HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٨٢٩

أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَمْسٌ يَقْتُلُهُنَّ الْمُحْرِمُ: الْحَيَّةُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص294
  • زبير علي زئي:صحيح مسلم
ج ٥ ص ١٨٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح البخاري, صحيح مسلم وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٤ ص٣٨٩
ضعيف للعلل المذكورة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا ضعيف، كما مرّ الكلام عليه آنفًا. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٨١/ ٢٨٢٨ - وفي «الكبرى» ٨٠/ ٣٨١٠. وأخرجه (د) في «المناسك» ١٨٥١ (ت) في «الحجّ» ٨٤٦ (أحمد) في «باقي مسند المكثرين» ١٤٤٧٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٨٢ - (مَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مَنَ الصَّيْدِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: «ما» اسم موصول خبر لمحذوف، أي هذه الأبواب الآتية في ذكر الأحاديث الدّالّة على الحيوانات التي يجوز للمحرم قتلها، وهي من الصيد. والظاهر أن هذه الترجمة بمنزلة الكتاب، والتراجم الآتية بمنزلة الفصول له. واللَّه تعالي أعلم بالصواب. … ٨٣ - (قَتْلُ الْكَلْبِ الْعَقُورِ) (*) ٢٨٢٩ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «خَمْسٌ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور في الباب الماضي. <hr> (*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: هذا الباب ليس مرقما في طبعة أبي غدة، وازداد ترقيم الأبواب بهذا (هنا) رقما، ثم تكرر بابان برقم ٨٥، فصار الترقيم هنا [٨٢، ٨٣، ٨٤، ٨٥، ٨٥، ٨٦]، وأصله [٨٢،. . .، ٨٣، ٨٤، ٨٥، ٨٦]، وقد أبقينا على ترقيم أبي غدة في شجرة العناوين ٢ - (مالك) بن أنس المدنيّ الإمام الحجة الثبت الفقيه [٧] ٧/ ٧. ٣ - (نافع) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١٢/ ١٢. ٤ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيّات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (١٤٥) من رباعيّات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه أصحّ الأسانيد على الإطلاق، على ما نُقل عن الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، وقد سبق غير مرّة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، و«بَغْلان» قرية من قرى بَلْخَ. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين ألسبعة، روى (٢٦٣٥) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللَّه - ﷺ -، قَالَ: «خَمْسٌ») أي من الدوابّ، وهو مبتدأ؛ لتخصصه بالصفة المقدّرة، وخبره جملة «ليس على المحرم الخ». قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: التقييد بالخمس، وإن كان مفهومه اختصاص المذكورات بذلك، لكنه مفهوم عدد، وليس بحجة عند الأكثرين، وعلى تقدير اعتباره، فيحتمل أن يكون قاله - ﷺ - أوّلًا، ثم بين بعد ذلك أن غير الخمس يشترك معها في الحكم. فقد ورد في بعض طرق عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - بلفظ: «أربع»، وفي بعض طرقها بلفظ: «ستّ». فأما طريق «أربع» فأخرجها مسلم من طريق القاسم، عنها، فأسقط الغراب. وأما طريق «ست»، فأخرجها أبو عوانة في «المستخرج» من طريق المحاربيّ، عن هشام، عن أبيه، عنها، فأثبتها، وزاد الحيّة. ويشهد لها ما رواه مسلم عن شيبان بن فرّوخ، عن أبي عوانة، عن زيد بن جبير، قال: سأل رجل ابن عمر: ما يقتل المحرم، من الدوابّ، وهو محرم؟، قال: حدثتني إحدى نسوة النبيّ - ﷺ -: «أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور، والفأرة، والعقرب، والحُديّا، والغراب، والحيّة». وأغرب عياض، فقال: وفي غير كتاب مسلم ذكر الأفعى، فصارت سبعًا. وتُعُقّب بأن الأفعى داخلة في مسمى الحية. والحديث الذي ذُكِرَت فيه أخرجه أبو عوانة في «المستخرج» من طريق ابن عون، عن نافع في آخر حديث الباب، قال: قلت لنافع: فالأفعى؟ قال: ومن يشكّ في الأفعى؟ انتهى. وقد وقع في حديث أبي سعيد، عند أبي داود نحو رواية شيبان، وزاد السبع العادي، فصارت سبعًا. وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - عند ابن خزيمة، وابن المنذر زيادة ذكر الذئب، والنمر على الخمس المشهورة، فتصير بهذا الاعتبار تسعًا. لكن أفاد ابن خزيمة عن الذهليّ أن ذكر الذئب، والنمر من تفسير الراوي للكلب العقور. ووقع ذكر الذئب في حديث مرسل، أخرجه ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وأبو داود من طريق سعيد بن المسيّب، عن النبيّ - ﷺ -، قال: «يقتل المحرم الحية، والذئب». ورجاله ثقات. وأخرج أحمد من طريق حجاج بن أرطأة، عن وَبَرَة، عن ابن عمر، قال: «أمر رسول اللَّه - ﷺ - بقتل الذئب للمحرم». وحجاج ضعيف، وخالفه مسعر، عن وبرة، فرواه موقوفًا، أخرجه ابن أبي شيبة. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: فهذا جميع ما وقفت عليه في الأحاديث المرفوعة، زيادة على الخمس المشهورة، ولا يخلو شيء من ذلك من مقال. واللَّه أعلم انتهى . (لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ) أي إثم، وفي الرواية الآتية في -٨٨/ ٢٨٣٦ - من طريق الزهريّ، عن سالم، عن أبيه: «خمس من الدوابّ، لا جناح في قتلهنّ على من قتلهن في الحرم، والإحرام …». وفي رواية لمسلم من طريق معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - بلفظ: «يُقتلن في الحلّ والحرم». فعرف بهذا أنه لا إثم في قتلها على المحرم، ولا على الحلال، في الحرم، ولا في غيره. ويعرف حكم الحلال أيضًا بكونه لم يقم به مانع، وهو الإحرام، فهو بالجواز أولى. ثم إنه ليس في نفي الجناح، وكذا الحرج في طريق سالم دلالة على أرجحية الفعل على الترك، لكن ورد في طريق زيد بن جبير عند مسلم، بلفظ: «أمر»، وكذا في طريق معمر، ولأبي عوانة من طريق ابن نمير، عن هشام، عن أبيه بلفظ: «ليُقتل المحرم». وظاهر الأمر الوجوب، ويحتمل الندب، والإباحة. وروى البزّار من طريق أبي رافع، قال: «بينا رسول اللَّه - ﷺ - في صلاته، إذ ضرب شيئًا، فإذا هي عقرب، فقتلها، وأمر بقتل العقرب، والحيّة، والفأرة، والحدأة للمحرم». لكن هذا الأمر ورد بعد الحظر؛ لعموم نهي المحرم عن القتل، فلا يكون للوجوب، ولا للندب، ويؤيّد ذلك رواية الليث، عن نافع، بلفظ: «أذن». أخرجه مسلم، والنسائيّ، عن قتيبة، عنه، لكن لم يسق مسلم لفظه. وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - عند أبي داود، وغيره: «خمس قتلهنّ حلال للمحرم» انتهى. (الغُرَابُ) زاد في رواية سعيد بن المسيّب، عن عائشة، عند مسلم: «الأبقع»، وهو الذي في ظهره، أو بطنه بياض. وأَخذ بهذا القيد بعض أصحاب الحديث، كما حكاه ابن المنذر وغيره. قال الحافظ: ثم وجدت ابن خزيمة قد صرّح باختياره، وهو قضيّة حمل المطلق على المقيّد. وأجاب ابن بطال بان هذه الزيادة لا تصحّ؛ لأنها من رواية قتادة، عن سعيد، وهو مدلس، وقد شذّ بذلك. وقال ابن عبد البرّ: لا تثبت هذه الزيادة. وقال ابن قُدامة: الروايات المطلقة أصحّ. وفي جميع هذا التعليل نظر: أما دعوى التدليس، فمردودة بأن شعبة لا يروي عن شيوخه المدلّسين إلا ما هو مسموع لهم، وهذا من رواية شعبة، بل صرّح النسائيّ في روايته من طريق النضر بن شُميل، عن شعبة بسماع قتادة. وأما نفي الثبوت، فمردود بإخراج مسلم. وأما الترجيح فليس من شرط قبول الزيادة، بل الزيادة مقبولة من الثقة الحافظ، وهو كذلك هنا. نعم قال ابن قدامة: يلتحق بالأبقع ما شاركه في الإيذاء، وتحريم الأكل. وقد اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحبّ من ذلك، ويقال له: غراب الزرع، ويقال له: الزاغ، وأفتوا بجواز أكله، فبقي ما عداه من الغربان ملتحقًا بالأبقع. ومنها الغُدَاف على الصحيح كما في «الروضة»، بخلاف تصحيح الرافعيّ، وسمى ابن قدامة الغداف غراب البين، والمعروف عند أهل اللغة أنه الأبقع، قيل: سمي غراب البين؛ لأنه بان عن نوح - ﵇ - لما أرسله من السفينة ليكشف خبر الأرض، فلقي جيفة، فوقع عليها، ولم يرجع إلى نوح، وكان أهل الجاهلية يتشاءمون به، فكان إذا نعب مرتين، قالوا: آذن بشرّ، وإذا نعب ثلاثًا قالوا: آذن بخير، فأبطل الإسلام ذلك. وكان ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - إذا سمع الغراب قال: اللَّهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك. وقال صاحب «الهداية»: المراد بالغراب في الحديث الغداف، والأبقع؛ لأنهما يأكلان الجيف، وأما غراب الزرع، فلا. وكذا استثناه ابن قُدامة، وما أظنّ فيه خلافًا. وعليه يحمل ما جاء في حديث أبي سعيد عند أبي داود، إن صحّ، حيث قال فيه: «ويرمي الغراب، ولا يقتله». وروى ابن المنذر وغيره نحوه عن عليّ، ومجاهد. قال ابن المنذر: أباح كلّ من يُحفظ عنه العلم قتل الغراب في الإحرام إلا ما جاء عن عطاء، قال في محرم كسر قرن غراب، فقال: إن أدماه، فعليه الجزاء. وقال الخطابيّ: لم يتابع أحد عطاء على هذا انتهى. ويحتمل أن يكون مراده غراب الزرع. وعند المالكيّة اختلاف آخر في الغراب، والحدأة، هل يتقيّد جواز قتلهما بأن يبتدىء بالأذى، وهل يختصّ ذلك بكبارها؟ والمشهور عنهم -كما قال ابن شاس- لا فرق، وفاقًا للجمهور. ومن أنواع الغربان الأعصم، وهو الذي في رجليه، أو في جناحيه، أو بطنه بياض، أو حمرة. وله ذِكْر في قصّة حفر عبد المطّلب لزمزم. وحكمه حكم الأبقع. ومنها: العقعق، وهو قدر الحمامة على شكل الغراب، قيل: سمي بذلك؛ لأنه يعقّ فراخه، فيتركها بلا طعام. وبهذا يظهر أنه نوع من الغربان، والعرب تتشاءم به أيضًا. ووقع في «فتاوى قاضي خان» الحنفيّ: مَن خرج لسفر، فسمع صوت العقعق، فرجع كَفَر. وَحُكْمُهُ حُكْمُ الأبقع على الصحيح. وقيل: حكم غراب الزرع. وقال أحمد: إن أكل الجيف، وإلا فلا بأس به. قاله في «الفتح» . (وَالْحِدَأَةُ) مقصورًا، بوزن عِنَبة، واحدة الْحِدَأ بكسر أوله، وفتح ثانيه، بعدها همزة بغير مدّ، وحكى صاحب «المحكم» المد فيه ندورًا. والهاء فيه ليست للتأنيث، بل هي للوحدة، كالهاء في «التمرة». وحكى الأزهريّ «حدوة» بواو بدل الهمزة. ووقع في رواية البخاريّ في «بدء الخلق» بلفظ «الْحُدَيَّا»، ومئله لمسلم في رواية هشام بن عروة، عن أبيه. قال: قال قاسم بن ثابت: الوجه فيه الهمزة، وكأنه سهّل، ثم أُدغم. وقيل: هي لغة حجازية، وغيرهم يقول: «حُديّة»، ومن خواصّ الحدأة أنها تقف في الطيران، ويقال: إنها لا تختطف إلا من جهة اليمين. [تنبيه]: يلتبس بالحدأة الْحَدَأة بفتح أوله، وهو فأس له رأسان . (وَالْعَقْرَبُ) هذا اللفظ للذكر والأنثى، وقد يقال لها: عقربة، وعقرباء، وليس منها العقربان، بل هي دُويبة طويلة، كثيرة القوائم. قال صاحب «المحكم»: ويقال: إن عينها في ظهرها، وإنها لا تضرّ ميتا، ولا نائمًا، حتى يتحرّك. ويقال: لدغته العقرب، بالغين المعجمة، ولسعته بالمهملتين. وقد تقدّم اختلاف الرواة في ذكر الحية بدلها في حديث الباب، ومن جمعهما. قال الحافظ: والذي يظهر لي أنه - ﷺ - نبّه بإحداهما على الأخرى عند الاقتصار، وبيّن حكمهما معًا، حيث جمع. قال ابن المنذر: لا نعلهم اختلفوا في جواز قتل العقرب. وقال نافع لما قيل له: فالحية؟ قال: لا يختلف فيها. وفي رواية: ومن يشكّ فيها؟. وتعقبه ابن عبد البرّ بما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق شعبة أنه سأل الحكم، وحمادًا؟ فقالا: لا يقتل المحرم الحية، ولا العقرب. قال: ومن حجتهما أنهما من هوامّ الأرض، فيلزم من أباح قتلهما مثل ذلك في سائر الهوامّ، وهذا اعتلال لا معنى له. نعم عند المالكية خلاف في قتل صغير الحية، والعقرب التي لا تتمكن من الأذى. (وَالْفَاْرَةُ) بهمزة ساكنة، ويجوز فيها التسهيل، ولم يختلف العلماء في جواز قتلها للمحرم، إلا ما حكي عن إبراهيم النخعيّ، فإنه قال: فيها جزاء، إذا قتلها المحرم. أخرجه ابن المنذر. وقال: هذا خلاف السنة، وخلاف قول جميع أهل العلم. وروى البيهقيّ بإسناد صحيح عن حماد بن زيد، قال: لما ذكروا له هذا القول: ما كان بالكوفة أفحش ردًّا للآثار من إبراهيم النخعيّ؛ لقلة ما سمع منها، ولا أحسن اتباعًا لها من الشعبيّ؛ لكثرة ما سمع. ونقل ابن شاس عن المالكيّة خلافًا في جواز قتل الصغير منها الذي لا يتمكن من الأذى. والفار أنواع: منها الْجُرَذ -بالجيم، بوزن عُمَر. والْخُلْد -بضم المعجمة، وسكون اللام-. وفأرة الإبل، وفأرة السمك، وفأرة الغيط. وحكمها في تحريم الأكل، وجواز القتل سواء. وسيأتي إطلاق اسم الفويسقة عليها في -٨٨/ ٢٨٤٥ - ووقع في حديث أبي سعيد عند ابن ماجه: قيل له: لم قيل للفأرة فويسقة؟ فقال: لأن النبيّ - ﷺ - استيقظ لها، وقد أخذت الفتيلة لتحرق بها البيت. وقيل: إنما سميت بذلك لأنها قطعت حبال سفينة نوح - ﵇ -. واللَّه تعالى أعلم. (وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ) الكلب معروف، والأنثى كلبة، والجمع أكلُب، وكلاب، وكَليب -بالفتح، كأعبد، وعِباد، وعَبيد. وفي الكلب بهيمية، وسبعية، وفيه منافع للحراسة، والصيد كما سيأتي في بابه، إن شاء اللَّه تعالى. وفيه من اقتفاء الأثر، وشمّ الرائحة، وخفّة النوم، والتودّد، وقبول التعليم ما ليس لغيره. وقيل: إن أول من اتخذه للحراسة نوح - ﵇ -. و«العقور» -بفتح العين- مبالغة عاقر، وهو الجارح المفترس. وقد سبق البحث في نجاسته، وعدمه مستَوفًى في «الطهارة»، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٨٢/ ٢٨٢٩ و٨٣/ ٢٨٣٠ و٨٤/ ٢٨٣١ و٨٦/ ٢٨٣٣ و٨٧/ ٢٨٣٤ و٨٨/ ٢٨٣٥ و٢٨٣٦ - وفي «الكبرى» ٨١/ ٣٨١١ و٨٢/ ٣٨١٢ و٨٣/ ٣٨١٣ و٨٥/ ٣٨١٥ و٨٦/ ٣٨١٦ و٨٧/ ٣٨١٧ و٣٨١٨. وأخرجه (خ) في «الحج» ١٨٢٦ وفي «بدء الخلق» ٣٢٩٩ و٣٣١١ و٣٣١٣ وفي «المغازي» ٤٠١٧ (م) في «الحج» ١١٩٩ و١٢٠٠ (د) في «المناسك» ١٨٤٦ و«الأدب» ٥٢٥٢ (ق) في «المناسك» ٣٠٨٨ و«الطبّ» ٣٥٣٥ (أحمد) في «مسند المكثرين» ٤٤٤٧ و٤٥٢٩ و٤٥٤٣ و٤٧٢٣ و٤٨٣٦ و٤٨٦١ و٤٩١٨ و٥٠٧٢ و٢٧٧٩٠ و٥١١١ و٥١٣٨ و٥٣٠٢ و٥٤٥٢ و٥٥١٦ و٥٩٨٩ و٦١٩٣ (الموطأ) في «الحجّ» ٧٩٨ و٧٩٩ و٨٠٠ (الدارمي) في «المناسك» ١٨١٦. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه الشيخان، والنسائيّ، من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر. وفي رواية البخاريّ ضمّ عبد اللَّه بن دشار إلى نافع. وقال ابن عبد البرّ: لا خلاف عن مالك في إسناد هذا الحديث، ولفظه انتهى. [فإن قلت]: قد ذكر مالك عبد اللَّه بن دينار تارة، ولم يذكره أخرى. [قلت]: ليس هذا اختلافًا، فله فيه شيخان، حدّث به في الأكثر عن نافع، وتارة عن عبد اللَّه بن دينار، وتارة عنهما. وقد أخرجه مسلم من رواية إسماعيل بن جعفر، عن عبد اللَّه بن دينار، فهو معروف عنه، من غير طريق مالك. وأخرجه مسلم، والنسائيّ من طريق الليث بن لسد، وأيوب السختيانيّ، ويحيى بن سعيد. وأخرجه مسلم، وابن ماجه من حديث عبيد اللَّه بن عمر. وأخرجه مسلم وحده من حديث ابن جريج، وجرير ابن حازم، كلهم عن نافع. قال مسلم: ولم يقل أحد منهم: عن نافع، عن ابن عمر، سمعت النبيّ - ﷺ - إلا ابن جريج وحده. وقد تابع ابن جريج على ذلك ابن إسحاق، ثم رواه من طريقه، عن نافع، وفيه: سمعت النبيّ - ﷺ -. وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائيّ من رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه. وأخرجه الشيخان، والنسائيّ من رواية يونس بن يزيد، عن الز هريّ، عن سالم، عن أبيه، عن حفصة. واتفق عليه الشيخان من رواية زيد بن جُبير، عن ابن عمر، قال: حدثتني إحدى نسوة النبيّ - ﷺ -. وفي رواية لمسلم: «والحيّة»، قال: وفي «الصلاة» أيضًا. ولا يضرّ هذا الاختلاف، فالحديث مقبول، سواء كان من رواية ابن عمر، عن النبيّ - ﷺ -، أو بواسطة حفصة، أو غيرها، من أمهات المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنهنّ -. وقد تقدم من حديث ابن جريج في «صحيح مسلم» التصريح بسماع ابن عمر له من النبيّ - ﷺ - . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في المراد بالكلب العقور هنا: (اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك، وهل لوصفه بكونه عقورًا مفهوم، أم لا؟، فروى سعيد بن منصور بإسناد حسن، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: الكلب العقور الأسد. وعن سفيان، عن زيد بن أسلم أنهم سألوه عن الكلب العقور؟ فقال: وأيّ كلب أعقر من الحيّة؟. وقال زفر: المراد بالكلب العقور هنا الذئب خاصّة. وقال مالك في «الموطأ»: كل ما عقر الناس، وعدا عليهم، وأخافهم، مثل الأسد، والنمر، والفهد، والذئب، هو العقور. وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان، وهو قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: المراد بالكلب هنا الكلب خاصّة، ولا يلتحق به في هذا الحكم سوى الذئب. واحتجّ أبو عبيد للجمهور بقوله - ﷺ -: «اللهم سلّط عليه كلبًا من كلابك»، فقتله الأسد، وهو حديث حسن، أخرجه الحاكم، من طريق أبي نوفل بن أبي عقرب، عن أبيه. واحتجّ أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ الآية [المائدة: ٤]، فاشتقّها من اسم الكلب، فلهذا قيل لكلّ جارح: عقور. واحتجّ الطحاويّ للحنفية بأن العلماء اتفقوا على تحريم قتل البازي، والصقر، وهما من سباع الطير، فدلّ ذلك على اختصاص التحريم بالغراب، والحدأة، وكذلك يختصّ التحريم بالكلب، وما شاركه في صفته، وهو الذئب. وتُعُقّب بردّ الاتفاق، فإن مخالفيهم أجازوا قتل كلّ ما عدا، وافترس، فيدخل فيه الصقر، وغيره، بل معظمهم قال: ويلتحق بالخمس كلّ ما نهي عن أكله، إلا ما نهي عن قتله. واختلف في غير العقور، مما لم يؤمر باقتنائه، فصرّح بتحريم قتله القاضيان: حسين، والماوَرْدِيُّ، وغيرهما. ووقع في «الأم» للشافعيّ الجواز . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما قاله الإمام مالك -﵀-، وذهب إليه الجمهور من تفسير الكتب بكل ما عقر الناس إلخ هو الأرجح؛ لوضوح حجته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): اتفق العلماء على جواز قتل هذه الخمسة المذكورة في هذا الحديث في الحلّ والحرم للمحرم، وغيره، إلا ما شذّ مما سنحكيه. واختلفوا في المعنى في ذلك على مذاهب: (الأول مذهب الشافعيّة، والحنابلة): قالوا: المعنى كونهنّ مما لا يؤكل، ولا يُنتفع به، فكل ما لا يؤكل، ولا هو متولّد من مأكول وغيره، ولا منفعة فيه، فقتله جائز للمحرم، ولا فدية فيه. وعبارة الشافعيّ في ذلك -كما حكاه البيهقيّ- في «المعرفة»: فكلّ ما جمع من الوحش أن يكون غير مباح اللحم في الإحلال، وأن يكون يضرّ قَتَلَه المحرم؛ لأن النبيّ - ﷺ - إذا أمران تقتل الفأرة، والغراب، والحدأة، مع ضعف ضرّهما إذا كانت مما لا يؤكل لحمه كان ما جمع أن لا يؤكل لحمه، وضرّه أكثر من ضرّها أولى أن يكون قتله مباحًا انتهى. وقال أصحابه: هذا الضرب ثلاثة أقسام: (أحدها): ما يستحبّ قتله للمحرم وغيره، وهي المؤذية، كالحيّة، والفأرة، والعقرب، والخنزير، والكلب العقور، والغراب، والحدأة، والذئب، والأسد، والنمر، والدبّ، والنسر، والعقاب، والبرغوث، والبقّ، والزنبور، والقراد، والحلمة، والقرقس، وأشباهها. (القسم الثاني): ما فيه نفع، ومضرّة، كالفهد، والعقاب، والبازي، والصقر، ونحوها، فلا يستحبّ قتله؛ لما فيه من المنفعة، وهو أنه يُعَلَّمُ الاصطياد، ولا يكره؛ لما فيه من المضرّة، وهو أنه يعدو على الناس، والبهائم. (القسم الثالث): ما لا يظهر فيه نفع، ولا ضرر، كالخنافس، والجعلان، والدود، والسرطان، والبغاثة، والرخمة، والذباب، وأشباهها، فيكره قتلها، ولا يحرم كما قاله جمهورهم. وحكى إمام الحرمين وجهًا أنه يحرم قتل الطيور، دون الحشرات. وحكى ابن عبد البرّ: هذا التقسيم عن الشافعيّ نفسه من رواية الحسن بن محمد الزعفرانيّ عنه. وكلام الحنابلة في ذلك مثل كلام الشافعية. قال الشيخ مجد الدين ابن تيمية في «المحرّر»: ولا يضمن بالإحرام ما لا يؤكل لحمه، لكن يكره له قتله إذا لم يكن مؤذيًا، وجوّز الشيخ موفق الدين ابن قُدامة في «المغني» في قول الخرقيّ في «مختصره»: «وكلما عدا عليه، أو آذاه» وجهين: (أحدهما): أنه أراد ما بدأ المحرم، فعدا عليه في نفسه، أو ماله. (والثاني): أنه أراد ما طبعه الأذى، والعدوان، وإن لم يوجد منه أذى في الحال. وكلام ابن حزم الظاهريّ يوافق ذلك أيضًا، وإن كان لا ينظر إلى المعنى، ولا يُعدّي بالقياس، لكنه اعتمد أن التحريم إنما ورد في الصيد، فلا يتعدى ذلك لغيره، وأجاب عن الاقتصار على هذه الخمس بما سيأتي ذكره بعد. ونقل الشيخ تقيّ الدين في «شرح العمدة» كون المعنى عند الشافعيّ منع الأكل بواسطة بعض الشارحين، وأراد به النوويّ، ثم قال: وهذا عندي فيه نظر، فإن جواز القتل غير جواز الاصطياد، وإنما يرى الشافعيّ جواز الاصطياد، وعدم وجوب الجزاء بالقتل لغير المأكول، وأما جواز الإقدام على قتل ما لا يؤكل، مِمَّا ليس فيه ضرر، فغير هذا انتهى. قال وليّ الدين: وفيه نظر، فقد حكى الربيع عن الشافعيّ أنه قال: لا شيء على المحرم في قتله من الطير كلّ ما لا يحلّ أكله، قال: وله أن يقتل من داوبّ الأرض، وهوامها كلّ ما لا يحلّ أكله انتهى. فصرّح بأن له قتل ما لا يحلّ أكله من الطير، والهوامّ. (الثاني مذهب المالكية): قالوا: المعنى في ذلك كونهنّ مؤذيات، فيلتحق بالمذكررات كلّ مؤذن. قال ابن شاس في «الجواهر» -بعد أن قرر تحريم صيد المأكول وغيره-: ولا يُستَثْنَى من ذلك إلا ما تناوله الحديث، وهو هذه الخمس، قال: والمشهور أن الغراب، والحدأة يقتلان، وإن لم يبتدئا بالأذى، وروى أشهب المنع من ذلك، وقاله ابن القاسم، قال: إلا أن يؤذي، فيقتل إلا أنه إن قتلهما من غير أذى، فلا شيء عليه. وقال أشهب: إن قتلهما من غير ضرر وداهما، واختلف أيضًا في قتل صغارهما ابتداء، وفي وجوب الجزاء بقتلهما، وأما غيرهما من الطير، فإن لم يؤذ فلا يقتل، فإن قتل ففيه الجزاء، وإن آذى فهل يقتل أم لا؟ قولان، وإذا قلنا: لا يقتل، فقتل، فقولان أيضًا: المشهور نفي وجوب الجزاء. وقال أشهب: عليه في الطير الفدية، وإن ابتدأت بالضرر. وقال أصبغ: من عدا عليه شيء من سباع الطير، فقتله وداه بشاة. قال ابن حبيب: وهذا من أصبغ غلط، وحمل بعض المتأخرين قول أصبغ هذا على أنه كان قادرًا على الدفع بغير القتل، فأما لو تعيّن القتل في الدفع لا يختلف فيه. وأما العقرب، والحيّة، والفأرة، فيقتلن حتى الصغير، وما لم يؤذ منها لأنه لا يؤمن منها الأذى، إلا أن تكون من الصغر بحيث لا يمكن منها الأذى، فيختلف في حكمها، وهل يلحق صغير غيرها من الحيوان المباح القتل لأذية بصغارها في جواز القتل ابتداء، فيه خلاف. والمشهور من المذهب أن المراد من الكلب العقور الكلب الوحشيّ، فيدخل فيه الأسد، والنمر، وما في معناهما. وقيل: المراد الكلب الإنسيّ المتخذ. وعلى المشهور يقتل صغير هذه، وما لم يؤذ من كبيرها انتهى كلامه. وذكر الشيخ تقيّ الدين أن المشهور عند المالكيّة قتل صغار الغراب، والحدأة، وشنّع عليهم ابن حزم الظاهريّ في تفرقتهم بين صغار الغربان، والحديا، وبين صغار السباع، والحيّات، وبين سباع الطير، وبين سباع ذوات الأربع، وقال: هلًا قاسوا سباع الطير على الحدأة، كما قاسوا سباع ذوات الأربع على الكلب العقور؟. وقوّى الشيخ تقيّ الدين في «شرح العمدة» التعليل بالأذى على التعليل بحرمة الأكل، فقال: (واعلم): أن التعدية بمعنى الأذى إلى كلّ مؤذ قويّ بالإضافة إلى تصرّف القياسيين، فإنه ظاهر من جهة الإيماء بالتعليل بالفسق، وهو الخروج عن الحدّ، وأما التعليل بحرمة الأكل، ففيه إبطال ما دلّ عليه إيماء النصّ، من التعليل بالفسق؛ لأن مقتضى العلة أن يتقيّد الحكم بها وجودًا وعدمًا، فإن لم يتقيّد وثبت الحكم عند عدمها بطل تأثيرها بخصوصها، وهو خلاف ما دلّ عليه ظاهر النصّ من التعليل بها انتهى. (الثالث مذهب الحنفيّة): اقتصروا على الخمس المذكورة في هذا الحديث إلا أنهم ضمّوا إليها الحية أيضًا، وهي منصوصة، كما تقدّم، وضموا إليها الذئب أيضًا، قال صاحب «الهداية» منهم: وقد ذكر الذئب في بعض الروايات. وقيل: المراد بالكلب العقور الذئب، ويقال: إن الذئب في معناه انتهى. وعلى هذا الأخير، فيقال: لم اقتصر في الإلحاق على الذئب، ولم لا ألحق بالكلب العقور كلّ ما هو في معناه من نمر، وخنزير، ودبّ، وقرد، وغيرها، وذكر الذئب ذكره ابن عبد البرّ من طريق إسماعيل القاضي، حدثنا نصر بن عليّ، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا الحجاج، عن وَبَرة، قال: سمعت ابن عمر يقول: «أمر رسول اللَّه - ﷺ - بقتل الذئب …» الحديث. قال القاضي إسماعيل: فإن كان محفوظًا، فإن ابن عمر جعل الذئب في هذا الموضع كلبًا عقورًا، أي لذكره بدله، قال: وهذا غير ممتنع في اللغة، والمعنى. ورواه البيهقيّ من رواية مالك بن يحيى، عن يزيد بن هارون، وفيه: قال يزيد بن هارون: -يعني المحرم- ثم قال البيهقيّ: الحجاج بن أرطأة لا يحتجّ به. وقد رويناه من حديث ابن المسيّب مرسلًا جيدًا، ثم رواه كذلك. وقال ابن عبد البرّ: وقول الأوزاعيّ، والثوريّ، والحسن بن حيّ نحو قول أبي حنيفة انتهى. ومحلّ المنع عند الحنفيّة فيما عدا الخمس، والذئب إذا لم تبدأه السباع، فإن بدأته، فقتلها دفعًا، فلا شيء عليه عندهم، إلا زفر، فإنه قال: يلزمه دم. وذكر الشيخ ابن دقيق العيد في «شرح العمدة» أن المذكور في كتب الحنفيّة الاقتصار على الخمس، ونقل غير واحد من المصنفين المخالفين لأبي حنيفة أن أبا حنيفة ألحق الذئب بها، وعَدُّوا ذلك من مناقضاته، ثم قال: ومقتضى مذهب أبي حنيفة الذي حكيناه أنه لا يجوز اصطياد الأسد، والنمر، وما في معناها من بقية السباع العادية، والشافعية يردون هذا بظهور المعنى في المنصوص عليه من الخمس، وهو الأذى الطبيعيّ، والعدوان المركب في هذه الحيوانات، والمعنى إذا ظهر في المنصوص عليه عدّى القائسون ذلك الحكم إلى كلّ ما وجد فيه المعنى، كالستة التي في الربا، وقد وافق أبو حنيفة على التعدية فيها، وإن اختلف هو والشافعيّ في المعنى الذي يعدّى به. قال: وأقول: المذكورُ ثَمَّ تعليق الحكم بالألقاب، وهو لا يقتضي مفهومًا عند الجمهور، فالتعدية لا تنافي مقتضى اللفظ، وهنا لو عدينا لبطلت فائدة التخصيص بالعدد، وعلى هذا المعنى عوّل بعض مصنفي الحنفيّة في التخصيص بالخمس المذكورات، أعني مفهوم العدد انتهى. قال وليّ الدين: وفي نقله الذئب من غير كتب الحنفية نظر، فهو مصرح به في «الهداية»، وغيرها من كتبهم، وما نقله عن مقتضى مذهبهم من منع اصطياد الأسد، ونحوه، قد صرّحوا به في كتبهم، وقالوا: إن على قاتله الجزاء، وممن صرح به صاحب «الهداية»، إلا أن يقتله لصياله عليه، فلا شيء عليه، إلا عند زفر، فإنه أوجب الجزاء بقتله للدفع عند الصيال، لكن صاحب «الهداية» قال بعد كلامه المتقدم أوّلًا: والضب، واليربوع، ليسا من الخمسة المستثناة؛ لأنهما لا يبتدئان بالأذى، وليس في قتل البعوض، والنمل، والبراغيث، والقراد شيء؛ لأنها ليست بصيود، وليست بمتولدة من البدن، بل هي مؤذية بطباعها انتهى. ومقتضاه موافقة من قال: إنه يلحق بالمذكورات كلّ مؤذ بالطبع، فإن كون الضبّ، واليربوع ليسا من الخمسة أمر معلوم، وإنما أراد ليس لهما حكمها، وعلل ذلك بأنهما لا يبتدئان بالأذى، ومقتضى ذلك ثبوت الحكم لكلّ ما يبتدىء بالأذى، ثم قوّى ذلك بما ذكره في البعوض، ونحوه، ولا سيما تعليله بأنها مؤذية بطباعها. ثم إن الشيخ ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى- اقتصر في ردّ ذلك على القياس مع ورود النصّ فيه، رواه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، عن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ -، قال: «يقتل المحرم السبع العادي، والكلب العقور، والفأرة، والعقرب، والحدأة، والغراب». لفظ الترمذيّ، وقال: هذا حديث حسن. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: بل هو حديث ضعيف؛ لأن في سنده يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، كان يتلقن لكبره، وكان شعيا، فلا يصلح الحديث للاحتجاج به، فتنبّه. قال: والعمل على هذا عند أهل العلم، قالوا: يقتل المحرم السبع العادي. ولفظ أبي داود: إن النبيّ - ﷺ - سئل عما يقتل المحرم؟ قال: «الحية، والعقرب، والفويسقة، ويرمي الغرابَ، ولا يقتله، والكلب العقور، والحدأة، والسبع العادي». ولم يذكر ابن ماجه «الحدأة»، ولا «الغراب»، وزاد: فقيل له: لم قيل لها الفويسقة؟ قال: لأن رسول اللَّه - ﷺ - استيقظ لها، وقد أخذت الفتيلة لتحرق بها البيت. فتناول قوله - ﷺ - «السبع العادي» الأسد، والنمر، وغيرهما من السباع، بل قوله: «الكلب العقور» يتناول هذه الأشياء، كما سنحكيه بعد ذلك. وما ذكره من أن مفهوم العدد حجة محكيّ عن الشافعيّ -رحمه اللَّه تعالى-، لكن ذهب القاضي أبو بكر الباقلاّني، وإمام الحرمين، وغيرهما إلى أنه ليس بحجة، وجزم به البيضاويّ في «مختصره»، وكذا قال الإمام فخر الدين: إنه ليس بحجة، إلا أنه قال: قد يدلّ عليه لدليل منفصل. ثم إن المشهور عن الحنفية أنهم لا يقولون بالمفاهيم مطلقًا؛ لا هذا المفهوم، ولا غيره، وبتقدير قولهم بالمفهوم، فهم لم يقفوا عند هذا المفهوم، بل ضمّوا إليها الحية، والذئب أيضًا، كما تقدم، والنصّ على الحية في «صحيح مسلم» وغيره، كما تقدم. وفي حديث أبي سعيد الخدريّ ذكر السبع العادي، وهو ينافي الوقوف عند هذا المفهوم، فإنها مع الحية، والسبع العادي، ليست خمسًا، بل سبع، كيف؟، وقد جاء في بعض الروايات «خمس»، وفي بعضها «أربع»، فلو كان هذا المفهوم حجة لتدافع هذان المفهومان، وسقطا. انتهى منقولا مما كتبه الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه «طرح التثريب» بتصرّف . وقال أبو محمد ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى-: وجائز للمحرم في الحل والحرم، وللمُحِلِّ في الحرم والحل قتلُ كلّ ما ليس بصيد من الخنازير، والأسد، والسباع، والقمل، والبراغيث، وقِرْدَان بعيره، أو غير بعيره، والحلم كذلك، وَنَسْتَحِبُّ لهم قتل الحيات، والفيران، والحدإ، والغِرْبَانِ، والعقارب، والكلاب العقورة، صغار كل ذلك وكباره سواء، وكذلك الوزغ، وسائر الهوامّ، ولا جزاء في شيء من كل ما ذكرنا، ولا في القمل، فإن قتل ما نُهيَ عن قتله من هدهد، أو صُرَد، أو ضفدع، أو نمل، فقد عصى، ولا جزاء في ذلك. برهان ذلك أن اللَّه تعالى أباح قتل ما ذكرنا، ثم لم ينه المحرم إلا عن قتل الصيد فقط، ولا نهى إلا عن صيد الحرم فقط، ولا جعل الجزاء إلا في الصيد فقط، فمن حَرَّمَ ما لم يأت النص بتحريمه، أو جعل جزاءً فيما لم يات النص بالجزاء فيه فقد شرع في الدين ما لم يأذن به اللَّه. ثم ناقش أدلة العلماء الذين تقدمت أقوالهم مناقشة حادَة على عادته، وقد أجاد في ذلك بما لا تجده في غير كتابه . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: بعد النظر فيما سبق من المذاهب وأدلتها قد ترجح عندي ما ذهب إليه أبو محمد بن حزم -رحمه اللَّه تعالى- لقوة حجته. وحاصله أن الصيد لا يجوز قتله، وهو الذي شرع صيده للأكل، وأما غيره من أنواع السباع والهوام، والحشرات فيجوز قتله إلا إذا وجد نصّ خاص بمنع قتلها كالنحلة، والهدهد، والصَرد، ونحوها . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): إن قلت: فعلى القول بأن مفهوم العدد حجة ما جوابكم عن تخصيص هذه المذكورات بالذكر؟. قلت: قال الشيخ ابن دقيق العيد في «شرح العمدة»: من علّل بالأذى إنما اختصّت بالذكر لينبه بها على ما في معناها، وأنواع الأذى مختلفة، فيكون كلّ نوع منها منبّها على جواز قتل ما فيه ذلك النوع، فنبه بالحية، والعقرب على ما يشاركهما في الأذى باللسع، كالبرغوث مثلًا عند بعضهم، ونبه بالفأرة على ما أذاه بالنقب، والتقريض، كابن عرس، ونبه بالغراب، والحدأة على ما أذاه بالاختطاف، كالصقر، والبازي، ونبه بالكلب العقور على كل عاد بالعقر، والافتراس بطبعه، كالأسد، والنمر، والفهد. وأما من قال بالتعدية إلى كل ما لا يؤكل لحمه، فقد أحالوا التخصيص في الذكر بهذه الخمس على الغالب، فإنها الملابسات للناس، المخالطات في الدور، بحيث يعمّ أذاها، فكان ذلك سببًا للتخصيص، والتخصيص لأجل الغلبة إذا وقع لم يكن له مفهوم على ما عُرف في الأصول، إلا أن خصومهم جعلوا هذا المعنى معترضا عليه في تعدية الحكم إلى بقية السباع المؤذية، وتقريره أن إلحاق المسكوت بالمنطوق قياسًا شرطه مساواة الفرع للأصل، أو رجحانه، أما إذا انفرد الأصل بزيادة يمكن أن تعتبر فلا إلحاق، ولما كانت هذه الأشياء عامة الأذى، كما ذكرتم ناسب أن يكون ذلك سببًا لإباحة قتلها؛ لعموم ضررها، فهذا المعنى معدوم فيما لا يعمّ ضرره، مما لا يخالط في المنازل، ولا تدعو الحاجة إلى إباحة قتله، كما دعت إلى إباحة قتل ما يخالط من المؤذيات، فلا يلحق به. وأجاب الأولون عن هذا بوجهين: (أحدهما): أن الكلب العقور نادر، وقد أبيح قتله. (والثاني): معارضة الندرة في غير هذه الأشياء بزيادة قوة الضرر، ألا ترى أن تأثير الفأرة بالنقب مثلًا، أو الحدأة بخطف شيء يسير، لا يساوي ما في الأسد، والفهد، من إتلاف النفس، فكان بإباحة القتل أولى انتهى. ولم يعرّج على ذكر الحديث الشامل لسائر السباع، وهو قوله - ﷺ -: «يقتل المحرم السبع العادي»، وقد تقدّم ذكره. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدم أنه ضعيف، لا يصلح للاحتجاج به، فتنبّه. وقال ابن حزم: فإن قيل: فما وجه اقتصار رسول اللَّه - ﷺ - على هذه الخمس؟. قلنا: ظاهر الخبر يدلّ على أنها محضوض على قتلهنّ، مندوب إليه، ويكون غيرهنّ مباحا قتله أيضًا، وليس هذا الخبر مما يمتنع أن يكون غير تلك الخمس مأمورًا بقتله أيضًا، كالوزغ، والأفاعي، والحيات، والرتيلاء، والثعابين، وقد يكون - ﷺ - تقدّم بيانه في هذه، فأغنى عن إعادتها عند ذكره هذه الخمس. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في «شرح مسلم»: وفي هذه الأحاديث دلالة للشافعيّ، وموافيقه في أنه يجوز أن يقتل في الحرم كل من يجب عليه قتل بقصاص، أو رجم بالزنا، أو قتل في المحاربة، وغير ذلك، وأنه يجوز إقامة كلّ الحدود فيه، سواء كان موجبُ القتل والحدّ جرى في الحرم، أو خارجه، ثم لجأ صاحبه إلى الحرم. وهذا مذهب مالك، والشافعيّ، وآخرين. وقال أبو حنيفة، وطائفة: ما ارتكبه من ذلك في الحرم يقام عليه فيه، وما فعله خارجًا، ثم لجأ إليه، إن كان إتلاف نفس لم يُقَم عليه في الحرم، بل يضيق عليه، ولا يُكلّم، ولا يُجالَس، ولا يبايع، حتى يضطرّ إلى الخروج منه، فيقام خارجه، وما كان دون النفس يقام فيه. قال القاضي: روي عن ابن عباس، وعطاء، والشعبيّ، والحكم نحوه، لكنهم لم يفرّقوا بين النفس، ودونها، وحجتهم قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وحجة الأولين هذه الأحاديث لمشاركة فاعل الجناية لهذه الدوابّ في اسم الفسق، بل فسقه أفحش؛ لكونه مكلفًا؛ ولأن التضييق الذي ذكروه لا يبقى لصاحبه أمان، فقد خالفوا ظاهر ما فسّروا به الآية. قال القاضي: ومعنى الآية عندنا، وعند أكثر المفسّرين أنه إخبار كما كان قبل الإسلام، وعطف على ما قبله من الآيات. وقيل: آمِنٌ من النار. وقالت طائفة: يخرج، ويقام عليه الحدّ، وهو قول ابن الزبير، والحسن، ومجاهد،
مصادر المؤلف (٩)

١. - «فتح» ٤/ ٥٠٨ - ٥٠٩.

٢. - هكذا في «الفتح»، ولينظر هل للغراب قرن؟، أو لعله مصحّف من جناح. واللَّه تعالى أعلم.

٣. - «فتح» ٤/ ٥١٠ - ٥١١.

٤. - «فتح» ٤/ ٥١١.

٥. - «طرح التثريب» ٥/ ٥٦ - ٥٧.

٦. - «فتح» ٤/ ٥١٢.

٧. - «طرح التثريب» ٥/ ٥٨ - ٦٣.

٨. راجع «المُحَلَّى» جـ ٧ ص ٢٣٨ - ٢٤٦.

٩. فقد أخرج أحمد وأبو داود، وابن ماجه بإسناد صحيح عن ابن عباس - ﵄ - قال: «نهى رسول اللَّه - ﷺ - عن قتل أربع من الدوابّ: النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد». وكذلك ورد حديث صحيح عند أبي داود، والنسائي في النهي عن قتل الضفدع. واللَّه تعالى أعلم.