لترين الرجل يُخرِج مِلْءَ كفه من ذهب أو فضة، يطلب من يقبله منه، فلا يجد أحدا يقبله منه، ولَيَلْقَيَن اللَّهَ أحدُكُم يوم يلقاه، وليس بينه وبينه ترجمان، يترجم له، فليقولن له: ألم أَبْعَث إليك رسولًا، فيبلغك، فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك مالًا، وأُفْضِل عليك، فيقول: بلى، فينظر عن يمينه، فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن يساره، فلا يرى إلا جهنم»، قال عدي: سمعت النبيّ - ﷺ -، يقول:«اتقوا النار ولو بشقة تمرة، فمن لم يجد شقة تمرة، فبكلمة طيبة»، قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة، حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف إلا اللَّه، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة، لَتَرَوُنَّ ما قال النبيّ أبو القاسم - ﷺ -:«يخرج ملء كله». انتهى.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، والمسائل المتعلّقة به ستأتي في الحديث التالي، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٥٥٣ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ مُرَّةَ حَدَّثَهُمْ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - النَّارَ، فَأَشَاحَ بِوَجْهِهِ، وَتَعَوَّذَ مِنْهَا، ذَكَرَ شُعْبَةُ أَنَّهُ فَعَلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: «اتَّقُوا النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ التَّمْرَةِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسماعيل بن مسعود) الجَحْدَريّ البصريّ ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٧، من أفراد المصنف.
٢ - (عمرو بن مُرّة) الْجَمَلي الكوفيّ الأعمى، ثقة عابد، رمي بالإرجاء [٥] ١٧١/ ٢٦٥.
٣ - (خيثمة) بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرَة الْجُعفيّ الكوفيّ، ثقة، يرسل [٣١] ١١٤/ ٢٠٥٦. والباقون تقدموا في السند الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، غير شيخه كما سبق آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى شعبة، وبالكوفيين بعده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَدِيٍّ بْنِ حَاتِمِ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - النَّارَ، فَأَشَاحَ بِوَجِهِهِ) بشين معجمة، وحاء مهملة: أي أظهر الحذر منها. قال الخليل: أشاح بوجهه عن الشيء: نَحَّاه عنه. وقال الفرّاء: الْمُشِيح: الْحَذِرُ، والْجادّ في الأمر.
والْمُقبِلُ في خطابه، المانع لما وراء ظهره. فيجوز أن يكون أشاح أحد هذه المعاني: أي حَذِرَ النارَ، كأنه ينظر إليها، أو جَدَّ على الوصية باتقائها، أو أقبل على أصحابه في خطابه بعد أن أعرض عن النار لَمَّا ذكرها. انتهى .
وحكى ابن التين: أن معنى «أشاح» صدّ، وانكمش. وقيل: صرف وجهه كالخائف أن تناله. انتهى.
(وَتَعَوَّذَ مِنْهَا) أي التجأ إلى اللَّه تعالى ليعصمه من النار (ذَكَرَ شُعْبَةُ أنَّهُ فَعَلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) يعني أن شعبة -رحمه اللَّه تعالى- ذكر في روايته أن النبيّ - ﷺ - فعل ما ذُكر من الإشاحة، والقول ثلاث مرّات. وفي رواية للبخاريّ من طريق الأعمش، عن عمرو بن مُرّة: قال النبيّ - ﷺ -: «اتّقوا النار»، ثمّ أعرض، وأشاح، ثم قال: «اتقوا النار»، ثمّ أعرض، وأشاح، ثلاثًا، حتّى ظنّنا أنه ينظر إليها … «(ثُمَّ قَالَ:»اتَّقُوا النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ التَّمْرَةِ) أي اجعلوا بينكم وبين النار وِقَايةً، من الصدقة، وعَمَلِ البرّ، ولو بشيء يسير (فَإنْ لَمْ تَجِدُوا) ما تتصدّقون به من المال اليسير (فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ«) أي فتصدّقوا بكلمة طيّبة.
قال ابن هُبيرة: المراد بـ«الكلمة الطيّبة»هنا ما يدلّ على هُدًى، أو يردُّ عن ردًى، أو يُصلح بين اثنين، أو يَفصِل بين متنازعين، أو يَحُلُّ مشكلا، أو يكشف غامضا، أو يدفع ثائرًا، أو يسكّن غضبًا. ذكره في«الفتح». واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث عدي بن حاتم - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٢٥٥٢ و٢٥٥٣ - وفي«الكبرى»٦٥/ ٢٣٣٣ و٢٣٣٤. وأخرجه (خ) في«الزكاة»١٤١٣ و١٤١٧ و«المناقب»٣٥٩٥ و«الأدب»٦٠٢٣ و«الرقاق»٦٥٣٩ و٧٥١٣ و«التوحيد»٧٥١٢ (م) في«الزكاة»١٠١٦ (أحمد) في«مسند الكوفيين»١٧٧٨٢ و١٧٨١٠ و١٨٨٣ (الدارميّ) ١٦٥٧. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو الحثّ على الصدقة، ولو
بالقليل (ومنها): أن الصدقة تُقبَل، ولو قلت، لكن بشرط أن تكون طيّبة، لحديث أبي هريرة، - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -:«أيها الناس، إن اللَّه طيب، لا يقبل إلا طيبا، وإن اللَّه أمر المؤمنين، بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث، أغبر، يَمُدُّ يديه إلى السماء، يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأَنَّى يستجاب لذلك». رواه مسلم.
(ومنها): عدم احتقار القليل من الصدقة، وغيرها؛ لأنها تربو عند اللَّه حتى تكون كالجبل، كما دلّ عليه حديثُ أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -:«من تصدق بعدل تمرة، من كسب طيِّبٍ، ولا يقبل اللَّه إلا الطيب، وإن اللَّه يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه، كما يربيَ أحدكَم فَلُوَّه، حتى تكون مثل الجبل». متّفق عليه، وقد تقدّم للمصنّف -رحمه اللَّه تعالى- نحوه برقم ٤٨/ ٢٥٢٥.
(ومنها): أن الكلمة الطيّبة تكون وِقايةً عن النار كصدقة المال، وقد ثبت كونها صدقة، فيما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -:«كلُّ سُلامَى من الناس، عليه صدقة، كلَّ يوم تطلع فيه الشمس، يعدل بين الاثنين صدقة، ويُعين الرجل على دابته، فيحمله عليها، أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويُمِيط الأذى عن الطريق صدقة». واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.«إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب».
…
٦٤ - (بَابُ التَّحْرِيضِ عَلَى الصَّدَقَة)
أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على التحريض على الصدقة. و«التحريض»: مصدر حرّضه على الشيء: إذا حضّه، وحثّه عليه. قال الجوهريّ: التحريض على القتال: الحثّ، والإحماء عليه. قال اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]. وقال الزجّاج: تأويله: حُثَّهم على القتال، قال: وتأويل التحريض في اللغة أن تَحُثَّ الإنسانَ حَثًّا يَعلم منه أنه حارضٌ إن تخلّف عنه، قال: