HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٥٤١

أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ فِرَاسٍ ، عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ اجْتَمَعْنَ عِنْدَهُ فَقُلْنَ: أَيَّتُنَا بِكَ أَسْرَعُ لُحُوقًا؟ فَقَالَ: أَطْوَلُكُنَّ يَدًا، فَأَخَذْنَ قَصَبَةً فَجَعَلْنَ يَذْرَعْنَهَا! فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَسْرَعَهُنَّ بِهِ لُحُوقًا، فَكَانَتْ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ كَثْرَةِ الصَّدَقَةِ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص208
  • زبير علي زئي:صحيح البخاري
ج ٥ ص ٦٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر صحيح البخاري, صحيح مسلم, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٢ ص٣٩٣
ابني، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «لا دِعْوَة في الإسلام»، ذهب أمر الجاهلية، الولد للفراش، وللعاهر الأثلب«، قالوا: وما الأثلب؟ قال:»الْحَجَرُ«قال:»وفي الأصابع عشر عشر«، وفي المواضع، خمس خمس»، قال: وقال: «لا صلاة بعد الغداة، حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر، حتى تغرب الشمس»، قال: «ولا تُنكَحُ المرأة، على عمتها، ولا على خالتها، ولا يجوز لامرأة عطية، إلا بإذن زوجها». وفي رواية يزيد بن هارون، عن حسين المعلّم: «فقال رجل يا رسول اللَّه إن ابني فلانا عاهرت بأمه في الجاهلية»، وزاد في روايته في آخر الحديث: «وأوفوا بحِلْفِ الجاهلية، فإن الإسلام لم يزده إلا شِدَّةً، ولا تُحدِثُوا حِلْفًا في الإسلام». واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان، تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عبد اللَّه بن عمرو - ﵄ - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكره، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٨/ ٢٥٤٠، وفي «كتاب العمرى» ٥/ ٣٧٥٦ و٣٧٥٧ - وفي «الكبرى» ٦٠/ ٢٣٢٠ و«كتاب العمرى» ٥/ ٦٥٩٠ و٦٥٩١ و٦٥٩٢. وأخرجه (د) في «البيوع» ٣٥٤٦ و٣٥٤٧ (أحمد) في «مسند المكثرين» ٦٦٤٣ و٧٠١٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب». … ٥٩ - (فَضْلُ الصَّدّقَةِ) ٢٥٤١ - (أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، - ﵂ - أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - ﷺ -، اجْتَمَعْنَ عِنْدَهُ، فَقُلْنَ : أَيَّتُنَا بِكَ أَسْرَعُ لُحُوقًا؟، فَقَالَ: «أَطْوَلُكُنَّ يَدًا»، فَأَخَذْنَ قَصَبَةً، فَجَعَلْنَ يَذْرَعْنَهَا، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَسْرَعَهُنَّ بِهِ لُحُوقًا، فَكَانَتْ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ كَثْرَةِ الصَّدقَةِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أبو داود) سليمان بن سَيف الحرّانيّ ثقة حافظ [١١] ١٠٣/ ١٣٦ من أفراد المصنّف. ٢ - (يحيى بن حمّاد) بن أبي زياد الشيبانيّ مولاهم البصريّ، خَتَنُ أبي عَوَانة ثقة عابد، من صغار [٩] ٤٣/ ٢٢٢٥. ٣ - (أبو عوانة) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ ثقة ثبت [٧] ٤١/ ٤٦. ٤ - (فِرَاس) -بكسر الفاء، بعدها راء مهملة- ابن يحيى الْهَمْدَانيّ الْخَارفيّ - بمعجمة، وفاء- أبو يحيى الكوفيّ الْمُكتِبُ، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ [٦]. قال أحمد، وابن معين، والنسائيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: شيخٌ، ما بحديثه بأسٌ. وقال ابن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: ما بلغني عنه شيءٌ، وما أنكرتُ من حديثه، إلا حديث الاستبراء. وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، من أصحاب الشعبيّ، في عداد الشيوخ، ليس بكثير الحديث. وقال ابن شاهين في «الثقات»: قال ابن عمّار: ثقة. وقال عثمان -يعني ابن أبي شيبة-: صدوقٌ، وقيل له: ثَبْتٌ؟ قال: لا. وقال يعقوب بن سفيان: كان مُكْتِبًا، وفي حديثه لِينٌ، وهو ثقة. وذكره ابن حبّان في «الثقات»، وقال: مات سنة (١٢٩)، وكان متقنًا. روى له الجماعة، وله عند المصنّف ستة أحاديث برقم ٢٥٤١ و٣٣٥٦ و٣٦٣٦ و٤٠١٣ و٤٣٩٦ و٤٨٧٠. ٥ - (عامرٌ) بن شَرّاحيل الشعبيّ الإمام الشهير الثقة الفقيه [٣] ٦٦/ ٨٢. ٦ - (مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمداني، أبو عائشة الكوفي، مخضرم ثقة فقيه عابد [٢] ٩٠/ ١١٢. ٧ - (عائشة) - رضي اللَّه تعالى عنها - المذكورة في الباب السابق. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من فراس، غير عائشة فمدنية. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي مخضرم. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ، - ﵂ -، أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - ﷺ -، اجْتَمَعْنَ عِنْدَهُ) زاد في رواية ابن حبّان: «لم تغادر منهنّ واحدة» (فَقُلْنَ) بصيغة جمع المؤنّث، ووقع عند ابن حبّان، من الوجه الذي أخرجه المصنّف، بلفظ: «فقلت» بتاء المتكلّم، وعليه فالسائلة هي عائشة - ﵂ - (أَيَّتُنَا) مؤنّثُ «أيٍّ»، وهو قليلٌ في اللغة، ولفظ البخاريّ: «أيّنا» بالتذكير، وهو الموافق لأكثر الاستعمال، لكونها اسمًا جامدًا، والاسم لا تلحقه تاء التأنيث الفارقة بين المذكر والمؤنث، وعليه قوله تعالى: ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر: ٨١]، وقوله: ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]. وقد تُطابق في التذكير والتأنيث، كما قُرىء في الشاذّ: «بأيّة أرض تموت». وكقول الشاعر [من الطويل]: بِأَيِّ كِتَابٍ أَمْ بِأَيَّةِ سُنَّةِ … تَرَى حُبَّهُمْ عَارًا عَلَيَّ وَتَحْسَبُ (بِكَ) متعلّق بـ «لُحُوقًا» (أَسْرَعُ) خبر «أيّتنا» (لُحُوقًا) منصوب على التمييز، أي من حيث اللحوق بك (فَقَالَ) - ﷺ - (أَطْوَلُكُنَّ يَدًا) خبر لمبتدإ محذوف، أو مبتدأ خبره محذوف، أي أسرعكنّ لحوقًا بي أطولكن يدًا، أو أطولكنّ يدًا أسرعكنّ لحوقًا بي، و«يدًا» منصوب على التمييز. [تنبيه]: إنما لم يقل: «طُولاكنّ»، و«سُرْعاكنّ» بلفظ التأنيث؛ لأن أفعل التفضيل إذا أريد به التفضيل، وكان مضافًا إلى معرفة، جاز فيه وجهان: المطابقة، وعدمها، بخلاف، المضاف إلى نكرة، والمجرّد، فيذكّران، ويفردان، وبخلاف المحلّى بـ «ال»، فإنه تلزم مطابقته، كما أشار ابن مالك -رحمه اللَّه تعالى- في «الخلاصة» بقوله: وَإنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ أَوْ جُرِّدَا … أُلْزِمَ تَذْكِيرًا وَأَنْ يُوَحَّدَا وَتِلْوَ «أَلْ» طِبْقٌ وَمَا لِمَعْرِفَه … أُضِيفَ ذُو وَجْهَيْنِ عَنْ ذِي مَعْرِفَهْ هَذَا إِذَا نَوَيْتَ مَعْنَى «مِنْ» وَإِنْ … لَمْ تَنْوِ فَهْوَ طِبْقُ مَا بِهِ قُرِنْ (فَأَخَذنَ قَصَبَةً، فَجَعَلْنَ يَذْرَعْنَهَا) أي يقدّرنها بذراع كلّ واحدة منهن. ولفظ البخاريّ: «يذرعونها» بلفظ جمع المذكر، نظرًا لمعنى الجمع، أو عدل إليه تعظيمًا، كقول الشاعر: وَإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النَّسَاءَ سِوَاكُمُ (فَكَانَتْ سَوْدَةُ) زاد ابن سعد، عن عفان، عن أبي عوانة بهذا الإسناد: «بنت زمعة بن قيس» (أَسْرَعَهُنَّ بِهِ لُحُوقًا) أي ماتت بعده - ﷺ -، ولحِقَت به قبل بقيّة أزواجه - ﵅ -. [تنبيه]: رواية المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- هذه ظاهرة في كون سودة هي التي لحقت به - ﷺ - قبل بقية زوجاته، لكن المشهور -وهو الصواب- أن زينب بنت جحش - ﵄ - هي التي لحِقَت به - ﷺ - قبلهنّ، لا سودة - رضي اللَّه تعالى عنها -، ففي هذه الرواية وَهَمٌ من بعض الرواة، وأصل الكلام: «فكانت سودة أطولهنّ يدًا، وكانت زينب أسرعهنّ به لحوقًا، وكان ذلك من كثرة الصدقة»، ففيه تقديمٌ، وتأخير، وحذفٌ، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. (فَكَانَتْ أَطوَلَهُنَّ يَدًا، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ كَثْرَةِ الصَّدقَةِ) يعني أن مراد النبيّ - ﷺ - بقوله: «أطولكنّ يدًا» كثرة الصدقة، لا طول الجارحة. قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: معناه: فهِمن ابتداءً ظاهره، فلما ماتت زينب، علمن أنه لم يُرد باليد العضو، وبالطول طولها، بل أراد العطاء، وكثرته، فاليد هنا استعارة للصدقة، والطولُ ترشيح انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة - ﵂كما هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥٩/ ٢٥٤١ - وفي «الكبرى» ٦١/ ٢٣٢١. وأخرجه (خ) في «الزكاة» ١٤٢٠ (م) في «فضائل الصحابة» ٢٤٥٢ (أحمد) في «باقي مسند الأنصار» ٢٤٣٧٨. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان فضل الصدقة (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ - ﷺ - بأوّل من يموت من أزواجه - ﵅ -، فكان كما قال (ومنها): أن فيه جوازَ إطلاق اللفظ المشترك بين الحقيقة والمجاز بغير قرينة، وهو لفظ «أطولكنّ»، إذا لم يكن هناك محذور. قال الزين ابن المنيّر: لما كان السؤال عن آجال مقدّرة، لا تُعلم إلا بالوحي، أجابهنّ بلفظ غير صريحٍ، وأحالهنّ على ما لا يتبيّن إلا بآخره، وساغ ذلك؛ لكونه ليس من الأحكام التكليفيّة انتهى (ومنها): ما ذكره في «الفتح» من أنّ من حَمَلَ الكلام على ظاهره، وحقيقته، لم يُلَمْ، وإن كان مراد المتكلّم مجازه؛ لأنّ نسوة النبيّ - ﷺ - حملن طول اليد على الحقيقة، فلم ينكر عليهنّ. هكذا قال في «الفتح». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: «فلم ينكر عليهنّ» فيه نظر؛ إذ لا دليل على أنه - ﷺ - اطلع على ذرعهنّ للقصبة، حتّى يُنكر عليهنّ، فليُتأمّل. واللَّه تعالى أعلم. قال: وأما ما رواه الطبرانيّ في «الأوسط» من طريق يزيد بن الأصمّ، عن ميمونة - ﵂ -، أنّ النبيّ - ﷺ - قال لهن: «ليس ذلك أعني، إنما أعني أصنعكنّ يدًا». فهو ضعيف جدًّا، ولو كان ثابتًا، لم يحتجن بعد النبيّ - ﷺ - إلى ذرع أيديهنّ، كما يأتي في رواية عمرة، عن عائشة (ومنها): ما قاله المهلّب: فيه دلالة على أن الحكم للمعاني، لا للألفاظ؛ لأن النسوة فَهِمنَ من طول اليد الجارحة، وإنما المراد بالطول كثرة الصدقة. قال الحافظ: وما قاله لا يمكن اطراده في جميع الأحوال انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): قد تقدّم أن رواية المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- فيها وَهَمٌ، ومثلها رواية البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، ولفظه: ١٤٢٠ حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، - ﵂ -، أن بعض أزواج النبيّ - ﷺ -، قُلن للنبي - ﷺ -: أينا لأسرع بك لحوقا؟، قال: «أطولكن يدا»، فأخذوا قصبة، يذرعونها، فكانت سودة أطولهن يدا، فعلمنا بعدُ، أنما كانت طول يدها الصدقة، وكانت أسرعنا لحوقا به، وكانت تحب الصدقة«. قال في الفتح»: «وكانت أسرعنا» كذا وقع في «الصحيح» بغير تعيين، ووقع في «التاريخ الصغير» للبخاريّ، عن موسى بن إسماعيل بهذا الإسناد: «فكانت سودة أسرعنا الخ»، وكذا أخرجه البيهقيّ في «الدلائل»، وابن حبّان في «صحيحه» من طريق العبّاس الدُّوريّ، عن موسى. وكذا وقع في رواية عفّان عند أحمد، وابن سعد، قال ابن سعد: قال لنا محمد بن عمر -يعني الواقديّ-: هذا الحديث وَهَلَ في سودة، وإنما هو في زينب بنت جحش، فهي أول نسائه به لُحوقًا، وتوفّيت في خلافة عمر، وبقيت سودة إلى أن توفّيت في خلافة معاوية، في شوّال سنة أربع وخمسين. وقال ابن بطّال: هذا الحديث سقط منه ذكر زينب؛ لاتفاق أهل السير على أن زينب أوّل من ماتت من أزواج النبيّ - ﷺ - يعني أن الصواب: وكانت زينب أسرعنا الخ. قال الحافظ: ولكن يعكر على هذا التأويل تلك الروايات المتقدّمة المصرّح فيها بأن الضمير لسودة. وقرأت بخطّ الحافظ أبي عليّ الصدفيّ: ظاهر هذا اللفظ أن سودة كانت أسرع، وهو خلاف المعروف عند أهل العلم أن زينب أوّل من مات من الأزواج، ثم نقله عن مالك، من روايته عن الواقديّ، قال: ويقوّيه رواية عائشة بنت طلحة. وقال ابن الجوزيّ: هذا الحديث غلطٌ من بعض الرواة، والعجب من البخاريّ، كيف لم يُنبّه عليه، ولا أصحاب التعاليق، ولا عَلِمَ بفساد ذلك الخطّابيّ، فإنه فسّره، وقال: لُحُوق سودة به من أعلام النبوّة. وكلّ هذا وَهَمٌ، وإنما هي زينب، فإنها كانت أطولهنّ يدًا بالعطاء، كما رواه مسلم، من طريق عائشة بنت طلحة، عن عائشة، بلفظ: «فكانت أطولنا يدًا زينب؛ لأنها كانت تعمل، وتتصدّق» انتهى. وتلقّى مغلطاي كلام ابن الجوزيّ، فجزم به، ولم ينسبه له. وقد جمع بعضهم بين الروايتين، فقال الطيبيّ: يمكن أن يقال فيما رواه البخاريّ: المراد الحاضرات من أزواجه، دون زينب، وكانت سودة أوّلهنّ موتًا. قال الحافظ: وقد وقع نحوه في كلام مغلطاي، لكن يعكر على هذا أن في رواية يحيى بن حماد، عند ابن حبّان «أن نساء النبيّ - ﷺ - اجتمعن عنده، لم تغادر منهن واحدة». ثمّ هو مع ذلك إنما يتأتّى على أحد القولين في وفاة سودة، فقد روى البخاريّ في «تاريخه» بإسناد صحيح إلى سعيد بن هلال، أنه قال: ماتت سودة في خلافة عمر - ﵁ -. وجزم الذهبيّ في «التاريخ الكبير» بأنها ماتت في آخر خلافة عمر - ﵁ -. وقال ابن سيّد الناس: إنه المشهور. وهذا يخالف ما أطلقه الشيخ محيي الدين -يعني النوويّ- حيث قال: أجمع أهل السير على أن زينب أوّل من مات من أزواجه. وسبقه إلى نقل الاتفاق ابن بطّال، كما تقدّم. ويمكن الجواب بأن النقل مقيّدٌ بأهل السير، فلا يرد نقل قول من خالفهم من أهل النقل، ممن لا يدخل في زمرة أهل السير. وأما قول الواقديّ الذي تقدّم، فلا يصحّ، وقد تقدّم عن ابن بطّال أن الضمير في قوله: «فكانت» لزينب، وذكرتُ ما يعكر عليه. لكن يمكن أن يكون تفسيره بسودة من بعض الرواة؛ لكون غيرها لم يتقدّم له ذكرٌ، فلما لم يطلع على قصّة زينب، وكونها أوّل الأزواج لحوقًا به، جعل الضمائر كلها لسودة، وهذا عندي من أبي عوانة، فقد خالفه في ذلك ابن عُيينة، عن فِرَاس، كما قرأت بخطّ ابن رشيد أنه قرأه بخطّ أبي القاسم بن الورد، ولم أقف إلى الآن على رواية ابن عُيينة هذه، لكن روى يونس بن بُكير في «زيادات المغازي»، والبيهقيّ في «الدلائل» بإسناده عنه، عن زكريّا بن أبي زائدة، عن الشعبيّ التصريح بأن ذلك لزينب، لكن قصر زكريّا في إسناده، فلم يذكر مسروقًا، ولا عائشة، ولفظه: «قُلن النسوة لرسول اللَّه - ﷺ -: أيّنا أسرع بك لحوقًا؟ قال: أطولكنّ يدًا، فأخذن يتذارعن أيتهنّ أطول يدًا، فلما توفّيت زينب عَلِمنَ أنها كانت أطولهنّ يدًا في الخير والصدقة». ويؤيّده أيضًا ما روى الحاكم في «المناقب» من «مستدركه» من طريق يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، قالت: قال رسول اللَّه - ﷺ - لأزواجه: «أسرعكنّ لُحوقًا بي أطولكنّ يدًا»، قالت عائشة: فكنّا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة رسول اللَّه - ﷺ - نمدّ أيدينا في الجدار، نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفّيت زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة، ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أنَّ النبيَّ - ﷺ - إنما أراد بطول اليد الصدقةَ، وكانت زينب امرأةً صناعة باليد، وكانت تدبغ، وتخرز، وتصدّق في سبيل اللَّه. قال الحاكم: على شرط مسلم انتهى. وهي رواية مفسّرةٌ، مبيّنةٌ، مرجِّحةٌ لرواية عائشة بنت طلحة في أمر زينب. قال ابن رُشيد: والدليل على أنّ عائشة لا تعني سودة قولها: «فعلمنا بعدُ»، إذ قد أخبرت عن سودة بالطول الحقيقيّ، ولم تذكر سبب الرجوع عن الحقيقة إلى المجاز إلا الموت، فإذا طلب السامع سبب العدول لم يجد إلا الإضمار، مع أنه يصلح أن يكون المعنى، فعلمنا بعدُ أن الْمُخْبَرَ عنها إنما هي الموصوفة بالصدقة لموتها قبل الباقيات، فينظر السامع، ويبحث فلا يجد إلا زينب، فيتعيّن الحمل عليه، وهو من باب إضمار ما لا يصلح غيره، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]. وقال الزين ابن الْمُنَيِّر -رحمه اللَّه تعالى-: وجه الجمع أنّ قولها: «فعلمنا بعدُ» يُشعر إشعارًا قويًّا أنّهنّ حملن طول اليد على ظاهره، ثمّ علمن بعد ذلك خلافه، وأنه كناية عن كثرة الصدقة، والذي علمنه آخرًا خلاف ما اعتقدنه أوّلًا، وقد انحصر الثاني في زينب؛ للاتفاق على أنها أوّلهنّ موتًا، فتعيّن أن تكون هي المرادة، وكذلك بقيّة الضمائر بعد قوله: «فكانت»، واستغنى عن تسميتها لشهرتها بذلك انتهى. وقال الكرمانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: يحتمل أن يقال: إن في الحديث اختصارًا، أو اكتفاءً بشهرة القصّة لزينب، ويؤول الكلام بأن الضمير رجع إلى المرأة التي علم رسول اللَّه - ﷺ - أنها أوّل من يلحق به، وكانت كثيرة الصدقة. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: الأوّل هو المعتمد، وكأنّ هذا هو السرّ في كون البخاريّ حذف لفظ سودة من سياق الحديث لَمَّا أخرجه في «الصحيح»؛ لعلمه بالوَهَم فيه، وأنه لَمَّا ساقه في «التاريخ» بإثبات ذكرها ذكر ما يرُدّ عليه من طريق الشعبيّ أيضًا عن عبد الرحمن بن أبزى، قال: «صلّيت مع عمر على أم المؤمنين زينب بنت جحش، وكانت أوّل نساء النبيّ - ﷺ - لحوقًا به». وقد تقدّم الكلام على تاريخ وفاتها في «كتاب الجنائز»، وأنّه سنة عشرين. وروى ابن سعد من طريق بزرة بنت رافع، قالت: «لَمّا خرج العطاء أرسل عمر إلى زينب بنت جحش بالذي لها، فتعجّبت، وسترته بثوب، وأمرت بتفرقته، إلى أن كشفت الثوب، فوجدت تحته خمسة وثمانين درهمًا، ثمّ قالت: اللَّهمّ لا يُدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا، فماتت، فكانت أوّل أزواج النبيّ - ﷺ - لحوقًا به». وروى ابن أبي خيثمة من طريق القاسم بن معن، قال: «كانت زينب أوّل نساء النبيّ - ﷺ - لحوقًا به». فهذه رواياتٌ يعضد بعضها بعضا، ويحصُلُ من مجموعها أنّ في رواية أبي عوانة وَهَمًا. وقد ساقه يحيى بن حمّاد عنه، مختصرًا، ولفظه: «فأخذن قصبةً يتذارعنها، فماتت سودة بنت زمعة، وكانت كثيرة الصدقة، فعلمنا أنه قال: أطولكنّ يدًا بالصدقة»، هذا لفظه عند ابن حبّان، من طريق الحسن بن مدركٍ عنه. ولفظه عند النسائيّ، عن أبي داود، وهو الحرّانيّ، عنه: «فأخذن قصبةً، فجعلن يذرعنها، فكانت سودة أسرعهنّ به لحوقًا، وكانت أطولهنّ يدًا، فكان ذلك من كثرة الصدقة». وهذا السياق لا يحتمل التأويل، إلا أنه محمولٌ على ما تقدّم ذكره من دخول الوهم على الراوي في التسمية خاصّة. واللَّه أعلم انتهى ما ذكره الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في «الفتح» . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تَبَيَّنَ بما ذُكر أنّ في رواية أبي عوانة المذكورة في هذا الباب وَهَمًا، وأن الصواب أن التي لحقت بالنبيّ - ﷺ - من أزواجه هي زينب بنت جحش - رضي اللَّه تعالى عنها -، وأما سودة - رضي اللَّه تعالى عنها - فإنما ذُكرت لطول يدها عند ذرع القصبة، وهو المعنى الحقيقي لطول اليد، لا لكونها أول من لحقت به - ﷺ -، لكثرة صدقتها، وهو المعنى المجازيّ لطول اليد المقصود هنا. قال الحافظ السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وعندي أنه وقع في رواية المصنّف تقديمٌ وتأخيرٌ، وسَقَطَ لفظة «زينب»، وأنّ أصل الكلام: «فأخذن قَصَبَة، فجعلن يذرعنها، فكانت سودة أطولهنّ يدًا -أي حقيقة-»وكانت أسرعهنّ لحوقًا به زينب، وكان ذلك من كثرة الصدقة«، فأسقط الراوي لفظة»زينب«، وقدّم الجملة الثانية على الجملة الأولى. انتهى كلام الحافظ السيوطيّ -رحمه اللَّه تعالى- في»شرحه«. وهو كلام حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.»إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب«. … قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإِتْيُوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، - عفا اللَّه تعالى عنه - وعن والديه ومشايخه آمين: قد انتهيت من كتابة الجزء الثاني والعشرون من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى-، المسمّى«ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى»، أو«غاية المنى في شرح المجتنى». وذلك بحيّ الزهراء، مخطط الأمير طلال، في مكة المكرمة زادها اللَّه تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأعْظِمْ به تكريمًا. وأخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين. وأخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. «اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». «السلام عليك أيها النبيّ، ورحمة اللَّه، وبركاته». ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء الثالث والعشرون مفتتحًا بالباب ٦٠ «بابٌ أيُّ الصدقة أفضل؟» الحديث رقم ٢٥٤٢. «سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك». شرح سُنن النّسَائي المُسَمَّى ذَخِيْرَة العُقَبى في شَرْحِ المجْتَبَى لجَامِعه الفَقير إلى مَوْلَاه الغَنيّ القَديْر محمد ابن الشيخ العلامة على بن آدم بن موسى الأيتُوبي الوَلَّوِي المُدرّس بدَار الحَديثْ الخيريَّة بمكّة المكرَّمة عَفَا اللَّه عَنْه وَعَنْ والدَيه آمِينْ الجزْء الثّاني والعشْرون جَمِيع الحقُوق مَحفُوظة الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م دَار آل بُروم للِنشر وَالتّوزيع المملكة العَربيّهَ السّعوديّة - مكّة المكرّمة - المكتب الرئيسي التنعيم صَ بْ: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوّال ٠٥٥٥٤١٠٢٦) شرح سنن النسائي بسم اللَّه الرحمن الرحيم
مصادر المؤلف (٧)

١. - وفي نسخة: «قالت: إن».

٢. - وفي نسخة: «فقلنا».

٣. - سقطت لفظة «به» من بعض النسخ.

٤. - راجع «عمدة القاري» ج ٨ ص ٢٨٢.

٥. - راجع «الفتج» ج ٤ ص ٣٨.

٦. - راجع«الفتح»ج ٤ ص ٣٦ - ٣٨.

٧. - راجع«زهر الربى»ج ٥ ص ٦٨.