HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٥٣٩

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ إِسْمَاعِيل بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ؛ قَالَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ. يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ وَهُوَ إِلَى جَنْبِهِ فِي الصَّلَاةِ. حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [٢/البقرة/ الآية-٢٣٨] فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص71
ج ١ ص ٣٨٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٢ ص٢٦١
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٠٨] (٥٣٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ، وَهُوَ إِلَى جَنْبِهِ فِي الصَّلَاةِ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بُكير بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام [١٠] (٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٢ - (هُشَيْم) بن بَشير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٢٩٩. ٤ - (الْحَارِثُ بْنُ شُبَيْلٍ) -بالشين المعجمة، والموحّدة مصغّرًا- ويقال: ابن شِبْل بن عَوْف الْبَجَليّ، أَبو الطُّفيل الكوفيّ، ثقةٌ [٥]. رَوَى عن أبي عمرو الشيباني، وعبد اللَّه بن شداد بن الهاد، وطارق بن شهاب. وروى عنه إسماعيل بن أبي خالد، وسعيد بن مسروق، والأعمش. قال إسحاق بن منصور: لا يسأل عن مثله -يعني لجلالته- وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن خِرَاش: حديثه -يعني الحارث بن شبيل- عن عليّ مرسل لم يدركه. انتهى. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب سوى هذا الحديث. [تنبيه]: قال الحافظ -﵀-: فرّق جماعة بين الحارث بن شُبيل، وبين الحارث بن شِبْل، منهم أبو حاتم، وابن معين، ويعقوب بن سفيان، والبخاريّ، وابن حبّان في «الثقات»، ولكن المزيّ -يعني في «تهذيب الكمال»- تَبعَ الكلاباذيّ، وقد رَدّ ذلك أبو الوليد الباجيّ على الكلاباذي في «رجال البخاريّ -﵀-، وقال: الحارث بن شِبْل بصريّ ضعيف، والحارث بن شُبيل كوفيّ ثقةٌ، وكذا ضَعَّف ابنَ شبل ابنُ معين، والبخاريّ، ويعقوب بن سفيان، والدارقطنيّ، واللَّه أعلم. انتهى . ٥ - (أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ) هو: سَعْد بن إياس الكوفيّ، ثقةٌ مخضرَمٌ [٢] (ت ٥ أو ٩٦) (ع) تقدم في«شرح المقدمة»جـ ٢ ص ٤٦٩. ٦ - (زيدُ بْنُ أَرْقَمَ) بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج، مختلف في كنيته، قيل: أبو عمر، وقيل: أبو عامر، وقيل: أبو عُمارة، وقيل: أبو أُنيسة، وقيل: أبو حمزة، وقيل: أبو سعد، ويقال: أبو سعيد. واستُصْغِر يوم أُحُد، وأول مشاهده الخندق، وقيل: الْمُرَيسيع، وغزا مع النبيّ -ﷺ- سبع عشرة غزوة، ثبت ذلك في«الصحيح»، وله حديث كثير، ورواية أيضًا عن عليّ. رَوَى عنه أنس مكاتبةً، وأبو الطفيل، وأبو عثمان النَّهْدي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد خير، وطاوس. وله قصة في نزول«سورة المنافقين»في«الصحيح»، وشهد صِفّين مع علي، وكان من خواصّه، ومات بالكوفة أيام المختار سنة ست وستين، وقيل: سنة ثمان وستين. قال ابن إسحاق: حدثني عبد اللَّه بن أبي بكر عن بعض قومه، عن زيد بن أرقم، قال: كنت يتيمًا لعبد اللَّه بن رواحة، فخرج بي معه مُرْدِفي يعني إلى مؤتة، فذكر الحديث، وهو الذي سمع عبد اللَّه بن أُبَيّ يقول: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، فأخبر رسول اللَّه -ﷺ-، فسأل عبدَ اللَّه، فأنكر، فأنزل اللَّه تصديق زيد، ثبت ذلك في «الصحيحين»، وفيه: فقال: «إن اللَّه قد صدّقك يا زيد». وقال أبو المنهال: سألت البراء عن الصرف؟ فقال: سل زيد بن أرقم، فإنه خير مني، وأعلم . أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٤) حديثًا . لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وفيه التحديث، والإخبار، والعنعنة. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وهُشيم، فواسطيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، روى بعضهم عن بعض: إسماعيل، عن الحارث، عن أبي عمرو الشيبانيّ. ٥ - (ومنها): أن زيد بن أرقم -﵁- هذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وقد عرفت آنفًا عدد أحاديثه فيه، وكذا الحارث بن شُبيل، وليس له في هذا الكتاب، ولا في «صحيح البخاريّ» إلا هذا الحديث، وقال في «الفتح»: وليس لأبي عمرو الشيبانيّ عن زيد بن أرقم -﵁- غير هذا الحديث. انتهى . ٦ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- من أفاضل الصحابة -﵃-، أنزل اللَّه تعالى في تصديقه سورة كاملة، «سورة المنافقون»، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ زيدِ بْنِ أَرْقَمَ) -﵁-، وفي رواية البخاريّ: «عن أبي عمرو الشيبانيّ، قال: قال لي زيد بن أرقم»، فصرّح بالسماع من زيد -﵁-، أنه (قَالَ: كنَّا نَتكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ) زاد في رواية البخاريّ: «على عهد النبيّ -ﷺ-». قال في «الفتح»: وهذا حكمه الرفع، وكذا قوله: «أُمِرنا»؛ لقوله فيه: «على عهد النبيّ -ﷺ-»، حتى ولو لم يقيد بذلك لكان ذِكْرُ نزول الآية كافيًا في كونه مرفوعًا. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: ظاهر ما قاله صاحب «الفتح» أنه لا يكون له حكم الرفع إذا لم يُقيّد بعهده، أو يذكر معه نزول الآية، وهذا ما رجّحوه في «مصطلح الحديث»، فإن المرجّح هنا أنه يُعطى حكم الرفع مطلقًا، كما بيّن ذلك السيوطيّ في «ألفيّة الحديث»، بقوله: وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ … نَحْوُ «مِنَ السُّنَّةِ» مِنْ صَحَابِي كَذَا «أُمِرْنَا» وَكَذا «كُنَّا نَرَى» … «فِي عَهْدِهِ» أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى ثَالِثُهَا إِنْ كَانَ لَا يَخْفَى وَفِي … تَصْرِيحِهِ بِعِلْمِهِ الْخُلْفُ نُفِي وقال أيضًا: وَهَكَذَا تَفْسِيرُ مَنْ قَدْ صَحِبَا … فِي سَبَبِ النُّزُولِ أَوْ رَايًا أَبَى وقوله: (يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ) تفسير وتوضيح لقوله: «كنّا نتكلّم» (وَهُوَ إِلَى جَنْبِهِ) جملة حاليّة من «صاحبه»، وقوله: (فِي الصَّلَاةِ) متعلّق بـ «يُكَلِّم»، أو بحال مقدّر، وفي رواية البخاريّ زيادة «بحاجته»، قال في «الفتح»: والذي يظهر أنهم كانوا لا يتكلمون فيها بكل شيء، وإنما يقتصرون على الحاجة من ردّ السلام ونحوه. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا التقييد يحتاج إلى دليل؛ إذ الظاهر أنه على عمومه في كلّ حاجة، واللَّه تعالى أعلم. (حَتَّى نَزَلَتْ) وفي رواية البخاريّ: «حتى نزلت هذه الآية»، فاسم الإشارة فاعل «نزلت»، ويكون قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ بدلًا من «هذه الآية»، وعلى رواية المصنّف يكون قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ مرفوعًا على الفعليّة، وهو محكيّ؛ لقصد لفظه. [تنبيه]: اختُلِف في معنى «قانتين» على أقوال: الأول: أن معناه ساكتين، وبه قال السديّ. الثاني: طائعين، وبه قال الشعبي، وجابرُ بنُ زيد، وعطاء، وسعيد بن جبرِ، وقال الضحاك: كل قنوت في القرآن، فإنما يُعْنَى به الطاعة. الثالث: خاشعين، وبه قال مجاهد، قال: والقنوت طول الركوع، والخشوع، وغضّ البصر، وخفض الجَنَاح. الرابع: القنوت طولُ القيام، وبه قال ابن عمر -﵄-، وقرأ: «أمَّن هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا»، وأخرج مسلم في «صحيح مسلم»: «أفضلُ الصلاةِ طولُ القنوت». وقال الشاعر [من الرَّمَل]: قَانِتًا للَّهِ يَدْعُو رَبَّهُ … وَعَلَى عَمْدٍ مِنَ النَّاسِ اعْتَزَل الخامس: معناه: داعين، لما في «الصحيحين» من حديث أنس -﵁-: «قَنَتَ رسولُ اللَّه -ﷺ- لى شهرًا. . .» الحديث، أي دعا، وقال قوم: معناه طَوَّلَ قيامه. قال الجامع عفا اللَّه عنه: أرجح هذه الأقوال عندي أولها؛ لحديث زيد بن أرقم -﵁- المذكور هنا، قال: «حتى نزلت ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فأمرنا بالسكوت، ونُهِينا عن الكلام». فهذا نص ظاهر في كون معنى القنوت في الآية السكوتَ. فتبصر، واللَّه تعالى أعلم. وقيل: إن أصل القنوت في اللغة الدوام على الشيء، ومن حيث كان أصل القنوت في اللغة الدوَام على الشيء جاز أن يُسَمَّى مديمُ الطاعة قانتًا، وكذلك من أطَالَ القيامَ، والقراءةَ والدعاءَ في الصلاة، أو أطال الخشوع والسكوت كل هؤلاء فاعلون للقنوت . وقال ابن دقيق العيد -﵀-: القنوت يُستَعْمَل في معنى الطاعة، وفي معنى الإقرار بالعبودية، والخضوع، والدعاء، وطول القيام، والسكوت، وفي كلام بعضهم ما يُفْهَم منه أنه موضوع للمشترك. قال القاضي عياض -﵀-: وقيل: أصله الدوام على الشيء، فإذا كان هذا أصله، فمديم الطاعة قانت، وكذلك الداعي، والقائم في الصلاة، والمخلص فيها، والساكت فيها، كلهم فاعلون للقنوت. قال ابن دقيق العيد: وهذا إشارة إلى ما ذكرناه من استعماله بمعنى مشترك، وهذه طريقة المتأخرين من أهل العصر وما قاربه، يقصدون بها دفع الاشتراك والمجاز عن موضوع اللفظ، ولا بأس بها إن لم يَقُم دليل على أن اللفظ حقيقةٌ في معنى مُعَيَّنٍ أو معاني، ويُستعمل حيث لا يقوم دليل على ذلك. انتهى . (فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ) بالبناء للمفعول، أي أمرنا اللَّه تعالى على لسان نبيّه -ﷺ- بأن نسكت عن كلام الناس في الصلاة، فالمراد السكوت عن كلام الناس، لا مطلق السكوت عن الكلام المشروع في الصلاة، كقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، فإن الصلاة ليست محلّ سكوت، كما سبق في حديث ابن مسعود -﵁-، مرفوعًا: «إن في الصلاة شُغْلًا»، فهي محلّ قراءة، وتسبيح، وتكبير، وتهليل، وتحميد، ودعاء، ونحو ذلك. وقال في «الفتح»: قوله: «فأُمرنا بالسكوت»، أي عن الكلام المتقدِّم ذكره، لا مطلقًا؛ فإن الصلاة ليس فيها حال سكوت حقيقةً. قال ابن دقيق العيد -﵀-: ويترجح بما دَلّ عليه لفظ «حتى» التي للغاية، والفاء التي تشعر بتعليل ما سبق عليها لما يأتي بعدها. انتهى . وقوله: (وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ) قال في «الفتح»: هذا يقتضي أن كلّ شيء يُسمّى كلامًا فهو منهيّ عنه؛ حملًا للفظ على عمومه، ويَحتمل أن تكون اللام للعهد الراجع إلى قوله: «يكلّم الرجل منا صاحبه بحاجته»، وقوله: «فأمرنا بالسكوت» أي عما كانوا يفعلونه من ذلك. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث زيد بن أرقم -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ١٢٠٨ و١٢٠٩] (٥٣٩)، و(البخاريّ) في «كتاب العمل في الصلاة» (١٢٠٠)، و«التفسير» (٤٥٣٤)، و(أبو داود) في «الصلاة» (٩٤٩)، و(الترمذيّ) فيها (٤٠٥)، و«التفسير» (٢٩٨٦)، و(النسائيّ) في «السهو» (٣/ ١٨)، (وأحمد) في «مسنده» (٤/ ٣٦٨)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٨٥٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٢٢٤٥ و٢٢٤٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (١٧١٨)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١١٨٦)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (٥٥٢٤)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٥٠٦٣ و٥٠٦٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٢٤٨)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٧٢٢)، و(الخطابيّ) في «غريب الحديث» (١/ ٦٩١)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أنه دليلٌ على تحريم جميع أنواع كلام الآدميين في الصلاة، وأجمع العلماء على أن الكلام فيها عامدًا عالِمًا بتحريمه بغير مصلحتها، وبغير إنقاذها، وشبهه مبطل للصلاة، وأما الكلام لمصلحتها فقال الشافعيّ، ومالك، وأبو حنيفة، وأحمد، والجمهور: يبطل الصلاة، وجَوَّزه الأوزاعيّ، وبعض أصحاب مالك، وطائفة قليلة، وكلام الناسي لا يبطلها عند الجمهور ما لم يَطُل، وقال أبو حنيفة والكوفيون: يُبطلها، وقد تقدم تحقيق ذلك. [فائدة]: قال ابن الْمُنَيِّر -﵀-: الفرق بين قليل الفعل للعامد، فلا يُبطل، وبين قليل الكلام، أن الفعل لا تخلو منه الصلاة غالبًا لمصلحتها، وتخلو من الكلام الأجنبي غالبًا مُطّرِدًا، واللَّه تعالى أعلم . ٢ - (ومنها): بيان سبب نزول الآية الكريمة، وأنها نزلت في النهي عن الكلام في الصلاة. ٣ - (ومنها): بيان أن الكلام في الصلاة كان مباحًا، ثم نُسخ. ٤ - (ومنها): أن فيه بيانَ معنى القنوت، وهو السكوت، وهذا أرجح الأقوال كما قدّمناه. ٥ - (ومنها): ما قاله ابن دقيق العيد -﵀-: أن هذا اللفظ أحد ما يُسْتَدلّ به على الناسخ والمنسوخ، وهو ذكر الراوي لتقدم أحد الحكمين على الآخر، وهذا لا شكّ فيه، وليس كقوله: هذا منسوخ من غير بيان التاريخ، فإن ذلك قد ذُكر فيه أنه لا يكون دليلًا؛ لاحتمال أن يكون الحكم بالنسخ عن طريق اجتهاديّ. انتهى . وقيل: ليس في هذه القصة نسخ؛ لأن إباحة الكلام في الصلاة كان بالبراءة الأصلية، والحكم المزيل لها ليس نسخًا. وأجيب: بان الذي يقع في الصلاة ونحوها مما يُمنَع أو يباح إذا قَرَّره الشارع كان حكمًا شرعيًّا، فإذا ورد ما يُخالفه كان ناسخًا، وهو كذلك هنا، قاله في «الفتح» . ٦ - (ومنها): لفظة الراوي تُشعر بأن المراد بالقنوت في الآية السكوت؛ لما دلّت عليه لفظة «حتى» التي للغاية، والفاء التي تُشعِر بتعليل ما سبق عليها لما يأتي بعدها، وقد قيل: إن القنوت في الآية الطاعة، وفي كلام بعضهم ما يُشعر بحمله على الدعاء المعروف، حتى جَعل ذلك دليلًا على أن الصلاة الوسطى هي الصبح، من حيث قرانها بالقنوت، والأرجح في هذا كلِّه حمله على ما أشعر به كلام الراوي، فإن المشاهدين للوحي والتنزيل يعلمون بسبب النزول والقرائن المحتفَّة به ما يُرشدهم إلى تعيين المحتمِلات، وبيان المجملات، فهم في ذلك كله كالناقلين للفظٍ يدل على التعيين والتسبب، وقد قالوا: إن قول الصحابيّ في الآية: نزلت في كذا يتنزل منزلة المسنَد، قاله ابن دقيق العيد أيضًا. ٧ - (ومنها): ما قاله ابن دقيق العيد أيضًا: قوله: «فنُهينا عن الكلام، وأمرنا بالسكوت» يقتضي أن كلَّ ما يسمى كلامًا فهو مَنْهِيّ عنه، وما لا يسمى كلامًا فدلالة الحديث قاصرة عن النهي عنه، وقد اختَلَف الفقهاء في أشياء، هل تبطل الصلاة أم لا؟ كالنفخ، والتنحنح بغير علة وحاجة، وكالبكاء، والذي يقتضيه القياس أن ما يُسَمَّى كلامًا فهو داخل تحت اللفظ، وما لا يسمى كلامًا، فمن أراد إلحاقه به كان ذلك بطريق القياس، فَلْيُرَاعَ شرطه في مساواة الفرع للأصل، أو زيادته عليه. واعتَبَر أصحاب الشافعيّ ظهور حرفين، وإن لم يكونا مفهمين، فإن أقل الكلام حرفان، ولقائل أن يقول: ليس يلزم من كون الحرفين يتألف منهما الكلام أن يكون كل حرفين كلامًا، وإذا لم يكن كلامًا فالإبطال به لا يكون بالنصّ، بل بالقياس على ما ذكرنا، فَلْيُراعَ شرطه. اللهم إلا أن يريد بالكلام كل مركب مُفْهِمًا كان أو غير مفهم، فحينئذ يندرج المتنازع فيه تحت اللفظ، إلا أن فيه بحثًا، والأقرب أن يُنْظَر إلى مواقع الإجماع والخلاف، حيث لا يسمى الملفوظ به كلامًا، فما أُجمع على إلحاقه بالكلام ألحقناه به، وما لم يُجمَع عليه مع كونه لا يسمى كلامًا، فيقوى فيه عدم الإبطال. ومن هذا استُضْعِف القول بإلحاق النفخ بالكلام، ومن ضعيف التعليل فيه قول مَن عَلَّل البطلان به بأنه يشبه الكلام، وهذا ركيك، مع ثبوت السنة الصحيحة أن النبيّ -ﷺ- نفخ في صلاة الكسوف في سجوده. انتهى كلامه -﵀-. قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأرجح أن المراد بالكلام هو التخاطب الذي يجري بين الناس؛ إذ قول الراوي «يُخاطب بعضنا بعضًا»، وكذا الحديث المتقدّم: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس» ظاهر في كون المراد مخاطبة بعضهم بعضًا، فلا يدخل فيه التنحنح، والأنين، والتأوّه، والنفخ، والبكاء، ونحو ذلك؛ لأنها ليست من جنس الكلام الممنوع في الصلاة، فتبصّر بالإنصاف. ٨ - (ومنها): أن قوله: «ونُهينا عن الكلام» هذه الزيادة لم تقع عند البخاريّ، واستُدلّ بها على أن الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضدّه؛ إذ لو كان كذلك لم يُحتَج إلى قوله: «ونُهينا عن الكلام». وأجيب بأن دلالته على ضدّه دلالة التزام، ومن ثَمَّ وقع الخلاف، فلعلّه ذُكر لكونه أصرح، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأرجح في أن الأمر بالشيء، وكذا النهي عنه لا يستلزم ضدّه لفظًا، وإنما يستلزمه معنًى؛ إذ لا يتأتّى ما طلبه إلا بضدّه، وقد أوضحت هذا في «التحفة المرضيّة» حيث قلت: الْحَقُّ أَنَّ الأَمْرَ بِالشَّيْءِ فَلَا … يَسْتَلْزِمَ النَّهْيَ عَنِ الضِّدِّ اعْقِلَا لَفْظًا وَيَسْتَلْزِمُ فِي مَعْنَاهُ … إِذْ دُونَهُ لَمْ يَأْتِ مَا عَنَاهُ وَهَكَذَا الْعَكْسُ وَلَوْ تَعَدَّدَا … الضِّدُّ وَالنَّدْبُ كَإِيجَابٍ بَدَا وانظر تفاصيل المسألة في شرحها «المنحة الرضيّة»، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وقت تحريم الكلام في الصلاة: (اعلم): أنهم اختلفوا متى حُرِّم؟ فقال قوم: بمكة، واستدلوا بحديث ابن مسعود -﵁- ورجوعه من عند النجاشيّ إلى مكة. وقال آخرون: حُرِّم بالمدينة، بدليل حديث زيد بن أرقم -﵁-، فإنه من الأنصار، أسلم بالمدينة، وسورة البقرة مدنية، وقالوا: ابن مسعود لَمّا عاد إلى مكة من الحبشة، رجع إلى النجاشيّ إلى الحبشة في الهجرة الثانية، ثم ورد على رسول اللَّه -ﷺ- بالمدينة، وهو يتجهز لبدر. وقال الخطابيّ -﵀-: إنما نسخ الكلام بعد الهجرة بمدة يسيرة. وقال في «الفتح»: قوله: «حتى نزلت هذه الآية» ظاهرٌ في أن نسخ الكلام في الصلاة وقع بهذه الآية، فيقتضي أن النسخ وقع بالمدينة؛ لأن الآية مدنية باتفاق، فيُشكل ذلك على قول ابن مسعود -﵁-: إن ذلك وقع لَمّا رجعوا من عند النجاشيّ، وكان رجوعهم من عنده إلى مكة، وذلك أن بعض المسلمين هاجر إلى الحبشة، ثم بلغهم أن المشركين أسلموا، فرجعوا إلى مكة، فوجدوا الأمر بخلاف ذلك، واشتدّ الأذى عليهم، فخرجوا إليها أيضًا، فكانوا في المرة الثانية أضعاف الأولى، وكان ابن مسعود -﵁- مع الفريقين. واختُلِفَ في مراده بقوله: «فلما رجعنا» هل أراد الرجوع الأول، أو الثاني؟، فَجَنَح القاضي أبو الطيب الطبريّ، وآخرون إلى الأول، وقالوا: كان تحريم الكلام بمكة، وحَمَلوا حديث زيد بن أرقم -﵁- على أنه وقومه لم يبلغهم النسخ، وقالوا: لا مانع أن يتقدم الحكم، ثم تنزل الآية بوفقه. وجَنَح آخرون إلى الترجيح، فقالوا: يترجح حديث ابن مسعود -﵁- بأنه حَكَى لفظ النبيّ -ﷺ- بخلاف زيد بن أرقم، فلم يَحْكِه. وقال آخرون: إنما أراد ابن مسعود -﵁- رجوعه الثاني، وقد وَرَد أنه قَدِمَ المدينة، والنبيّ -ﷺ- يتجهز إلى بدر. وفي «مستدرك الحاكم» من طريق أبي إسحاق، عن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود -﵁- قال: بعثنا رسول اللَّه -ﷺ- إلى النجاشي ثمانين رجلًا. . . فذكر الحديث بطوله، وفي آخره: «فتعجل عبد اللَّه بن مسعود، فشَهِد بدرًا». وفي «السير» لابن إسحاق: أن المسلمين بالحبشة لما بلغهم أن النبيّ -ﷺ- هاجر إلى المدينة، رَجَع منهم إلى مكة ثلاثة وثلاثون رجلًا، فمات منهم رجلان بمكة، وحُبِس منهم سبعةٌ، وتوجه إلى المدينة أربعة وعشرون رجلًا، فشَهِدوا بدرًا، فعلى هذا كان ابن مسعود من هؤلاء، فظهر أن اجتماعه بالنبيّ -ﷺ- بعد رجوعه كان بالمدينة، وإلى هذا الجمع نحا الخطابيّ. قال الحافظ: ولم يَقِفْ مَن تعقب كلامه على مُستَنَده، قال: ويُقَوِّي هذا الجمع روايهْ كُلْثُوم المتمْدمة، فإنها ظاهرة في أن كلًّا من ابن مسعود وزيد بن أرقم حَكَى أن الناسخ قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وأما قول ابن حبان: كان نسخ الكلام بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين، قال: ومعنى قول زيد بن أرقم: «كنا نتكلم» أي كان قومي يتكلمون؛ لأن قومه كانوا يُصلون قبل الهجرة، مع مُصعب بن عُمير الذي كان يُعَلِّمهم القرآن، فلما نُسخ تحريم الكلام بمكة بلغ ذلك أهل المدينة، فتركوه. فهو متعَقَّب بأن الآية مدنية باتفاق، وبأن إسلام الأنصار، وتوجه مصعب بن عمير إليهم إنما كان قبل الهجرة بسنة واحدة، وبأن في حديث زيد بن أرقم: «كنا نتكلم خلف رسول اللَّه -ﷺ-» كذا أخرجه الترمذيّ، فانتفى أن يكون المراد الأنصار الذين كانوا يصلون بالمدينة، قبل هجرة النبيّ -ﷺ- إليهم. وأجاب ابن حبان في موضع آخر: بأن زيد بن أرقم أراد بقوله: «كنا نتكلم» مَن كان يصلي خلف النبيّ -ﷺ- بمكة من المسلمين. وهو متعقَّب أيضًا بأنهم ما كانوا بمكة يَجتمعون إلا نادرًا، وبما رَوَى الطبرانيّ من حديث أبي أُمامة قال: «كان الرجل إذا دخل المسجد، فوجدهم يصلون، سأل الذي إلى جنبه، فيخبره بما فاته، فيقضي، ثم يَدخُل معهم، حتى جاء معاذ يومًا، فدخل في الصلاة. . .» فذكر الحديث، وهذا كان بالمدينة قطعًا؛ لأن أبا أمامة ومعاذ بن جبل إنما أسلما بها. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن الراجح أن نسخ الكلام في الصلاة كان بالمدينة، لا بمكة؛ لوضوح حجته، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٢٠٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ نُمَيْرٍ، وَوَكِيعٌ قَالَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقة، صاحب حديث، سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) وله (٨٤) سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٢ - (وَكِيع) بن الجرّاح، تقدّم قبل باب. والباقون تقدّموا في الباب. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ) أي كلّ الثلاثة: عبد اللَّه بن نُمير، ووكيعٌ، وعيسى بن يونس، رووا عن إسماعيل بن أبي خالد. وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ) أي بإسناد إسماعيل المتقدّم، وهو: عن الحارث بن شُبيل، عن أبي عمرو الشيبانيّ، عن زيد بن أرقم -﵁-.
مصادر المؤلف (١٤)

١. «تهذيب التهذيب» ٢/ ١٢٤.

٢. راجع: «الإصابة» ٢/ ٤٨٧ - ٤٨٨، و«تهذيب التهذيب» ١/ ٦٥٨.

٣. ولا ينافي هذا ما ذكرته في «قرّة العين» من أنه رَوَى من الأحاديث (٩٠) حديثًا، اتفق الشيخان منها على أربعة، وانفرد البخاريّ بحديثين، ومسلم بستّة أحاديث؛ لأن ما هنا مع المكرّرات، فتنبّه.

٤. «الفتح» ٣/ ٨٩.

٥. «الفتح» ٣/ ٨٩.

٦. راجع: «تفسير القرطبي» في تفاصيل هذه الأقوال ٣/ ٢١٣ - ٢١٤.

٧. «إحكام الأحكام» ٢/ ٥٢.

٨. «الفتح» ٣/ ٩٠.

٩. «الفتح» ٣/ ٩٠.

١٠. «الفتح» ٣/ ٩١.

١١. «إحكام الأحكام» ٢/ ٤٧٧ - ٤٧٨.

١٢. «الفتح» ٣/ ٩٠.

١٣. «الفتح» ٣/ ٩٠.

١٤. «الفتح» ٣/ ٨٩ - ٩٠.