HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٤٩٥

أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (ح). وَأَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص194
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٥ ص ٤٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٢ ص٢٣٦
والأوزاعيّ، وأبو عبيد: إذا كان الواجد له عبدًا يُرضَخ له منه، ولا يعطاه كلّه . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المذهب الأول هو الأرجح عندي؛ لعموم قوله - ﷺ -: «وفي الركاز الخمس»، فإنه يدلّ بعمومه على وجوب الخمس في كلّ ركاز، وأن باقيه لواجده، أيًّا كان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٩٥ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - ح وَأَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمْسُ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الحنظلي المروزيّ ابن راهويه، الثقة الحجة [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (سفيان) بن عيينة المكي، الثقة الحجة [٨] ١/ ١. ٣ - (عبد الرزاق) بن همام الصنعاني الثقة الحافظ [٩] ٦١/ ٧٧. ٤ - (معمر) بن راشد، أبو عروة الصنعاني الثقة الثبت [٧] ١٠/ ١٠. ٥ - (الزهري) محمد بن مسلم أبو بكر الإمام الحجة [٤] ١/ ١. ٦ - (سعيد) بن المسيب الإمام الفقيه الحجة، من كبار [٣] ٩/ ٩. ٧ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني الفقيه الحجة [٣] ١/ ١. ٨ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بالنسبة للسند الأول، ومن سداسياته بالنسبة للثاني. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعيين. (ومنها): أن سعيدًا، وأبا سلمة من الفقهاء السبعة، وأن فيه أبا هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ) كذا جمعهما معمر هنا، والليث، عند البخاريّ. قال في «الفتح»: كذا جمعهما الليث، ووافقه الأكثر، واقتصر بعضهم على أبي سلمة، وللبخاريّ في «الزكاة» من رواية مالك، عن ابن شهاب، فقال: «عن سعيد بن المسيّب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن». وهذا قد يُظنّ أنه عن سعيد مرسلٌ، وعن أبي سلمة موصول. وقد أخرجه مسلم، والنسائيّ من رواية يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد ابن المسيّب، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن أبي هريرة. قال الدارقطنيّ: المحفوظ: عن ابن شهاب، عن سعيد، وأبي سلمة، وليس قول يونس بمدفوع. قال الحافظ: قد تابعه الأوزاعيّ عن الزهريّ في قوله: «عن عبيد اللَّه»، لكن قال: «عن ابن عباس»، بدل أبي هريرة، وهو وَهَمٌ من الراوي عنه، يوسف بن خالد، كما نبّه عليه ابن عديّ. وقد روى سفيان بن حسين، عن الزهريّ، عن سعيد وحده، عن أبي هريرة شيئًا منه. وروى بعض الضعفاء عن عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن أنس بعضه. ذكره ابن عديّ، وهو غلط. وأخرج مسلم الحديث بتمامه من رواية الأسود بن العلاء، عن العلاء، عن أبي سلمة. وقد رواه عن أبي هريرة جماعة غير من ذكرنا، منهم محمد ابن زياد، عند البخاريّ، وهمّام بن منبّه، أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ. انتهى ما في «الفتح» ببعض تصرف . (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أنه (قَالَ: «الْعَجْمَاءُ) -بفتح المهملة، وسكون الجيم، وبالمدّ، تأنيث أعجم، وهي البهيمة، ويقال أيضًا لكلّ حيوان غير الإنسان، ويقال لمن لا يُفصِح، والمراد هنا الأول (جَرْحُهَا) قال صاحب»النهاية«: هو هنا بفتح الجيم على المصدر، لا غير. قاله الأزهريّ، فأما الْجُرْح بالضمّ فهو الاسم انتهى . وقال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: يجوز في إعراب هذه الجملة وجهان: أحدهما: أن يكون قوله:«جَرْحُها جُبَار»جملةٌ من مبتدإ وخبر، وهي خبر عن المبتدإ الذي هو«العجماءُ». والثاني: أن يكون قوله:«جَرْحُها»بدلًا من«المعجماء»، وهو بدل اشتمال، والخبر قوله:«جُبَار»، والكلام جملة واحدة، والمصدر في قوله:«جَرْجها» مضاف للفاعل، أي كون العجماء تجرح غير مضمون انتهى . (جُبَارٌ) -بضمّ الجيم، وتخفيف الموحّدة- هو الْهَدَرُ الذي لا شيء فيه. كذا أسنده ابن وهب، عن ابن شهاب، وعن مالك: ما لا دية فيه. أخرجه، الترمذيّ. وأصله أن العرب تُسَمِّي السيلَ جُبَارًا، أي لا شيء فيه. وقال الترمذيّ: فسر بعض أهل العلم، قالوا: العجماء الدّابّة المنفلتة من صاحبها، فما أصابت من انفلاتها، فلا غُرم على صاحبها. وقال أبو داود بعد تخريجه: العجماءُ التي تكون منفلتة، لا يكون معها أحد، وقد تكون بالنهار، ولا تكون بالليل. ووقع عند ابن ماجه في آخر حديث عبادة بن الصامت - ﵁ -: «والعجماء: البهيمة من الأنعام وغيرها، والْجُبَار: هو الهدر الذي لا يُغرَم». كذا وقع التفسير مدرجًا، وكأنه من رواية موسى بن عُقبة. قال الحافظ العراقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في «شرح الترمذيّ»: وليس ذكر الجرح قيدًا، وإنما المراد به إتلافها بأيّ وجه، سواء كان بجرح، أو غيره. وفي رواية البخاريّ من طريق محمد بن زياد، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -، قال: «العجماء عَقْلُها جُبار …» الحديث. والمراد بالعقل الدية، أي لا دية فيما تُتْلِفُه . وذكر ابن العربيّ أن بناء (ج ب ر) للرفع، والإهدار، من باب السلب، وهو كثير في العربية، يأتي اسم الفعل، والفاعل لسلب معناه، كما يأتي لإثبات معناه. وتعقّبه الحافظ العراقيّ في «شرح الترمذيّ» بأنه لا حاجة لجعله من السلب، بل هو للرفع على بابه؛ لأن إتلافات الآدميّين مضمونة مقهور مُتْلِفُها على ضمانها، وهذا إتلاف قد ارتفع عن أن يؤخذ به أحد انتهى . (وَالْبئْرُ جُبَارٌ) في رواية الأسود بن العلاء عند مسلم: «والبئر جَرحها جُبار». أما البئر فهي بكَسر الموحّدة، ثم ياء ساكنة، مهموزة، ويجوز تسهيلها، وهي مؤنّثة، وقد تذكّر على معنى القَلِيب، والطُّوَى، والجمع أَبْؤُر، وآبار بالمدّ، والتخفيف، بهمزتين بينهما موحّدة ساكنة. قال أبو عُبيد: المراد بالبئر هنا العاديّة القديمة التي لا يُعلَم لها مالك، تكون في البادية، فيقع فيها إنسانٌ، أو دابّةٌ، فلا شيء في ذلك على أحد. وكذلك لو حفر بئرًا في ملكه، أو في موات، فوقع فيها إنسانٌ، أو غيره، فَتَلِف، فلا ضمان إذا لم يكن منه تسبّبٌ إلى ذلك، ولا تغرير. وكذا لو استأجر إنسانًا ليحفر له البئر، فانهارت عليه، فلا ضمان، وأما من حفر بئرًا في طريق المسلمين، وكذا في ملك غيره بغير إذنٍ، فتلف بها إنسان، فإنه يجب ضمانه على عاقلة الحافر، والكفّارة في ماله، وإن تَلِفَ بها غير آدميّ وجب ضمانه في مال الحافر، ويلتحق بالبئر كلّ حفرة على التفصيل المذكور. قاله في «الفتح». وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة السادسة، إن شاء اللَّه تعالى. (وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ) وقع في رواية الأسود بن العلاء عند مسلم: «والمعدن جرحها جُبَار». والحكم فيه ما تقدّم في البئر، لكن البئر مؤنثةٌ، والمعدن مذكّر، فكأنه ذَكَرَهُ بالتأنيث للمؤاخاة، أو لملاحظة أرض المعدن. فلو حفر معدنًا في ملكه، أو في موات، فوقع فيه شخصٌ، فمات، فدمه هدَرٌ، وكذا لو استأجر أجيرًا، يَعمل له، فانهار عليه، فمات، ويلتحق بالبئر، والمعدن في ذلك كلّ أجير على عمل، كمن استؤجر على صعود نخلة، فسقط منها، فمات. قاله في «الفتح». وقال ابن قُدامة: اشتقاق المعدن، من عَدَن بالمكان يَعدِنُ: إذا أقام به، ومنه سميت الجنّة جنّة عدن؛ لأنها دار إقامة، وخلود. قال أحمد: المعادن: هي التي تُستَنبَط، ليس هو شيء دُفِن. وقال أيضًا: هو كلّ ما خرج من الأرض، مما يُخلق فيها، مما له قيمة، كالذهب، والفضّة، والرصاص، والصفر، والحديد، والياقوت، والزبرجد، والْبِلَّوْر، والعقيق، ونحو ها، وكذلك المعادن الجارية، كالقار، والنفط، والكبريت، ونحو ذلك. فمن أخرج شيئًا من ذلك فعليه الزكاة من وقته، عند أحمد، وقال مالك، والشافعيّ: لا تتعلّق الزكاة إلا بالذهب والفضّة؛ لقوله - ﷺ -: «لا زكاة في حَجَر». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه أحمد هو الأرجح عندي؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية. والحديث الذي احتجّ به مالكٌ، والشافعيّ ضعيف، لا يصلح للاحتجاج به؛ لأنه رواه عن عمرو بن شعيب، كلٌّ من عُمَر بن أبي عمر الكَلَاعِيّ، وعثمان بن عبد الرحمن الوقّاصيّ، ومحمد بن عبيد اللَّه العَرْزَميّ، وكلهم ضعفاء. وأوجب الحنفيّة في المعدن الخمس؛ لأنه عندهم ركاز، والصحيح أن الواجب فيه الزكاة، كما هو قول الجمهور؛ لأن الحديث فرق بينهما، فجعل لكلّ منهما حكما ليس للآخر، فلا يكون أحدهما بمعنى الآخر، كما تقدّم بيان ذلك في شرح الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم. (وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ) تقدّم الكلام عليه في شرح الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢٨/ ٢٤٩٥ و٢٤٩٦ و٢٤٩٧ و٢٤٩٨ - وفي «الكبرى» ٣٠/ ٢٢٧٤ و٢٢٧٥ و٢٢٧٦ و٢٢٧٧. وأخرجه (خ) في «الزكاة» ١٤٩٩ و«المساقاة» ٢٣٥٥ و«الديات» ٢٩١٢ و٦٩١٣ (م) في «الحدود» ١٧١٠ (د) في «الخراج، و»الإمارة، والفيء«٣٠٨٥ و»الديات«٤٥٩٣ (ت) في»الزكاة«٦٤٢ و»الأحكام«١٣٧٧ (ق) في»الأحكام«٢٥٠٩ و»الديات«٢٦٧٣ (أحمد) في»باقي مسند المكثرين«٧٤٠٧ و٧٦٦٧ و٧٧٦٩ و٢٧٤٧٢ و٨٧٧٩ و٩٠١٣ و٩٥٧٢ و٢٧٢٦٣ و١٠٠٤٤ و١٠١٦ و١٠١٣٧ و١٠٢٠٩ (مالك) في»الزكاة«٥٨٣ و»العقول«١٦٢٢ (الدارميّ) في»الزكاة«١٦٦٨ و»الديات« ٢٣٧٧ و٢٣٧٨ و٢٣٧٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): أن ما أتلفته البهائم لا شيء فيه، على تفصيل للعلماء فيه، سيأتي (ومنها): أن من حفر بئرًا في ملكه، أو في محلّ مباح، كالموات، فتلفط إنسان، أو نحوه، فلا ضمان عليه (ومنها): أن من استخرج معدنًا من محلّ يباح له، فتلف بسببه إنسان، أو نحوه فلا ضمان عليه (ومنها): أن من وجد ركازًا وجب عليه أداء خمسه، ثم الباقي له. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): ظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن تكون البهيمة منفردةً، أو معها صاحبها، وبهذا أخذ أهل الظاهر، فلم يُضمِّنوا صاحبها ولو كان معها، إلا إن كان الفعل منسوبًا إليه بأن حملها على ذلك الفعل فيما إذا كان راكبًا، أو قادها حتى أتلفت ما مشت عليه فيما إذا كان قائدًا، أو حملها عليه بضرب، أو نخس، أو زجر فيما إذا كان سائقًا، فإن أتلفت شيئًا برأسها، أو بعَضِّها، أو ذنبها، أو نفحتها بالرجل، أو ضربت بيدها في غير المشي، فليس من فعله، فلا ضمان عليه. وقال الشافعية: متى كان مع البهيمة شخصٌ، فعليه ضمان ما أتلفته، من نفس، أو مالي، سواء أتلفت ليلًا أو نهارًا، وسواء كان سائقها، أو قائدها، أو راكبها، وسواء كان مالكها، أو أجيره، أو مستأجرًا، أو مستعيرًا، أو غاصبًا، وسواء أتلفت بيدها، أو برجلها، أو عَضِّها، أو ذنبها. وقال مالك: القائد، والسائق، والراكب، كلهم ضامنون لما أصابت الدّابّة إلا أن تَرْمَحَ الدابّة من غير أن يفعل بها شيء ترمح له. وحكاه ابن عبد البرّ عن جمهور العلماء. وقال الحنفيّة: إن الراكب، والقائد لا يضمنان ما نفحت الدابّة برجلها، أو ذنبها، إلا إن أوقفها في الطريق، واختلفوا في السائق، فقال القُدُوريّ، وآخرون: إنه ضامن لما أصابت بيدها، أو رجلها؛ لأن النفحة بمرأى عينه، فأمكنه الاحتراز عنها. وقال أكثرهم: لا يضمن النفحة أيضًا، وإن كان يراها؛ إذ ليس على رجلها ما يمنعها به، فلا يمكنه التحرّز عنه، بخلاف الْكَدْم؛ لإمكان كبحِهَا بلجامها. وصححه صاحب «الهداية». وكذا قال الحنابلة: إن الراكب لا يضمن ما تُتلفه البهيمة برجلها. وحكى ابن حزم نفي الضمان من النفحة عن شُريح القاضي، والحسن البصريّ، وإبراهيم النخعيّ، ومحمد بن سيرين، وعطاء بن أبي رَبَاح، وعن الحَكَم، والشعبيّ: يضمن، لا يبطل دم المسلم. وتمسّك من نَفَى الضمان من النفحة بعموم هذا الحديث، مع الرواية التي فيها: «الرِّجْلُ جُبار». لكنه ضعيف لتفرّد سفيان بن حسين، عن الزهريّ، وهو ضعيف في الزهريّ، ولا سيّما مع مخالفته للحفاظ، فقد خالف أبا صالح، السمّان، وعبد الرحمن الأعرج، وابن سيرين، ومحمد بن زياد، وغيرهم، فإنهم لم يذكروا الرِّجْل. وذكروا أيضًا من حيث المعنى أنه لا اطلاع له على رَمْحِها، ولا قدرة له على دفعه. ومن أوجب الضمان قال: باب الإتلاف لا فرق فيه بين العمد وغيره، ومن هو مع البهيمة حاكم لها، فهي كالآلة بيده، ففعلها منسوب إليه، حَمَلَها عليه، أم لا، عَلِمَ به، أم لم يعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الظاهرية أرجح؛ لظهور حديث الباب في الدلالة عليه. وحاصله أن ما أتلفته البهيمة لا يُضمَن، سواء كان صاحبها معها، أم لا، إلا إذا كان الفعل منسوبًا إليه، بأن حملها على ذلك الفعل بضرب، أو نَخْسٍ، أو زَجْر، أو نحو ذلك، فأما إذا أتلفت شيئًا برأسها، أو بعَضِّها، أو ذنبها، أو نَفْحَتها بالرجل، أو ضربت بيدها في غير المشي، فليس من فعله، فلا ضمان عليه؛ لكونه جُبَارًا بنصّ الشارع. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): استُدِلّ بهذا الحديث على أنه لا فرق في إتلاف البهيمة للزروع، وغيرها من الأموال بين أن يكون ذلك ليلًا أو نهارًا، وهو قول الحنفيّة، والظاهريّة. وقال الجمهور: إنما يسقط الضمان إذا كان ذلك نهارًا، وأما بالليل، فإن عليه حفظها، فإذا أتلفت بتقصير منه وجب عليه ضمان ما أتلفت. ودليل هذا التخصيص ما أخرجه الشافعيّ، وأبو داود، والنسائيّ ، وابن ماجه كلهم من رواية الأوزاعيّ، والنسائيُّ أيضًا، وابن ماجه من رواية عبد اللَّه بن عيسى، والنسائيُّ أيضًا من رواية محمد بن ميسرة، وإسماعيل بن أميّة، كلهم عن الزهريّ، عن حرام بن مُحَيِّصة الأنصاريّ، عن البراء بن عازب - ﵄ -، قال: كانت له ناقةٌ ضارية، فدخلت حائطًا، فأفسدت فيه، فقضى رسول اللَّه - ﷺ - «أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن على أهل المواشي ما أصابت ماشيتهم بالليل». وأخرج ابن ماجه أيضًا من رواية الليث، عن الزهريّ، عن ابن محيصة: أن ناقة للبراء، ولم يسمّ حرامًا. وأخرج أبو داود من رواية معمر، عن الزهريّ، فزاد فيه رجلًا، قال: «عن حرام بن محيّصة، عن أبيه». وكذا أخرجه مالكٌ، والشافعيّ عنه، عن الزهريّ، عن حرام بن سَعْد بن محيّصة أن ناقة. وأخرجه الشافعيّ في رواية المزنيّ، في «المختصر» عنه، عن سفيان، عن الزهريّ، فزاد مع حرام سعيدَ بنَ المسيّب، قالا: «إن ناقة للبراء». وفيه اختلاف آخر أخرجه البيهقيّ من رواية ابن جُريج، عن الزهريّ، عن أبي أمامة بن سهل، فاختُلِفَ فيه على الزهريّ على ألوان، والْمُسنَد منها طريق حرام، عن البراء. وحرام- بمهملتين- اختُلِف، هل هو ابن محيصة نفسه، أو ابن سَعْد بن محيّصة. قال ابن حزم: وهو مع ذلك مجهول، لم يرو عنه إلا الزهريّ، ولم يوثَّق. قال الحافظ: قلت: قد وثّقه ابن سعد، وابن حبّان، لكن قال: إنه لم يسمع من البراء انتهى. وعلى هذا فيحتمل أن يكون قول من قال فيه: «عن البراء» أي عن قصّة ناقة البراء، فتجتمع الروايات. ولا يمتنع أن يكون للزهريّ فيه ثلاثة أشياخ. وقد قال ابن عبد البرّ: هذا الحديث، وإن كان مرسلًا، فهو مشهور، حدّث به الثقات، وتلقّاه فقهاء الحجاز بالقبول. وأما إشارة الطحاويّ إلى أنه منسوخ بحديث الباب، فقد تعقّبوه بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، مع الجهل بالتاريخ. وأقوى من ذلك قول الشافعيّ: أخذنا بحديث البراء لثبوته، ومعرفة رجاله، ولا يخالفه حديث «العجماءُ جرحها جُبَار»؛ لأنه من العامّ المراد به الخاصّ، فلما قال: «العجماء جبار»، وقضى فيما أفسدت العجماء بشيء في حال دون حال دلّ ذلك على أن ما أصابت العجماء من جرح وغيره في حالٍ جُبَار، وفي حال غير جُبار. ثم نقض على الحنفيّة أنهم لم يستمرّوا على الأخذ بعمومه في تضمين الراكب بحديث «الرِّجْلُ جبار» مع ضعف راوبه، كما تقدّم. وتَعَقَّب بعضهم على الشافعيّة قولَهُم: إنه لو جرت عادة قوم بإرسال المواشي ليلًا، وحبسها نهارًا انعكس الحكم على الأصحّ. وأجابوا بأنهم اتبعوا المعنى في ذلك، ونظيره القسم الواجب للمرأة لو كان يكتسب ليلًا، ويأوي إلى أهله نهارًا لانعكس الحكم في حقّه، مع أن عماد القسم بالليل. نعم لو اضطربت العادة في بعض البلاد، فكان بعضهم يرسلها ليلًا، وبعضهم يرسلها نهارًا، فالظاهر أنه يقضى بما دلّ عليه الحديث. ذكره في «الفتح» . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح عملًا بالحديثين، وحديث البراء، وإن كان الأصحّ أنه مرسل، إلا أنه اعتضد بتلقّي الناس له بالقبول -كما تقدّم عن الحافظ ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- فتقوّى بذلك، ألا ترى أن الإمام الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-، مع كونه لا يرى الاحتجاج بالمرسل، احتجّ به لاعتضاده بما ذُكر، فَيُخَصّ به عموم حديث الباب «العجماء جرحها جبار». والحاصل أن البهائم إذا أفسدت بالليل، فإن أصحابها يضمنون، وإذا أفسدت بالنهار لا يضمنون، لحديث البراء - ﵁ - المذكور، وهذا الجمع أولى من إلغاء أحد الحديثين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في قوله: «البئر جُبار»، وفي رواية الأسود بن العلاء عند مسلم: «والبئر جرحها جُبار». والمراد بجَرْحها -وهي بفتح الجيم، لا غير، كما نقله في «النهاية»، عن الأزهريّ- ما يحصل بالواقع فيها من الجراحة، وليست الجراحة مخصوصةٌ بذلك، بل كلّ الإتلافات ملحقةٌ بها. قال عياضٌ، وجماعة: إنما عبّر بالجرح لأنه الأغلب، أو هو مثالٌ نبّه به على ما عداه، والحكم في جميع الإتلافات بها سواء، أكان على نفس، أو مال؟. ورواية الأكثر تتناول ذلك على بعض الآراء، ولكن الراجح أنّ الذي يحتاج لتقدير، لا عموم فيه. قال ابن بطّال: وخالف الحنفيّة في ذلك، فضمّنوا حافر البئر مطلقًا، قياسًا على راكب الدّابّة، ولا قياس مع النصّ. قال ابن العربيّ: اتفقت الروايات المشهورة على التلفّظ بالبئر، وجاءت رواية شاذّة بلفظ: «النار جُبار» -بنون، وألف ساكنة قبل الراء- ومعناه عندهم: أن من استوقد نارًا مما يجوز له، فتعدّت حتى أتلفت شيئًا، فلا ضمان عليه. قال: وقال بعضهم: صحّفها بعضهم؛ لأن أهل اليمن يكتبون النار بالياء، لا بالألف، فظنّ بعضهم البئر بالموحّدة النار بالنون، فرواها كذلك. قال الحافظ: هذا التأويل نقله ابن عبد البرّ وغيره عن يحيى بن معين، وجزم بأنّ معمرًا صحّفه، حيث رواه عن همّام، عن أبي هريرة. قال ابن عبد البرّ: ولم يأت ابن معين على قوله بدليل، وليس بهذا تُردّ أحاديث الثقات. قال الحافظ: ولا يعترض على الحفّاظ الثقات بالاحتمالات. ويؤيّد ما قاله ابن معين اتفاق الحفاظ من أصحاب أبي هريرة على ذكر البئر، دون النار. وقد ذكر مسلم أنَّ علامةَ المنكر في حديث المحدّث أن يَعمِدَ إلى مشهور بكثرة الحديث، والأصحاب، فيأتي عنه بما ليس عندهم، وهذا من ذاك. ويؤيّده أيضًا أنه وقع عند أحمد من حديث جابر بلفظ «والجُبّ جبار» -بجيم مضمومة، وموحّدة ثقيلة، وهي البئر. وقد اتفق الحفّاظ على تغليط سفيان بن حسين، حيث رَوَى عن الزهريّ في حديث الباب: «الرِّجْلُ جُبَارٌ» -بكسر الراء، وسكون الجيم- وما ذاك إلا أن الزهريّ مكثر من الحديث، والأصحاب، فتفرّد سفيان عنه بهذا اللفظ، فعدّ منكرًا، وقال الشافعيّ: لا يصحّ هذا. وقال الدارقطنيّ: رواه عن أبي هريرة سعيدُ بن المسيّب، وأبو سلمة، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه، والأعرج، وأبو صالح، ومحمد بن زياد، ومحمد بن سيرين، فلم يذكروها، وكذلك رواه أصحاب الزهريّ، وهو المعروف. نعم الحكم الذي نقله ابن العربيّ صحيح، ويمكن أن يتلقى من حيث المعنى من الإلحاق بالعجماء، ويلتحق به كلّ جماد، فلو أنّ شخصًا عَثَرَ، فوقع رأسه في جدار، فمات، أو انكسر، لم يجب على صاحب الجدار شيء انتهى كلام الحافظ . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي في اعتراض الحافظ على الإمام ابن عبد البرّ في تعقّبه ابنَ معين، بما نقله عن الإمام مسلم نظرٌ، وذلك لأنه لم يَنقُل كلام الإمام مسلم -رحمه اللَّه تعالى- على وجهه، فوقع على غير ما أراده مسلم، ودونك ملخّص عبارته في «صحيحه»، قال: «وعلامة المنكر في حديث المحدّث إذا ما عُرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته روايتهم، أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث، غير مقبوله، ولا مُستَعمَلِهِ، إلى أن قال: لأن حكم أهل العلم، والذي نَعرِف من مذهبهم في قبول ما يتفرّد به المحدّث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم، والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وُجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند أصحابه، قُبلت زيادته، فأما من تراه يَعمِد لمثل الزهريّ في جلالته، وكثرة أصحابه الحفّاظ المتقنين لحديثه، وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثُهما عند أهل العلم مبسوطٌ، مشترك، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما، أو عن أحدهما العدَدَ من الحديث، مما لا يعرفه أحدٌ من أصحابه، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح، مما عندهم فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس» انتهى كلام مسلم -رحمه اللَّه تعالى- باختصار . فأنت ترى أن مسلمًا شرط ليكون ما يتفرّد به الراوي منكرًا أن يكون المتفرّد ممن ليس يشارك الثقات في روايات ما يروونه من الصحيح، فهذا هو الذي يكون منكرًا، وأما إذا كان يشارك الثقات فيما يروونه، أو في بعضه، فإن ما يتفرّد به على أصحابه يكون مقبولًا، ومعلوم أن معمرًا أحد الأثبات المتقنين الذين رووا عن الزهريّ، ويشارك أصحابه الأثبات في رواياتهم عنه، فإذا انفرد عن أصحابه بشيء، فإنه يكون مقبولًا، عِلى ما أوضحه الإمام مسلم، في كلامه المذكور. والحاصل أنّ معمرًا من الصنف الثاني، لا من الأول، فلا يكون ما تفرّد به منكرًا. ومن الغريب تشبيهه مخالفةَ معمر بمخالفة سفيان حسين، فإن معمرًا من الحفّاظ المتقنين من أصحاب الزهريّ، كما بيّناه آنفًا، وسفيان من ضعفاء أصحابه، فكيف يُشبّه أحدهما بالآخر، إن هذا لشيء عجيبٌ. والحاصل أن ما قاله الحافظ ابن عبد البرّ له وجه وجيه فيما أراه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (١٢)

١. - لخّصت هذه المسألة السابعة من كتاب «المغني» للإمام ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى- ج ٤ ص ٢٣١ - ٢٣٨ تحقيق د/ عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي، ود/ عبد الفتاح محمد الحلو.

٢. - وفي نسخة «أنا».

٣. -«فتح»ج ١٢ ص ٢٦٥ - ٢٦٦. طبعة دار الريّان.

٤. -«النهاية»ج ١ ص ٢٥٥.

٥. - «طرح التثريب» ج ٤ ص ١٧.

٦. - «فتح» ج ١٢ ص ٢٦٩.

٧. - راجع «طرح التثريب» ج ٤ ص ١٧.

٨. - قال في «المصباح»: رَمَحَ ذو الحافر رَمْحًا، من باب نَفَعَ: ضرب برجله اهـ.

٩. - أي في «السنن الكبرى» «كتاب العادية» باب تضمين أهل الماشية ما أفسدت مواشيهم بالليل ٣/ ٤١١ رقم ٥٧٨٤.

١٠. - «فتح» ج ١٢ ص ٢٦٩ - ٢٧٠. طبعة دار الريّان.

١١. - «فتح» ج ١٢ ص ٢٦٦ - ٢٦٧.

١٢. - «صحيح مسلم» ج ١ ص ٥ - ٦.