HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٣٠٨٧

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ مَعْمَرًا ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قُلْتُ: عَنْ سَعِيدٍ قَالَ: نَعَمْ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ح) وَأَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنْتُمْ تَنْتَثِلُونَهَا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص366
  • زبير علي زئي:صحيح مسلم
ج ٦ ص ٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, صحيح مسلم, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٦ ص٨٣
كان عينًا على الأنصار، دون غيرهم، ويؤيّده مبايعتهم النبيّ - ﷺ - ليلة العقبة على أن يؤووا رسول اللَّه - ﷺ -، وينصروه. فيخرج من قولهما أنه كان عينًا على الطائفتين، كفاية في حقّ غيرهم، ومع ذلك فليس في حقّ الطائفتين على التعميم، بل في حقّ الأنصار إذا طرق المدينة طارق، وفي حقّ المهاجرين إذا أُريد قتال أحد من الكفّار ابتداءً، ويؤيّد هذا ما وقع في قصّة بدر، فيما ذكره ابن إسحاق، فإنه كالصريح في ذلك. وقيل: كان عينًا في الغزوة التي يخرج فيها النبيّ - ﷺ -، دون غيرها. والتحقيق أنه كان عينًا على من عيّنه النبيّ - ﷺ - في حقّه، ولو لم يخرُج. (الحالة الثانية): بعده - ﷺ -، فهو فرض كفاية على المشهور، إلا أن تدعو الحاجة إليه، كأن يَدْهَم العدوُّ، ويتعيّن على من عيّنه الإمام، ويتأدّى فرض الكفاية بفعله في السنة مرّة عند الجمهور، ومن حجّتهم أن الجزية تجب بدلًا عنه، ولا تجب في السنة أكثر من مرّة، اتفاقًا، فليكن بدلها كذلك. وقيل: يجب كلما أمكن، وهو قويّ. والذي يظهر أنه استمرّ على ما كان عليه في زمن النبيّ - ﷺ - إلى أن تكاملت فتوح معظم البلاد، وانتشر الإسلام في أقطار الأرض، ئم صار إلى ما تقدّم ذكره. والتحقيق أيضًا أن جنس جهاد الكفّار متعيّنٌ على كلّ مسلم، إما بيده، وإما بلسانه، وإما بماله، وإما بقلبه. واللَّه أعلم انتهى ما في «الفتح» . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجّح عندي قول من قال بفرضية الجهاد على الكفاية، إلا إذا تعيّن على كلّ مكلّف، بأن هجم العدوّ، أو أمر الإمامُ شخصًا بعينه، أو جماعة بعينها؛ لحديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - المتّفق عليه : «وإذا استُنفرتم فانفروا»، فإنه صريح أنه لا يجب إلا إذا طلب الإمام النفير، أي الخروج إلى القتال. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٨٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبِي، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَأَصْحَابًا لَهُ، أَتَوُا النَّبِيَّ - ﷺ - بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا فِي عِزٍّ، وَنَحْنُ مُشْرِكُونَ، فَلَمَّا آمَنَّا صِرْنَا أَذِلَّةً، فَقَالَ: «إِنِّي أُمِرْتُ بِالْعَفْوِ، فَلَا تُقَاتِلُوا»، فَلَمَّا حَوَّلَنَا اللَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، أَمَرَنَا بِالْقِتَالِ، فَكَفُّوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -﷿-: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ الآية [النساء: ٧٧]. رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَلِي بنِ الْحَسَنِ بنِ شَقِيق) المروزيّ ثقة، صاحب حديث [١١] ٢٢/ ٩٠٦. تفرّد به هو، والترمذيّ. ٢ - (أبوه) عليّ بن الحسن بن شقيق، أبو عبد الرحمن المروزيّ، ثقة حافظ، من كبار [١٠] ٢٢/ ٩٠٦ من رجال الجماعة. ٣ - (الحسين بن واقد) أبو عبد اللَّه المروزيّ القاضي، ثقة، له أوهام [٧] ٥/ ٤٦٣. ٤ - (عمرو بن دينار) الجُمَحي مولاهم الأثرم، أبو محمد المكي، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤. ٥ - (عكرمة) مولى ابن عباس، أبو عبد اللَّه المدني، ثقة ثبت عالم بالتفسير [٣] ٢/ ٣٢٥. ٦ - (ابن عباس) - رضي اللَّه تعالى عنهما - المذكور فى السند الماضى. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيحن غير شيخه، فقد تفرد به هو، والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بالمراوزة إلى حسين، وعمرو مكي، والباقيان مدنيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَأَصْحَابًا لَهُ) - رضي اللَّه تعالى عنهم -، أي من السابقين إلى الإسلام من أهل مكة (أَتَوُا النَّبِيَّ - ﷺ - بِمَكَّةَ) أي قبل أن يهاجروا. وهذا أيضًا مما أخذه ابن عباس من عبد الرحمن بن عوف، أو غيره - ﵃ -، لأنه لم يحضر الواقعة (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا فِي عِزٍّ) أي قوّة، ومنعة، لا يتعرض لنا أحد بالأذيّة (وَنَحْنُ مُشْرِكُونَ) جملة في محلّ نصب على الحال من اسم «كان» (فَلَمَّا آمَنَّا صِرْنَا أَذِلَّةً) أي بسبب تعرض قومهم الذين كانوا يُعَزّون بهم، فانقلبوا بالإذلال لهم، لدخولهم في الإسلام، لا سبب لهم إلا ذاك، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨]، وقال: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ الآية [الحجّ: ٤٠]. وغرض الصحابة بهذا الكلام التعريض في أن يسمح لهم بالقتال حتى يرتدع المشركون عن أذيّتهم (فَقَالَ) - ﷺ - (إِنِّي أُمِرْتُ) بالبناء للمفعول (بالعَفْوِ) أي في قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ الآية (فَلَا تُقَاتِلُوا) لعدم الأمر من اللَّه بذلك (فَلَمَّا حَوَّلَنَا اللَّهُ إِلَى المَدِينَةِ) بتشديد الواو من التحويل، أي أمرنا بأن نتحوّل بالهجرة، إلى المدينة، فهاجرنا (أَمَرَنَا بِالْقِتَالِ) ببناء الفعل للفاعل، أي أمرنا اللَّه تعالى (فَكَفُّوا) أي منعوا أنفسهم من القتال، أو امتنعوا عنه؛ لأن «كفّ» يتعدّى، ويلزم، قال الفيّومي: كفّ عن الشيء كفًّا، من باب قتل: تركه، وكَفَفْته كفًّا: منعته، فَكَفَّ هو، يتعدّى، ولا يتعدّى انتهى (فَأَنزَلَ اللَّهُ -﷿-: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾) أي عن قتال المشركين (﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾) الآية. [سورة النساء: ٧٧] فـ ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ إلى آخر الآية مفعول «أنزل» محكيّ؛ لقصد لفظه. قال الحافظ ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى-: كان المؤمنون في ابتداء الإسلام، وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة، وإن لم تكن ذات النصب، وكانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرّقون، ويودون لو أمروا بالقتال ليتشفوا من أعدائهم، ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبًا لأسباب كثيرة منها قلّة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوّهم، ومنها كونهم كانوا في بلدهم، وهو بلد حرام، وأشرف بقاع الأرض، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء كما يقال، فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة لما صارت لهم دارٌ، ومنعةٌ وأنصارٌ، ومع هذا لما أمروا بما كانوا يودّونه جَزع بعضهم منه، وخافوا من مواجهة الناس خوفًا شديدًا، ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾، أي لولا أخرت فرضه إلى مدّة أخرى، فإن فيه سفك الدماء، وُيتّم الأولاد، وتَأيُّم النساء انتهى . ثم إن الذين قالوا هذا الكلام فريق منهم، لا كلّهم، كما أشارت الآية إلى ذلك: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ الآية. قال القرطبيّ في «تفسيره»: وقال مجاهد: هم يهود . وقال الحسن: هي في المؤمنين؛ لقوله: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ أي مشركي مكة ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾، فهي على ما طُبع عليه البشر من المخافة، لا على المخالفة. قال السدّيّ: هم قوم أسلموا قبل فرض القتال، فلما فُرض كرهوه. وقيل: هو وصف للمنافقين؛ والمعنى يخشون القتل من المشركين، كما يخشون الموت من اللَّه ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾، أي عندهم، وفي اعتقادهم. قال القرطبيّ: وهذا أشبه بسياق الآية؛ لقوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ الآية، ومعاذ اللَّه أن يصدر هذا القول من صحابيّ كريم يعلم أن الآجال محدودة، والأرزاق مقسومة، بل كانوا لأوامر اللَّه، ممتثلين سامعين طائعين، يرون الوصول إلى الدار الآجلة خيرًا من المقام في الدار العاجلة، على ما هو معروف من سيرتهم - ﵃ -، اللهمّ إلا أن يكون قائله ممن لم يرسخ في الإيمان قدّمه، ولا انشرح بالإسلام جنانه، فإن أهل الإيمان متفاضلون، فمنهم الكامل، ومنهم الناقص، وهو الذي تنفر نفسه عما يؤمر به فيما تلحقه فيه المشقّة، وتدركه فيه الشدّة. انتهى كلام القرطبيّ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا - ١/ ٣٠٨٧ - وفي «الكبرى» ١/ ٤٢٩٣ وفي «التفسير» ١١١١٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهوِ حسبنا، ونعم الوكيل. ٣٠٨٨ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ مَعْمَرًا، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: عَنْ سَعِيدٍ؟، قَالَ: نَعَمْ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ح وَأَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لأَحْمَدَ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأَرْضِ، فَوُضِعَتْ فِي يَدِي». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَأَنْتُمْ تَنْتَثِلُونَهَا). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: منا سبة هذا الحديث للترجمة غير واضحة، إذ ليس فيه ما يدلّ على وجوب الجهاد، فليتأمل، واللَّه تعالى أعلم. ورجال الإسنادين: عشرة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥. ٢ - (أحمد بن عمرو بن السرح) أبو الطاهر المصري، ثقة [١٠] ٣٥/ ٣٩. ٣ - (الحارث بن مسكين) أبو عمرو القاضي المصري، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. ٤ - (معتمر) بن سليمان بن طرخان التيمي، أبو محمد البصري، ثقة، من كبار [٩] ١٠/ ١٠. ٥ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصري، ثقة حافظ عابد [٩] ٩/ ٩. ٦ - (معمر) بن راشد، أبو عروة الصنعاني، ثقة ثبت فاضل، من كبار [٧] ١٠/ ١٠. ٧ - (يونس) بن يزيد الأيلي، أبو يزيد ثقة، من كبار [٧] ٩/ ٩. ٨ - (الزهريّ) محمد بن مسلم ابن شهاب المدني الإمام الحجة الثبت [٤] ١/ ١. ٩ - (سعيد) بن المسيّب بن حزن الفقيه الحجة الثبت، من كبار [٣] ٩/ ٩. ١٠ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث، فقد تفرد به هو، وأبو داود. (ومنها): أن السند الأول إلى الزهريّ مسلسل بالبصريين، والثاني إليه أيضًا بالمصريين، ومنه بالمدنيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي: الزهري، عن سعيد. (ومنها): أن سعيدًا من الفقهاء السبعة. وأن أبا هريرة - ﵁ - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قوله في السند الأول: «قال: قلت: عن سعيد؟ الخ» أي قال معمر: قلت للزهريّ، هل هذا الحديث عن سعيد بن المسيّب؟ فقال الزهريّ: نعم هو عن سعيد، حمال كونه راويًا له عن أبي هريرة - ﵁ -. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِم) أي الكلم الجامعة، من إضافة الصفة إلى الموصوف، والجوامع جمع جامعة، قيل: يعني القرآن، جمع اللَّه تعالى في ألفاظ يسيرة منه معاني كثيرة، وكذلك كان - ﷺ - يتكلّم بألفاظ يسيرة، تحتوي على معاني كثيرة. وفي«صحيح البخاري»: قال أبو عبد اللَّه:«وبلغني أن جوامع الكلم أن اللَّه يجمع الأمور الكثيرة التي كانت تُكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد، والأمرين، أو نحو ذلك»انتهى. وهذا التفسير منقول عن الزهريّ -رحمه اللَّه تعالى-، كما بينه في«الفتح»، قال: وحاصله أنه - ﷺ - كان يتكلّم بالقول الموجز القليل اللفظ الكثير المعاني، وجزم غير الزهريّ بأن المراد«بجوامع الكلم»القرآن بقرينة قوله:«بُعِثْتُ»، والقرآن هو الغاية في إيجاز اللفظ، واتساع المعاني انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأصحّ أن جوامع الكلم لا يختصّ بالقرآن، بل هو موجود في كلامه - ﷺ -، فَمِمَّا ذكروا من أمثلة جوامع الكلم في القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥٢]، إلى غير ذلك. ومن أمثلة جوامع الكلم من الأحاديث النبوية حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: «كلّ عمل ليس عليه أمرنا فهو ردّ»، وحديث: «كلّ شرط ليس في كتاب اللَّه، فهو باطل». متّفق عليهما. وحديث أبي هريرة - ﵁ -: «وإذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم». متّفق عليه. وحديث المقدام - ﵁ -: «ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًا من بطنه …» الحديث. أخرجه الأربعة، وصححه ابن حبان، والحاكم، إلى غير ذلك مما يكثر بالتتبّع. وإنما يُسَلَّم ذلك فيما لم تتصرّف الرواة في ألفاظه، والطريق إلى معرفة ذلك أن تقلّ مخارج الحديث، وتتّفق ألفاظه، وإلا فإن مخارج الحديث إذا كثرت قلّ أن تتّفق ألفاظه لتوارد أكثر الرواة على الاقتصار على الرواية بالمعنى بحسب ما يظهر لأحدهم أنه واف به، والحامل لأكثرهم على ذلك أنهم كانوا يكتبون، ويطول الزمان، فيتعلّق المعنى بالذهن، فيرتسم فيه، ولا يستحضر اللفظ، فيحدّث بالمعنى لمصلحة التبليغ، ثم يظهر من سياق ما هو أحفظ منه أنه لم يوفّ بالمعنى. قاله في «الفتح» . (وَنُصِرْتُ) بالبناء للمفعول (بِالرُّعْبِ) -بضم الراء، وسكون العين المهملة- أي الخوف. وفي حديث جابر بن عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما -، المتّفق عليه، المتقدّم للمصنّف في «كتاب التيمم» رقم ٢٦/ ٤٣٢ -: «نُصرت بالرعب مسيرة شهر». وزاد في رواية أحمد من حديث أبي أمامة - ﵁ -: «يُقذف في قلوب أعدائي». والمعنى أن اللَّه تعالى ألقى الخوف الشديد منه - ﷺ - في قلوب أعدائه بلا أسباب ظاهرة، وآلات عاديّة له، بل بضدّها، فإنه - ﷺ - كثيرًا ما يربط الحجر ببطنه من الجوع، ولا يوقد النار في بيوته، ومع هذا الحال كان الكفرة مع ما عندهم من المتاع، والآلات، والأسباب في خوف شديد من بأسه - ﷺ -، فلا يشكل بأن الناس يخافون من بعض الجبابرة مسيرة شهر وأكثر، فكانت بلقيس تخاف من سليمان - ﵁ - مسيرة شهر، وهذا ظاهر، وقد بقي آثار هذه الخاصّة في خلفاء أمته ما داموا على حاله - ﷺ -. قاله السنديّ . وقال في «الفتح»: قوله: «مسيرة شهر» مفهومه أنه لم يوجد لغيره النصر بالرعب في هذه المدّة، ولا في أكثر منها، أما ما دونها فلا، لكن لفظ رواية عمرو بن شعيب: «ونُصرتُ على العدوّ بالرعب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر»، فالظاهر اختصاصه به مطلقًا، وإنما جعل الغاية شهرًا؛ لأنه لم يكن بين بلده، وبين أحد من أعدائه أكثر منه، وهذه الخصوصية حاصلة له على الإطلاق، حتى لو كان وحده بغير عسكر، وهل هي حاصلة لأمته من بعده؟ فيه احتمال انتهى . وقد تقدّم شرح حديث جابر - رضي اللَّه تعالى عنه - مستوفًى في «كتاب التميمم»، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. (وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، أُتِيتُ) من الإتيان، وفي بعض نسخ البخاريّ: «أوتيت» بالواو بعد الباء، من الإيتاء، وهو الإعطاء، فتكون الباء على هذا زائدة في قوله (بمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ) المراد منها ما يُفتح لأمته من بعده من الفتوح. وقيل: المعادن. وقال الخطابيّ: المراد بخزائن الأرض ما فُتح على الأمة من الغنائم من ذخائر كسرى، وقيصر، وغيرهما. ويحتمل معادن الأرض التي فيها الذهب والفضّة. وقال غيره: بل يُحمل على أعمّ من ذلك انتهى . (فَوُضِعَتْ فِي يَدِي) وفي رواية: «في كفّي». قال القرطبيّ: هذه الرؤيا أوحى اللَّه فيها لنبيّه - ﷺ - أن أمته ستملك الأرض، ويتّسع سلطانها، ويظهر دينها، ثم إنه وقع ذلك كذلك، فملكت أمته من الأرض ما لم تملكه أمة من الأمم فيما علمناه، فكان هذا الحديث من أدلة نبوته - ﷺ -، ووجه مناسبة هذه الرؤيا أن من ملك مفتاح المغلق، فقد تمكّن من فتحه، ومن الاستيلاء على ما فيه انتهى . (قَالَ أَبو هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، وهو موصول بالسند المذكور أوّلًا (فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ -) أي مات (وَأَنْتُم تَنْتَثِلُونَهَا) بمثناة، ثم نون ساكنة، ثم مثناة، بوزن تفتعلونها، أي تستخرجونها، وتنتفعون بها. وقال في «الفتح»: ولبعضهم بحذف المثناة الثانية، من النَّثل -بفتح النون، وسكون المثلّثة-وهو الاستخراج، يقال: نَثَلَ كنانته - أي من باب ضرب-: استخرج ما فيها من السهام، وجِرابَه: نَفَضَ ما فيه، والبئرَ: أخرج ترابها، فمعنى تنتثلونها: تستخرجون ما فيها، وتتمتّعون به. قال ابن التين، عن الداوديّ: هذا هو المحفوظ في هذا الحديث. وقال النوويّ: يعني ما فُتح على المسلمين من الدنيا، وهو يشمل الغنائم، والكنوز، وعلى الأول اقتصر الأكثر. ووقع عند بعض رُواة مسلم بالميم بدل النون الأولى، وهو تحريف انتهى. وفي رواية للبخاري في «كتاب الاعتصام» من «صحيحه»: ما نصّة: «قال أبو هريرة: فقد ذهب رسول اللَّه - ﷺ -، وأنتم تَلْغَثُونها، أو تَزغَثُونها، أو كلمة تشبهها». قال في «الفتح»: فالأولى بلام ساكنة، ثم غين معجمة مفتوحة، ثم مثلّثة، والثانية مثلها، لكن بدل اللام راء، وهي من الرَّغْث، كناية عن سعة العيش، وأصله من رَغَثَ الجدي أمه: إذا ارتضع منها، وأرغثته هي: أرضعته، ومن ثم قيل: رُغُوث. وأما باللام، فقيل: إنه لغة فيها. وقيل: تصحيف. وقيل: مأخوذة من اللَّغِيث بوزن عَظِيم، وهو الطعام المخلوط بالشعير. ذكره صاحب «المحكم» عن ثعلب. والمراد يأكلونها كيما اتفق، وفيه بُعد. وقال ابن بطّال: وأما اللغث باللام، فلم أجده فيما تصفّحتُ من اللغة انتهى. قال الحافظ: ووجدت في حاشية من كتابه هما لغتان صحيحان فصحيتان، معناهما الأكل بالنهم، وأفاد الشيخ مغلطاي عن كتاب «المنتهى» لأبي المعالي اللغويّ لغث طعامه، ولعث -بالغين، والعين، أي المعجمة، والمهملة-: إذا فرّقه، قال: الَّلِغيثُ ما يبقى في الكيل من الحبّ، فعلى هذا فالمعنى، وأنتم تأخذون المال، فتفرّقونه بعد أن تحوزوه، واستعار للمال ما للطعام؛ لأن الطعام أهمّ ما يُقْتَنَى لأجله المالُ، وزعم أن في بعض نسخ الصحيح، وأنتم تلعقونها -بمهملة، ثم قاف-. قال الحافظ: وهو تصحيف، ولو كان له بعض اتجاه انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ١/ ٣٠٨٨ و٣٠٨٩ - وفي «الكبرى» ١/ ٤٢٩٤ و٤٢٩٥ و٤٢٩٦ و٤٢٩٧. وأخرجه (خ) في «الجهاد» ٢٩٧٧ و«التعبير» ٦٩٩٨ و٧٠١٣ و«الاعتصام» ٧٢٧٣ (م) في «المساجد» ٥٢٣ (ت) في «السير» ١٥٥٣ (أحمد) في
مصادر المؤلف (١٨)

١. - «فتح» ٦/ ١٢٠ - ١٢١.

٢. - وسيأتي للمصنّف برقم - ٤١٦٩ و٤١٧٠.

٣. - وفي نسخة: «ثنا»، وفي أخرى: «أخبرنا».

٤. - وفي نسخة: «ثنا»، وفي أخرى: «أخبرنا».

٥. - «تفسير ابن كثير» ٢/ ٥٣٨.

٦. - هذا أبعد الأقوال من سياق الآية، فليتنبّه.

٧. - «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٢٨١.

٨. - وفي نسخة: «أخبرنا».

٩. - وفي نسخة: «أخبرنا».

١٠. -«فتح»١٤/ ٤٣٣. في«كتاب التعيير».

١١. - «فتح» ١٥/ ١٧٢ في «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة».

١٢. هكذا نسخة «الفتح»، ولعل الأولى بلفظ «من» وليحرّر.

١٣. - «فتح» ١٥/ ١٧٣.

١٤. - «شرح السنديّ»١/ ٢١٠/٢١١.

١٥. - «فتح» ١/ ٥٨١ في «كتاب التيمم».

١٦. - «فتح» ١٤/ ٤٦١. في «كتاب التعبير».

١٧. - راجع «زهر الربى» ٦/ ٣ - ٤.

١٨. - «فتح» ١٥/ ١٧٢.