HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٣١١

حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ. حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ؛ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ؛ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ حَدَّثَتْ؛ أَنَّهَا سَأَلَتْ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ عَنَ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ. فَقَالَ َرَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا رَأَتْ ذَلِكِ الْمَرْأَةُ فَلْتَغْتَسِلْ» فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: وَاسْتَحْيَيْتُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَتْ: وَهَلْ يَكُونُ هَذَا؟ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ «نَعَمْ. فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ. إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ. وَمَاءَ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ. فَمِنْ أَيِّهِمَا عَلَا، أَوْ سبق، يكون منه الشبه».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج1 ص172
ج ١ ص ٢٥٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين مسند أحمد, موطأ مالك
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٧ ص٤٩٠
طلحة، عن أنس، قال: جاءت أم سليم، وهي جدّة إسحاق إلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله، المرأة تَرَى ما يرى الرجل في المنام بأنّ زوجها جامعها، أتغتسل؟، فقال رسول الله - ﷺ -: «إذا وجدت الماء فلتغتسل». ورَوَى الأوزاعيّ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن جدّته أم سليم، قالت: دَخَلَتْ أمُّ سليم على أم سلمة، فدخل عليها رسول الله - ﷺ -، فقالت له أم سليم: أرأيت إذا رأت المرأة؟ قال أبي: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أم سليم مرسلٌ، وعكرمةُ بن عمار رواه عن إسحاق، عن أنس، أن أم سليم، وحديث الأوزاعيّ مرسلًا أشبهُ من الموصول. انتهى بتصرّف يسير. قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه أبو حاتم: أن هذا الإسناد رُوي متّصلًا بذكر أنسٍ - ﵁ - من طريق عكرمة بن عمّار، كما عند المصنّف - ﵀ - هنا، ورُوي مرسلًا بإسقاط أنس من طريق الأوزاعيّ، كما عند أحمد في «مسنده» (٦/ ٣٧٧)، وروايته المرسلة أشبه بالصواب من رواية عكرمة المتّصلة؛ لأن الأوزاعيّ إمام، وعكرمة متكلّم في حفظه، هذا خلاصة ما أشار إليه. لكن الحديث صحيح من الطرق الآتية وغيرها، فلا يضرّ إرسال هذا الإسناد، فتبصّر. وفوائد الحديث ستأتي قريبًا - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٧١٦] (٣١١) - (حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيد، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ حَدَّثَتْ، أَنها سَأَلَتْ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - عَنِ الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا يَرَى الرَّجُلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا رَأَتْ ذَلِكِ الْمَرْأَةُ، فَلْتَغْتَسِلْ»، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ، وَاسْتَحْيَيْتُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَتْ: وَهَلْ يَكُونُ هَذَا؟ فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -: «نَعَمْ، فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟ إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ، وَمَاءَ الْمَرْأَةِ رَقِيقٌ أَصْفَرُ، فَمِنْ أَيِّهِمَا عَلَا، أَوْ سَبَقَ يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ»). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (عَبَّاسُ بْنُ الْوَليدِ) بن نصر النَّرْسِيّ - بفتح النون، وسكون الراء، بعدها مهملة - أبو الفضل البصريّ، مولى باهلة، ثقةٌ [١٠]. رَوَى عن عبد الواحد بن زياد، ويزيد بن زُريع، ومعتمر بن سليمان، وأبي عوانة، والحمادين، ويحيى القطان، وغيرهم. ورَوَى عنه البخاريّ، ومسلم، وروى له النسائيّ بواسطة أبي بكر أحمد بن علي بن سعيد المروزيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ويعقوب بن سفيان، ويعقوب بن شيبة، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وابن أبي عاصم، وعبد الله بن أحمد، والحسن بن سفيان، وأبو يعلى، وغيرهم. قال ابن معين: رجلٌ صدوقٌ، وقال في روايةٍ: النَّرْسيّان ثقتان، وما يصلُح عبد الأعلى - يعني ابن حماد - إلا خادمًا لعباس، وهو كَيِّسٌ، وكان من وَلَد نَرْسِيّ بعضِ كُتّاب المعجم، فقالوا: ما نُحِبّ أن نُنْسَب إليه، وقال أبو حاتم: شيخٌ يُكتب حديثه، وكان علي بن المدينيّ يتكلَّم فيه، وقال ابن قانع، والدارقطنيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات». قال محمد بن عبد الله الحضرميّ: مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وقال غيره: سنة (٣٧). روى عنه البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وله عند البخاريّ ثلاثة أحاديث فقط. [تنبيه]: ضبط عبّاس بن الوليد هذا بالباء الموحدة، والسين المهملة، هو الصواب، وصَحّفه بعض الرواة لكتاب مسلم، فقال: عَيّاش، بالياء المثناة تحتُ، والشين المعجمة، وهو غلط صريحٌ؛ لأن عيّاشًا بالمعجمة، هو عياش بن الوليد الرَّقّام البصريّ، ولم يرو عنه مسلم شيئًا، ورَوَى عنه البخاريّ، وأما عباس فهو ابن الوليد البصريّ النَّرْسيّ، وروى عنه البخاريّ ومسلم جميعًا، وهذا مما لا خلاف فيه، وكان غلط هذا القائل وقع له من حيث إنهما مشتركان في الأب والنسب والعصر، قاله النوويّ - ﵀ - . وقال القاضي عياضٌ - ﵀ -: «عبّاس بن الوليد» كذا للعذريّ، والشنتجاليّ بباء واحدة، ومهملة، وعند السمرقنديّ: «عيّاش بن الوليد»، والأول الصواب، وكلاهما بصريّان، فأما الأول، فهو النرسيّ، خرّج عنه البخاريّ ومسلم، والثاني هو الرّقّام، تفرّد به البخاريّ. انتهى . ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) الْعَيْشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٣ - (سَعِيد) بن أبي عروبة مِهْرَان الْيَشكُريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٧. ٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس، رأس [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٥. ٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) - ﵁ - تقدم في السند الماضي. ٦ - (أُمَّ سُلَيْمٍ) - بنت مِلْحان، أخت أم حَرَام الأنصارية، لها صحبة، واسمها سَهْلَة، ويقَال: رُمَيلة، ويقال: رُمَيثة، ويقال: أُنيثة، ويقال: مُلَيكة، وهي والدة أنس بن مالك، وزوج أبي طلحة الأنصاريّ، يقال: إنها هي الْغُمَيصاء، أو الرُّميصاء، ثَبَت ذلك في «صحيح البخاريّ»، في حديث ابن المنكدر، عن جابر - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: «دخلت الجنةَ، فإذا أنا بالرُّميصاء، امرأة أبي طلحة …»، وفي «صحيح مسلم»، من حديث ثابت، عن أنسٍ - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -: «دخلت الجنة، فسمعت خَشَفَةً ، فقلت: مَن هذا؟ فقالوا: هذه الرُّميصاء»، وفي رواية: «الرُّميصاء بنت مِلْحان، أم أنس بن مالك». رَوَت عن النبيّ - ﷺ -، وعنها ابنها أنس بن مالك، وعبد الله بن عباس، وعمرو بن عاصم الأنصاريّ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال ابن عبد البر: كانت تحت مالك بن النضر في الجاهلية، فوَلَدت له أنسًا، فلما جاء الله تعالى بالإسلام أسلمت، وعَرَضَتْ على زوجها الإسلام، فغَضِب عليها، وخَرَج إلى الشام، فهلك، فتزوجت بعده أبا طلحة، خطبها وهو مشركٌ، فأبت عليه إلا أن يُسلم، فأسلم، فوَلدت له غلامًا، كان قد أُعْجِب به، فمات صغيرًا، وأَسِفَ عليه، وقيل: إنه أبو عُمير، صاحب النُّغَير، ثم وَلَدت له عبد الله بن أبي طلحة، فبورك فيه، وهو والد إسحاق بن أبي طلحة الفقيه، وإخوته وكانوا عشرةً، كلُّهم حُمِل عنه العلم. ورُوي عن أم سليم، قالت: لقد دعا لي رسول الله - ﷺ - حتى ما أريد زيادةً، ومناقبها كثيرةٌ شهيرةٌ. أخرج لها البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، ولها في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط ، هذا برقم (٣١١)، و(٢٣٣٢) حديث: «يا أم سُليم ما هذا؟ قالت عَرَقُك، أَدُوف به طيبي»، و(٢٤٨٠) حديث: «اللهم أكثر ماله وولده …» الحديث. لطائف الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -. ٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، غير شيخه، فتفرّد به هو والبخاريّ، والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، فكلهم بصريون غير أم سليم - ﵂ - فمدنيّة، وأنسٌ - ﵁ - مدنيّ، ثم بصريّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، وقد صرّح كلّ من سعيد بن أبي عروبة، وقتادة به، فزال عنهم تهمة التدليس. ٥ - (ومنها): أن فيه أنسًا - ﵁ - من المكثرين السبعة، وأن أم سُليم هذا أول محلّ ذكرها في هذا الكتاب، وقد عرفت آنفًا عِدّة ما لها فيه من الأحاديث، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عن أنس بن مالك - ﵁ - (أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ) هي أمه، وقد تقدّم الخلاف في اسمها (حَدَّثَتْ) هكذا بحذف المفعول، وهو جائز؛ لكونه فضلةً، كما قال في «الخلاصة»: وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ … كَحَذْفِ مَا سِيقَ جَوَابًا أَوْ حُصِرْ أي حدّثته، وهذا ظاهر أن أنسًا أخذه عنها، ولم يحضر القصّة. (أَنَّهَا سَأَلَتْ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - عَنِ الْمَرْأَةِ)، أي عن حكمها من وجوب الاغتسال وعدمه، ففي الرواية التالية: «فهل على المرأة من غُسل إذا احتَلَمت؟» (تَرَى فِي مَنَامِهَا)، وفي نسخة: «ترى في المنام»، أي في حال نومها (مَا يَرَى الرَّجُلُ؟)، أي في منامه، ففيه الحذف للاكتفاء، وقد صُرّح به في الرواية التالية، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا رَأَتْ ذَلِكِ)، أي المنيّ، وفي رواية النسائيّ:»إذا رأت الماء«(الْمَرْأَةُ، فَلْتَغْتَسِلْ»، فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ) هكذا هو في الأصول، والصواب أم سلمة، قال الحافظ أبو عليّ الغسانيّ الجيّاني - ﵀ - في «كتابه تقييد المهمل»: هكذا في أكثر النسخ عن الْجُلُوديّ والكسائيّ: «فقالت أم سُليم»، وكذلك عند ابن ماهان، إلا أنه غُيِّر في بعض النسخ: «فقالت أم سلمة»، جُعِل مكان أم سليم أم سلمة، والمحفوظ من طرُق شَتَّى: «فقالت أم سلمة». انتهى . وقال القاضي عياض بعد نقل كلام الجيّاني: وهذا هو الصواب؛ لأن السائلة هي أمُّ سليم، والرادّة عليها أمّ سلمة في هذا الحديث، وعائشة في الحديث المتقدم، ويحتمل أن عائشة وأم سلمة كلتاهما أنكرتا عليها، وإن كان أهل الحديث يقولون: الصحيح هنا أم سلمة، لا عائشة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه أهل الحديث من تصحيح كون الرادّ لأم سلمة - ﵂ - هو الظاهر، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا - إن شاء الله تعالى -. (وَاسْتَحْيَيْتُ) بضمّ التاء للمتكلّم (مِنْ ذَلِكَ)، أي من هذا الكلام الذي سألته أم سليم - ﵂ -؛ لكونه مما يُستحيى منه عادةً. [تنبيه]: جملة «واستحييت من ذلك» مقول «قالت»، ويحتمل أن يكون مقول القول جملة: «وهل يكون هذا؟»، وجملة «واستحييت» حاليّة معترضة بين القول ومقوله، ويكون «قالت» الثاني مؤكّدًا لوقوع الفصل بالجملة المعترضة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ الآية [البقرة: ٨٩]. (قَالَتْ) أي أم سلمة، كما هو المحفوظ (وَهَلْ يَكُونُ هَذَا؟)، أي رؤية المرأة في النوم الاحتلام، (فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -: (نَعَمْ)، أي ترى المرأة ذلك، ثم أوضح ثبوت ذلك لها بالدليل الواضح الذي يعترف به كلّ من سمعه، وهو قوله - ﷺ -: (فَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟) الفاء فصيحيّةٌ: أي إذا لم يكن لها منيّ، فمن أين يُشبهها ولدها، و«الشبه» بفتحتين، أو بفتح، فسكون: المشابهة، أي المماثلة بين الولد والمرأة التي ولدته تكون من المنيّ. وقال القرطبيّ - ﵀ -: يُروى بكسر الشين، وسكون الباء، وفتح الشين والباء، لغتان، كما يقال مِثْلٌ، ومَثَلٌ، ومعنى ذلك مفسّرٌ في عائشة، وثوبان - ﵄ -. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: أراد بحديث عائشة الحديث الآتي بعد حديث، وبحديث ثوبان الحديث الآتي في الباب التالي. والمعنى: أنه إذا لم يكن للمرأة ماء فبأيّ شيء يُشبهها ولدها؟ يعني أن شبهه بها إنما يكون؛ لكونه مخلوقًا من مائها، والله تعالى أعلم. ثم بيّن صفة منيّ الرجل والمرأة، فقال: (إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ)، أي منيّه (غَلِيظٌ أَبْيَضُ، وَمَاءَ الْمَرْأَةِ رَقِيق أَصْفَرُ)، أي إذا كان مزاجهما معتدلًا، وإلا فقد يتغيّر الوصفان، قال القرطبيّ - ﵀ -: ما ذكره من صفة الماءين إنما هو في غالب الأمر، واعتدال الحال، وإلا فقد تختلف أحوالهما للعوارض. انتهى . (فَمِنْ أَيِّهِمَا) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في الأصول: «فَمِن أَيِّهما» بكسر الميم، وبعدها نون ساكنةٌ، وهي الحرف المعروف، وإنما ضبطته، لئلا يُصَحَّفَ بِمَنِيٍّ. انتهى . وقال الطيبيّ - ﵀ -: «من» فيه زائدة. انتهى . (عَلَا)، أي فأيّ المنيين غلب فيما إذا وقعا في الرحم معًا (أَوْ سَبَقَ)، أي تقدّم وقوعه في الرحم قبل وقوع المنيّ الآخر، فـ «أو» هنا للتقسيم، لا للشكّ (يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ) ويحتمل أن «من» أصليّة، ويكون التقدير: فمن أي الشخصين: الرجلِ والمرأةِ علا، أي غلب المنيّ، أو سبق يكون منه الشبه. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «فمن أيهما علا إلخ»، أي فمن أجل علوّ، أو سبق أحدهما يكون الشبه، وَيَحْتَمِل أن يقال: إن «مِنْ» زائدة على قول بعض الكوفيين: إنها تُزاد في الواجب، بتقدير: «أيُّهما»، ويحتمل أن يكون «أو» شكًّا من أحد الرواة، ويحتمل أن يكون تنويعًا، أي: أيّ نوع كان منهما كان منه الشبه، كما قال الشاعر [من الطويل]: فَقَالُوا لَنَا ثِنْتَانِ لَا بُدَّ مِنْهُمَا … صُدُورُ رِمَاحٍ أُشْرِعَتْ أَوْ سَلَاسِلُ أي أحد النوعين لا بُدّ منه. وقوله: «سَبَقَ» أي بادر في الخروج، وقد جاء في غير كتاب مسلم: «سَبَقَ إلى الرحم»، وَيَحْتَمِل أن يكون بمعنى غَلَبَ، من قولهم: سابقني، فسبقته: أي غلبته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠]، أي مغلوبين، فيكون معناه: كَثُرَ. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: مقتضى هذا أن العلوّ يقتضي الشبه، وقد جعل العلوّ في حديث ثوبان - ﵁ - الآتي يقتضي الذكورة والأنوثة، فعلى مقتضى الحديثين يلزم اقتران الشبه للأعمام، والذكورة إن علا منيّ الرجل، وكذلك يلزم إذا علا منيّ المرأة اقتران الشبه للأخوال والأنوثة؛ لأنهما معلولا علّة واحدةٍ، وليس الأمر كذلك، بل الوجود بخلاف ذلك؛ لأنا نجد الشَّبَه للأخوال والذكورة، والشَّبَهَ للأعمام والأنوثة، فتعيّن تأويل أحد الحديثين، والذي يتعيّن تأويله العلوّ الذي في حديث ثوبان - ﵁ -، فيقال: إن ذلك العلوّ معناه: سبق الماء إلى الرحم والذكورة، ووجهه أن العلوّ لَمَّا كان معناه الغلبةَ، كما فسّرناه، وكان السابق غالبًا في ابتدائه بالخروج قيل عليه: علا، ويؤيّد هذا التأويل ما يأتي في حديث ثوبان - ﵁ - أنه قد روي في غير كتاب مسلم: «إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة أذكرا، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل آنثا». وقد بنى القاضي أبو بكر بن العربيّ على اختلاف هذه الأحاديث بناءً، فقال: إن للماءين أربعة أحوال: (الأول): أن يخرج ماء الرجل أوّلًا. (والثاني): أن يخرج ماء المرأة أوّلًا. (والثالث): أن يخرج ماء الرجل أولًا ويكون أكثر. (والرابع): أن يخرج ماء المرأة أوّلًا، ويكون أكثر. ويتمّ التقسيم بأن يخرج ماء الرجل أوّلًا، ثم يخرج ماء المرأة بعده، فيكون أكثر، أو بالعكس، وبالعكس، فإن خرج ماء الرجل أوّلًا، وكان أكثر جاء الولد ذكرًا بحكم السبق، وأشبه الولد أعمامه بحكم الكثرة، وإن خرج ماء المرأة أوَّلًا، وكان أكثر جاء الولد أنثى، بحكم السبق، وأشبه أخواله بحكم الغلبة، وإن خرج ماء الرجل أوّلًا، لكن لَمّا خرج ماء المرأة بعده كان أكثر، كان الولد ذكرًا بحكم السبق، وأشبه أخواله بحكم غلبة ماء المرأة، وإن سبق ماء المرأة، لكن لَمّا خرج ماء الرجل، وكان أعلى من ماء المرأة كان الولد أنثى بحكم سبق ماء المرأة، وأشبه أعمامه بحكم غلبة ماء الرجل، قال: وبانتظام هذه الأقسام يستتبّ الكلام، ويرتفع التعارض عن هذه الأحاديث. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حقّقه ابن العربيّ - ﵀ - حسنٌ جدًّا، إلا أنه يشكل عليه قوله في هذه الرواية: «فمن أيهما علا، أو سبَقَ يكون الشبه»، فقد جعل الشبه بالعلوّ، أو بالسبق. ويمكن الجواب عنه بأن يقال: إن الذكورة والأنوثة شبهٌ أيضًا باعتبار الجنسيّة، فتكون كثرته مُقتضيةً للشبه في الصورة، وسبقُهُ مقتضيةً للشبه في الجنسيّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أم سُلَيم - ﵂ - عنها هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا في «الحيض» [٧/ ٧١٦] (٣١١)، و(النسائيّ) في «الطهارة» (١/ ١١٢)، و(ابن ماجه) في «الطهارة» (٦٠١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (١/ ٨٠)، و(أحمد) في «مسنده» (١٢١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (١/ ١٩٩) و(٧/ ١٩٢)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١١٦٤) (١/ ١٦٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٨٢٩ و٨٣٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٧٠٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب الغسل على المرأة بالاحتلام، إذا خرج منها المنيّ. ٢ - (منها): إثبات أن المرأة يخرج منها المنيّ، كما يخرج من الرجل، وفيه ردّ على من أنكر بروز الماء من المرأة، وقال: إنما يُعرف إنزالها بانقضاء شهوتها. ٣ - (ومنها): سؤال المرأة الرجل الأجنبيّ بنفسها في أمر دينها، وإن كان مما يُستحيى منه. ٤ - (ومنها): ترك الاستحياء من عَرَضت له مسألة دينيّة. ٥ - (منها): أن فيه الردّ على من زعم أن الولد يكون من ماء المرأة فقط، وأما ماء الرجل فهو عاقد له، كالإِنْفَحَّة للّبن، فقد أثبت هذا النصّ أنه مخلوقٌ من الماءين، كما قال - ﷾ -: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ الآية [الإنسان: ٢]، قال ابن عبّاس - ﵄ - في تفسير هذه الآية: يعني ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا، ثم ينتقل من طور إلى طور، وحال إلى حال، ولون إلى لون، وهكذا قال عكرمة، ومجاهد، والحسن، والربيع بن أنس . ٦ - (ومنها): استعمال القياس؛ لأن معناه: من كان منه إنزال الماء عند الجماع أمكن منه إنزال الماء عند الاحتلام، فأثبت الإنزال عند الجماع بدليل الشبه، وقاس عليه الإنزال بالاحتلام. ٧ - (ومنها): جواز الضحك في التعجّب. ٨ - (ومنها): زجر من يلوم على من يسأل عما جَهِله، وإن كان مما يُستحيى منه. ٩ - (ومنها): ما قاله النوويّ - ﵀ -: هذا الحديث أصلٌ عظيمٌ في بيان صفة المنيّ، وهذه صفته في حال السلامة، وفي الغالب، قال العلماء: منيّ الرجل في حال الصحة أبيض ثَخِينٌ، يتدفَّق في خروجه دفقة بعد دفقة، ويَخرُج بشهوة، ويتلذذ بخروجه، وإذا خرج استعقب خروجُهُ فُتورًا، ورائحته كرائحة طَلْع النخل، ورائحة الطلع قريبة من رائحة العَجِين، وقيل: تشبه رائحته رائحة الفَصِيل، وقيل: إذا يبس كان رائحته كرائحة البول، فهذه صفاته، وقد يُفارقه بعضها مع بقاء ما يَستقلّ بكونه منيًّا، وذلك بأن يَمْرَض، فيصير منيّه رقيقًا أصفر، أو يَسترخِي وعاء المنيّ، فيسيل من غير التذاذ وشهوة، أو يَستكثر من الجماع، فيَحْمَرَّ ويصير كماء اللحم، وربما خرج دمًا عَبِيطًا ، وإذا خرج المنيّ أحمر، فهو طاهر موجب للغسل، كما لو كان أبيض. ثم إن خواص المني التي عليها الاعتماد في كونه منيًّا ثلاث: [أحدها]: الخروج بشهوة مع الفتور عقبه. [والثانية]: الرائحة التي تشبه رائحة الطلع كما سبق. [والثالث]: الخروج بدِفْق، ودَفَعَات، وكل واحدة من هذه الثلاث كافية في إثبات كونه منيًّا، ولا يشترط اجتماعها فيه، وإذا لم يوجد شيء منها لم يُحكَم بكونه منيًّا، وغَلَب على الظن كونه ليس منيًّا، هذا كله في منيّ الرجل. وأما منيّ المرأة: فهو أصفر رقيق وقد يبيضّ لفضل قوتها، وله خاصيتان، يُعرَف بواحدة منهما: [إحداهما]: أن رائحته كرائحة منيّ الرجل. [والثانية]: التلذذ بخروجه، وفتور شهوتها عقب خروجه، قالوا: ويجب الغسل بخروج المنيّ بأيّ صفة، وحال كان. انتهى كلام النوويّ، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم. ١ - (ومنها): أن فيه إثبات الوراثة، وشبه الولد لأبيه أو أمه، قال بعضهم: وما زال العلم - رغم تقدّمه - عاجزًا عن التحكّم في علوّ ماء الرجل، أو سبقه، وعلوّ ماء المرأة، أو سبقه، بل عاجزًا عن إدراك كيفيّة هذا العلوّ وأسبابه. يقول علماء الطبّ الحديث: إن ثلاثة سنتميترات مكعّبة من منيّ الرجل تحوي مائتين وخمسين مليونًا من الحيوان المنويّ، كلّ حيوان منها يمكن أن يكون جنينًا، ويحمل ثلاثة وعشرين من العوامل الوراثيّة، ولكلّ عامل من هذه العوامل مكونات داخليّة، تبلغ المائة، وتسمّى بالمورثات. أما الأنثى، فإن مبيضها يقذف ببويضة واحدة كلّ شهر، تحمل هذه البويضة ثلاثة وعشرين من العوامل الوراثيّة للمرأة أيضًا. ويتكوّن الجنين باختراق حيوان منويّ واحد جدار البويضة، واستقراره فيها، وهنا تلتقي العوامل الوراثية للذكر بالعوامل الوراثيّة للأنثى، فتعلو وتغلب إحداهما الأخرى. ولا يتنافى هذا التشريع الطبيّ مع أحاديثنا التي تُثبت للمرأة ماءً، ولا مع تفسير المفسّرين لقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٥ - ٧] حيث قالوا: من بين صلب الرجل، ومن بين ترائب المرأة، فإن منيّ الرجل الذي يتم تكوينه في الخصية مرّ بالصلب كمرحلة من مراحله، وإن بويضة المرأة التي تتكون في المهبل هي في أصلها ماء يخرج من بين ترائب المرأة، كمرحلة من مراحله. إن الطب لا ينكر أن المرأة تحتلم كما يحتلم الرجل، ولا يُنكر أن المرأة تفرز عند شهوتها ماء رقيقًا أصفر، وإن قال: إن اللقاح يتم عن طريق البويضة. لقد كان الهنود قبل المسيحيّة يعتقدون أن الأب هو عامل التكوين في إيجاد الطفل؛ إذ يضع البذرة في بطن المرأة، وأن المرأة ليست أكثر من حقل لإنماء هذه البذرة، وأخذ عنهم المصريون القدامى هذه الفكرة، وتأثر بهم كذلك اليونان والرومان، وكان هذا هو الشائع حين سأل اليهود رسول الله - ﷺ -، ولهذا قال: «لا يعلمه إلا نبيّ، أو رجلٌ أو رجلان»، وكان جوابه - ﷺ - دليلًا على صدقه، بل إن أوربا لم تكتشف مشاركة ماء المرأة ماء الرجل في تكوين الجنين إلا عام (١٦٦٧ م) حين اكتشف عالم التشريح الفلورنسي «ستينو» البويضة عند المرأة، ثم تابع العلم اكتشافات وراثة الطفل لأبويه في الصفات، ولكنه كعادته حين يعجز عن إدراك الطريقة والسبب يعزو الأمر إلى الصدفة. يقول الدكتور فاخر عاقل رئيس قسم علم النفس بجامعة دمشق: أما الثلاثة والعشرون صبغيًا - أي عاملًا وراثيًّا - الموجودة في النطفة، والتي ستلتقي بالثلاثة والعشرين صبغيًا الأخرى الموجودة في البويضة، والتي ستكون المخلوق الجديد، فأمرها متروك للصدفة مرّة أخرى، وهكذا تكون قوانين الوراثة قوانين متصلة بالصدفة في تجمع الصبغيات في كل بويضة أو نطفة. اهـ. ولكن الإسلام يقول: إن علوّ عوامل الوراثة في ماء الرجل وغلبتها لمثيلاتها عند المرأة مرتبط بعلم الله تعالى، ومشيئته جلّت قدرته: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨] و﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠]. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في مذاهب أهل العلم في حكم الاحتلام: قال أبو بكر بن المنذر - ﵀ -: دلَّت الأخبار عن النبيّ - ﷺ - بإيجاب الاغتسال على من احتلم. وممن رُوي عنه أنه قال: «على المرأة الغسل بالاحتلام» عليّ، وذرّ الهمدانيّ، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأصحابه، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، ولا أعلم أني حفظت في ذلك اختلافًا إلا شيئًا، رُوي عن النخعيّ، رَوَينا عنه أنه قال - وقد سئل عن المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل، أتغتسل؟ - فقال: إنما الحيض على النساء، والحلُمُ على الرجال، قال ابن المنذر: وبالخبر عن النبيّ - ﷺ - أقول. وقال أيضًا: أجمع كلُّ من أَحفَظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا رأى في نومه أنه احتلم، أو جامع، ولم يجد بَلَلًا أنه لا غسل عليه. واختَلَفوا فيمن رأى بِلّةً، ولم يذكر احتلامًا، فقالت طائفة: يغتسل، رُوي هذا القول عن ابن عباس، وعطاء، والشعبيّ، وابن جبير، والنخعيّ، وقال أحمد: أَعْجَب إليّ أن يغتسل إلا رجل به أَبْرِدةٌ، وقال إسحاق: يغتسل إذا كانت بِلّةَ نُطفَة. ورَوَينا عن الحسن أنه قال: إن كان انتشر إلى أهله من أول الليل، فوجد بِلّةً فهو من ذلك، فلا يغتسل، وإن لم يكن انتشر إلى أهله، فوجد بِلّةً، فليغتسل، وقول الحسن هذا قول ثان. وقالت طائفة: لا يغتسل حتى يُوقِن بالماء الدافق، هكذا قال مجاهد، وقال الحكم: لا يغتسل، وقال قتادة: إذا كان ماء دافقًا اغتسل، فقلت لقتادة: كيف يَعلَم ذلك؟ قال: يشمه. وقال مالك: إذا وجد بِلّةً لا يغتسل، إلا أن يجد الماء الدافق، وقال الشافعيّ: إذا شك أنزل أو لم ينزل، لم يجب عليه غسل، حتى يستيقن الإنزال، وهذا قول أبي يوسف. قال ابن المنذر: وقد روينا عن النبيّ - ﷺ - في هذا الباب حديثًا، وقد تُكُلِّم في إسناده، ثم أخرج بسنده عن عبد الله بن عُمر، عن عبيد الله، عن القاسم، عن عائشة: أن النبيّ - ﷺ - سئل، فقال: إن أحدنا يَرَى أنه قد أصاب امرأته في النوم، ولا يجد بللًا، قال: «لا يغتسل، وقال: إن وجد ماءً، ولم ير شيئًا فليغتسل». قال ابن المنذر: عبد الله بن عمر كان يحيى القطان يضعفه، يعني أن الحديث ضعيف؛ لضعف عبد الله بن عمر العمريّ، لأنه سيئ الحفظ. قال ابن المنذر: فمن رأى بللًا فإن أيقن أنه بِلَّة نطفة اغتسل، وإن عَلِم أنه مذي، أو غيره، بعد أن يعلم أن البلة ليست ببلة نطفة، لم يجب عليه الاغتسال، والأحوط له إذا شك، فلم يدر بِلّة نطفة أو مذي، أن يغتسل، فإن أمكنه التمييز بينها بشَمٍّ، كما قال قتادة فَعَل، فإن رائحة نطفة الرجل يشبه رائحة الطلع. انتهى كلام ابن المنذر - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: هذا التفصيل الذي ذكره ابن المنذر: هو الذي يترجّح عندي ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: في الرجل يأتي المرأة دون الفرج، فيَدخُل من مائه في فرجها، قالت طائفة: عليها الغسل، قال عطاء، وعمرو بن شعيب، والزهريّ كذلك. قال ابن المنذر: ولا أجد دلالةً أوجب عليها الغسل لدخول ماء الرجل في فرجها.
مصادر المؤلف (٢٢)

١. وفي نسخة: «ترى في المنام».

٢. «النِّرْسِيُّ» - بفتح النون، وسكون الراء، وكسر السين المهملة -: نسبة إلى نَرْس نهر من أنهار الكوفة، عليه عدّة من القرى. انتهى. «اللباب في تهذيب الأنساب» ٢/ ٣٩٤.

٣. «شرح مسلم» ٣/ ٢٢١ - ٢٢٢.

٤. كذا في نسخة، وفي نسخة: والسجستاني.

٥. «إكمال المعلم» ٢/ ١٤٩.

٦. أي: حركة المشي وصوته.

٧. وفي: «الخلاصة» للخزرجيّ ٣/ ٤٠٠: لها أربعة عشر حديثًا، اتّفق الشيخان على حديث منها، وانفرد البخاريّ بحديث، ومسلم بحديثين. انتهى.

٨. أي: أخلط به.

٩. «تقييد المهمل» ٣/ ٧٩٣.

١٠. «إكمال المعلم» ٢/ ١٤٩ - ١٥٠.

١١. «المفهم» ١/ ٥٧٠.

١٢. «المفهم» ١/ ٥٧٠.

١٣. «شرح النوويّ» ٣/ ٢٢٣.

١٤. راجع: «الكاشف عن حقائق السنن» ٣/ ٨٠٨.

١٥. «المفهم» ١/ ٥٧٠ - ٥٧١.

١٦. «المفهم» ١/ ٥٧١ - ٥٧٢.

١٧. بكسر الهمزة، وفتح الفاء، وتثقيل الحاء أكثر من تخفيفها: شيء يُستخرج من بطن ذي الكَرِش أصفر يُعصَر في صُوفة مُبتلّة في اللبن، فيغلظ كالجبن، قاله في: «المصباح» ٢/ ٦١٦.

١٨. «تفسير ابن كثير» في: «سورة الإنسان» ١٤/ ٢٠٦.

١٩. أي: طريًّا خالصًا.

٢٠. انظر: «فتح المنعم» ٢/ ٣٠٨ - ٣٠٩.

٢١. «الأوسط» ٢/ ٨٢ - ٨٧.

٢٢. قد سبق أن رجحت في: «شرح النسائيّ» القول بوجوب الغسل مطلقًا؛ لحديث: «فإذا رأيت الماء فاغتسل»، ثم تبيّن لي أن المراد بالماء هو ماء المني الذي أيقن أنه منيّ بصفته؛ لرواية: «فإذا فضخت الماء» والفضخ لا يكون إلا بالدفق، والقذف، فيكون المراد بالماء هو ماء المني المعروف، وذلك إذا تيقّنه بصفته، وأما ما عدا ذلك، فلا، والله تعالى أعلم.