HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٣٣٠٨

أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّبَّاحِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، وَأَيُّوبَ ، عَنْ صَالِحٍ أَبِي الْخَلِيلِ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ، عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ : «أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الرَّضَاعِ فَقَالَ: لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ». وَقَالَ قَتَادَةُ: الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ.
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص438
  • زبير علي زئي:صحيح مسلم
ج ٦ ص ١٠٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح مسلم, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٧ ص٣٠٣
وقوله: «أريد على بنت حمزة» أي أرادوه لأجل أن يتزوّجها، وقد سبق أن الذي أراده على ذلك، وطلب منه ذلك هو عليّ بن أبي طالب - ﵁ -. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٥١ - (الْقَدْرُ الَّذِي يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: «يحرم» بضم أوله، وفتح ثانيه، وتشديد الراء المكسورة من التحريم، مبنيًا للفاعل، والمعنى بيان عدد الرضاعة الذي يثبت به التحريم للرضاعة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٣٣٠٨ - (أَخْبَرَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ -﷿- وَقَالَ الْحَارِثُ: «فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ، عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ، يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ»، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَهِيَ مِمَّا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هارون بن عبد اللَّه) أبو موسى الحمّال البغداديّ، ثقة حافظ [١٠] ٥٠/ ٦٢. ٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد المصريّ القاضي، ثقة فقيه [١٠] ٩/ ٩. [تنبيه]: قوله: «والحارثُ بنُ مسكين» بالرفع عطف على «هارون»، فهو شيخ ثان للمصنّف. واللَّه تعالى أعلم. ٣ - (معن) بن عيسى القزّاز المدنيّ، ثقة ثبت، من كبار [١٠] ٥٠/ ٦٢. ٤ - (ابن القاسم) عبد الرحمن الْعُتَقيّ المصريّ الفقيه، ثقة، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠. ٥ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الثبت [٧] ٧/ ٧. ٦ - (عبد اللَّه بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقة [٥] ١١٨/ ١٦٣. ٧ - (عمرة) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة الأنصارية المدنيّة، ثقة [٣] ١٣٤/ ٢٠٣. ٨ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه الحارث فتفرد به هو وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير هارون، فبغداديّ، والحارث وابن القاسم، فمصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّة، وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أَنزَلَ اللَّهُ -﷿-، وَقَالَ الْحَارِثُ: «فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ القُرآنِ، عَشْرُ رَضَعَات) مبتدأ خبره جملة»يُحرّمن«. وقوله (مَعْلُومَاتٍ) احترز به عما يُتوهّم، أو يُشكّ في وصوله إلى الجوف من الرضعات، وفيه أن الرضعات إذا كانت غير معلومات لم تحرّم (يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ) أي التحريم المتعلّق بالرضاع كان شرطه أن يكون الرضيع رضع من المرأة عشر رضعات معلومات، ثم نسخ ذلك بأنه إذا رضع منها خمس رضعات معلومات ثبت التحريم بينهما (فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَهِيَ مِمَّا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ) ببناء الفعل للمفعول، والجملة في محلّ نصب على الحال، أي مات - ﷺ -، والحال أن »خمس رضعات معلومات« يُحرّمن من جملة ما يُقرأ من القرآن. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وقولها: «فتوفي رسول اللَّه - ﷺ -، وهنّ فيما يُقرأ» بضمّ الياء من يُقرأ، ومعناه: أن النسخ بخمس رضعات تأخّر إنزاله جدًّا حتّى إنه - ﷺ - توفّي، وبعض الناس يقرأ خمس رضعات، ويجعلها قرآنا متلوًّا؛ لكونه لم يبلغه النسخ؛ لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك، وأجمعوا على أن هذا لا يُتلى. والنسخ ثلاثة أنواع: [أحدها]: ما نُسخ حكمه، وتلاوته، كعشر رضعات. [والثاني]: ما نُسخت تلاوته، دون حكمه، كخمس رضعات، وكـ «الشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما». [والثالث]: ما نُسخ حكمه، وبقيت تلاوته، وهذا هو أكثر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، واللَّه أعلم انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -؛ الحاصل أن كُلًّا من العشر، والخمس منسوخٌ، لكن الأول نسخ تلاوةً وحكمًا، بخلاف الثاني، فإنه نسخ تلاوةً فقط، دون حكم، فيجب العمل به، فلا يُحرّم من الرضاع أقلّ من خمس رضعات، وهذا هو الراجح. وسيأتي تحقيق الخلاف فيه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ٥١/ ٣٣٠٨ - وفي «الكبرى»٤٨/ ٥٤٤٩. وأخرجه (م) في «الرضاع» ١٤٥٢ (د) في «النكاح» ٢٠٦٢ (ق) في «النكاح» ١٩٤٢ (الموطأ) في «الرضاع» ١٢٩٣ (الدارمي) في «النكاح» ٢٢٥٣. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان القدر الذي يحرّم من الرضاعة، وهو خمس رضعات معلومات، وفيه اختلاف بين العلماء، كما سيأتي تحقيقه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى. (ومنها): أن فيه جواز النسخ، وأنه ثلاثة أقسام: ما نُسخ تلاوة وحكمًا. وما نُسخ حكما فقط. وما نُسخ تلاوةً فقط، كما سبق بيانه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في مقدار ما يُحرّم من الرضاعة: قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف السلف والخلف في مقدار ما يحرّم من الرضاع: فقال مالك، وأبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ، والأوزاعيّ، والليث، والطبري: قليل الرضاع، وكثيره يُحرّم، ولو مصّةً واحدةً، إذا وصلت إلى حلقه، وجوفه. وهو قول عليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عبّاس، وسعيد بن المسيّب، والحسن، ومجاهد، وعروة، وطاوس، وعطاء، ومكحول، والزهويّ، وقتادة، والحكم، وحمّاد. وقال الليث بن سعد: أجمع المسلمون في أن قليل الرضاع، وكثيره يُحرّم في المهد ما أفطر الصائم. قال أبو عمر: لم يقف الليث على خلاف في ذلك. وعند مالك في هذا الباب: عن إبراهيم بن عقبة؛ أنه سأل سعيد بن المسيّب، عن الرضاعة؟ فقال سعيد: كلّ ما كان في الحولين، وإن كانت قطرة واحدةً، فهو يحرّم، وما كان بعد الحولين، فإنما هو طعام يأكله. قال إبراهيم بن عقبة: ثم سألت عروة بن الزبير؟ فقال: مثل ما قال سعيد بن المسيّب. وعن يحيى بن سعيد أنه قال: سمعت سعيد بن المسيّب يقول: لا رضاعة إلا ما كان في المهد، وإلا ما أنبت اللحم والدم. وعن ابن شهاب أنه كان يقول: الرضاعة قليلها وكثيرها تُحرّم، والرضاعة من قبل الرجال تُحرّم. قال أبو عمر: الحجة في هذا ظاهر قول اللَّه -﷿-: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، ولم يخصّ قليل الرضاعة من كثيرها. وقد روى ابن جريج، عن عمر بن دينار، عن ابن عمر أنه قيل له: قضى ابن الزبير بألا تُحرّم المصة، ولا المصّتان. فقال: قضاء اللَّه خير من قضاء ابن الزبير، حرّم الأختَ من الرضاعة. وقالت طائفة منهم: عبد اللَّه بن الزبير، وأمّ الفضل، وعائشة على اختلاف عنها: لا تحرّم المصة، ولا المصّتان، ولا الرضعة، ولا الرضعتان، ولا الإملاجة، ولا الإملاجتان. وبه قال سليمان بن يسار، وسعيد بن المسيّب. وإليه ذهب أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عُبيد. ورووا في ذلك حديثًا عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «لا تحرّم الإملاجة، ولا الإملاجتان» ، ومنهم من يرويه: «الرضعة، والرضعتان». قالوا: فما زاد على ذلك حرَّم، وذهبوا إلى أن الثلاث رضعات، فما فوقها تحُرّم، ولا تحرّم ما دونها. وذهب الشافعيّ إلى أنه لا يحرّم من الرضاع إلا خمس رضعات متفرّقات. واحتجّ بقوله - ﷺ -: «لا تحرّم الرضاعة، ولا الرضعتان، ولا المصّة، ولا المصّتان». ومما رواه أبو بكر، قال: حدّثنا أبو خالد الأحمر، عن حجّاج، عن أبي الزبير، قال: سألت ابن الزبير، عن الرضاع؛ فقال: لا تُحرّم الرضعة، ولا الرضعتان، ولا الثلاث، قال أصحابه: وابن الزبير، رَوَى هذا الحديثَ، وفَهِمَ منه أنه لا تُحرّم الثلاث أيضًا، وأفتى به. وذكروا عن ابن مسعود، وأبي موسى، وسليمان بن يسار، وغيرهم أنهم قالوا: إنما يُحرّم من الرضاع ما أنبت اللحم والدم، وأنشز العظم، وفتق الأمعاء. وعن أبي هريرة - ﵁ -: «لا يُحرّم من الرضاعة إلا ما فتَقَ الأمعاء». واحتجّ الشافعيّ بحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - المذكور في الباب: «كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يُحرّمن، ثم نُسخن …» الحديث. فكان في هذا الحديث بيان ما يُحرّم من الرضعات، وكان مفسِّرًا لقوله: «لا تحرّم الرضعة، والرضعتان»، فدلّ على أن قوله: «لا تحرّم المصّة، ولا المصّتان، ولا الرضعة، ولا الرضعتان» خرج على جواب سائل سأله عن الرضعة، والرضعتين، هل تُحرّمان؟ فقال: لا؛ لأن من سنّته وشريعته أنه لا يُحرّم إلا خمس رضعات، وأنها نَسَخت العشر الرضعات، كما لو سأل سائلٌ: هل يُقطع السارق في درهم، أو درهمين؟، كان الجواب لا يقطع في درهم، ولا درهمين؛ لأنه قد بيّن رسول اللَّه - ﷺ - أنه لا يقطع إلا في ربع دينار، فكذلك بيانه في الخمس الرضعات. [أفإن قيل]: لو كانت ناسخةً للعشر رضعات عند عائشة كما روت عنها عمرة، ما كانت عائشة لتأمر أختها أم كلثوم أن تُرضع سالم بن عبد اللَّه عشر رضعات؛ ليدخل عليها، فتستعمل المنسوخ، وتدع الناسخ. وكذلك حفصة أمرت أختها فاطمة بمثل ذلك في عاصم. [والجواب]: أن أصحاب عائشة الذين هم أعلم بها من نافع، وهم: عروة، والقاسم، وعمرة رووا عنها خمس رضعات، ولم يَرو أحدٌ منهم عشر رضعات. وقد روي عنها سبع رضعات، وقد روي عنها عشر رضعات، والصحيح عنها خمس رضعات، ومن روى أكثر من خمس رضعات، فقد وَهِم؛ لأنه قد صحّ عنها أن الخمس الرضعات المعلومات نَسخن العشر المعلومات، فمحالٌ أن تقول بالمنسوخ. وهذا لا يصحّ عنها عند ذي فهم. وفي حديثها المسند أن رسول اللَّه - ﷺ - أمر سهلة بنت سُهيل امرأة أبي حذيفة أن تُرضع سالمًا مولى أبي حذيفة خمس رضعات. قال عروة: فأخذت بذلك عائشة. فكيف يَقبَل أحدٌ عنها أنها أفتت بعد موت النبيّ - ﷺ - بعشر رضعات؟ هذا لا يقبله من أنصف نفسه، ووفق لرشده، ولو صحّ عنها حديث نافع، عن سالم في العشر كان غيره معارضًا له بالخمس. انتهى كلام ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى- . وقال العلاّمة ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: قال أصحاب الخمس: الحجة لنا حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وقد أخبرت هي أن رسول اللَّه - ﷺ - توفّي، والأمر على ذلك، قالوا: ويكفي في هذا قول النبيّ - ﷺ - لسهلة بنت سهيل: «أرضعي سالمًا خمس رضعات، تحرمي عليه»، قالوا: وعائشة أعلم الأمة بحكم هذه المسألة هي، ونساء النبيّ - ﷺ -، وكانت عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - إذا أرادت أن يدخل عليها أحدٌ أمرت إحدى بنات إخوتها، أو أخواتها، فأرضعته خمس رضعات. قالوا: ونفي التحريم بالرضعة، والرضعتين صريحٌ في عدم تعليق التحريم بقليل الرضاع وكثيره، وهي ثلاثة أحاديث صحيحة صريحة، بعضها خرج جوابًا للسائل، وبعضها تأسيسُ حكم مبتدأ. قالوا: وإذا علقنا التحريم بالخمس، لم نكن قد خالفنا شيئًا من النصوص التي استدللتم بها، وإنما نكون قد قيّدنا مطلقها بالخمس، وتقييد المطلق بيان، لا نسخٌ، ولا تخصيص. وأما من علّق التحريم بالقليل والكثير، فإنه يُخالف أحاديث نفي التحريم بالرضعة والرضعتين، وأما صاحب الثلاث، فإنه وإن لم يُخالفها، فهو مخالف لأحاديث الخمس. قال من لم يُقيّده بالخمس: حديث الخمس لم تنقله عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - نقل الأخبار، فيحتجَّ به، وإنما نقلته نقل القرآن، والقرآن إنما يَثبُت بالتواتر، والأمة لم تنقل ذلك قرآنًا، فلا يكون قرآنًا، وإذا لم يكن قرآنًا، ولا خبرًا امتنع إثبات الحكم به. قال أصحاب الخمس: الكلام فيما نقل من القرآن آحادًا في فصلين: [أحدهما]: كونه من القرآن. [والثاني]: وجوب العمل به، ولا ريب أنهما حكمان متغايران، فإن الأول يوجب انعقاد الصلاة به، وتحريم مسّه على المحدث، وقراءته على الجنب، وغير ذلك من أحكام القرآن، فإذا انتفت هذه الأحكام لعدم التواتر، لم يلزم انتفاء العمل به، فإنه يكفي فيه الظنّ، وقد احتجّ كلّ واحد من الأئمة الأربعة به في موضع، فاحتجّ به الشافعيّ، وأحمد في هذا الموضع. واحتجّ به أبو حنيفة في وجوب التتابع في صيام الكفّارة بقراءة ابن مسعود: «فصيام ثلاثة أيام متتابعات». واحتجّ به مالك، والصحابة قبله في فرض الواحد من ولد الأمّ أنه السدس بقراءة أُبَيّ: «وإن كان رجلٌ يُورث كلالة، أو امرأة، وله أخ، أو أخت من أمّ، فلكلّ واحد منهما السدس»، فالناس كلهم احتجّوا بهذه القراءة، ولا مستند للإجماع سواها. قالوا: وأما قولكم: إما أن يكون نقله قرآنًا، أو خبرًا، قلنا: بل قرآنًا صريحًا، قولكم: فكان يجب نقله متواترًا، قلنا: حتى إذا نسخ لفظه، أو بقي، أما الأول، فممنوع، والثاني مسلَّم، وغاية ما في الأمر أنه قرآن نُسخ لفظه، وبقي حكمه، فيكون له حكم قوله: «الشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما» مما اكتُفِى بنقله آحادًا، وحكمه ثابت، وهذا مما لا جواب عنه. وفي المسألة مذهبان آخران ضعيفان: «أحدهما»: أن التحريم لا يثبت بأقلّ من سبع، كما سئل طاوس عن قول من يقول: لا يحرم من الرضاع، دون سبع رضعات، فقال: قد كان ذلك، ثم حدث بعد ذلك أمر جاء بالتحريم، المرّةُ الواحدة تحرّم، وهذا المذهب لا دليل عليه. [الثاني]: التحريم إنما يثبت بعشر رضعات، وهذا يُروى عن حفصة، وعائشة - رضي اللَّه تعالى عنهما -. وفيها مذهب آخر، وهو الفرق بين أزواج النبيّ - ﷺ -، وغيرهنّ قال طاوس: كان لأزواج النبيّ - ﷺ - رضعات محرّمات، ولسائر الناس رضعات معلومات، ثم تُرك ذلك بعد. وقد تبيّن الصحيح من هذه الأقوال. وباللَّه التوفيق انتهى كلام ابن القيّم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- . وقال الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى-: أجاب القائلون بتحريم قليل الرضاع وكثيره عن الأحاديث التي استدلّ بها القائلون بخمس رضعات بأجوبة: [منها]: أنها متضمّنة لكون الخمس الرضعات قرآنا، والقرآن شرطه التواتر، ولم يتواتر محلّ النزاع. وأجيب بأن كون التواتر شرطًا ممنوعٌ، والسند ما أسلفنا عن أئمّة القراءات، كالجزريّ وغيره في «باب الحجّة في الصلاة بقراءة ابن مسعود، وأُبيّ» من أبواب الصلاة، فإنه نقل هو وجماعة من أئمة القراءات الإجماع على ما يُخالف هذه الدعوى، ولم يُعارضه نقله ما يصلح لمعارضته، كما بيّنا ذلك هناك. وأيضًا اشتراط التواتر فيما نُسخ لفظه على رأي المشترطين ممنوعٌ. وأيضًا انتفاء قرآنيّته لا يستلزم انتفاء حجّيّته على فرض شرطيّة التواتر؛ لأن الحجّة ثبتت بالظنّ، ويجب عنده العمل، وقد عَمِلَ الأئمة بقراءة الآحاد في مسائل كثيرة، منها: قراءة ابن مسعود «فصيام ثلاثة أيام متتابعات»، وقراءة أُبيّ: «وله أخٌ أو أختٌ من أمّ»، ووقع الإجماع على ذلك، ولا مستند له غيرها. وأجابوا أيضًا بأن ذلك لو كان قرآنا لحُفِظ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. وأجيب بأن كونه غير محفوظ ممنوعٌ، بل قد حفظه اللَّه برواية عائشة له. وأيضًا المعتبر حفظ الحكم، ولو سُلّم انتفاء قرآنيّته على جميع التقادير لكان سنة؛ لكون الصحابيّ راويًا له عنه - ﷺ -؛ لوصفه له بالقرآنيّة، وهو يستلزم صدوره عن لسانه، وذلك كاف في الحجيّة؛ لما تقرّر في الأصول من أن المرويّ آحادًا إذا انتفى عنه وصف القرآنيّة لم ينتف وجوب العمل به، كما سلف. واحتجّوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وإطلاق الرضاع يُشعر بأنه يقع بالقليل والكثير، ومثلُ ذلك حديثُ: «يحرم من الرضاع ما يحرُم من النسب». ويُجاب بأنه مطلقٌ مقيّد بما سلف. واحتجّوا بما ثبت في «الصحيحين» عن عقبة بن الحارث - ﵁ - أنه تزوّج أم يحيى بنت أبي إهاب الآتي للنسائيّ في -٥٧/ ٣٣٣١ -، فإن النبيّ - ﷺ - لم يستفصله عن الكيفيّة، ولا سأل عن العدد حين أمره بفراقها. ويُجاب أيضًا بأن أحاديث الباب اشتملت على زيادة على ذلك المطلق المشعور به من ترك الاستفصال، فيتعيّن الأخذ بها، على أنه يمكن أن يكون ترك الاستفصال لسبق البيان منه - ﷺ - للقدر الذي يثبت به التحريم. [فإن قلت]: حديث: «لا يُحرّم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء» يدلّ على عدم اعتبار الخمس؛ لأن الفتق يحصل بدونها. [قلت]: أجيب عن ذلك بأن الحديث منقطع؛ لأنه من رواية فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة، ولم تسمع منها شيئًا. فالظاهر ما ذهب إليه القائلون باعتبار الخمس. وأما حديث: «لا تُحرّم الرضعة والرضعتان»، ونحوه من الأحاديث، فمفهومها يقتضي أن ما زاد عليها يوجب التحريم، كما أن مفهوم أحاديث الخمس أن ما دونها لا يقتضي التحريم، فيتعارض المفهومان، ويُرجع إلى الترجيح، ولكنه قد ثبت عند ابن ماجه بلفظ: «لا يُحرّم إلا عشر رضعات، أو خمس»، وهذا مفهوم حصر، وهو أولى من مفهوم العدد. وأيضًا قد ذهب بعض علماء البيان كالزمخشريّ إلى أن الإخبار بالجملة الفعليّة المضارعية يفيد الحصر، والإخبار عن الخمس الرضعات بلفظ يُحرّمن كذلك، ولو سلم استواء المفهومين، وعدم انتهاض أحدهما كان المتوجّه تساقهما، وحمل ذلك المطلق على الخمس، لا على ما دونها، إلا أن يدلّ عليه دليلٌ، ولا دليل يقتضي أن ما دون الخمس يحرم إلا مفهوم قوله: «لا تحرّم الرضعة والرضعتان»، والمفروض أنه قد سقط، نعم لا بدّ من تقييد الخمس الرضعات بكونها في زمن المجاعة؛ لحديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - الآتي آخر الباب: «فإن الرضاعة من المجاعة». وأما حديث ابن مسعود - ﵁ - عند أبي داود، مرفوعًا: «لا رضاع إلا ما أنشز العظم،
مصادر المؤلف (٤)

١. «شرح مسلم» ١٠/ ٢٧١ - ٢٧٢.

٢. راه مسلم رقم ١٤٥١، وسيأتي للمصنّف ٣٣٠٩.

٣. «الاستذكار»١٨/ ٢٥٩ - ٢٦٧.

٤. «زاد المعاد» ٥/ ٥٧٢ - ٥٧٤.