HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٦٠٥

أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو عُبَيْدِ اللهِ الْمَخْزُومِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ السَّعْدِيِّ ، «أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ مِنَ الشَّامِ، فَقَالَ: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَعْمَلُ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْمُسْلِمِينَ فَتُعْطَى عَلَيْهِ عُمَالَةً فَلَا تَقْبَلُهَا؟ قَالَ: أَجَلْ، إِنَّ لِي أَفْرَاسًا وَأَعْبُدًا وَأَنَا بِخَيْرٍ، وَأُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَمَلِي صَدَقَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ عُمَرُ ﵁: إِنِّي أَرَدْتُ الَّذِي أَرَدْتَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِينِي الْمَالَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي، وَإِنَّهُ أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا، فَقُلْتُ لَهُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ: مَا آتَاكَ اللهُ ﷿ مِنْ هَذَا الْمَالِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إِشْرَافٍ فَخُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص231
  • زبير علي زئي:صحيح البخاري
ج ٥ ص ١٠٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر سنن أبي داود, سنن الدارمي, صحيح البخاري, صحيح مسلم وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٣ ص٢٢٠
قرشي عامريّ مالكيّ، من مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤيّ انتهى. وفي «تهذيب التهذيب»: عبد اللَّه بن السعديّ، واسمه عمرو. وقيل: قُدامة. وقيل: عبد اللَّه بن وقدان بن عبد شمس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ العامري، أبو محمد، ويقال له: السعديّ؛ لأنه كان مسترضعًا في بني سعد. وقال فيه بعضهم: ابن الساعديّ، سكن الأردنّ. روى عن النبيّ - ﷺ -، وعن عمر بن الخطّاب حديث الْعُمَالة، وعن محمد بن حبيب المصريّ، إن كان محفوظًا. وعنه حُويطب بن عبد العزّى، والسائب بن يزيد، وعبد اللَّه بن مُحيريز، ومالك بن يُخامر، وأبو إدريس، وبُسْر بن سعيد، وحسّان بن الضمريّ. قال الواقديّ: توفّي سنة (٥٤). وقال ابن حبّان: مات في خلافة عمر. قال ابن عساكر: لا أراه محفوظًا. أخرج له الجماعة، سوى الترمذيّ، وابن ماجه وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، وأعاده بعده برقم ٢٦٠٥ و٢٦٠٦ و٢٦٠٧ وحديث: «لا تنقطع الهجرة …» برقم ٤١٧٢ وأعاده بعده ٤١٧٣. وأما شرح الحديث، والكلام على مسائله، فسيأتي في الحديث الذي يليه، إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجعِ والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٦٠٥ - (أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّعْدِيِّ، أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، - ﵁ - مِنَ الشَّامِ، فَقَالَ: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَعْمَلُ عَلَى عَمَلٍ، مِنْ أَعْمَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَتُعْطَى عَلَيْهِ عُمَالَةً، فَلَا تَقْبَلُهَا؟، قَالَ: أَجَلْ، إِنَّ لِي أَفْرَاسًا، وَأَعْبُدًا، وَأَنَا بِخَيْرٍ، وَأُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَمَلِي صَدَقَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: عُمَرُ - ﵁ - إِنِّي أَرَدْتُ الَّذِي أَرَدْتَ، وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُعْطِينِى الْمَالَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي، وَإِنَّهُ أَعْطَانِى مَرَّةً مَالًا، فَقُلْتُ لَهُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ: «مَا آتَاكَ اللَّهُ -﷿-، مِنْ هَذَا الْمَالِ، مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، وَلَا إِشْرَافٍ، فَخُذْهُ، فَتَمَوَّلْهُ، أَوْ تَصَدَّقْ بِهِ، وَمَا لَا، فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (سعيد بن عبد الرحمن) بن حسان المخزومي، أبو عبيد اللَّه المكي، ثقة، من صغار [١٠] ٤١/ ١٢٧٧. ٢ - (سفيان) بن عيينة أبو محمد المكي، ثقة ثبت حجة [٨] ١/ ١. ٣ - (الزهري) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت المدني [٤] ١/ ١. ٤ - (السائب بن يزيد) بن سعيد بن ثمامة الكندي الصحابي الصغير - ﵁ -، تقدم في ١٥/ ١٣٩٢. ٥ - (حُويطب بن عبد العزّى) بن أبي قيس بن عبد وُدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤيّ العامري، أبو محمد، ويقال: أبو الأصبغ، مكيّ من مسلمة الفتح، وشهد حُنينًا، وكان من المؤلّفة، وجدّد أنصاب الحرم في عهد عمر. روى عن عبد اللَّه بن السعديّ. وعنه السائب بن يزيد، وابنه أبو سفيان بن حُويطب، وعبد اللَّه بن بُريدة، وغيرهم. قال الدُّوريّ، عن ابن معين: لا أحفظ عنه، عن النبيّ - ﷺ - شيئًا ثابتًا. وقال الزبير بن بكّار: هو الذي افتدت أمه يمينه. وقال أحمد: بلغني عن الشافعيّ، قال: كان حويطب حَميد الإسلام . وقال الواقديّ: حدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز، حدثنا عبد اللَّه بن أبي بكر بن حزم: وكان حويطب يقول: انصرفت من صلح الحديبية، وأنا مستيقن أن محمدًا - ﷺ - سيظهر، فذكر قصّة طويلة. وروى ابن سعد في «الطبقات» من طريق المنذر بن جَهم وغيره، عن حويطب، قال: لما دخل رسول اللَّه - ﷺ - مكّة خِفْتُ خوفًا شديدًا، فذكر قصّة طويلة، فَفَرَّقْتُ أهلي بحيث يأمنون، وانتهيت إلى حائط عوف، فأقمت فيه، فإذا بأبي ذرّ، وكانت لي به معرفة -والمعرفة أبدًا نافعة- فسلّمت عليه، فذكرت له، فقال: اجمع عيالك، وأنت آمن، وذهب إلى رسول اللَّه - ﷺ -، فأخبره، فاطمأننتُ، فقال لي أبو ذرّ: حتى متى يا أبا محمد، قد سُبِقتَ، وفاتك خير كثير، ورسول اللَّه - ﷺ - أبرّ الناس، وأحلم الناس، وشرفه شرفك، وعزّه عزّك، فقلت: أنا أخرج معك، فقال: إذا رأيته، فقل: السلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللَّه، فقلتها، فقال: «وعليك السلام»، فتشهدتُ، فسُرّ بذلك، وقال: «الحمد للَّه الذي هداك»، قال: واستقرضني مالًا، فأقرضته أربعين ألفًا، وشهدتُ معه حُنينًا، وأعطاني من الغنائم، ثم قدم حُويطب المدينة، فنزلها إلى أن مات، وباع داره بمكة من معاوية بأربعين ألف دينار، فاستكثرها بعض الناس، فقال حويطب: وما هي لمن عنده خمس من العيال؟. وروى عبد الرزاق من طريق أبي نَجِيح، عن حويطب: أن امرأة جذبت أمتها، وقد عاذت منها بالبيت، فشُلّت يدها، فلقد جاء الإسلام، وإن يدها شلّاء. ورواه الطبرانيّ من وجه آخر من طريق ابن أبي نَجيح، عن أبيه، عن حُويطب، لكن قال: إن العائذة امرأة، وإن الذي جذبها زوجها . قال الواقدي: كان قد بلغ عشرين ومائة سنة، ستين في الإسلام، وستين في الجاهلية. قال خليفة: مات سنة (٥٤). وذكر في «الفتح» أنه كان من أعيان قريش، وأسلم في الفتح، وكان حَمِيد الإسلام، وكانت وفاته بالمدينة سنة (٥٤) من الهجرة، وهو ابن مائة وعشرين سنة، وهو ممن أُطلق عليه أنه عاش ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام تجوّزًا، ولا يتمّ ذلك تحقيقًا؛ لأنه إن أريد بزمان الإسلام أول البعثة، فيكون عاش سبعًا وستين، أو الهجرة، فيكون عاش فيه أربعًا وخمسين، أو زمن إسلامه هو، فيكون ستًّا وأربعين، والأول أقرب إلى الإطلاق على طريقة جبر الكسر تارةً، وإلغائه أخرى انتهى . روى له الشيخان، والنسائيّ حديث الباب فقط . ٦ - (عبد اللَّه بن السعدي) هو ابن الساعدي المذكور في السند الماضي. ٧ - (عمر بن الخطاب) - رضي اللَّه تعالى عنه - تقدّم في ٦/ ٧٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-؛ ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ، والباقيان مكيان. ومنها: أنه اجتمع فيه أربعة من الصحابة، يروي بعضهم عن بعض: السائب، وحويطب، وابن السعديّ، وعمر - رضي اللَّه تعالى عنهم -. وقد ذكر بعضهم السند المذكور في بيتين، فقال [من البسيط]: وَفِي الْعُمَالَةِ إِسْنَادٌ بِأَرْبَعَةٍ … مِنَ الصَّحَابَةِ فِيهِ عَنْهُمُ ظَهَرَا السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ حُوَيْطِبٍ عَبْـ … ـدُ اللَّهِ حَدَّثهُ بِذَاكَ عَنْ عُمَرَا [تنبيه]: وقع للإمام مسلم -رحمه اللَّه تعالى- في «صحيحه»، في هذا الإسناد خطأ، حيث أخرجه بسنده عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد، عن عبد اللَّه بن السعديّ، عن عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه -، فأسقط حويطبًا. قال النوويّ في «شرحه»: واعلم أن هذا الحديث مما استُدرك على مسلم، قال القاضي عياض: قال أبو عليّ بن السكن: بين السائب بن يزيد، وعبد اللَّه بن السعديّ رجلٌ، وهو حُويطب بن عبد العزّى، قال النسائيّ: لم يسمعه السائب من ابن السعديّ، بل إنما رواه عن حويطب عنه. وقال غيره: هو محفوظ من طريق عمرو بن الحارث، رواه أصحاب شُعيب، والزبيديّ، وغيرهما، عن الزهريّ، قال: أخبرني السائب بن يزيد أن حويطبًا أخبره أن عبد اللَّه بن السعديّ أخبره، أن عمر أخبره. وكذلك رواه يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب. هذا كلام القاضي. قال: وقد رواه النسائيّ في «سننه» كما ذكر عن ابن عيينة، عن الزهريّ، عن السائب، عن حويطب، عن ابن السعديّ، عن عمر - رضي اللَّه تعالى عنه -. -يعني السند المذكور هنا-. قال: ورويناه عن الحافظ عبد القادر الرُّهَاويّ في كتابه «الرباعيّات»، قال: وقد رواه هكذا عن الزهريّ: محمدُ بن الوليد الزبيديّ، وشعيب بن أبي حمزة الحمصيّان، وعُقيل بن خالد، ويونس بن يزيد الأيليان، وعمرو بن الحارث المصريّ، والحكم بن نافع الحمصيّ، ثم ذكر طرقهم بأسانيدها مطوّلةً مطرّقة، كلهم عن الزهريّ، عن السائب، عن حُويطب، عن ابن السعديّ، عن عمر. وكذا رواه البخاريّ من طريق شعيب. قال عبد القادر: ورواه النعمان بن راشد، عن الزهريّ، فأسقط حويطبًا. ورواه معمر، عن الزهريّ، واختُلف عنه فيه، فرواه عنه سفيان بن عيينة، وموسى بن أعين، كما رواه الجماعة، عن الزهريّ. ورواه ابن المبارك، عن معمر، فأسقط حويطبًا، كما رواه النعمان بن راشد، عن الزهريّ. ورواه عبد الرزاق، عن معمر، فأسقط حويطبًا، وابن السعديّ. ثم ذكر الحافظ عبد القادر طرقهم كذلك. قال: فهذا ما انتهى من طرق هذا الحديث. قال: والصحيح ما اتفق عليه الجماعة -يعني عن الزهريّ، عن السائب، عن حويطب، عن ابن السعديّ، عن عمر. انتهى كلام النوويّ . قال الحافظ: ومقتضاه أن يكون سقوط حويطب من رواية مسلم وَهَمًا منه، أو من شيخه، وإلا فذِكْرُه ثابت من رواية غيره كما تقدّم، واللَّه أعلم. انتهى . شرح الحديث (عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ) زاد في رواية البخاريّ: «ابن أخت نَمِر» -أي بفتح النون، وكسر الميم، بعدها راء- صحابيّ أدرك من زمن النبيّ - ﷺ - ستّ سنين، وحفظ عنه، وهو من أواخر الصحابة موتًا، وآخر من مات منهم بالمدينة. وقيل: محمود بن الربيع. وقيل: محمود بن لَبِيد. وتقدمت ترجمته في ١٥/ ١٣٩٢ - (عَنْ حُوَيْطِب بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبدُ اللَّهِ بْنُ السَّعْدِيِّ«- رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، - ﵁ -) زاد في رواية شعيب:»في خلافته«(مِنَ الشَّامِ، فَقَالَ: أَلَمْ أُخْبَرْ) وفي رواية الزبيديّ:»ألم أُحدَّث«. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: [فإن قلت]: تقدّم في رواية بُسْر بن سعيد أن عمر هو الذي استعمله، ولفظه:»استعملني عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه - على الصدقة، فلما فرغت منها، فأدّيتها إليه، أمر لي بعُمالة، فقلت له: إنما عَملت للَّه -﷿- … «، فكيف يُجمع بينه، وبين قوله هنا:»ألم أُخبر«؟. [قلت]: يجاب عنه - واللَّه تعالى أعلم- بأن عمر هو الذي استعمله على الشام لجمع الصدقات، فلما جمعها، وقدم بها عليه، أمر له أن يُعطَى عُمالته، فلم يقبلها، فأُخبر بذلك عمر - رضي اللَّه تعالى عنه -، فاستدعاه، فقال له: ألم أخبر الخ. واللَّه تعالى أعلم. (أَنَّكَ تَعْمَلُ عَلى عَمَلٍ، مِنْ أَعْمَالِ الْمُسْلِمِينَ) قد تبيّن من رواية بُسْر بن سعيد المذكورة نوع العمل الذي تولّاه، وهو السعي على الصدقة (فَتُعْطَى عَلَيْهِ عُمَالَةً) -بضمّ العين المهملة، وتخفيف الميم- اسم لأجرة العمل، وأما العَمَالة -بفتح العين- فهي نفس العمل (فَلَا تَقْبَلُهَا؟) وفي رواية الزبيديّ الآتية: «رددتها». وفي رواية شعيب الآتية: «كرهتها» (قَالَ) ابن السعديّ (أَجَلْ) بفتحتين، كـ «نعم» وزنًا ومعنًى. وفي الرواية الآتية: «قلت: بلى». زاد في الرواية الآتية: «فما تريد إلى ذلك؟»، أي ما غاية قصدك بهذا الردّ؟، فبيّن قصده بقوله (إِنَّ لِي أَفْرَاسًا، وَأَعْبُدًا، وَأنَا بِخَيْرٍ) والأفراس بالفاء جمع فرس، والأعبد بالباء الموحّدة جمع عبد. قال الحافظ: وَللكشميهنيّ «أعتُد» -بمثناة بدل الموحّدة، جمع عَتيد، وهو المال المدّخر. ووقع عند ابن حبّان في «صحيحه» من طريق قبيصة بن ذؤيب أن عمر أعطى ابن السعديّ ألف دينار، فذكر بقيّة الحديث نحو الذي هنا. ورويناه في الجزء الثالث من «فوائد أبي بكر النيسابوريّ» الزيادات من طريق عطاء الخراسانيّ، عن عبد اللَّه بن السعديّ، قال: قدمت على عمر، فأرسل إليّ ألف دينار، فرددتها، وقلت: أنا عنها غنيّ«، فذكره أيضًا بنحوه، واستفيد منه قدر العمال المذكورة انتهى كلام الحافظ . (وَأُرِيدُ أَنْ يَكُونَ عَمَلِي صَدَقَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ) أراد ابن السعديّ - رضي اللَّه تعالى عنه - بهذا بيان سبب تركه قبول العُمَالة، وذلك كونه غير محتاج إليها، وإرادته التصدّق بها على المسلمين. (فَقَالَ: عُمَرُ - ﵁ -: إِنِّي أَرَدْتُ) بضم التاء على التكلّم (الَّذِي أَرَدْتَ) بفتح التاء على الخطاب (وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ -، يُعْطِينِي الْمَالَ) وفي الرواية الآتية: «يعطني العطاء» و«العطاء»: هو المال الذي يقسمه الإمام في المصالح. ووقع في رواية بُسر بن سعيد عند مسلم: «فإني عملت على عهد رسول اللَّه - ﷺ -، فعَمَّلني، فقلت مثل ذلك». فقوله: «عَمّلني» -بتشديد الميم، أي أعطاني أجرة عملي. (فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي) قال الكرمانيّ: جاز الفصل بين أفعل التفضيل، وبين كلمة «من» لأن الفاصل ليس أجنبيًّا، بل هو ألصق به من الصلة؛ لأنه يحتاج إليه بحسب جوهر اللفظ، والصلة محتاجٌ إليها بحسب الصيغة انتهى. (وَإِنَّهُ) - ﷺ - (أَعْطَانِي مَرةً مَالًا، فَقُلْتُ لَهُ: أَعْطِهِ منْ هُوَ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ) - ﷺ - («مَا آتَاكَ اللَّهُ -﷿-، مِنْ هَذَا الْمَالِ، مِنْ غَيْرِ مَسأَلَةٍ) أي من غير طلب منك له. قال النوويّ: فيه النهي عن السؤال. وقد اتفق العلماء على النهي عنه لغير الضرورة. واختُلف في مسألة القادر على الكسب، والأصحّ التحريم. وقيل: يباح بثلاثة شروط: أن لا يُذِلّ نفسه، ولا يُلحّ في السؤال، ولا يؤذي المسؤول، فإن فُقد شرط من هذه الشروط، فهي حرام بالاتفاق انتهى. وقد تقدم تمام البحث في هذه المسألة قريبًا، وباللَّه تعالى التوفيق. (وَلَا إِشْرَافٍ) أي تطلّع إليه. والإشراف -بالمعجمة-: التعرّض للشيء، والحرص عليه، من قولهم أشرف على كذا: إذا تطاول له. وقيل للمكان المرتفع: شَرَفٌ لذلك. قال أبو داود: سألت أحمد عن إشراف النفس؟ فقال: بالقلب. وقال يعقوب بن محمد: سألت أحمد عنه؟ فقال: هو أن يقول مع نفسه يبعث إليّ فلان بكذا. وقال الأثرم: يضيق عليه أن يردّه إذا كان كذلك. قاله في «الفتح» . وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: إشراف النفس: تطلّعها، وتشوّفها، وشَرَهُهَا لأخذ المال، ولا شكّ أن هذه الأمور إذا كانت هي الباعثة على الأخذ للمال؛ كان ذلك من أدلّ دليل على شدّة الرغبة في الدنيا، والحبّ لها، وعدم الزهد فيها، والركون إليها، والتوسّع فيها، وكلّ ذلك أحوالٌ مذمومة، فنهاه عن الأخذ على هذه الحالة؛ اجتنابًا للمذموم، وقَمْعًا لدواعي النفس، ومخالفةً لها في هواها، فإن لم يكن كذلك جاز له الأخذ للأمن من تلك العلل المذمومة. قال الطحاويّ: وليس معنى هذا الحديث في الصدقات، وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام على أغنياء الناس وفقرائهم انتهى كلام القرطبيّ . (فَخُذْهُ) أي وجوبًا على ما قاله بعضهم؛ عملًا بظاهر الأمر، وهو الأقرب، أو استحبابًا على ما عليه الجمهور، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. (فَتَمَوَّلْهُ) أي اتخذه مالًا (أَوْ تصدَّق بِهِ) وفي رواية: «وتصدّق» بالواو. أي إذا أخذته، فإن شئت أبقه عندك، وإن شئت تصدّق به. قال في «الفتح»: وهو أمر إرشاد على الصحيح. قال ابن بطّال: أشار - ﷺ - على عمر بالأفضل؛ لأنه وإن كان مأجورًا بإيثاره لعطائه عن نفسه من هو أفقر إليه منه، فإنّ أخذه للعطاء، ومباشرته للصدقة بنفسه أعظم لأجره، وهذا يدلّ على عظيم فضل الصدقة بعد التموّل؛ لما في النفوس من الشحّ على المال انتهى . (وَمَا لَا، فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ) من أَتْبع مخفّفًا، أي ما لم يؤتيك اللَّه بالشرط المذكور، فلا تجعل نفسك تابعةً له، ناظرةً إليه؛ لأجل أن يحصل عندك. وقال النوويّ: معناه: ما لم يوجد فيه هذا الشرط لا تُعلّق النفس به انتهى. وقال القرطبيّ: أي لا تعلّقها، ولا تُطمعها في ذلك، فإذا فعلت ذلك بها سكنت، ويئست انتهى. وفيه إشارة إلى أن المدار على عدم تعلّق النفس بالمال، لا على عدم أخذه وردّه على المعطي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٩٤/ ٢٦٥٤ و٢٦٠٥ و٢٥٠٦ و٢٦٠٧ و٢٦٠٨ - وفي «الكبرى» ٩٦/ ٢٣٨٥ و٢٣٨٦ و٢٣٨٧ و٢٣٨٨ و٢٣٨٩. وأخرجه (خ) في «الزكاة» ١٤٧٣ وفي «كتاب الأحكام» ٧١٦٤ (م) في «الزكاة» ١٠٤٥ (د) في «الزكاة» ١٦٤٧ وفي «الخراج» ٢٩٤٤ (أحمد) في «مسند العشرة» ١٠١ و١٣٧ و٢٨١ و٣٧٣ (الدارمي) في «الزكاة» ١٦٤٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم من رزقه اللَّه تعالى مالًا من غير مسألة، وقد ذكرنا اختلاف أهل العلم فيه، والجمهور على استحباب أخذه على تفصيل في المسألة، لكن القول بالوجوب هو الأقرب؛ لأنه الذي تدلّ عليه ظواهر النصوص، كما سيأتي في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى (ومنها): أن للإمام أن يعطي بعض رعيّته إذا رأى لذلك وجهًا، وإن كان غيره أحوج إليه منه (ومنها): أن ردّ عطية الإمام ليس من الأدب، ولا سيّما من الرسول - ﷺ -؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية (ومنها): أن فيه منقبةً لعمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنه -، وبيانَ فضله، وزُهده، وإيثاره، وكذا لابن السعديّ - رضي اللَّه تعالى عنه -، فقد طابق فعلُه فعلَه (ومنها): أنّ أخذ ما جاء من المال من غير سؤال، ولا إشراف نفس أفضل من ردّه؛ لأن أخذه يكون أعون على العمل، وألزم للنصيحة، لأنه إذا لم يأخذ كان عند نفسه متطوّعًا بالعمل، فقد لا يجدّ جدّ من أخذ، ركونًا إلى أنه غير ملتزم، بخلاف الذي يأخذ، فإنه يكون مستشعرًا بأن العمل واجبٌ عليه، فيجدّ جدَّه فيه (ومنها): أن التصدّق بالمال بعد قبضه أفضل من التصدّق قبله؛ لأن الإنسان إذا دخل المال في يده يكون أحرص عليه، فإذا تصدّق به، طيّبة نفسه، كان أدلّ على حبه للخير، وقوة إيمانه، بخلاف ما إذا تصدّق قبل قبضه، فإن النفس لا تطمع إليه كثيرًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم أخذ الشخص ما جاءه من المال، من غير مسألة، ولا إشراف، وفي عطيّة السلطان: قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف العلماء فيمن جاءه مالٌ، هل يجب قبوله، أم يُندبُ؟ على ثلاثة مذاهب، حكاها أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ، وآخرون، والصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه يستحبّ في غير عطيّة السلطان، أما عطيّة السلطان، فحرّمها قوم، وأباحها قوم، وكرهها قوم، والصحيح أنه إن غلب الحرام فيما في يد السلطان حرمت، وكذا إن أَعطَى من لا يستحقّ، وإن لم يغلب الحرام، فمباحٌ، إن لم يكن في القابض مانع يمنعه من استحقاق الأخذ. وقالت طائفة: الأخذ واجبٌ من السلطان وغيره. وقال آخرون: هو مندوبٌ في عطيّة السلطان، دون غيره، واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ . وقال الحافظ: والتحقيق في المسألة أن من عُلِمَ كون ماله حلالًا، فلا تردّ عطيّته، ومن عُلم كون ماله حرامًا، فتحرم عطيّته، ومن شُكّ فيه، فالاحتياط ردّه، وهو الورع، ومن أباحه أَخَذَ بالأصل. قال ابن المنذر: واحتجّ من رخّص فيه بأن اللَّه تعالى قال في اليهود: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾، وقد رهن الشارع درعه عند يهوديّ، مع علمه بذلك، وكذلك أَخَذَ الجزية منهم مع العلم بأن أكثر أموالهم من ثمن الخمر والخنزير، والمعاملات الفاسدة انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أرجح الأقوال عندي في مسألة القبول القولُ بالوجوب؛ لظواهر النصوص، إذ هي بصيغة الأمر، ولا صارف له إلى الندب، وما ادعاه بعضهم من الإجماع على الندب غير صحيح؛ لما عرفت من الخلاف. وأما عطيّة السلطان، فالتفصيل الذي ذكره الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-، هو الصواب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في حكم أخذ الراتب لمن يقوم بمصالح المسلمين: قال الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في «صحيحه»: «باب رزق الحاكم، والعاملين عليها، وكان شريح القاضي يأخذ على القضاء أجرًا. وقالت عائشة: يأكل الوصي بقدر عُمالته. وأكل أبو بكر، وعمر. ثم أورد حديث عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور في الباب محتجًّا به على جواز ذلك. قال الطبريّ -رحمه اللَّه تعالى-: في حديث عمر الدليل الواضح على أن لمن شُغِل بشيء من أعمال المسلمين أَخْذَ الرزق على عمله ذلك، كالولاة، والقضاة، وجُبَاة الفيء، وعُمّال الصدقة، وشبههم؛ لإعطاء رسول اللَّه - ﷺ - عمر العُمَالةَ على عمله. وذكر ابن المنذر أن زيد بن ثابت - رضي اللَّه تعالى عنه -، كان يأخذ الأجر على القضاء. واحتجّ أبو عبيد في جواز ذلك بما فرض اللَّه للعاملين على الصدقة، وجعل لهم منها حقًّا؛ لقيامهم، وسعيهم فيها. وقال ابن المنذر: وحديث ابن السعديّ حجة في جواز أرزاق القضاة من وجهها. وقال النوويّ: في هذا الحديث جواز أخذ العوض على أعمال المسلمين، سواء كانت لدين، أو لدنيا، كالقضاء، والحسبة، وغيرهما انتهى .
مصادر المؤلف (١٥)

١. - راجع «تهذيب التهذيب» ج ١ ص ٥٠٧.

٢. - راجع «الإصابة» ج ٢ ص ٣٠٤ - ٣٠٥.

٣. - راجع «الفتح» ج ١٥ ص ٥٢.

٤. - «تهذيب التهذيب» ج ١ ص ٥٠٧.

٥. - «الفتح» ج ١٥ ص ٥٤ - ٥٥.

٦. -»شرح صحيح مسلم«ج ٧ ص ١٣٦ - ١٣٧.

٧. -»الفتح«ج ١٥ ص ٥٥.

٨. - «الفتح» ج ١٥ ص ٥٣.

٩. - «الفتح» ج ١٥ ص ٥٤ في «كتاب الأحكام». وج ٤ ص ١٠٠ في «الزكاة».

١٠. - راجع «المفهم» ج ٣ ص ٩٠.

١١. - «الفتح» ج ١٥ ص ٥٤.

١٢. - «شرح صحيح مسلم» ج ٧ ص ١٣٥.

١٣. - راجع «الفتح» ج ١٥ ص ١٠١.

١٤. - الرزق: ما يرتّبه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين. وقال المطرّزيّ: الرزق ما يخرجه الإمام كلّ شهر للمرتزقة من بيت المال، والعطاء ما يُخرجه كلّ عام. ذكره في «الفتح» ج ١٥ ص ٥١.

١٥. - «شرح مسلم» ج ٧ ص ١٣٨.