قال النوويّ: إن هذا هو الصواب، لا ما وقع في رواية أبي داود، ولذا لم يذكر في رواية النسائيّ، والبيهقيّ قوله: «انحر من البدن سبعًا وستين، أو ستا وستين». وقد جمع بعضهم بأن المراد في حديث أبي داود: «انحر» أي هيئها لي في المنحر لأتولّى نحرها، أو أنه بعد أن أمر عليا بنحرها بدا له - ﷺ - أن ينحرها بيده، فنحر ثلاثًا وستين، وأمر عليا بنحو الباقي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث البراء - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، ولا يضرّه عنعنعة أبي إسحاق، وإن كان مدلسًا؛ لأن حديث عليّ الماضي يشهد له، وكذا غيره من الأحاديث. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٤٩/ ٢٧٢٥ و٥٢/ ٢٧٤٥ - وفي «الكبرى» ٤٩/ ٣٧٠٥ و٥٢/ ٣٧٢٦. وأخرجه (د) في «المناسك» ١٧٩٧ (البيهقيّ) ٥/ ١٥. واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعيّة القران. (ومنها): استحباب التطيّب لمن تحلل من إحرامه. (ومنها): تعليق الشخص إحرامه بإحرام غيره. (ومنها): استحباب سوق الهدي من بلده. (ومنها): جواز قول الإنسان «لو كان كذا كان كذا» تأسفًا على ما فات إذا تعلقت به المصلحة الدينية، والنهي الوارد محمول على الحظوظ الدنيوية، كما تقدّم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعمِ الوكيل.
٢٧٢٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، الصَّنْعَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفًا، يَقُولُ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: «جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ، ثُمَّ تُوُفِّيَ قَبْلَ أَنْ يَنْهَى عَنْهَا، وَقَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْقُرْآنُ بِتَحْرِيمِهِ»).
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني ثم البصري، ثقة [١٠] ٥/ ٥.
٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيميُّ، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت [٨] ٤٢/ ٤٧.
٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الشهير [٧] ٢٤/ ٢٧.
٤ - (حميد بن هلال) العدوي، أبو نصر البصري، ثقة فقيه [٣] ٤/ ٤.
٥ - (مُطَرِّف) بن عبد اللَّه تأتي ترجمته قريبًا.
٦ - (عمران بن حصين) - ﵄ - يأتي قريبًا أيضًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف -﵀-، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأنه مسلسل بالبصريين، وفيه رواية تابعي عن تابعي، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن حميد بن هلال أنه (قال: سَمِعْتُ مُطَرِّفًا) هو ابن عبد اللَّه بن الشِّخِّير العامريّ الْحَرَشيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ التابعيّ الكبير الثقة العابد الفاضل المشهور، من [٢] تقدّمت ترجمته في ٥٣/ ٦٧ (يَقُولُ: قَالَ: لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ) بن عُبيد بن خَلَف الْخُزَاعيّ، أبو نُجَيد، أسلم عام خيبر، وصَحِب النبيّ - ﷺ -، وكان فاضلًا، وقضى بالكوفة، ومات - ﵁ - سنة (٥٢) بالبصرة، تقدّمت ترجمته في ٢٠١/ ٣٢١. وفي رواية لمسلم من طريق قتادة، عن مطرّف، قال: بعث إليّ عمران بن حُصين في مرضه الذي توفّي فيه، فقال: إني كنت محدّثك بأحاديث لعلّ اللَّه أن ينفعك بعدي، فإن عشتُ فاكتم عنّي، وإن من، فحدّث بها إن شئت، إنه قد سُلّم عليّ، واعلم أن نبيّ اللَّه - ﷺ - قد جمع بين حجّ وعمرة، ثم لم ينزل فيها كتاب اللَّه … «فذكر الحديث. وفي رواية حميد ابن هلال، عن مطرّف:»وقد كان يسلم عليّ حتى اكتويتُ، فتُرِكتُ، ثم تَرَكْتُ الكيّ، فعاد«.
ومعنى قول عمران بن حصين - رضي اللَّه تعالى عنهما -:«قد كان يُسلّم عليّ الخ»: أنه كانت به بواسير، فكان يصبر على ألمها، وكانت الملائكة تسلّم عليه، فاكتوى، فانقطع سلامهم عليه، ثم ترك الكيّ، فعاد سلامهم عليه. قاله النوويّ.
وقوله:«فاكتم عني الخ»أراد به الإخبار بالسلام عليه؛ لأنه كره أن يشاع عنه ذلك في حياته؛ لما فيه من التعرّض للفتنة، بخلاف ما بعد الموت. قاله النوويّ أيضًا .
(جمًعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَيْنَ حَجِّ وَعُمْرَةٍ) أي قرن بينهما. وفي رواية محمد بن واسع، عن مطرف الآتية:«تمتّعنا مع رسول اللَّه - ﷺ - ». والتمتّع يشمل القران، والتمتع
المعروف، ولذا أورده المصنّف احتجاجًا به على مشروعية القران، فالنبيّ - ﷺ - قرن، والصحابة الذين لم يسوقوا الهدي تمتّعوا، فلا تنافي بين قوله:« جمع رسول اللَّه - ﷺ - »، وقوله:«تمتّعنا»(ثُمَّ تُوُفَّيَ) - ﷺ - (قَبْلَ أَنْ يَنْهَى عَنْهَا) أنث الضمير باعتبار الخصلة، أي مات قبل أن ينهى عن هذه الخصلة بسنته (وَقَبْلَ أَنَّ يَنْزِلَ) وفي نسخة:«أن نزل»(الْقُرْآنُ بِتَحْرِيمِهِ) ذكر الضمير هنا باعتبار الفعل، أي قبل أن ينزل القرآن بتحريم هذا الفعل، وهو القِرَان. وفي الرواية التالية:«ثم لم ينزل فيها كتاب، ولم ينه عنها النبيّ - ﷺ - قال رجل برأيه ما شاء». وفي رواية البخاريّ:«تمتعنا على عهد رسول اللَّه - ﷺ -، ونزل القرآن، قال رجل برأيه ما شاء».
قال في«الفتح»: قوله:«ونزل القرآن»أي بجوازه، يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ الآية. وفي رواية للبخاريّ أيضًا في«التفسير من طريق أبي رجاء العطارديّ، عن عمران بلفظ: »أُنزلت آية المتعة في كتاب اللَّه، ففعلناها مع رسول اللَّه - ﷺ -، ولم ينزل قرآن بحرمة، فلم ينه عنها حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء.
وقوله:«قال رجل برأيه ما شاء». وفي رواية أبي العلاء، عن مطرّف عند مسلم:«ارتأى كلّ امرئ بعدُ ما شاء أن يرتئي». قال الحافظ: قائل ذلك هو عمران بن حصين، ووهم من زعم أنه مطرّف الراوي عنه؛ لثبوت ذلك في رواية أبي رجاء، عن عمران، كما ذكرته قبلُ. وحكى الحميديّ أنه وقع في رواية أبي رجاء، عن عمران: قال البخاريّ: يقال: إنه عمر. أي الرجل الذي عناه عمران بن حصين.
قال الحافظ: لم أر هذا في شيء من الطرق التي اتصلت لنا من البخاريّ، لكن نقله الإسماعيليّ، عن البخاريّ كذلك، فهو عمدة الحميديّ في ذلك. وبهذا جزم القرطبيّ، والنوويّ، وغيرهما. وكأن البخاريّ أشار بذلك إلى رواية الجُرَيريّ، عن مطرّف، فقال في آخره: «ارتأى رجل برأيه ما شاء» يعني عمر. كذا في الأصل، أخرجه مسلم عن محمد بن حاتم، عن وكيع، عن الثوريّ، عنه.
وقال ابن التين: يحتمل أن يريد عمر، أو عثمان. وأغرب الكرمانيّ، فقال: ظاهر سياق كتاب البخاريّ أن المراد به عثمان. وكأنه لقرب عهده بقصّة عثمان مع عليّ جزم بذلك، وذلك غير لازم، فقد سبقت قصّة عمر مع أبي موسى في ذلك، ووقعت لمعاوية أيضًا مع سعد بن أبي وقاص في «صحيح مسلم» قصّة في ذلك.
قال الحافظ: والأولى أن يفسّر بعمر؛ فإنه أول من نهى عنها، وكأن من بعده كان تابعًا له في ذلك. وفي «صحيح مسلم» أيضًا أن ابن الزبير كان ينهى عنها، وابن عباس يأمر بها، فسألوا جابرًا، فأشار إلى أن أول من نهى عنها عمر.
ثم في حديث عمران ما يعكُرُ على عياض، وغيره في جزمهم أن المتعة التي نهى عنها عمر، وعثمان، هي فسخ الحجّ إلى العمرة، لا العمرة التي يحجّ بعدها، فإن في بعض طرقه عند مسلم التصريح بكونها متعة الحجّ، وفي رواية له أيضًا: «أن رسول اللَّه - ﷺ - أعمر بعض أهله في العشر»، وفي رواية له: «جمع بين حجّ وعمرة»، ومراده التمتّع المذكور، وهو الجمع بينهما في عام واحد انتهى المقصود من كلام الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- .
وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذه الروايات كلها متفقة على أن مراد عمران أن التمتّع بالعمرة إلى الحجّ جائز، وكذلك القران، وفيه التصريح بإنكاره على عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه - منع التمتّع. وقد سبق تأويل فعل عمر أنه لم يرد إبطال التمتّع، بل ترجيح الإفراد عليه.
وقال قبل ذلك: المختار أن المتعة التي نهى عنها عثمان هي التمتّع المعروف في الحجّ، وكان عمر وعثمان ينهيان عنها نهيّ تنزيه، لا تحريم، وإنما نهيا عنها؛ لأن الإفراد أفضل، فكان عمر، وعثمان يأمران بالإفراد؛ لأنه أفضل، وينهيان عن التمتّع نهي تنزيه؛ لاْنهما مأمور بصلاح رعيّتهما، وكانا يريان الأمر بالإفراد من جملة صلاحهم. انتهى كلام النوويّ بتصرّف .
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن الأظهر أن الرجل الذي أشار إليه عمران - ﵁ - في كلامه السابق هو عمر بن الخطّاب - رضي اللَّه تعالى عنه -؛ لأن غيره تابع له في ذلك، وأن المتعة التي قال عنها عمران - ﵁ -: «تمتّعنا مع رسول اللَّه - ﷺ -» هي التمتّع المعروف الذي هو الاعتمار في أشهر الحج، ثم الحجّ بعده، ثم إن محمل نهي عمر وعثمان - رضي اللَّه تعالى عنهما - من ذلك هو الذي ذكره النووي، من أنهما رأيا ذلك أصلح، لكن الرأي يصيب، ويخطىء، فما صحّ عن رسول اللَّه - ﵁ - أحقّ أن يتّبع، لا ما رأياه، فإنه - ﷺ - هو الحجة على من سواه، وليس لأحد قولٌ، ولا فعلٌ، مع قوله، وفعله، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ الآية [النور: ٥٤]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ الآية [الحشر: ٧]، وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.