتَ كذا، قال: هذا مما يَلْحَن فيه العوامّ، والصواب طوبى لك إن فعلتَ كذا وكذا. وطوبَى شجرة في الجنّة، وفي التنزيل العزيز: ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد: ٦٩]، وذهب سيبويه بالآية مذهب الدعاء، قال: هو في موضع رفع، يدلّك على رفعه رفعُ ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. قال ثعلب: وقرئ: ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ -أي بالنصب- فجَعَل طوبى مصدرًا، كقولك: سَقْيًا له، ونظيرُهُ من المصادر الرُّجعَى، واستَدَلَّ على أن موضعه نَصْبٌ بقوله: ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. قال الزجّاج: جاء في التفسيرِ عن النبيّ - ﷺ -، أن طُوبَى شجرة في الجنّة. وقيل: طوبى لهم حُسنَى لهم. وقيل: خيرٌ لهم. وقيل: خِيرَةٌ لهم. وقيل: طوبى اسم الجنّة بالهندية. وفي «الصحاح»: طوبى اسم شجرة في الجنّة. قال أبو إسحاق: طُوبى فُعلَى من الطِّيبِ، والمعنى أن العيش الطيّب لهم، وكلّ ما قيل من التفسير يُسدِّد قول النحويين: إنها فُعلَى من الطيب. ورُوي عن سعيد بن جبير أنه قال: طوبى اسم الجنّة بالحبشيّة. وقال عكرمة: طوبى لهم: معناه الحسنى لهم. وقال قتادة: طوبى كلمة عربيّة، تقول العرب: طوبى لك إت فعلت كذا وكذا؛ وأنشد [من الطويل] : طُوبَى لِمَنْ يَسْتَبْدِلُ الطَّوْدَ بِالْقُرَى … وَرِسْلًا بِيَقْطِينِ الْعِرَاقِ وَفُومِهَا «الرَّسْلُ»: اللبن، و«الطَّوْدُ»: الجبلُ، و«اليَقْطِينُ»: القَرْعُ، وقال أبو عبيدة: كلّ ورقة اتّسعت، وسترت فهي يَقْطِين. و«الْفُومُ»: الخبز، والحنطة، ويقال: هو الثُّوم. وفي الحديث: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود كما بدأ غريبًا، فطوبى للغرباء» . طوبى اسم الجنّة، وقيل: شجرة فيها، وأصلها فُعْلَى من الطيب، فلما ضُمَّت الطاء، انقلبت الياء واوا. وفي الحديث: «طوبى للشام، لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها» . والمراد بها ههنا فُعلَى من الطِّيب، لا الجنّة، ولا الشجرة انتهى كلام ابن منظور ببعض اختصار . (عُصْفُورٌ، مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ) بضم العين طائر ذَكَر، والأنثى بالهاء، أي هو مثل العصفور في عدم المؤاخذة بالذنب (لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا) أي لم يَجرِ عليه القلمُ بسبب سوء عمله، لكونه مرفوع القلم، لقوله - ﷺ -: «رفع القلم عن ثلاثة:، وعن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبيّ حتى يحتلم». حديث صحيح، أخرجه أحمد، وأبو داود، والحاكم (وَلَمْ يُدْرِكْهُ) أي لم يدرك وقت السوء، وهو ما بعد البلوغ. قال العلامة القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: إنما قالت عائشة - ﵄ - هذا؛ لأنها بَنَت الأمرَ على أن كلّ مودود يودد على فطرة الإسلام، وأن اللَّه تعالى لا يعذّب حتى يبعث رسولًا، فحَكَمَت بذلك، فأجابها النبي - ﷺ - بما ذكر انتهى . (قَالَ) - ﷺ - (أَوَ غَيْرُ ذَلِكِ) بفتح الواو، والهمزة للاستفهام، والواو عاطفة على محذوف، أي أتسكتين عن هذا، وتقولين غير ذلك، ويحتمل أن تكون «أو» بسكون الواو، بمعنى «بل»، و«غير» بالنصب، أو الرفع، أي بل قولي غير ذلك، أو غيرُ ذلكِ أولى وأحسن، والظاهر أن المراد بغير ذلك أن تقول: اللَّه أعلم بما يصير أمره إليه، فتفوّض الأمر إلى اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم (يَا عَائِشَةُ، خَلَقَ اللَّهُ -﷿- الجَنَّةَ، وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا، وَخَلَقَهُمْ) حُذف متعلّقه، أي للجنة (فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ) أي قبل أن يولدوا، ويخرجوا إلى دار التكليف (وَخَلَقَ النَّارَ، وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا، وَخَلَقَهُمْ) حذف متعلقه أيضًا: أي للنار (فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ«) ولفظ مسلم في الموضعين:»خلقهم لها، وهم في أصلاب آبائهم«. قال النووي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: أجمع من يُعتدّ به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين، فهو من أهل الجنّة، والجواب عن هذا الحديث أنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير دليل، أو قال ذلك قبل أن يَعلَم أن أطفال المسلمين في الجنّة. انتهى. وقال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قلت: وقد صرّح كثير من أهل التحقيق أن التوقّف في مثله أحوط، إذ ليست المسألة مما يتعلّق بها عمل، ولا عليها إجماع، وهي خارجة عن محلّ الإجماع على قواعد الأصول، إذ محلّ الإجماع هو ما يدرك بالاجتهاد، دون الأمور المغيبة، فلا اعتداد بالإجماع في مثله لو تمّ على قواعدهم، فالتوقّف أسلم، على أن الإجماع لو تمّ وثبت لا يصحّ الجزم في مخصوص، لأن إيمان الأبوين تحقيقًا غيب، وهو المناط عند اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم انتهى . وقال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في «المفهم»: هذا لا يُعارِض ما تقدّم من قوله: إنه يكتب، وهو في بطن أمّه شقيّ، أو سعيد؛ لما قدّمناه من أن قضاء اللَّه، وقدره راجع إلى علمه وقُدرته، وهما أزليّان، لا أول لهما، ومقصود هذه الأحاديث كلها أنّ قدر اللَّه سبق على حدوث المخلوقات، وأن اللَّه تعالى يُظهر من ذلك ما شاء، لمن شاء، متى شاء، قبل وجود الأشياء انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٥٨/ ١٩٤٧ - وفي «الكبرى» ٥٨/ ٢٠٧٤ - وأخرجه (م) ٦٧١٠ (د) ٤٧١٣ (ق) ٨٢ (أحمد) ٢٣٦١ و٢٥٢١٤. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو مشروعية الصلاة على الصبيان. ومنها: ما كان عليه النبي - ﷺ - من شدّة العناية بأمور المسلمين، ولو كانوا صغارًا. ومنها: عدم القطع لأحد بالجنّة، ولو صغيرًا، تأدبًا مع اللَّه تعالى، فإنه الذي يعلم من هو أهل الجنة؟ ومنها: أن الجنة، والنار مخلوقتان الآن، وأن لهما أهلًا، لا يعلمهم إلا اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في الصلاة على الصبيان: قال الإمام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: أجمع أهل العلم على أن الطفل إذا عرفت حياته، واستهلّ، صلّي عليه. واختلفوا في الصلاة على الطفل الذي لم يُعرف له حياة، فروينا عن ابن عمر، وابن عباس، وجابر أنه قالوا: إذا استهلّ المولود صلي عليه. وبه قال النخعيّ، والحسن، وعطاء، والزهريّ. وقال أحمد ، والحكم، وحماد، ومالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ: إذا لم يستهلّ لم يصلّ عليه، وبه قال أصحاب الرأي. وقالت طائفة: يصلى عليه، وإن لم يستهلّ، يروى ذلك عن ابن عمر. وبه قال محمد بن سيرين، وسعيد بن المسيّب، وقال أحمد بن حنبل: إذا عُلم أنه ولد يغسل، ويصلّى عليه، وقال إسحاق: كما نُفخ فيه الروح صلي عليه، وكذلك قال أحمد، قال: إذا تمت أربعة أشهر يصلى عليه، لأنه قد نفخ فيه الروح، وقال إسحاق: مضت السنّة في أصحاب النبي - ﷺ - في الصبيّ إذا سقط من بطن أمه ميتًا، بعد تمام خلقه، ونُفِخَ فيه الروح، وهو أن يمضي أربعة أشهر وعشرًا أنه يصلّى عليه، إنما الميراث في الاستهلال، وأما ما يُبعث يوم القيامة نسمةً تامّةً، وقد كُتب عليه الشقاء والسعادة، فلأيّ شيء يترك الصلاة عليه؟، وقد ذكر عن النبي - ﷺ -: «صلوا على أطفالكم»، رواه المغيرة بن شعبة - ﵁يعني الحديث الآتي في الباب التالي، وتقدّم أيضًا وثبت أن ابن عمر - ﵄ - صلى على مولود، ذكر نافع أنه لم يكن استهلّ، وصلى أبو هريرة - ﵁ - على المنقوص الذي لم يعمل خطيئة، وقال: «اللَّهم أعذه من عذاب القبر» انتهى كلام ابن المنذر -﵀- تعالى باختصار . وقد رجّح المجد ابن تيمية في «المنتقى» قول أحمد، وإسحاق، حيث قال: وإنما يُصلّى عليه إذا نُفخت فيه الروح، وهو أن يستكمل أربعة أشهر، فأما إن سقط لدونها فلا، لأنه ليس بميت، إذ لم يُنفخ فيه روح، وأصل ذلك حديث ابن مسعود - ﵁ -، قال: حدثنا رسول اللَّه - ﷺ -، وهو الصادق المصدوق: «إن خلق أحدكم يُجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون عَلَقَة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث اللَّه إليه ملكًا بأربع كلمات، بكتب رزقه، وأجله، وشقيّ، أو سعيد، ثم يُنفخ فيه الروح». متفق عليه. انتهى. قال الشوكاني بعد ذكر كلام ابن تيمية هذا: ومحلّ الخلاف فيمن سقط بعد أربعة أشهر، ولم يستهلّ، وظاهر حديث الاستهلال أنه لا يُصَلّى عليه، وهو الحقّ، لأن الاستهلال يدلّ على وجود الحياة قبل خروج السقط، كما يدلّ على وجودها بعده، فاعتبار الاستهلال من الشارع دليل على أن الحياة بعد الخروج من البطن معتبرة في مشروعية الصلاة على الطفل، وأنه لا يكتفى بمجرّد العلم بحياته في البطن فقط انتهى كلام الشوكاني -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأرجح مذهب القائلين بالصلاة على المودود مطلقًا، سواء استهلّ، أو لم يستهلّ، بعد أن تمّ له أربعة أشهر، كما هو مذهب أحمد، وإسحاق، ورجحه المجد ابن تيمية -رحمهم اللَّه تعالى-، لحديث المغيرة بن شعبة الآتي في الباب التالي، وقد تقدّم أيضًا، مرفوعًا: «الطفل يُصلّى عليه»، ولفظ أبي داود: «السقط يُصلى عليه». وهو حديث صحيح، كما تقدّم الكلام عليه في ٥٥/ ١٩٤٢. وأما حديث الاستهلال الذي رجح به الشوكانيّ عدم الصلاة إذا لم يستهلّ، وهو ما أخرجه الترمذيّ، من حديث جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «الطفل لا يصلى عليه، ولا يَرِث، ولا يورث، حتى يستهلّ» ، ورواه ابن ماجه أيضًا، ولكنه لم يذكر «ولا يورث»، فلا يصحّ الاحتجاج به؛ لأن في إسناد الترمذيّ إسماعيل بن مسلم المكيّ، عن أبي الزبير، وإسماعيل ضعيف، وفي إسناد ابن ماجه الربيع بن بدر، عن أبي الزبير، والربيع متروك أيضًا. والصحيح أنه موقوف على جابر - ﵁ -، فقد رواه ابن جريج وغيره، موقوفا عليه. فتبيّن بهذا أن اشتراط الاستهلال للصلاة على الطفل مما لا دليل عليه، بل الدليل الصحيح هو حديث المغيرة - ﵁ - المذكور، بلفظ: «والطفل يُصلّى عليه»، وبلفظ: «والسقط يُصلّى عليه»، وهو على إطلاقه يعمّ المستهلّ، وغيره. فالحاصل أن المذهب الراجح هو القول بالصلاة على الطفل مطلقًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٥٩ - الصَّلَاةُ عَلَى الأَطْفَالِ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: «الأطفال»: جمع طفل -بكسر، فسكون-: الصغير من كلّ شيء، أو المولود. قاله في «ق». وقال في «المصباح»: الطفل: الولد الصغير، من الإنسان، والدوابّ. قال ابن الأنباريّ: ويكون الطفل بلفظِ واحدٍ للمذكْر، والمؤنّث، والجمع، قال اللَّه تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١]، ويجوز المطابقة في التثنية، والجمع، والتأنيث، فيقال: طِفْلَة، وأطفال، وطِفْلَاتٌ، وأَطفَلَتْ كلُّ أنثى: إذا ولدت، فهي مُطفِلٌ، قال بعضهم: ويبقى هذا الاسم للولد حتى يميّز، ثم لا يقال له بعد ذلك: طفل، بل صبيٌّ، وحَزَوَّرٌ، ويافِعٌ، ومُراهِقٌ، وبالغٌ. وفي «التهذيب»: يقال له: طفل إلى أن يحتلم انتهى .
مصادر المؤلف (١٢)

١. دخله الخزم في أوله، فصار «عولن» فتنبّه.

٢. - أخرجه مسلم في «صحيحه» «كتاب الإيمان» رقم الحديث ١٤٥.

٣. - حديث صحيح، أخرجه أحمد، والترمذي، والحاكم، من حديث زيد بن ثابت - ﵁ -.

٤. - «لسان العرب» في مادة طيب.

٥. - «المفهم» ج ٦ ص ٦٧٩.

٦. - «شرح السندي» ج ٣ ص ٥٨.

٧. - «المفهم» ج ٦ ص ٦٨٠.

٨. - لعل أحمد -﵀- له قولان، وإلا فسيأتي أنه ممن يرى الصلاة، وإن لم يستهلّ، فتأمل.

٩. -«الأوسط»ج ٥ ص ٤٠٣ - ٤٠٦.

١٠. -«نيل الأوطار»ج ٤ ص ٥٧ - ٥٨.

١١. - استهلال الصبي تصويته عند ولادته، والمراد به أن يوجد ما يعلم به حياته، من صياح، أو اختلاج، أو نَفَس، أو حركة، أو عُطاس. أفاده في «مجمع البحار».

١٢. - «القاموس المحيط»، و«المصباح المنير» في مادة طفل.