HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٣٢٦١

أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْهُ بَعْدَ مَوْتِ نَافِعٍ بِسَنَةٍ وَلَهُ يَوْمَئِذٍ حَلْقَةٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص427
  • زبير علي زئي:حسن
ج ٦ ص ٨٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٧ ص٢٠٢
شَيْئًا، فَكُنْتُ عَلَيْهِ أَوْجَدَ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ، فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، ثُمَّ خَطَبَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: لَعَلَّكَ وَجَدْتَ عَلَيَّ، حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ حَفْصَةَ، فَلَمْ أَرْجِعْ إِلَيْكَ شَيْئًا، قَالَ عُمَرُ:: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكَ شَيْئًا، فِيمَا عَرَضْتَ عَلَيَّ، إِلاَّ أَنِّي قَدْ كُنْتُ عَلِمْتُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، قَدْ ذَكَرَهَا، وَلَمْ أَكُنْ لأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَلَوْ تَرَكَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَبِلْتُهَا). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: «محمد بن عبد اللَّه بن المبارك»: هو أبو جعفر الْمُخَرِّميّ البغداديّ الثقة الحافظ. و«يعقوب بن إبراهيم»: هو الزهريّ المدنيّ، نزيل البغداد الثقة الفاضل. و«أبوه»: هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن المدنيّ، نزيل بغداد الثقة الحجة. و«صالح»: هو ابن كيسان الثقة الثبت. وقوله: «وقد بدا لي» أي ظهر لي عدم تزوّجي في هذه الأوقات، فاليوم بمعنى الوقت. والحديث أخرجه البخاريّ، وقد تقدّم شرحه، والكلام على مسائله قبل خمسة أبواب-٢٤/ ٣٢٤٩ - فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٣١ - (اسْتِئْذَانُ الْبِكْرِ فِي نَفْسِهَا) زاد في «الكبرى»: «وذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر ابن عباس فيه». ٣٢٦١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: «الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] ٧/ ٧. ٣ - (عبد اللَّه بن الفضل) بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشميّ المدنيّ، ثقة [٤] ٥٤/ ٢٧٥٢. ٤ - (نافع بن جبير بن مطعم) النوفليّ، أبو محمد، أو أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة فاضل [٣] ٩٦/ ١٢٤. ٥ - (ابن عباس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فإنه بغلانيّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (الْأَيِّمُ) -بفتح الهمزة، وتشديد التحتانيّة-: هو في الأصل من لا زوج لها، بكرًا كانت، أو ثيّبًا، والمراد به هنا: الثيب، كما فسّرته الرواية الأخرى، ولمقابلته بالبكر، ولأنه الأكثر استعمالًا. قال أبو العباس القرطبيّ: اتفق أهل اللغة على أن الأيّم في الأصل هي المرأة التي لا زوج لها، بكرًا كانت أو ثيّبًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] تقول العرب تأيّمت المرأة: إذا أقامت لا تتزوّج، ويقال: أيّمٌ بيّنة الأَيّمَة، وقد آمت هي، وإِمْتُ أنا، قال الشاعر [من الطويل]: لَقَدْ إِمْتُ حَتَّى لَامَني كُلُّ صاحِبٍ … رَجَاءً بِسَلْمَى أَنَّ تَئِيمَ كَمَا إِمْتُ قال أبو عبيد: يقال: رجلٌ أَيّمٌ، وامرأةٌ أيّمٌ، وأكثر ما يكون في النساء، وهو كالمستعار في الرجال. انتهى . وقال القاضي عياضٌ: اختلف العلماء في المراد بالأيّم هنا، مع اتفاق أهل اللغة على أنها تُطلق على امرأة لا زوج لها، صغيرةً كانت، أو كبيرةً، بكرًا كانت، أو ثيّبًا. قاله إبراهيم الحربيّ، وإسماعيل القاضي، وغيرهما. والأيّمَةُ العُزُوبة، ورجلٌ أيّمٌ، وامرأة أيّمٌ. وحكى أبو عبيد: أيّمةٌ أيضًا. قال القاضي: ثم اختلف العلماء في المراد به هنا، فقال علماء الحجاز، والفقهاء كافةً: المراد الثيّب، واستدلّوا بأنه جاء مفسرًا في الرواية الأخرى بالثيّب، وبأنها جعلت في مقابلة البكر، وبأن أكثر استعمالها في اللغة للثيّب. وقال الكوفيون، وزفر: الأيّم هنا كلّ امرأة لا زوج لها، بكرًا كانت أو ثيّبًا، كما هو مقتضاه في اللغة قالوا: فكلّ امرأة بلغت فهي أحقّ بنفسها من وليّها، وعقدها على نفسها النكاح صحيح. وبه قال الشعبيّ، والزهريّ، قالوا: وليس الوليّ من أركان صحّة النكاح، بل من تمامه. وقال الأوزاعيّ، وأبو يوسف، ومحمد: تتوقّف صحّة النكاح على إجازة الوليّ. قال القاضي: واختلفوا أيضًا في قوله - ﷺ -: «أحقّ من وليّها»، هل هي أحقّ بالإذن فقط، أو بالإذن والعقد على نفسها؟ فعند الجمهور بالإذن فقط، وعند هؤلاء بهما جميعًا . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحقّ ما قاله الجمهور من أن الوليّ شرط في صحّة النكاح، وليس للمرأة إلا مجرّد الإذن، إما صريحًا، وهو للثيّب، أو سكوتًا، وهو للبكر للحديث الصحيح: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل». واللَّه تعالى أعلم. (أَحَقُّ بنَفْسِها مِنْ وَلِيِّهَا) أي تنطق بنفسها، ولا ينطق الوليّ عنها. وقال النوويّ: يحتمل من حيث المعنى أن المراد أحقّ من وليّها في كلّ شيء، من عقد، وغيره، كما قاله أبو حنيفة، وداود. ويحتمل أنها أحقّ بالرضا، أي لا تُزوّج حتى تنطق بالإذن، بخلاف البكر، ولكن لَمّا صحّ قوله - ﷺ -: «لا نكاح إلا بوليّ» مع غيره من الأحاديث الدالّة على اشتراط الوليّ تعليق الاحتمال الثاني. [واعلم]: أن لفظة «أحقّ» هنا للمشاركة، معناه أن لها في نفسها في النكاح حقًّا، ولويها حقًا، وحقها أوكد من حقّه، فإنه لو أراد تزويجها كفؤًا، وامتنعت لم تُجبر، ولو أرادت أن تتزوّج كفؤًا، فامتنع الوليّ أُجبر، فإن أصرّ زوّجها القاضي، فدلّ على تأكيد حقّها، ورجحانه انتهى . (وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا) ببناء الفعل للمفعول: أي يطلب إذنها في تزويجها. وفي الروايات الآتية بلفظ: «تُستأمر». قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: هكذا وقع في حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -: «والبكر تُستأمر»، وفي حديث أبي هريرة - ﵁ -: «الأيّم تُستأمر، والبكر تُستأذن»، وهو أتقن مساقًا من حديث ابن عباس لأن «تُستأمر» معناه: يُستدعَى أمرها، وهذا يظهر منه أن يصدر منها بالقول ما يُسمى أمرًا، وهذا ممكن من الثيّب؛ لأنها لا يَلحقها من الخجل، والانقباض ما يَلحق البكر، فلا يُكتفى منها إلا بنطق يدلّ على مرادها صريحًا. وأما «تُستأذن» فإنه يقتضي أن يظهر منها ما يدلّ على رضاها، وإذنها بأيّ وجه كان، من سكوت، أو غيره، ولا تُكلّف النطقَ، ولذلك لما قال في حديث ابن عباسِ «لا تُنكح البكر حتى تُستأذن» أشكل عليهم إذنها، فسألوا، فأجيبوا بقوله (وَإذْنَهُا صُمَاتهُا) بضم الصاد المهملة، ويقال: فيه الصّمت -بالفتح- والصّموت -بالضمّ-: ومعناها السكوت، ولشيخنا عبد الباسط المناسيّ -رحمه اللَّه تعالى-: الصَّمْتُ وَالصُّمَاتُ والصُّمُوتُ … مَصَادِرٌ يُعْنَى بِهَا السُّكُوتُ قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: والأصل وصُماتها كإذنها، فشُبِّهَ الصُّماتُ بالإذن شرعًا، ثم جُعِل إذنًا مجازًا، ثم قُدّم مبالغةً، والمعنى: هو كاف في الإذن، وهذا مثل قوله: «ذكاة الجنين ذكاة أمّة»، والأصل ذكاة أمّ الجنين ذكاته، وإنما قلنا: الأصل: صماتها كإذنها؛ لأنه لا يُخبرُ عن شيءٍ إلا بما يصحّ أن يكون وصفًا له حقيقةً، أو مجازًا، فيصحّ أن يقال: الفرس يطير، ولا يصحّ أن يقال: الحجر يطير؛ لأنه لا يوصف بذلك، فصُماتها كإذنها صحيح، ولا يصحّ أن يكون «إذنها» مبتدءًا؛ لأن الإذن لا يصحّ أن يوصف بالسكوت؛ لأنه يكون نفيًا له، فيبقى المعنى: إذنها مثل سكوتها، وقبل الشرع كان سكوتها غير كاف، فكذلك إذنها، فينعكس المعنى انتهى . قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: يستحبّ إعلام البكر أن سكوتها إذنٌ، لكن لو قالت بعد العقد: ما علمت أن صمتي إذنٌ لم يبطل العقد بذلك عند الجمهور، وأبطله بعض المالكيّة، وقال ابن شعبان منهم: يقال لها ذلك ثلاثًا إن رضيت فاسكتي، وإن كرهت فانطلقي. وقال بعضهم: يُطالُ المقام عندها لئلا تخجل، فيمنعها ذلك من المسارعة. واختلفوا فيما إذا لم تتكلّم، بل ظهرت منها قرينة السخط، أو الرضا بالتبسّم مثلًا، أو البكاء، فعند المالكيّة إن نفرت، أو بكت، أو قامت، أو ظهر منها ما يدلّ على الكراهة لم تُزوَّج. وعند الشافعيّة: لا أثر لشيء من ذلك في المنع إلا إن قَرَنت مع البكاء الصياح ونحوه، وفرّق بعضهم بين الدمع، فإن كان حارًّا دلّ على المنع، وإن كان باردًا دلّ على الرضا. قاله في «الفتح» . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣١/ ٣٢٦١ و٣٢٦٢ و٣٢٦٣ و٣٢٦٤ و٣٢/ ٣٢٦٥ - في «الكبرى» ٢٨/ ٥٣٧١ و٥٣٧٢ و٥٣٧٢ و٥٣٧٣ و٥٣٧٤. وأخرجه (م) في «النكاح» ١٤٢١ (د) في «النكاح» ٢٠٩٨ و٢١٠٠ (ت) في «النكاح» ١١٠٨ (ق) في «النكاح» ١٨٧٠ (أحمد) في «مسند بني هاشم» ١٨٩١ و٢١٦٤ و٢٣٦١ و٣٢١٢ و٣٣٣٣ و٣٤١١ و١١١٤ و٢١٨٨ و٢١٨٩ (الدارمي) في «النكاح» ٢١٨٨ و٢١٨٩ و٢١٩٠. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو وجوب استئذان البكر في نفسها. (ومنها): أن الأيّم أحقّ بأمر النكاح من الوليّ، بمعنى أنه لا بدّ من إذنها الصريح، أو ردّها، لا بمعنى أنها تزوّج نفسها، كما يقول به داود الظاهريّ. (ومنها): أن البكر لا يجب عليها التصريح بالقول، بل يكفي سكوتها. (ومنها): أنه يدلّ على أنَّ السكوت على الشيء بعد العلم به يكون رضًا به، لكن بشرط أن لا يكون السكوت عن خوف ونحوه. (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن البكر التي أُمِر باستئذانها هي البالغة، إذ لا معنى لاستئذان من لا تدري ما الإذن؟، ومن يستوي سكوتها وسخطها. (ومنها): أنه يدلّ على أن البكر إذا أعلنت بالمنع لم يجز النكاح، وإن أعلنت بالرضا جاز بطريق أولى، وشذّ بعض أهل الظاهر، فقال: لا يجوز أيضًا، وقوفًا عند ظاهر قوله: «وإذنها أن تسكت». واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): نقل ابن عبد البرّ عن مالك أن سكوت البكر اليتيمة قبل إذنها، وتفويضها لا يكون رضًا منها، بخلاف ما إذا كان بعد تفويضها إلى وليّها. وخصّ بعض الشافعيّة الاكتفاء بسكوت البكر البالغ بالنسبة إلى الأب والجدّ، دون غيرهما؛ لأنها تستحيي منهما أكثر من غيرهما. والصحيح الذي عليه الجمهور استعمال الحديث في جميع الأبكار بالنسبة لجميع الأولياء. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم تزويج الأب البكر البالغة بغير إذنها: ذهب الأوزاعيّ، والثوريّ، والحنفيّة، ووافقهم أبو ثور: إلى شترط استئذانها، فلو عقد عليها بغير استئذان لم يصحّ. وذهب آخرون إلى أنه يجوز للأب أن يزوّجها، ولو كانت بالغة بغير استئذان، وهو قول ابن أبي ليلى، ومالك، والليث، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. ومن حجّتهم مفهوم حديث الباب؛ لأنه جعل الثيّب أحقّ بنفسها من وليّها، فدلّ على أن وليّ البكر أحقّ بها منها. واحتجّ بعضهم بحديث يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، مرفوعًا: «تُستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها»، قال: فقيّد ذلك باليتيمة، فيحمل المطلق عليه. وفيه نظر -كما قال الحافظ- لحديث ابن عباس الآتي بلفظ: «والبكر يستأمرها أبوها» فنصّ على ذكر الأب. وأجاب الشافعيّ بأن المؤامرة قد تكون عن استطابة النفس. ويؤيّده حديث ابن عمر، رفعه: «آمروا النساء في بناتهنّ»، أخرجه أبو داود. قال الشافعيّ: لا خلاف أنه ليس للأمّ أمرٌ، لكنه على معنى استطابة النفس. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لكن الحديث ضعيفٌ، لا يصلح للاستدلال به. واللَّه تعالى أعلم. وقال البيهقيّ: زيادة ذكر الأب في حديث ابن عباس غير محفوظة، قال الشافعيّ: زادها ابن عُيينة في حديثه. وكان ابن عمر، والقاسم، وسالم يزوّجون الأبكار لا يستأمرونهنّ. قال البيهقيّ: والمحفوظ في حديث ابن عباس: «البكر تُستأمر»، ورواه صالح بن كيسان بلفظ: «واليتيمة تُستأمر»، وكذلك رواه أبو بردة، عن أبي موسى، ومحمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فدلّ على أن المراد بالبكر اليتيمة. قال الحافظ: وهذا لا يدفع زيادة الثقة الحافظ بلفظ الأب، ولو قال قائلٌ: بل المراد باليتيمة البكر لم يُدفع، و«تُستأمر» بضمّ أوله يدخل فيه الأب وغيره، فلا تعارض بين الروايات. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كلام الحافظ هذا حسنٌ جدًّا. وحاصله أن رواية «يستأذنها أبوها» صحيحة؛ لأنها زيادة ثقة حافظ، وهو سفيان بن عيينة، وأيضًا إن رواية «تُستأذن» لا تنافيها، إذ الاستئذان يعمّ الأب، وغيره، وأما رواية «اليتيمة» فتردّ إلى معنى «البكر» جمعًا بين الروايات. والحاصل أن ما ذهب إليه الأولون -وهو عدم جواز تزويج البكر البالغة بغير إذنها- هو الأرجح، لظهور أدلّته. واللَّه تعالى أعلم. وأما قول الحافظ: ويبقى النظر في أن الاستئمار، هل هو شرط في صحّة العقد، أو مستحبّ على معنى استطابة النفس، كما قال الشافعيّ؟ كلٌّ من الأمرين محتمل انتهى. ففيه نظر لا يخفى؛ إذ الاحتمال الثاني -وهو الاستحباب- ضعيف؛ لمخالفته لظواهر الأحاديث المذكورة؛ وأما حديث أبو داود المذكور، فلا يصلح للاحتجاج به؛ لأنه ضعيف، كما مرّ آنفًا، فالاحتمال الأول -وهو كون الاستئمار شرطًا في صحّة العقد- أقوى، لظواهر الأحاديث. وقد حقّق المسألة العلامة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-، فقال في «الهدي» - بعد ذكر حديث الاستئذان: ما نصّه: وموجب هذا الحكم أنه لا تُجبر البكر البالغ على النكاح، ولا تُزوّج إلا برضاها، وهذا قول جمهور السلف، ومذهب أبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايات عنه، وهو القول الذي ندين اللَّه به، ولا نعتقد سواه، وهو الموافق لحكم رسول اللَّه - ﷺ -، وأمره، ونهيه، وقواعد شريعته، ومصالح أمّته. أما موافقته لحكمه، فإنه حكم بتخيير البكر الكارهة، وليس رواية هذا الحديث مرسلةً بعلّة فيه، فإنه قد روي مسندًا، ومرسلًا، فإن قلنا بقول الفقهاء: إن الاتصال زيادة، ومن وصله مقدّمٌ على من أرسله، فظاهر، وهذا تصرّفهم في غالب الأحاديث، فما بال هذا، خرج عن حكم أمثاله، وإن حكمنا بالإرسال، كقول كثير من المحدّثين، فهذا مرسلٌ قويّ، قد عضدته الآثار الصحيحة الصريحة، والقياس، وقواعد الشرع- كما سنذكره- فيتعيّن القول به. وأما موافقة هذا القول لأمره، فإنه قال: «والبكر تُستأذن»، وهذا أمرٌ مؤكّد؛ لأنه بصيغة الخبر الدّالّ على تحقّق المخبر به، وثبوته، ولزومه، والأصل في أوامره - ﷺ - أن تكون للوجوب، ما لم يقم إجماع على خلافه. وأما موافقته لنهيه، فلقوله: «لا تُنكح البكر حتى تُستأذن»، فأمر، ونهى، وحكم بالتخيير، وهذا إثبات للحكم بأبلغ الطرق. وأما موافقته لقواعد شرعه، فإن البكر البالغة العاقلة الرشيدة لا يتصرّف أبوها في أقلّ شيء من مالها إلا برضاها ، ولا يُجبرها على إخراج اليسير منه بدون رضاها، فكيف يجوز أن يُرقّها، ويُخرج بُضعها منها بغير رضاها إلى من يريده هو، وهي من أكره الناس فيه، وهو من أبغض شيء إليها؟ ومع هذا فيُنكحها إياه قهرًا بغير رضاها إلى من يريده، ويجعلها أسيرةً عنده، كما قال النبيّ - ﷺ -: «اتقوا اللَّه في النساء، فإنّهنّ عوان عندكم» . أي أسرى. ومعلومٌ أن إخراج مالها كلّه بغير رضاها أسهل عليها من تزويجها بمن لا تختاره بغير رضاها، ولقد أبطل من قال: إنها إذا عيّنت كفؤًا تحبّه، وعيّن أبوها كفؤًا، فالعبرة بتعيينه، ولو كان بغيضًا إليها، قَبِيح الخِلْقة. وأما موافقته لمصالح الأمّة، فلا يخفى مصلحة البنت في تزويجها بمن تختاره وترضاه، وحصول مقاصد النكاح لها به، وحصول ضدّ ذلك بمن تبغضه، وتنفر عنه، فلو لم تأت السنّة الصريحة بهذا القول، لكان القياس الصحيح، وقواعد الشريعة لا تقتضي غيره. وباللَّه التوفيق. [فإن قيل]: فقد حكم رسول اللَّه - ﷺ - بالفرق بين البكر والثيّب، وقال: «لا تُنكح الأيّم حتى تستأمر، ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن»، وقال: «الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها، والبكر يَستأذنها أبوها»، فجعل الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها، فعُلم أن وليّ البكر أحقّ بها من نفسها، وإلا لم يكن لتخصيص الأيّم بذلك معنيً. وأيضًا فإنه فرّق بينهما في صفة الإذن، فجعل إذن الثيّب النطق، وإذن البكر الصَّمت، وهذا كلّه يدلّ على عدم اعتبار رضاها، وأنها لا حقّ لها مع أبيها. [فالجواب]: أنه ليس في ذلك ما يدلّ على جواز تزويجها بغير رضاها مع بلوغها، وعقلها، ورُشدها، وأن يزوّجها بأبغض الخلق إليها إذا كان كفؤًا، والأحاديث التي احتججتم بها صريحةٌ في إبطال هذا القول، وليس معكم أقوى من قوله: «الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها». هذا إنما يدلّ بطريق المفهوم، ومنازعوكم يُنازعونكم في كونه حجّةٌ. ولو سُلّم أنه حجّةٌ، فلا يجوز تقديمه على المنطوق الصريح. وهذا أيضًا إنما يدلّ إذا قلت: إن للمفهوم عمومًا، والصواب أنه لا عموم له، إذ دلالته ترجع إلى أن التخصيص بالمذكور لا بدّ له من فائدةٍ، وهي نفي الحكم عما عداه، ومعلومٌ أن انقسام ما عداه إلى ثابت الحكم ومنفيّه فائدة، وأن إثبات حكم آخر للمسكوت فائدة، وإن لم يكن ضدّ حكم المنطوق، وأن تفصيله فائدة، كيف، وهذا مفهومٌ مخالفٌ للقياس الصريح، بل قياس الأولى، كما تقدّم، ويخالف النصوص المذكورة. وتأمّل قوله - ﷺ -: «والبكر يستأذنها أبوها»، عقب قوله: «الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها»، قطعًا لتوهّم هذا القول، وأن البكر تُزوّج بغير رضاها، ولا إذنها، فلا حقّ لها في نفسها البتّة، فوصل إحدى الجملتين بالأخرى، دفعًا لهذا التوهّم. ومن المعلوم أنه لا يلزم من كون الثيّب أحقّ بنفسها من وليّها أن لا يكون للبكر حقّ في نفسها البتّة. وقد اختلف الفقهاء في مناط الإجبار على ستّة أقوال: (أحدها): أنه يُجبر بالبكارة، وهو قول الشافعيّ، ومالك، وأحمد في رواية. (الثاني): أن يُجبر بالصغر، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد في الرواية الثانية. (الثالث): أنه يُجبر بهما معًا، وهو الرواية الثالثة عن أحمد. (الرابع): أنه يجبر بأيهما وُجد، وهو الرواية الرابعة عنه. (الخامس): أنه يجبر بالإيلاد، فتُجبر الثيّب البالغ، حكاه القاضي إسماعيل عن الحسن البصريّ، قال: وهو خلاف الإجماع، قال: وله وجهٌ حسنٌ من الفقه. قال ابن القيّم: فيا ليت شعري ما هذا الوجه الأسود المظلم؟. (السادس): أنه يجبر من يكون في عياله. ولا يخفى عليك الراجح من هذه المذاهب انتهى كلام ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى- . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لا يخفى أن الأرجح القول بأن الإجبار بهما معًا؛ فلا تجُبر البكر البالغة، ولا الثيّب الصغير؛ عملًا بمقتضى الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال في «الفتح»: ما حاصله: استُدلّ بحديث الباب على أن الصغيرة الثيّب لا إجبار عليها؛ لعموم كونها أحقّ بنفسها من وليّها، وعلى أن من زالت بكارتها بوطء، ولو كان زنًا لا إجبار عليها، لأب ولا غيره؛ لعموم قوله: «الثيّب أحقّ بنفسها». وقال أبو حنيفة: هي كالبكر، وخالفه صاحباه، واحتُجّ له بأن علّة الاكتفاء بسكوت البكر هو الحياء، وهو باق في هذه؛ لأن المسألة مفروضة فيمن زالت بكارتها بوطء، لا فيمن اتخذت الزنا ديدنًا وعادة. وأجيب بأن الحديث نصّ على أن الحياء يتعلّق بالبكر، وقابلها بالثيّب، فدلّ على أن حكمهما مختلف، وهذه ثيّبٌ لغةً وشرعًا، بدليل أنه لو أوصى بعتق كلّ ثيّب في ملكه دخلت إجماعًا، وأما بقاء حيائها كالبكر فممنوعٌ؛ لأنها تستحيي من ذكر وقوع الفجور منها، وأما ثبوت الحياء من أصل النكاح فليست فيه كالبكر التي لم تجُرّبه قط . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الأولون هو الأرجح؛ لعموم الحديث. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مصادر المؤلف (٩)

١. «المفهم» ٤/ ١١٤.

٢. راجع «شرح مسلم للنوويّ» ٩/ ٢٠٨.

٣. «شرح مسلم» ٩/ ٢٠٨.

٤. راجع «المصباح المنير» في مادة صمت.

٥. «فتح» ١٠/ ٢٤٢.

٦. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في هذا الإطلاق نظر لا يخفى؛ لأن الأب يجوز له أن يأكل من مال ولده إذا احتاج إليه بغير رضاه؛ للحديث الصحيح الذي أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، من حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، مرفوعًا: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه»، والبنت يشملها الولد. فتنبّه.

٧. أخرجه الترمذيّ برقم ١١٦٣، وقال: حسن صحيح.

٨. «زاد المعاد في هدي خير العباد» ٥/ ٩٥ - ٩٩.

٩. «الفتح» ١٠/ ٢٤٣.