النَّارِ حَتَّى يَسْتَعِينَ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَاتِهِ أَوْ صِفَاتِهِ، وَهُوَ الْقَائِلُ لِلنَّارِ: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا﴾ فَمَنْ يَأْمُرُ نَارًا أَجَّجَهَا غَيْرُهُ أَنْ تَنْقَلِبَ عَنْ طَبْعِهَا وَهُوَ الْإِحْرَاقُ، فَتَنْقَلِبُ، كَيْفَ يَحْتَاجُ فِي نَارٍ يُؤَجِّجُهَا هُوَ إِلَى اسْتِعَانَةٍ. انْتَهَى.
وَيُفْهَمُ جَوَابُهُ مِنَ التَّفْصِيلِ الْوَاقِعِ ثَالِثَ أَحَادِيثِ الْبَابِ، حَيْثُ قَالَ فِيهِ: وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ: وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْجَنَّةَ يَقَعُ امْتِلَاؤُهَا بِمَنْ يُنْشِؤُهُمُ اللَّهُ لِأَجْلِ مَلْئِهَا، وَأَمَّا لنَّارُ فَلَا يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا بَلْ يَفْعَلُ فِيهَا شَيْئًا عَبَّرَ عَنْهُ بِمَا ذُكِرَ يَقْتَضِي لَهَا أَنْ يَنْضَمَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فَتَصِيرُ مَلْأَى وَلَا تَحْتَمِلُ مَزِيدًا، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الثَّوَابَ لَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَى الْعَمَلِ، بَلْ يُنْعِمُ اللَّهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ كَمَا فِي الْأَطْفَالِ.
قَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ الثَّانِي (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ) هُوَ الْوَاسِطِيُّ، وَأَبُو سُفْيَانَ الْحِمْيَرِيُّ أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيُّ بِالسِّنِّ وَلَمْ يَلْقَهُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ) لِأَبِي سُفْيَانَ فِيهِ سَنَدٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْجَزَائِرِيِّ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُطَوَّلًا.
وَقَوْلُهُ: (رَفَعَهُ وَأَكْثَرُ مَا كَانَ يُوقِفُهُ أَبُو سُفْيَانَ) الْقَائِلُ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الرَّاوِي عَنْهُ، وَقَالَ: يُوقِفُهُ مِنَ الرُّبَاعِيِّ وَهُوَ لُغَةٌ وَالْفَصِيحُ يَقِفُهُ مِنَ الثُّلَاثِيِّ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يَرْوِيهِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ مَوْقُوفًا وَيَرْفَعُهُ أَحْيَانًا، وَقَدْ رَفَعَهُ غَيْرُهُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الثَّالِثَةِ (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) وَقَعَ فِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي آخِرِهِ قَالَ مَعْمَرٌ وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِالْوَجْهَيْنِ.
قَوْلُهُ: (تَحَاجَّتْ) أَيْ تَخَاصَمَتْ.
قَوْلُهُ: (بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ) قِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى، وَقِيلَ: الْمُتَكَبِّرُ الْمُتَعَاظِمُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ، وَالْمُتَجَبِّرُ الْمَمْنُوعُ الَّذِي لَا يُوصَلُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: الَّذِي لَا يَكْتَرِثُ بِأَمْرٍ.
قَوْلُهُ: (ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطِهِمْ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيِ الْمُحْتَقَرُونَ بَيْنَهُمُ السَّاقِطُونَ مِنْ أَعْيُنِهِمْ، هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عِنْدَ الْأَكْثَرِ مِنَ النَّاسِ، وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ هُمْ عُظَمَاءٌ رُفَعَاءُ الدَّرَجَاتِ، لَكِنَّهُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ لِعَظَمَةِ اللَّهِ عِنْدَهُمْ وَخُضُوعِهِمْ لَهُ فِي غَايَةِ التَّوَاضُعِ لِلَّهِ وَالذِّلَّةِ فِي عِبَادِهِ، فَوَصْفُهُمْ بِالضَّعْفِ وَالسَّقَطِ بِهَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْحَصْرِ فِي قَوْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ الْأَغْلَبُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَإِنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ تَمْيِيزًا يُدْرِكَانِ بِهِ وَيَقْدِرَانِ عَلَى الْمُرَاجَعَةِ وَالِاحْتِجَاجِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِلِسَانِ الْحَالِ، وَسَيَأْتِي مَزِيدًا لِهَذَا فِي بَابِ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ مِنْ كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٢ - بَاب ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾
٤٨٥١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾.
٤٨٥٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَمَرَهُ أَنْ يُسَبِّحَ فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا يَعْنِي قَوْلَهُ ﴿وَأدْبَارَ السُّجُودِ﴾ "
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ فِي التَّرْجَمَةِ، وَفِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ، وَلِغَيْرِهِ (وَسَبِّحْ) بِالْوَاوِ فِيهِمَا وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلتِّلَاوَةِ فَهُوَ الصَّوَابُ، وَعِنْدَهُمْ أَيْضًا ﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِآيَةِ السُّورَةِ.
ثم أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ جَرِيرٍ إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ .. الْحَدِيثَ، وَفِي آخِرِهِ: ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي طه، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْمُنَاسِبُ لِهَذِهِ السُّورَةِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ لَا غُرُوبِهَا.
قُلْتُ: لَا سَبِيلَ إِلَى التَّصَرُّفِ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْحَدِيثَ هُنَا لِاتِّحَادِ دَلَالَةِ الْآيَتَيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ، وَكَذَا وَقَعَ هُنَا فِي نُسْخَةٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ بِلَفْظِ: ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ وَسَيَأْتِي شَرْحُ حَدِيثِ جَرِيرٍ فِي التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمَضَى مِنْهُ شَيْءٌ فِي فَضْلِ وَقْتِ الْعَصْرِ مِنَ الْمَوَاقِيتِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَرَهُ أَنْ يُسَبِّحَ) يَعْنِي أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ قَالَ: هُوَ التَّسْبِيحُ بَعْدَ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (فِي أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا) يَعْنِي قَوْلَهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ، كَذَا لَهُمْ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، رَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ أَدْبَارَ السُّجُودِ. وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، لَكِنْ رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيِّ قَالَ: قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾: هُمَا الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَلِيٍّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمَا مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ عُمَرَ مِثْلَهُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ كُرَيْبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ قَرَأَ أَدْبَارَ النُّجُومِ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ، أَيْ بِهِمَا.
٥١ - سُورَةُ والذَّارِيَاتِ
قَالَ عَلِيٌّ ﵇: الذَّارِيَاتُ: الرِّيَاحُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: تَذْرُوهُ تُفَرِّقُهُ. ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ فِي مَدْخَلٍ وَاحِدٍ وَيَخْرُجُ مِنْ مَوْضِعَيْنِ، فَرَاغَ: فَرَجَعَ، فَصَكَّتْ: فَجَمَعَتْ أَصَابِعَهَا، فَضَرَبَتْ بِهِ جَبْهَتَهَا، وَالرَّمِيمُ: نَبَاتُ الْأَرْضِ إِذَا يَبِسَ وَدَبَّسَ، لَمُوسِعُونَ: أَيْ لَذُو سِعَةٍ، وَكَذَلِكَ ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ يَعْنِي الْقَوِيَّ، زَوْجَيْنِ: الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، وَاخْتِلَافُ الْأَلْوَانِ: حُلْوٌ وَحَامِضٌ، فَهُمَا زَوْجَانِ، ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ مِنَ اللَّهِ إِلَيْهِ. ﴿إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ مَا خَلَقْتُ أَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أَهْلِ الْفَرِيقَيْنِ إِلَّا لِيُوَحِّدُونِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: خَلَقَهُمْ لِيَفْعَلُوا، فَفَعَلَ بَعْضٌ، وَتَرَكَ بَعْضٌ، وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الْقَدَرِ. وَالذَّنُوبُ: الدَّلْوُ الْعَظِيمُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ذَنُوبًا: سَبِيلًا. صَرَّةٍ: صَيْحَةٍ، الْعَقِيمُ: الَّتِي لَا تَلِدُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَالْحُبُكُ: اسْتِوَاؤُهَا وَحُسْنُهَا. ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾ فِي ضَلَالَتِهِمْ يَتَمَادُونَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: تَوَاصَوْا تَوَاطَئُوا. وَقَالَ غَيْرُهُ: مُسَوَّمَةً: مُعَلَّمَةً، مِنَ السِّيمَا. ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ﴾ لُعِنَ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ وَالذَّارِيَاتِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَت (سُورَةُ) وَ(الْبَسْمَلَةُ) لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَالْوَاوُ لِلْقَسَمِ،
وَالْفَاءَاتُ بَعْدَهَا عَاطِفَاتٌ مِنْ عَطْفِ الْمُتَغَايِرَاتِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّهَا مِنْ عَطْفِ الصِّفَاتِ، وَأَنَّ الْحَامِلَاتِ وَمَا بَعْدَهَا مِنْ صِفَاتِ الرِّيحِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ عَلِيٌّ: الرِّيَاحُ) كَذَا لَهُمْ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، وَقَالَ عَلِيٌّ: الذَّارِيَاتُ الرِّيَاحُ، وَهُوَ عِنْدَ الْفِرْيَابِيِّ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ عَلِيٍّ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِهِ أَتَمَّ مِنْ هَذَا عَنِ ابْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ سَمِعْتُ أَبَا الطُّفَيْلِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْكَوَّاءِ يَسْأَلُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَنِ الذَّارِيَاتِ ذَرْوًا قَالَ: الرِّيَاحُ، وَعَنِ الْحَامِلَاتِ وِقْرًا، قَالَ: السَّحَابُ، وَعَنِ الْجَارِيَاتِ يُسْرًا، قَالَ: السُّفُنُ، وَعَنِ الْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا قَالَ: الْمَلَائِكَةُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ. وَابْنِ الْكَوَّاءِ بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ مَشْهُورٌ عَنْ عَلِيٍّ، وَأَخْرَجَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَقَدْ أَطْنَبَ الطَّبَرِيُّ فِي تَخْرِيجِ طُرُقِهِ إِلَى عَلِيٍّ، وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: شَهِدْتُ عَلِيًّا وَهُوَ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: سَلُونِي، فَوَاللَّهِ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا حَدَّثْتُكُمْ بِهِ، وَسَلُونِي عَنْ كِتَابِ اللَّهِ، فَوَاللَّهِ مَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ أَبِلَيْلٍ أُنْزِلَتْ أَمْ بِنَهَارٍ أَمْ فِي سَهْلٍ أَمْ فِي جَبَلٍ. فَقَالَ ابْنُ الْكَوَّاءِ: وَأَنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَلِيٍّ وَهُوَ خَلْفِي، فَقَالَ: مَا الذَّارِيَاتُ ذَرْوًا؟ فَذَكَرَ مِثْلَهُ. وَقَالَ فِيهِ: وَيْلَكَ سَلْ تَفَقُّهًا وَلَا تَسْأَلْ تَعَنُّتًا وَفِيهِ سُؤَالُهُ عَنْ أَشْيَاءَ غَيْرِ هَذَا، وَلَهُ شَاهِدٌ مَرْفُوعٌ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ عَنْ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: تَذْرُوهُ تُفَرِّقُهُ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ فِي قَوْلِهِ: ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ أَيْ تُفَرِّقُهُ، ذَرَوْتُهُ وَأَذْرَيْتُهُ. وَقَالَ فِي تَفْسِيرِ الذَّارِيَاتِ: الرِّيَاحُ، وَنَاسٌ يَقُولُونَ الْمُذَرَّيَاتُ ذَرَتْ وَأَذْرَتْ.
قَوْلُهُ: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ فِي مَدْخَلٍ وَاحِدٍ، وَيَخْرُجُ مِنْ مَوْضِعَيْنِ) أَيِ الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ، وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ. قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾ يَعْنِي أَيْضًا آيَاتٍ، إِنَّ أَحَدَكُمْ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مِنْ مَدْخَلٍ وَاحِدٍ وَيُخْرِجُ مِنْ مَوْضِعَيْنِ، ثُمَّ عَنَّفَهُمْ فَقَالَ: ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾ قَالَ: فِيمَا يَدْخُلُ مِنْ طَعَامِكُمْ وَمَا يَخْرُجُ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُرَيْفِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَ: سَبِيلُ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ.
قَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ أَيْ لُعِنُوا، كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ قَالَ: لُعِنَ الْكَذَّابُونَ. وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ قَالَ: الْكَذَّابُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَرَاغَ﴾ فَرَجَعَ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، وَزَادَ: وَالرَّوْغُ وَإِنْ جَاءَ بِهَذَا الْمَعْنَى فَإِنَّهُ لَا يُنْطَقُ بِهِ حَتَّى يَكُونَ صَاحِبُهُ لِذَهَابِهِ وَمَجِيئِهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: (فَرَاغَ) أَيْ: عَدَلَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَصَكَّتْ﴾ فَجَمَعَتْ أَصَابِعَهَا فَضَرَبَتْ بِهِ جَبْهَتَهَا) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ جَمَعَتْ بِغَيْرِ فَاءٍ وَهُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ بِلَفْظِهِ. وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ قَالَ: ضَرَبَتْ بِيَدِهَا عَلَى جَبْهَتِهَا وَقَالَتْ يَا وَيْلَتَاهُ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: ضَرَبَتْ وَجْهَهَا عَجَبًا. وَمِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ: وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى جَبْهَتِهَا تَعَجُّبًا.
قَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ مَنْ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ قَوْمِهِ) هُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَثَبَتَ هَذَا هُنَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَالرَّمِيمُ نَبَاتُ الْأَرْضِ إِذَا يَبِسَ وَدِيسَ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، وَدِيسَ بِكَسْرِ الدَّالِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ مِنَ الدَّوْسِ وَهُوَ وَطْءُ الشَّيْءِ بِالْقَدَمِ حَتَّى يُفَتَّتَ، وَمِنْهُ دِيَاسُ الْأَرْضِ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: الرَّمِيمُ الشَّجَرُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الرَّمِيمُ الْهَالِكُ.
قَوْلُهُ: ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ أَيْ لَذُو سَعَةٍ، وَكَذَلِكَ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ) يَعْنِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ أَيْ مَنْ يَكُونُ ذَا سَعَةٍ،
قَالَ الْفَرَّاءُ: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ أَيْ لَذُو سَعَةٍ لِخَلْقِنَا، وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ يَعْنِي الْقَوِيَّ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ قَالَ: أَنْ نَخْلُقَ سَمَاءً مِثْلَهَا.
قَوْلُهُ: ﴿زَوْجَيْنِ﴾ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَاخْتِلَافُ الْأَلْوَانِ حُلْوٌ وَحَامِضٌ فَهُمَا زَوْجَانِ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ أَيْضًا، وَلَفْظُهُ: الزَّوْجَانِ مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، وَمِنْ سِوَى ذَلِكَ اخْتِلَافُ أَلْوَانِ النَّبَاتِ وَطُعُومِ الثِّمَارِ بَعْضٌ حُلْوٌ وَبَعْضٌ حَامِضٌ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ مَعْنَاهُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ قَالَ: الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ، وَالشَّقَاوَةُ وَالسَّعَادَةُ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالَةُ، وَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَالسَّمَاءُ وَالْأَرْضُ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ مِنَ اللَّهِ إِلَيْهِ) أَيْ مِنْ مَعْصِيَتِهِ إِلَى طَاعَتِهِ أَوْ مِنْ عَذَابِهِ إِلَى رَحْمَتِهِ، هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: ﴿إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ مَا خَلَقْتُ أَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أَهْلِ الْفَرِيقَيْنِ إِلَّا لِيُوَحِّدُونِ، هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ، وَنَصَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي مُشْكِلِ الْقُرْآنِ لَهُ. وَسَبَبُ الْحَمْلِ عَلَى التَّخْصِيصِ وُجُودُ مَنْ لَا يَعْبُدُهُ، فَلَوْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ لَوَقَعَ التَّنَافِي بَيْنَ الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: خَلَقَهُمْ لِيَفْعَلُوا، فَفَعَلَ بَعْضٌ وَتَرَكَ بَعْضٌ، وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الْقَدَرِ) هُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ أَيْضًا، وَحَاصِلُ التَّأْوِيلَيْنِ أَنَّ الْأَوَّلَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ مُرَادٌ بِهِ الْخُصُوصَ، وَأَنَّ الْمُرَادَ أَهْلُ السَّعَادَةِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَالثَّانِي بَاقٍ عَلَى عُمُومِهِ، لَكِنْ بِمَعْنَى الِاسْتِعْدَادِ، أَيْ خَلَقَهُمْ مُعَدِّينَ لِذَلِكَ، لَكِنْ مِنْهُمْ مَنْ أَطَاعَ وَمِنْهُمْ مَنْ عَصَى، وَهُوَ كَقَوْلِهِمُ: الْإِبِلُ مَخْلُوقَةٌ لِلْحَرْثِ، أَيْ قَابِلَةٌ لِذَلِكَ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهَا مَا لَا يَحْرُثُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الْقَدَرِ فَيُرِيدُ الْمُعْتَزِلَةَ، لِأَنَّ مُحَصَّلَ الْجَوَابِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَلْقِ خَلْقُ التَّكْلِيفِ لَا خَلْقُ الْجِبِلَّةِ، فَمَنْ وَفَّقَهُ عَمِلَ لِمَا خُلِقَ لَهُ وَمَنْ خَذَلَهُ خَالَفَ، وَالْمُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى أَنَّ إِرَادَةَ اللَّهِ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ، وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ مُعَلَّلًا بِشَيْءٍ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مُرَادًا وَأَنْ لَا يَكُونَ غَيْرُهُ مُرَادًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الْقَدَرِ أَنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ بِهَا عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ مَعْلُولَةً، فَقَالَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ وُقُوعِ التَّعْلِيلِ فِي مَوْضِعِ وُجُوبِ التَّعْلِيلِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِجَوَازِ التَّعْلِيلِ لَا بِوُجُوبِهِ، أَوْ لِأَنَّهُمُ احْتَجُّوا بِهَا عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لَهُمْ لِإِسْنَادِ الْعِبَادَةِ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ الْإِسْنَادَ مِنْ جِهَةِ الْكَسْبِ، وَفِي الْآيَةِ تَأْوِيلَاتٌ أُخْرَى يَطُولُ ذِكْرُهَا. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: خَلَقَهُمْ لِلْعِبَادَةِ، فَمِنَ الْعِبَادَةِ مَا يَنْفَعُ وَمِنْهَا مَا لَا يَنْفَعُ.
قَوْلُهُ: (وَالذَّنُوبُ: الدَّلْوُ الْعَظِيمُ) هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ لَكِنْ قَالَ: الْعَظِيمَةُ وَزَادَ: وَلَكِنَّ الْعَرَبَ تَذْهَبُ بِهَا إِلَى الْحَظِّ وَالنَّصِيبِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الذَّنُوبُ: النَّصِيبُ، وَأَصْلُهُ مِنَ الدَّلْوِ، وَالذَّنُوبُ وَالسَّجْلُ وَاحِدٌ، وَالسَّجْلُ أَقَلُّ مِلْأً مِنَ الدَّلْوِ
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ذَنُوبًا سَبِيلًا) وَقَعَ هَذَا مُؤَخَّرًا عَنِ الَّذِي بَعْدَهُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَالَّذِي عِنْدَهُ أَوْلَى، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ قَالَ: سَجْلًا مِنَ الْعَذَابِ مِثْلَ عَذَابِ أَصْحَابِهِمْ، وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا﴾ قَالَ: سَبِيلًا. قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَجْلًا، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ. وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ مِثْلُهُ، وَأَنْشَدَ عَلَيْهِ شَاهِدًا.
قَوْلُهُ: ﴿صَرَّةٍ﴾ صَيْحَةٌ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: (صَرَّةٌ) شِدَّةُ صَوْتٍ، يُقَالُ: أَقْبَلَ فُلَانٌ يَصْطَرُّ، أَيْ يُصَوِّتُ صَوْتًا شَدِيدًا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أَقْبَلَتْ تَرِنُّ.
قَوْلُهُ: (الْعَقِيمُ الَّتِي لَا
تَلِدُ) زَادَ أَبُو ذَرٍّ وَلَا تُلَقَّحُ شَيْئًا أَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ: الْعَقِيمُ الَّتِي لَا تَلِدُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: الْعَقِيمُ الَّتِي لَا تُنْبِتُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ خُصَيْفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الرِّيحُ الْعَقِيمُ الَّتِي لَا تُلْقِحُ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَالْحُبُكُ اسْتِوَاؤُهَا وَحُسْنُهَا) تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ. وَأَخْرَجَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ لِأَنَّ سَمَاعَ الثَّوْرِيِّ مِنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ كَانَ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ قَالَ: ذَاتُ الْخَلْقِ الْحَسَنِ. وَلِلطَّبَرِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَوْفٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: حُبِكَتْ بِالنُّجُومِ. وَمِنْ طَرِيقِ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ: سُئِلَ عِكْرِمَةُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ قَالَ: ذَاتُ الْخَلْقِ الْحَسَنِ، أَلَمْ تَرَ إِلَى النَّسَّاجِ إِذَا نَسَجَ الثَّوْبُ، قَالَ: مَا أَحْسَنَ مَا حَبَكَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾ فِي ضَلَالَتِهِمْ يَتَمَادُونَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ فِي غَمْرَتِهِمْ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِوُقُوعِهِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَهُوَ فِي سُورَةِ الْحِجْرِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ فِي ضَلَالَتِهِمْ يُؤَيِّدُ الثَّانِي، وَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ كَذَلِكَ هُنَا لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْكَلِمَةِ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ قَالَ: فِي ضَلَالَتِهِمْ يَتَمَادُونَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ فِي صَلَاتِهِمْ أَوْ ضَلَالَتِهِمْ بِالشَّكِّ، وَالْأَوَّلُ تَصْحِيفٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: تَوَاصَوْا بِهِ تَوَاطَئُوا) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ تَوَاطَئُوا عَلَيْهِ وَأَخَذَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَإِذَا كَانَتْ شِيمَةٌ غَالِبَةٌ عَلَى قَوْمٍ قِيلَ: كَأَنَّمَا تَوَاصَوْا بِهِ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: هَلْ أَوْصَى الْأَوَّلُ الْآخِرَ مِنْهُمْ بِالتَّكْذِيبِ؟ قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مُسَوَّمَةً﴾ مُعَلَّمَةً مِنَ السِّيمَا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَوَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُسَوَّمَةً﴾ قَالَ: مُعَلَّمَةً. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مُسَوَّمَةً﴾ قَالَ: مَخْتُومَةً بِلَوْنٍ أَبْيَضَ وَفِيهِ نُقْطَةٌ سَوْدَاءُ وَبِالْعَكْسِ.
قَوْلُهُ: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ﴾ لُعِنَ) سَقَطَ هَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قُتِلَ بِلُعِنَ فِي أَوَائِلِ السُّورَةِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ قَالَ: هِيَ مِثْلُ الَّتِي فِي عَبَسَ: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ﴾
(تَنْبِيهٌ): لَمْ يَذْكُرِ الْبُخَارِيُّ فِي هَذِهِ السُّورَةِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، وَيَدْخُلُ فِيهَا عَلَى شَرْطِهِ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنِّي أَنَا الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
٥٢ - سُورَةُ وَالطُّورِ
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿مَسْطُورٍ﴾ مَكْتُوبٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الطُّورُ: الْجَبَلُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ. ﴿رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ صَحِيفَةٍ. ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ سَمَاءٌ. ﴿الْمَسْجُورِ﴾ الْمُوقَدِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: تُسْجَرُ حَتَّى يَذْهَبَ مَاؤُهَا فَلَا يَبْقَى فِيهَا قَطْرَةٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَلَتْنَاهُمْ﴾ نَقَصْنَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿تَمُورُ﴾ تَدُورُ. ﴿أَحْلامُهُمْ﴾ الْعُقُولُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْبَرُّ﴾ اللَّطِيفُ. ﴿كِسْفًا﴾ قِطْعًا. الْمَنُونُ: الْمَوْتُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿يَتَنَازَعُونَ﴾ يَتَعَاطَوْنَ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ الطُّورِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَاقْتَصَرَ الْبَاقُونَ عَلَى ﴿وَالطُّورِ﴾، وَالْوَاوُ لِلْقَسَمِ
وَمَا بَعْدَهَا عَاطِفَاتٌ أَوْ لِلْقَسَمِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿مَسْطُورٍ﴾ مَكْتُوبٍ) سَقَطَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَثَبَتَ لَهُمْ فِي التَّوْحِيدِ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الطُّورُ الْجَبَلُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا؛ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: قَوْلُهُ: ﴿وَالطُّورِ﴾ قَالَ: جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ الطُّورُ. وَعَمَّنْ سَمِعَ عِكْرِمَةَ مِثْلُهُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الطُّورُ الْجَبَلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَفِي الْمُحْكَمِ: الطُّورُ: الْجَبَلُ، وَقَدْ غَلَبَ عَلَى طُورِ سَيْنَاءَ جَبَلٌ بِالشَّامِ، وَهُوَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ طُورَى بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهِ طُورِيٌّ وَطُورَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: ﴿رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ صَحِيفَةٍ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ قَالَ: صُحُفٌ وَرَقٌّ.
قَوْلُهُ: ﴿مَنْشُورٍ﴾ قَالَ: صَحِيفَةٍ.
قَوْلُهُ: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ سَمَاءٌ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَتَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَسْجُورُ: الْمُوقَدُ) فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ، وَالنَّسَفِيِّ الْمُوقَرُ بِالرَّاءِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ، وَقَدْ وَصَلَهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَقَالَ: الْمُوقَدُ بِالدَّالِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ لِرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ: أَيْنَ جَهَنَّمُ؟ قَالَ: الْبَحْرُ. قَالَ: مَا أَرَاهُ إِلَّا صَادِقًا. ثُمَّ تَلَا: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ - ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ: الْمُوقَدِ، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ أُوقِدَتْ. وَمِنْ طَرِيقِ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ: الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ: التَّنُّورِ الْمَسْجُورِ، قَالَ: وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمَسْجُورُ الْمَمْلُوءُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ، وَرَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْحَسَنُ: تُسْجَرُ حَتَّى يَذْهَبَ مَاؤُهَا فَلَا يَبْقَى فِيهَا قَطْرَةٌ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ فَذَكَرَهُ، فَبَيَّنَ الْحَسَنُ أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَمَّا الْيَوْمُ فَالْمُرَادُ بِالْمَسْجُورِ الْمُمْتَلِئُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ حَالُهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَلَتْنَاهُمْ نَقَصْنَاهُمْ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحُجُرَاتِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِثْلَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَعَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: مَا ظَلَمْنَاهُمْ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ تَمُورُ تَدُورُ) وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ قَالَ: مَوْرُهَا تَحَرُّكُهَا. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ قَالَ: تَدُورُ دَوْرًا.
قَوْلُهُ: (أَحْلَامُهُمْ: الْعُقُولُ) هُوَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْأَحْلَامُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْعُقُولُ وَالْأَلْبَابُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْبَرُّ﴾ اللَّطِيفُ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا وَثَبَتَ لَهُمْ فِي التَّوْحِيدِ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: ﴿كِسْفًا﴾ قِطَعًا) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ مِثْلُهُ، وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: عَذَابًا. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ﴿كِسْفًا﴾ الْكِسَفُ جَمْعُ كِسْفَةٍ، مِثْلُ السِّدْرِ جَمْعُ سِدْرَةٍ. وَهَذَا يُضَعِّفُ قَوْلَ مَنْ رَوَاهُ بِالتَّحْرِيكِ فِيهِمَا، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ، وَأَنْكَرَهَا بَعْضُهُمْ وَأَثْبَتَهَا أَبُو الْبَقَاءِ الْعُكْبَرِيُّ وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿الْمَنُونِ﴾ الْمَوْتُ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ قَالَ: الْمَوْتُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْمَنُونُ حَوَادِثُ الدَّهْرِ. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا اجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: احْبِسُوهُ فِي وَثَاقٍ، ثُمَّ تَرَبَّصُوا بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ حَتَّى يَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الشُّعَرَاءِ، فَإِنَّمَا هُوَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ. فَأَنْزَلَ
⚠ Перевод выполнен ИИ — сверяйтесь с оригиналом Огонь не нуждается в помощи чем-либо из своей сущности или свойств, и это тот, кто говорит огню: «Будь прохладой и безопасностью» (كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا). Кто приказывает огню, тот разжигает его, а не наоборот, чтобы оно изменило свою природу, которой является сжигание. Как же может нуждаться в помощи тот, кто разжигает огонь? Заканчивается.
Ответ на это понимается из подробного разбора, приведённого в третьем из трёх хадисов этой главы, где сказано: «И у каждого из вас есть его наполнение». Что касается огня, то в хадисе упомянуто: «И Аллах не обижает никого из Своих созданий». В этом содержится указание на то, что рай наполняется теми, кого создаёт Аллах для его наполнения, а огонь не создаёт для себя созданий, а действует в нём нечто, что выражено вышеупомянутым, что требует, чтобы части огня соединялись друг с другом, становясь полными и не способными вместить больше. В этом также содержится доказательство того, что награда не зависит исключительно от деяния, а Аллах дарует рай даже тем, кто никогда не совершал добра, как это бывает с детьми.
Слова в начале второго хадиса «Передал нам Мухаммад ибн Муса аль-Каттан» — это аль-Васити, а Абу Суфьян аль-Химьяри был современником аль-Бухари по возрасту, но тот его не встретил.
Слова «Передал нам Ауф» — это другой иснад к Абу Суфьяну, который привёл Муслим от риваята Абдуллаха ибн Умара аль-Джазайри, от Ма'мара, от Айюба, от Ибн Сирина, от Абу Хурайры подробно.
Слова «Передал его и чаще всего Абу Суфьян оставлял» — это Мухаммад ибн Муса, передающий от него. Он сказал, что «оставлять» (мавкуф) — это термин из арабского языка, а «фасиах» (свободный от ошибок) оставляет от трёхчастных (иснадов), и смысл в том, что он чаще всего передавал его мавкуфом, а иногда рафъ (поднятым), и другие тоже рафъ передавали.
В третьем пути передачи сказано: «Передал нам Ма'мар, от Хаммама, от Абу Хурайры». Это встречается в сборнике Абдурраззака в конце, где Ма'мар сказал: «И сообщил мне Айюб, от Мухаммада ибн Сирина, от Абу Хурайры, от Пророка ﷺ то же самое», и Муслим привёл его двумя способами.
Слово «تحاجّت» означает «спорили».
Слова «с гордыми и надменными» — сказано, что это либо синонимы, либо «гордый» — тот, кто преувеличивает себя без основания, а «надменный» — тот, кто недоступен и не поддаётся, либо тот, кто не заботится о деле.
Слова «слабые люди и низшие» с двумя фатхами означают униженных и презираемых среди них, тех, кто упал в их глазах. Это относительно большинства людей, а относительно Аллаха они великие и высокие по степеням, но относительно себя из-за величия Аллаха и их полного смирения перед Ним, в высшей степени покорности и смирения перед рабами, их описание как слабых и низших в этом смысле правильно. Или же имеется в виду ограничение в словах о рае: «кроме большинства слабых людей».
Навави сказал: этот хадис следует понимать буквально, и Аллах создаёт в раю и огне различия, которые можно осознать и использовать для споров и доказательств. Возможно, это сказано в переносном смысле. Дополнительное объяснение будет в главе о словах: «Воистину, милость Аллаха близка к благодетельствующим» из книги Таухида, если пожелает Аллах.
2 — Глава «И восхваляй Господа твоего перед восходом солнца и перед его заходом»
4851 — Передал нам Исхак ибн Ибрахим, от Джарира, от Исмаила, от Кайса ибн Аби Хазима, от Джарира ибн Абдуллаха, который сказал: «Мы сидели ночью с Пророком ﷺ, он посмотрел на луну в ночь четырнадцатого числа и сказал: «Вы увидите вашего Господа, как видите эту луну, и вам не будет причинено несправедливости в её видении. Если сможете не пропускать молитву до восхода солнца и до его захода, то делайте это». Затем он прочитал: «И восхваляй Господа твоего перед восходом солнца и перед его заходом»».
4852 — Передал нам Адам, передал нам Варкаа от Ибн Аби Наджих от Муджахида, который сказал, что Ибн Аббас приказал восхвалять после всех молитв, то есть в словах «и после поклонов».
Слова: «Глава о словах «И восхваляй Господа твоего перед восходом солнца и перед его заходом»» — так у Абу Зарра в переводе и в контексте хадиса, и у других. Союз «и» в них соответствует чтению Корана, и это правильно. Также у них есть «и перед заходом», что соответствует аяту суры.
Затем приводится хадис Джарира «Вы увидите вашего Господа...» и в конце: «Затем он прочитал: «И восхваляй Господа твоего перед восходом солнца и перед его заходом»». Этот аят из суры Таха. Аль-Кирмани сказал, что он подходит к этой суре, и «перед заходом» — это не «его заходом».
Я сказал: нет возможности изменять слова хадиса, он приведён здесь для объединения значения двух аятов, и уже было сказано о молитве. Так же в другом варианте от Исмаила ибн Аби Халида сказано: «Затем он прочитал: «И восхваляй Господа твоего перед восходом солнца и перед его заходом»». Объяснение хадиса Джарира будет в книге Таухида, если пожелает Аллах. Далее говорится о достоинстве времени аср из времён молитв.
Слова: «От Муджахида сказал: Ибн Аббас приказал» — имеется в виду, что Аллах приказал Своему Пророку. Аль-Табари привёл это от Ибн Улайя, от Ибн Аби Наджих, от Муджахида, который сказал, что Ибн Аббас о словах «Так восхваляй Его после поклонов» сказал, что это восхваление после молитвы.
Слова: «После всех молитв» — имеется в виду слова «и после поклонов», так у них. Аль-Табари привёл с другой стороны от Ибн Аббаса, который сказал: «Пророк ﷺ сказал мне: «Две ракаты после магриба — после поклонов»». Иснад слабый, но Ибн Мунзир привёл от Абу Тамима аль-Джайшани, который сказал: «Сподвижники Пророка ﷺ о словах Аллаха: «и после поклонов» сказали, что это две ракаты после магриба». Аль-Табари привёл от Али, от Абу Хурайры и других подобное, Ибн Мунзир привёл от Омара то же, и Аль-Табари от Курейба ибн Язида, что он читал «после захода звёзд и после поклонов», то есть вместе.
51 — Сура «Вал-Зариат»
Али (да будет доволен им Аллах) сказал: «Вал-Зариат» — это ветры. Другие сказали: это то, что разносит и рассеивает. «И в самих себе, не видите ли?» — ешь и пей в одном входе, а выходит из двух мест. «Фараг» — это разжать пальцы, «фадж» — сжать их, «ар-рамим» — растение земли, когда оно высыхает и сжимается. «Ламусион» — значит обладающий широтой, так же «Аляль-Мусийр кадруху» — значит сильный. «Завжайн» — мужское и женское. Различие цветов — сладкое и кислое, значит два вида. «Фаффиру иляллах» — от Аллаха к Нему. «Илля ли я'будун» — я создал обитателей счастья из двух групп только для того, чтобы они поклонялись Единому. Некоторые сказали: создал их, чтобы они действовали, некоторые действовали, некоторые оставили, и в этом нет доказательства для сторон предопределения. «Аз-зануб» — большой ковш. Муджахид сказал: «Зануб» — путь. «Сарра» — крик. «Аль-аклим» — бесплодная. Ибн Аббас сказал: «Аль-хубук» — ровность и красота. «Ви гамратин» — в их заблуждении они продолжают. Другие сказали: они советовались и сговаривались. Другие: «Мусаввама» — отмеченная, от «сима». «Кутиль-Инсан» — проклят.
Слова: «Сура Вал-Зариат. Во имя Аллаха Милостивого, Милосердного» — у других, кроме Абу Зарра, опущены слова «сура» и «басмала», а «вау» — частица к присяге, а «фа» — частица присоединения из ряда противопоставлений.