HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٦٧٥

حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عن ابن شهاب. قال: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، حِينَ يَفْرُغُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَيُكَبِّرُ، وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» ثُمَّ يَقُولُ، وَهُوَ قَائِمٌ «اللَّهُمَّ! أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ. وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. اللَّهُمَّ! اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ. وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ كَسِنِي يُوسُفَ. اللَّهُمَّ! الْعَنْ لِحْيَانَ وَرِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ. عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» ثُمَّ بَلَغَنَا أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لَمَّا أُنْزِلَ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [٣/آل عمران/الآية ١٢٨].
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص134
ج ١ ص ٤٦٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٤ ص٤٥٩
٢ - (حَفْصُ بْنَ غِيَاثِ) بن طلق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيهٌ تغيّر حفظه قليلًا في الآخر [٩] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٦. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد خالد السابق، وهو: عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث -﵁-. [تنبيه]: رواية حفص بن غياث، عن خالد الحذّاء هذه ساقها ابن خزيمة في «صحيحه» (١/ ٢٠٦) فقال: (٣٩٥) أخبرنا أبو طاهر، نا أبو بكر، نا عبد اللَّه بن سعيد الأشجّ، نا حفص يعني بن غياث، نا خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن مالك بن الحويرث، قال: أتيت النبيّ -ﷺ- أنا ورجل، فَوَدَّعَنَا، ثم قال: «إذا سافرتما، وحضرت الصلاة، فَأذِّنا، وأقيما، وليؤمكما أكبركما»، قال الحذّاء: «وكنا متقاربين في القراءة». انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥٦) - (بَابُ اسْتِحْبَابِ الْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ عِنْدَ نُزُول نَازِلَةٍ، وَالدُّعَاءِ لِلْمُعَيَّنِ، وَعَلَيْهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٤٠] (٦٧٥) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ حِينَ يَفْرُغُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَيُكَبِّرُ، وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، ثُمَّ يَقُولُ، وَهُوَ قَائِمٌ: «اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ كَسِنِي يُوسُفَ، اللَّهُمَّ الْعَنْ لِحْيَانَ، وَرِعْلًا، وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ»، ثُمَّ بَلَغَنَا أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لَمَّا أُنْزِلَ : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ [آل عمران: ١٢٨]). رجال هذا الإسناد: ثماينة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد اللَّه بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (٢٥٠) (م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيه عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٤ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الحجة الثبت الفقيه، أبو بكر المدنيّ، رأس [٤] (ت ١٢٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٤٨. ٦ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ حجة، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧١. ٧ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٣. ٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في «المقدمة» ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ، والثاني تفرّد به هو، والنسائيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والإخبار والسماع، إلا في موضع، ففيه العنعنة. ٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيين. ٦ - (ومنها): أن ابن المسيِّب وأبا سلمة من الفقهاء السبعة. ٧ - (ومنها): أن أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بكسر الياء المشدّدة، أحسن من فتحها (وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن عَوْفٍ، أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ) -﵁- (يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ حِينَ يَفْرُغُ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، وفي لغة بفتح ثالثه، قال في «القاموس»: فَرَغَ منه، كَمَتَعَ، وسَمِعَ، ونَصَرَ فُرُوغًا، وفَرَاغًا، فهو فَرغٌ، وفَارغٌ: خلا ذَرْعُهُ، وله، وإليه: قَصَدَ. انتهى . وقال في «المصباح»: فَرَغَ من الشُّغْل فُرُوعًا، من باب قعَدَ، وفَرغَ يَفْرَغُ، من باب تَعِبَ لغةٌ لبني تميم، والاسم الفَرَاغ، وَفَرَغْتُ للشيء، وإليه: قَصَدتُ، وفَرَغَ الشيءُ: خلا، ويتعدّى بالهمزة والتضعيف، فيقال: أفرغته، وفرّغته، وأفرغ اللَّهُ عليه الصبرَ إفراغًا: أنزله عليه، وأفرغتُ الشيء: صَبَبته إذا كان يسيل، أو من جوهر ذائبٍ. انتهى . (مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنَ الْقِرَاءَةِ) بدل من الجارّ والمجرور قبله (وَيُكَبِّرُ، وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، ثُمَّ يَقُولُ، وَهُوَ قَائِمٌ) جملة حاليّة من الفاعل («اللَّهُمَّ أَنْجِ) بقطع الهمزة، من الإنجاء رباعيًا، أي خَلِّصْه، يقال: نَجَا من الهلاك يَنْجُو نَجَاةً: خَلَصَ. والاسم النَّجاءُ بالمدّ، وقد يُقصَرُ، فهو ناجٍ، والمرأة ناجية، وبها سميت قبيلة من العرب، ويتعدى بالهمز والتضعيف، فيقال: أنجيته، ونَجَّيْتُه. قاله في»المصباح« . (الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ) بنصب الوليد على المفعوليّة، وهو بفتح الواو، وكسر اللام في اللفظين، وهو الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد اللَّه المخزوميّ، أخو خالد بن الوليد، وكان ممن شَهِد بدرًا مع المشركين، وأُسِرَ بها، أسره عبد اللَّه بن جَحْش، وفَدَى نفسَهُ، ثم أسلم، فقيل له: هلّا أسلمت قبل أن تفتدي، فقال: كرهت أن يُظَن بي أني أسلمت جَزَعًا، فحُبِسَ بمكة، ثم تواعد هو وسلمة، وعيّاش المذكوران معه، وهَرَبُوا من المشركين، فعلم النبيّ -ﷺ- بمخرجهم، فدعا لهم، أخرجه عبد الرزاق بسند مرسل، ومات الوليد المذكور لما قَدِمَ على النبيّ -ﷺ-. قال الحافظ -﵀-: رَوَيْنا ذلك في «فوائد الزيادات» من حديث الحافظ أبي بكر بن زياد النيسابوريّ بسنده عن جابر -﵁- قال: رَفَع رسول اللَّه -ﷺ- من الركعة الأخيرة من صلاة الصبح صبيحةَ خمسة عشرة من رمضان، فقال: «اللَّهم أنج الوليد بن الوليد. . .» الحديث، وفيه: فدعا بذلك خمسة عشر يومًا، حتى إذا كان صبيحة يوم الفطر ترك الدعاء، فسأله عمر، فقال: «أَوَما عَلِمْت أنهم قَدِموا؟»، قال: بينما هو يذكرهم انفتح عليهم الطريق يسوق بهم الوليد بن الوليد، قد نُكِت إصبعه بالحرّة، وساق بهم ثلاثًا على قدميه، فنهج بين يدي النبيّ -ﷺ- حتى قضى، فقال النبيّ -ﷺ-: «هذا الشهيد، أنا على هذا شهيد»، ورَثَتْهُ أمّ سَلَمَة زوج النبيّ -ﷺ- بأبيات مشهورة. انتهى . (وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ) بالنصب عطفًا على «الوليدَ»، أي أنج سلمة بن هشام بن المغيرة، وهو ابن عمّ الذي قبله، وهو أخو أبي جهل، وكان من السابقين إلى الإسلام، وعُذِّب في اللَّه، ومنعوه أن يهاجر إلى المدينة، واستُشْهِد في خلافة أبي بكر -﵁- بالشام سنة أربع عشرة. قال الحافظ الذهبيّ -﵀-: هاجر إلى الحبشة، ثم قَدِمَ مكة، فمنعوه من الهجرة، وعَذَّبوه، ثم هاجر بعد الخندق، وشهد مُؤْتة، واستُشْهِد بمَرْج الصفرة، وقيل: بأجنادين . (وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ) -بفتح العين، وتشديد التحتانية، وبعد الألف شين معجمة- وأبو ربيعة اسمه: عمرو بن المغيرة، فهو عمّ الذي قبله أيضًا، وهو أخو أبي جهل أيضًا لأمه، وكان من السابقين إلى الإسلام أيضًا، وهاجر الهجرتين، ثم خدعه أبو جهل، فرجع إلى مكة، فحبسه، ثم فرّ مع رفيقيه المذكورين، وعاش إلى خلافة عمر -﵁-، فمات، قيل: سنة خمس عشرة، وقيل: قبل ذلك، واللَّه تعالى أعلم . وهؤلاء الثلاثة أسباط المغيرة كلُّ واحد منهم ابن عمّ الآخر . (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) زاد في رواية للبخاريّ: «والمستضعفين بمكة»، أي وأنج المستضعفين من المؤمنين بمكة، الذين حبسهم الكفار عن الهجرة، وآذوهم، فكانوا يُعَذَّبونهم بأنواع العذاب، وهو من عطف العامّ على الخاصّ، عكس قوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨]. (اللَّهُمَّ اشْدُدْ) -بضم الدال- أمر من شَدَّ الشيءَ يَشُدّه، من باب قَتَلَ: إذا أوثقه (وَطْأَتَكَ) أي بأسك، وعذابك، قال الفيوميّ: «الْوَطْأَة» مثلُ الأخْذَةِ وزنًا ومعنى . وقال السيوطيّ -﵀- في «زَهْر الرُّبى»: «الوطأة» بفتح الواو، وأصلها: الدَّوْس بالقدم، سُمّي بها الإهلاك؛ لأن من يطؤ على شيء برجله، فقد استقصى في هلاكه، والمعنى: خذهم أخذًا شديدًا . وقال ابن منظور: و«الوطأة» موضع القَدَم، وهي أيضا كالضَّغْطَة، و«الوَطْأَة»: الأخذة الشديدة، وفي الحديث: «اللَّهم اشدد وطأتك على مضر»، أي خذهم أخذًا شديدًا، وذلك حين كَذَّبُوا النبيّ -ﷺ-، فدعا عليهم، فأخذهم اللَّه بالسنين، ومنه قول الشاعر [من الكامل]: وَوَطِأْتَنَا وَطْئًا عَلَى حَنَقٍ … وَطْءَ الْمُقَيَّدِ نَابِتَ الْهَرْمِ وكان حماد بن سلمة يروي هذا الحديث: «اللهم اشدُدْ وَطْدَتَكَ على مضر»، والْوَطْدُ -أي بالدال-: الإثباتُ والغَمْزُ في الأرض. انتهى . (عَلَى مُضَرَ) -بضم الميم، وفتح الضاد المعجمة-: اسم قبيلة، سُميت باسم مضر بن نِزَار بن مَعَدّ بن عدنان، وهو غير منصرف للعلمية والعدل، كما قال في «الخلاصة»: وَالْعَلَمَ امْنَعْ صَرْفَهُ إِنْ عُدِلَا … كَفُعَلِ التَّوْكِيدِ أَوْ كَثُعَلَا وقال في «العمدة»: وهو شَعْبٌ عظيم، فيه قبائل كثيرة، كقريش، وهذيل، وأسد، وتميم، وضَبَّةَ، ومُزَينة، والضباب، وغيرهم، ومضر شعب رسول اللَّه -ﷺ-، واشتقاقه من اللبَنِ الْمَضِير، وهو الحامض، قاله ابن دريد. انتهى . وقال في «اللسان»: قال ابن سِيدَهْ: مُضَرُ اسم رجل، قيل: سُمِّي به؛ لأنه كان مُولَعًا بشرب اللبن المَاضِرِ -وهو الحامض الشديد الْحُمُوضَة- وقيل: سمي به لبياض لونه، من مَضِيرَة الطَّبِيخ، وهي مُرَيقَة، تُطْبَخُ بِلَبَنٍ وأشياء. انتهى . (وَاجْعَلْهَا) قال الطيبيّ -﵀-: الضمير لـ «الوطأة»، أو للأيّام، وإن لم يَجْرِ لها ذكر؛ لما دل عليه المفعول الثاني الذي هو «سنين» جمع السنة التي هي بمعنى القحط، وهي من الأسماء الغالبة، كالبيت، والكتاب (عَلَيْهِمْ) أي على قبيلة مضر (كَسِنِي يُوسُفَ) -﵇-، وفي رواية البخاريّ: «واجعلها عليهم سنين كسني يوسف»، و«سنين»: جمع سنة، وهي الجَدْبُ، يقال: أخذتهم السنة: إذا أَجْدَبُوا، وأُقْحِطُوا. والمعنى: اجعلها عليهم كالسنين السبع الشداد التي كانت في زمن يوسف -﵇- التي ذكرها اللَّه -﷿- في قوله: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ الآية [يوسف: ٤٨]. ووجه الشبه امتداد زمان المحنة، والبلاء، والبلوغ غاية الشدة، والضرّاء. [فائدة]: جمع السنة بالواو والنون شاذّ، من جهة أنه ليس لذوي العقول، ومن جهة تغيير مفرده بكسر أوله، وهذا الاستعمال مع شذوذه هو الغالب في اللغة، فهو مُلْحَقٌ بجمع المذكر السالم في الإعراب بالواو والياء، وسقوط النون عند الإضافة، وقد يُجرَى مجرَى «حين» في لزوم الياء، والإعراب على النون، كما في قول الشاعر [من الطويل]: دَعَانِيَ مِنْ نَجْدٍ فَإِنَّ لسِنِينَهُ … لَعِبْنَ بنَا شِيبًا وَشَيَّبْنَنَا مُرْدَا وإلى قواعد جمع المذكر السالم، وملحقاته أَشار ابن مالك في «خلاصته» بقوله: وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَبِيَا اجْرُرْ وَانْصِبِ … سَالِمَ جَمْعِ عَامِرٍ وَمُذْنِبِ وَشِبْهِ ذَيْنِ وَبِهِ عِشْرُونَا … وَبَابُهُ أُلْحِقَ وَالأَهْلُونَا أُلُو وَعَالَمُونَ عِلِّيُّونَا … وَأَرَضُونَ شَذَّ وَالسِّنُونَا وَبَابُهُ وَمِثْلَ حِينٍ قَدْ يَرِدْ … ذَا الْبَابُ وَهْوَ عِنْدَ قَوْمٍ يَطَّرِدْ [تنبيه آخر]: قال القرطبيّ -﵀- في «المفهم»: قوله: «واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» يعني المذكور في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ﴾ الآية [يوسف: ٤٨]، فاستجيب له -ﷺ- فيهم، فأَجْدَبُوا سبعًا، أكلوا فيها كل شيء، حتى أكلوا الميتة والعظام، وكان الواحد منهم يرى بينه وبين السماء دخانًا من شدّة الجوع والضعف، حتى جاء أبو سفيان، فكلم النبيّ -ﷺ-، فدعا لهم، فسُقُوا، على ما ذكرناه عن ابن مسعود في «كتاب التفسير». انتهى كلام القرطبي . تعقّبه الحافظ وليّ الدين -﵀-، فقال: قد أوّل صاحب «المفهم» هذا الدعاء -يعني المذكور في حديث أبي هريرة -﵁- في هذا الباب- بحديث ابن مسعود -﵁-، وهو وَهَمٌ، فقوله: «فأجدبوا سبعًا» ليس ذلك في واحد من «الصحيحين»، وليس بصحيح أيضًا، فإنه كُشِف عنهم قبل بدر، وكانت في السنة الثانية من الهجرة، وأيضًا فأبو هريرة -﵁- راوي الحديث شَهِدَ قنوت النبيّ -ﷺ-، ودعاءه عليهم بذلك، وإنما أسلم أبو هريرة بعد خيبر، فلا يصح حمله على دعائه على قريش قبل وقعة بدر، وحديث ابن مسعود الذي أشار إليه في «الصحيحين» أن رسول اللَّه -ﷺ- لما رأى قريشًا استَعصَوا عليه، فقال: «اللهم أعنّي عليهم بسبع كسبع يوسف»، فأخذتهم السنة حتى حَصَّت كلَّ شيء، حتى أكلوا العظام، والجلود، وفي رواية: «الميتة» بدل «العظام»، وجعل يخرج من الأرض كهيئة الدخان، فأتاه أبو سفيان، فقال: أي محمدُ إن قومك هلكوا، فادع اللَّه أن يكشف عنهم، فدعا، وفي رواية: فدعا ربه، فكُشف عنهم، فعادوا، فانتقم اللَّه منهم يوم بدر. ففي هذا الحديث أن دعاءه على قريش قبل وقعة بدر، وهذا لم يشهده أبو هريرة. والذي أوقع القرطبيّ في ذلك أن حديث ابن مسعود في بعض طرقه في «الصحيحين» ذكر مضر، فذكر أول الحديث إلى قوله: وحتى أكلوا العظام، فأتى النبيّ -ﷺ- رجل، فقال: يا رسول اللَّه، استسق لمضر، فإنهم قد هلكوا، فقال: «لمضر؟، إنك لَجَرِيء»، قال: فدعا لهم، فأنزل اللَّه -﷾-: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥)﴾ [الدخان: ١٥]، فذكر الحديث، فظَنّ صاحب «المفهم» أنها قصة واحدة، وليس كذلك، فقصة الدعاء على قريش كانت قبل بدر، ولم ينقل فيها قنوت، ولم يشهدها أبو هريرة -﵁-، وقريش هي من مضر، وقصة القنوت كانت بعد خيبر، بعد إسلام أبي هريرة، وكان دعاؤه فيها على مضر، وهو اسم جامع لقريش وغيرها، وكان سبب القنوت قصة بئر معونة التي قتل فيها السبعون من القراء، فقنت النبيّ -ﷺ- شهرًا يدعو عليهم، وعمم الدعاء على مضر، وليس بدعائه عليهم قبل بدر، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام ولي الدين -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله وليّ الدين -﵀- تعقّب وَجِيهٌ، وحاصله أن قصّه أبي هريرة -﵁- غير قصّة ابن مسعود -﵁-، وهو ظاهرٌ، فليُتنبّه لهذه الدقائق، واللَّه تعالى أعلم. (اللَّهُمَّ الْعَنْ) فعل دعاء من لَعَنَ يَلْعَنُ، من باب نَفَعَ، أي اطرُدهم، وأبعدهم عن رحمتك. الِحْيَانَ) -بكسر اللام، وقيل: بفتحها، وسكون الحاء المهملة- أبو قبيلة، وهو لحيان بن هُذَيل بن مُدركة بن إلياس بن مُضر ، وزعم الهمدانيّ النسّابة أن أصل بني لحيان من بقايا جُرْهُم دخلوا في هُذيل، فنُسِبوا إليهم، قاله في «الفتح» . (وَرِعْلًا) -بكسر الراء، وسكون العين المهملة- حيّ من سُليم، وهو رِعْل بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم . (وَذَكْوَانَ) -بفتح الذال المعجمة، وسكون الكاف-: بطن كبير من سُليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان، وهو ذكوان بن ثعلبة بن بهثة -بضمّ الموحّدة، وسكون الهاء، بعدها مثلّثةٌ- بن سُليم . (وَعُصَيَّةَ) -بضمّ العين المهملة، مصغّرًا- هم بطن من بني سُليم يُنسبون إلى عصيّة بن خُفَاف -بضم المعجمة، وفاء مخفَّفة، وآخره فاءٌ أيضًا- ابن امرئ القيس بن بُهْثَةَ بن سُليم . وقوله: (عَصَتِ اللَّهَ) تعالى (وَرَسُولَهُ») -ﷺ-، وذلك لأنهم عاهدوا، فغدروا، وقَتَلوا أصحاب بئر معونة، وقد وقع في هذا الحديث، وكذا في حديث ابن عمر -﵄- الآتي في«الجهاد»:«غفار غَفَر اللَّه لها، وأسلم، سالمها أللَّه، وعُصَيّةُ عصت اللَّه ورسوله»من استعمال جناس الاشتقاق ما يلذّ على السمع؛ لسهولته، وانسجامه، وهو من الاتّفاقات اللطيفة، قاله في«الفتح». وقال القرطبي -﵀-: ولحيان، ورِعْلٌ، وذكوان، وعُصيّة قبائل من العرب، قَتَلوا أصحاب بئر معونة، وهم السبعون القرّاء، وكان من حديثهم أن أبا براء الكلابيّ، ويُعرَف بمُلاعب الأَسِنّة سأل النبيّ -ﷺ- أن يوجِّهَ معه رجالًا من أصحابه إلى قومه بنجد، يدعونهم إلى اللَّه، ويَعْرِضُون عليهم الإسلام، فقال له رسول اللَّه -ﷺ-:«إني أخاف عليهم أهل نجد»، فقال له أبو براء: أنا لهم جارٌ، فبعثهم رسول اللَّه -ﷺ- معه، فلما مرُّوا ببني عامر استَصرَخ عليهم عدوّ اللَّه عامر بن الطفيل تلك القبائل التي دعا عليهم رسول اللَّه -ﷺ-، وهم من بني سُلَيم، فأجابوه، فقتلوهم، ولم يَنْجُ منهم إلا عمرو بن أُميّة الضَّمْريّ، فَحَزِنَ عليهم النبيّ -ﷺ- حُزْنًا شديدًا، فإنه لم يُصَب بمثلهم، وكانوا من خيار المهاجرين -﵃- . انتهى . وسيأتي تمام البحث في هذا قريبًا في شرح حديث أنس -﵁- إن شاء اللَّه تعالى-. وقوله: (ثُمَّ بَلَغَنَا) من كلام الزهريّ -﵀-، وفيه أنه مرسلٌ؛ لأن الزهريّ لم يذكر من أخبره به، ولكن ذكره في رواية البخاريّ بدون ذكر «وبلغنا». وذكر في «الفتح» الاستشكال بأن قصة رِعْلٍ وذَكْوَان كانت بعد أحد، ونزول ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] كان في قصة أحد، فكيف يتأخر السبب عن النزول؟. قال: ثم ظَهَر لي علة الخبر، وأن فيه إدراجًا، وأن قوله: «حتى أنزل اللَّه» منقطع من رواية الزهريّ، عمن بَلَّغَه بَيَّن ذلك مسلم في رواية يونس المذكورة، فقال هنا: قال -يعني الزهريّ-: «ثم بلغنا أنه ترك ذلك، لما نَزَلَت»، وهذا البلاغ لا يصحُّ؛ لما ذكرته. وقد ورد في سبب نزول الآية شيء آخر، لكنه لا ينافي ما تقدم بخلاف قصة رعل وذكوان، فعند أحمد ومسلم من حديث أنس -﵁- أن النبيّ -ﷺ- كُسِرت رَبَاعيته يوم أحد، وشُجّ وجهه حتى سال الدم على وجهه، فقال: كيف يُفْلِح قوم فَعَلُوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم؟، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية. قال: وطريق الجمع بينه وبين حديث ابن عمر -﵄- أنه -ﷺ- دعا على المذكورين بعد ذلك في صلاته، فنزلت الآية في الأمرين معًا فيما وقع له من الأمر المذكور، وفيما نشأ عنه من الدعاء عليهم، وذلك كله في أحد، بخلاف قصّة رِعْل وذكوان، فإنها أجنبية. ويَحْتَمِل أن يقال: إن قصتهم كانت عقب ذلك، وتأخر نزول الآية عن سببها قليلًا، ثم نزلت في جميع ذلك، واللَّه أعلم. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما ذُكِر أن الأصحّ في سبب نزول الآية هو ما وقع في غزوة أحد مما أصاب النبيّ -ﷺ- وأصحابه من قتل سبعين منهم، ومنهم حمزة -﵁- عمّه -ﷺ-، ومِنْ شَجّ وجهه -ﷺ-، وكسر رباعيته، وأما كون دعائه -ﷺ- على رعل وذكوان، وعُصيّة في قتل القراء السبعين يوم بئر معونة، فلا يصحّ؛ لأنه في وقت آخر بعد أحد، والحديث فيه منقطع؛ لأنه من بلاغ الزهريّ، كما بيّنه مسلم في هذه الرواية، وأما الاحتمال الذي ذكره في «الفتح» أخيرًا، فمحلّ نظرٍ، فتفطّن واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (أَنَّهُ) -ﷺ- (تَرَكَ ذَلِكَ) أي الدعاء عليهم (لَمَّا أُنْزِلَ) وفي نسخة: «لَمّا أُنزلت»، وهو مبنيّ للمفعول، وقوله: (﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾) نائب فاعله، محكيّ؛ لقصد لفظه، أي أنزل اللَّه هذه الآية. ومعنى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي ليس لك من الحكم في عبادي شيء إلا ما أمرتك به فيهم (﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾) أي مما هم فيه من الكفر، فَيَهْدِيَهُمْ بعد الضلالة (﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾) أي في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم، ولهذا قال (﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾) بالفاء التعليليّة، أي لأنهم ظالمون فيستحقون ذلك. قيل: قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ﴾ عطف على قوله: ﴿لِيَقْطَعَ﴾، والأَوْلى كونه منصوبا بـ «أن» مضمرة بعد «أو»، وهي بمعنى «إلى»، كقول الشاعر [من الطويل]: لأَسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ أَوْ أُدْرِكَ الْمُنَى … فَمَا انْقَادَتِ الآمَالُ إِلَّا لِصَابِرِ قال ابن مالك عند ذكر مواضع نصب «أن» مضمرةً وجوبًا: كَذَاكَ بَعْدَ «أَوْ» إِذَا يَصْلُحُ فِي … مَوْضِعِهَا «حَتَّى» أَوِ الَّا «أَنْ» خَفِي واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥٦/ ١٥٤٠ و١٥٤١ و١٥٤٢ و١٥٤٣] (٦٧٥) و[٥٦/ ١٥٤٤] (٦٧٦)، و(البخاريّ) في «الأذان» (٨٠٤) و«الاستسقاء» (١٠٠٦) و«الجهاد» (٢٩٣٢) و«أحاديث الأنبياء» (٣٣٨٦) و«التفسير» (٤٥٦٠ و٤٥٩٨) و«الأدب» (٦٢٠٠) و«الدعوات» (٦٣٩٣) و«الإكراه» (٦٩٤٥)، و(أبو داود) في «الصلاة» (١٤٤٢)، و(النسائيّ) في «الافتتاح» (١٠٧٣ و١٠٧٥) و«الكبرى» (٦٦٠ و٦٦١ و٦٦٢)، و(ابن ماجه) في «الصلاة» (١٢٤٤)، و(عبد الرّزّاق) في «مصنّفه» (٤٠٢٨)، و(الشافعيّ) في «المسند» (١/ ٨٦ و٨٧)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٩٣٩)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٢/ ٣١٦ و٣١٧)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٣٩ و٢٥٥ و٤٧٠ و٥٢١)، و(الدارميّ) في «سننه» (١٦٠٣)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٦١٥ و٦١٧ و٦١٩ و٦٢١ و٦٢٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٩٦٩ و١٩٧٢)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٢٨٣)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (١٥١١ و١٥١٢ و١٥١٣ و١٥١٤ و١٥١٦)، و(الدارقطنيّ) في «سننه» (٢/ ٣٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٢٠٧)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٤١ و٢٤٢)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٦٣٦ و٦٣٧)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب القنوت في الصلوات كلّها إذا نزلت بالمسلمين نازلة -أعاذنا اللَّه منها-. ٢ - (منها): بيان كون محلّه بعد الركوع. ٣ - (ومنها): استحباب الجمع بين «سمع اللَّه من حمده»، وبين «ربنا ولك الحمد» للإمام، وكذا المنفرد، وأما المأموم فالأرجح أنه لا يقول: «سمع اللَّه من حمده»، بل يقتصر على التحميد، وقد تقدّم أنه يجوز أن يقول: «ربنا لك الحمد»، و«ربنا ولك الحمد»، بإثبات الواو وحذفها، وقد ثبت الأمران في «الصحيحين»، وغيرهما، وسبق بيان معنى هذه الواو. ٤ - (ومنها): جواز الدعاء لقوم بتعيين أسمائهم، وأسماء آبائهم، وأن ذلك لا يُبطِل الصلاة؛ خلافًا للحنفيّة. ٥ - (ومنها): جواز الدعاء بغير ألفاظ القرآن في الصلاة، قال القرطبيّ: وهو حجة على أبي حنيفة في منعه ذلك. انتهى . ٦ - (ومنها): جواز لعن الكفّار والمنافقين في الصلاة، والدعاء عليهم بإنزال العذاب الذي يُضعِف شوكتهم، من الجوع والأمراض، ونحو ذلك. قال القرطبي -﵀-: ولا خلاف في جواز لعن الكفرة، والدعاء عليهم، واختلفوا في جواز الدعاء على أهل المعاصي، فأجازه قومٌ، ومنعه آخرون، وقالوا: يُدعى لهم بالتوبة، لا عليهم، وقيل: إنما يُدعى على أهل الانتهاك في حين فعلهم ذلك، وأما في إدبارهم فيُدعَى لهم بالتوبة. انتهى . وقال ولي الدين العراقيّ -﵀-: أما الدعاء على أهل المعاصي، ولعنهم من غير تعيين، فلا خلاف في جوازه، لقوله -ﷺ-: «لعن اللَّه السارق، يسرق البيضة»، «لعن اللَّه من غيّر منار الأرض»، ونحو ذلك، وأما مع التعيين فوقع كثيرًا في الأحاديث، كقوله -ﷺ-: «اللهم لا تغفر لِمُحَلِّم بن جَثَّامَة». ولهذا قال النوويّ -﵀- في «الأذكار»: إن ظواهر الأحاديث تدلّ على جواز لعن أهل المعاصي مع التعيين. قال: وقد يقال: هذا من خواصّه -ﷺ-؛ لقوله -ﷺ-: «اللهم إني اتخذت عندك عهدًا، أيُّما مسلم سببته، أو لعنته، وليس لها بأهل، فاجعلها له صلاةً. . .» الحديث، وهذا ليس لغيره -ﷺ-، فلهذا كان المنقول أنه لا يجوز لعن العاصي المعيَّن، وأما لعن الكافر المعيَّن، فلا شكّ أنه -ﷺ- كان يفعله، ولكن هل لنا أن نتعاطى ذلك، فمنع منه أبو حامد الغزاليّ، إلا أن يُقيَّد ذلك بأن يموت على كفره، واللَّه أعلم. انتهى كلام وليّ الدين -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الذي يظهر لي أن لعن أهل المعاصي من غير تعيين جائز، وأما لعن المعيّن منهم، فإن كان في حال إقباله على الإفساد في الأرض، وإلحاق الضرر بالمسلمين فيجوز، وأما في حال كفّه عن ذلك، فيُدعَى له بالتوبة والصلاح، وكذا الكفّار المعيّنون إن كان يُخشى منهم الضرر يُدعى عليهم بالهلاك والطرد من رحمة اللَّه تعالى، وإن كانوا في حال المسألة للمسلمين، فيُدعى لهم بالهداية والإسلام، وهذا هو الذي يظهر من تتبّع هدي النبيّ -ﷺ- الذي ورد في الأحاديث الصحيحة، كأحاديث الباب وغيرها، فإنه -ﷺ- ص ما دعى على الكفّار وغيرهم إلا في حال إفسادهم في الأرض، وإلحاق الضرر بالمسلمين، فقد كان من المشركين وغيرهم من له عهد مع النبيّ -ﷺ-، فلم يُنقل أنه دعا عليهم بالتعيين إلا إذا نقضوا العهد، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٧ - (ومنها): استحباب الجهر بالقنوت للإمام، ففي رواية البخاريّ: «يجهر بذلك»، ولأبي داود من حديث ابن عبّاس -﵄- في قنوته -ﷺ- في الصلوات الخمس: «يؤمّن من خلفه»، فقد صرّح بأنه -ﷺ- جَهَرَ به، وأن الصحابة أَمَّنُوا خلفه. ٨ - (ومنها): بيان سبب نزول الآية الكريمة، على ما قيل، ولكن الصحيح أنها نزلت في قصّة أحد، لا في هذا القصّة، على ما أسلفت تحقيقه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في القنوت في الصلوات: ذهب جماعة من العلماء إلى أنه مشروع في صلاة الفجر، وقد حكاه الحازميّ عن أكثر الناس من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم من علماء الأمصار، ثم عدّ من الصحابة الخلفاء الأربعة إلى تمام تسعة عشر من الصحابة، ومن المخضرمين أبو رجاء العطاردي، وسويد بن غَفَلَة، وأبو عثمان النهدي، وأبو رافع الصائغ، ومن التابعين اثنا عشر، ومن الأئمة والفقهاء أبو إسحاق الفزاري، وأبو بكر بن محمد، والحكم بن عتيبة، وحماد، ومالك بن أنس، وأهل الحجاز، والأوزاعي، وأكثر أهل الشام، والشافعي، وأصحابه، وعن الثوري روايتان، ثم قال: وغير هؤلاء خلق كثير. وزاد العراقيّ: عبد الرحمن بن مهدي، وسعيد بن عبد العزيز التنوخي، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وداود، ومحمد بن جرير، وحكاه عن جماعة من أهل الحديث: منهم أبو حاتم الرازي، وأبو زرعة الرازي، وأبو عبد اللَّه الحاكم، والدارقطني، والبيهقي، والخطابي، وأبو مسعود الدمشقي. وحكاه الخطابي في «المعالم» عن أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه. وحكى الترمذي عنهما خلاف ذلك. وقال النووي في «شرح المهذب»: القنوت في الصبح مذهبنا، وبه قال أكثر السلف، ومن بعدهم، أو كثير منهم. انتهى. قال العلامة الشوكانيّ -﵀-: (واعلم): أنه قد وقع الاتفاق على ترك القنوت في أربع صلوات من غير سبب، وهي الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ولم يبق الخلاف إلا في صلاة الصبح من المكتوبات، وفي صلاة الوتر من غيرها، أما القنوت في الوتر فسيأتي الكلام عليه في «أبواب الوتر». إن شاء اللَّه تعالى. وأما القنوت في صلاة الصبح، فاحتج المثبتون له بحجج: منها حديث أنس -﵁- المذكور في الباب، وحديث البراء -﵁- الآتي بعد باب. ويجاب أنه لا نزاع في وقوع القنوت منه -ﷺ-، إنما النزاع في استمرار مشروعيته. فإن قالوا: لفظ «كان» يدل على استمرار المشروعية. قلنا: قد قدمنا عن النووي ما حكاه عن جمهور المحققين أنه لا يدل على ذلك. سلمنا فغايته مجرد الاستمرار، وهو لا ينافي الترك آخرًا، كما صرحت بذلك الأدلة الآتية، على أن هذين الحديثين فيهما أنه كان يفعل ذلك في الفجر والمغرب، فما هو جوابكم عن المغرب، فهو جوابنا عن الفجر. وأيضًا في حديث أبي هريرة -﵁- المتفق عليه أنه -ﷺ- كان يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الظهر والعشاء الآخرة، والصبح، فما هو جوابكم عن مدلول لفظ «كان» ههنا فهو جوابنا. قالوا: أخرج الدارقطني، وعبد الرزاق، وأبو نعيم، وأحمد، والبيهقي، والحاكم، وصححه عن أنس -﵁- «أن النبيّ -ﷺ- قنت شهرًا يدعو على قاتلي أصحاب بئر معونة، ثم ترك، فأما الصبح فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا»، وأول الحديث في «الصحيحين»، ولو صح هذا لكان قاطعًا للنزاع، ولكنه من طريق أبي جعفر الرازي، قال فيه عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ليس بالقوي. وقال علي ابن المديني: إنه يخلط، وقال أبو زرعة: يَهِمُ كثيرًا، وقال عمرو بن علي الفلاس: صدوق سيئ الحفظ. وقال ابن معين: ثقة، ولكنه يخطئ. وقال الدُّوري: ثقة، ولكنه يغلط، وحكى الساجي أنه صدوق، ليس بالمتقن، وقد وثقه غير واحد، ولحديثه هذا شاهد، ولكن في إسناده عمرو بن عبيد، وليس بحجة. قال الحافظ -﵀-: ويَعْكُر على هذا ما رواه الخطيب من طريق قيس بن الربيع، عن عاصم بن سليمان، قلنا لأنس: إن قومًا يزعمون أن النبيّ -ﷺ- لم يزل يقنت في الفجر، فقال: كذبوا، إنما قنت شهرًا واحدًا، يدعو على حي من أحياء المشركين، وقيس، وإن كان ضعيفًا لكنه لم يتهم بالكذب، وروى ابن خزيمة في «صحيحه» من طريق سعيد، عن قتادة، عن أنس -﵁- «أن النبيّ -ﷺ- لم يقنت إلا إذا دعا لقوم، أو دعا على قوم». فاختلفت الأحاديث عن أنس، واضطربت، فلا يقوم بمثل هذا حجة. انتهى . قال الشوكانيّ -﵀-: إذا تقرر لك هذا عَلِمْتَ أن الحق ما ذهب إليه من قال: إن القنوت مختص بالنوازل، وأنه ينبغي عند نزول النازلة أن لا تُخَصّ به صلاة دون صلاة، وقد ورد ما دل على هذا الاختصاص من حديث أنس -﵁- عند ابن خزيمة في «صحيحه»، وقد تقدم، ومن حديث أبي هريرة -﵁- عند ابن حبان بلفظ: «كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحد، أو يدعو على أحد»، وأصله في البخاريّ. قال: وقد حاول جماعة من حُذّاق الشافعية الجمع بين الأحاديث بما لا طائل تحته، وأطالوا الاستدلال على مشروعية القنوت في صلاة الفجر في غير طائل، وحاصله ما عرفناك. انتهى كلام الشوكانيّ -﵀- ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًا. وقد أطال البحث في هذه المسألة الإمام المحقق ابن قيم الجوزية -﵀- في كتابه الممتع «زاد المعاد في هدي خير العباد»، ودونك تحقيقه المفيد: قال: وقَنَتَ في الفجر بعد الركوع شهرًا، ثم ترك القنوت، ولم يكن من هديه القنوتُ فيها دائمًا، ومن المحال أن رسول اللَّه -ﷺ- كان في كل غداة بعد اعتداله من الركوع يقول: «اللَّهم اهدني فيمن هديت، وتولني فيمن توليت. . . إلخ»، ويرفع بذلك صوته، وُيؤَمِّن عليه أصحابه دائمًا إلى أن فارق الدنيا، ثم لا يكون ذلك معلومًا عند الأمة، بل يضيّعه أكثر أمته، وجمهور أصحابه، بل كلهم، حتى يقول من يقول منهم: إنه مُحْدَث، كما قال سعد بن طارق الأشجعي: قلت لأبي: يا أبت إنك قد صليت خلف رسول اللَّه -ﷺ-، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي -﵃- ههنا، بالكوفة منذ خمس سنين، فكانوا يقنتون في الفجر؛ فقال: أَيْ بُنَيّ محدث. رواه أهل السنن، وأحمد، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وذكر الدارقطني عن سعيد بن جبير، قال: أشهد أني سمعت ابن عباس يقول: إن القنوت في صلاة الفجر بدعة . وذكر البيهقي عن أبي مِجْلَز، قال: صليت مع ابن عمر صلاة الصبح، فلم يقنت، فقلت: لا أراك تقنت؟، فقال: لا أحفظه عن أحد من أصحابنا . ومن المعلوم بالضرورة أن رسول اللَّه -ﷺ- لو كان يقنت كل غداة، ويدعو بهذا الدعاء، ويؤمِّن الصحابة -﵃- لكان نقل الأمة لذلك كلهم كنقلهم لجهره بالقراءة فيها، وعددها، ووقتها، وإن جاز عليهم تضييع أمر القنوت منها، جاز عليهم تضييع ذلك، ولا فرق، وبهذا الطريق علمنا أنه لم يكن هديه الجهر بالبسملة كلَّ يوم وليلة خمس مرات دائمًا مستمرًّا، ثم يضيِّعُ أكثر الأمة ذلك، ويخفى عليها، وهذا من أمحل المحال، بل لو كان ذلك واقعًا، لكان نقله كنقل عدد الصلوات، وعدد الركعات، والجهر والإخفات، وعدد السجدات، ومواضع الأركان وترتيبها، واللَّه الموفق. والإنصاف الذي يرتضيه العالم المنصف أنه -ﷺ- جهر، وأسرّ، وقنت، وترك، وكان إسراره أكثر من جهره، وتركه القنوت أكثر من فعله، فإنه إنما قنت عند النوازل للدعاء لقوم، وللدعاء على آخرين، ثم تركه لَمَّا قدِم من دعا لهم، وتخلصوا من الأسر، وأسلم من دعا عليهم، وجاؤوا تائبين، فكان قنوته لعارض، فلما زال ترك القنوت، ولم يختص بالفجر، بل كان يقنت في صلاة الفجر والمغرب، ذكره البخاري في «صحيحه» عن أنس -﵁-، وقد ذكره مسلم عن البراء -﵁-، وذكر الإمام أحمد عن ابن عباس -﵄-، قال: قنت رسول اللَّه -ﷺ- شهرًا متتابعًا في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح في دبر كل صلاة، إذا قال: «سمع اللَّه من حمده» من الركعة الأخيرة، يدعو على حي من بني سُلَيم، على رعل، وذكوان، وعُصيّة، ويؤمِّن مَنْ خلفه، ورواه أبو داود . وكان هديه -ﷺ- القنوت في النوازل خاصة، وتركه عند عدمها، ولم يكن يخصه بالفجر، بل كان أكثر قنوته فيها لأجل ما شرع فيها من التطويل، ولاتصالها بصلاة الليل، وقربها من السَّحَر، وساعة الإجابة، وللتنزل الإلهي، ولأنها الصلاة المشهودة التي يشهدها اللَّه وملائكته، أو ملائكة الليل والنهار، كما روي هذا، وهذا في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. وأما حديث ابن أبي فُدَيك، عن عبد اللَّه بن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة -﵁-، قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا رفع رأسه من الركوع من صلاة الصبح في الركعة الثانية، يرفع يديه فيها، فيدعو بهذا الدعاء: «اللَّهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي، ولا يقضى عليك، إنه لا يذلّ من واليت، تباركت ربَّنَا، وتعاليت». فما أبين الاحتجاج به لو كان صحيحًا، أو حسنًا، ولكن لا يحتج بعبد اللَّه هذا ، وإن كان الحاكم صحَّحَ حديثه في القنوت عن أحمد بن عبد اللَّه المزني: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن أبي فُدَيك. . . فذكره. نعم صحّ عن أبي هريرة -﵁- أنه قال: واللَّه لأنا أقربكم صلاةً برسول اللَّه -ﷺ-، فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الصبح بعدما يقول: «سمع اللَّه لمن حمده»، فيدعو للمؤمنين، ويلعن الكفار . ولا ريب أن رسول اللَّه -ﷺ- فعل ذلك، ثم تركه، فأحب أبو هريرة أن يُعَلِّمهم أن مثل هذا القنوت سنّة، وأن رسول اللَّه -ﷺ- فعله، وهذا ردّ على أهل الكوفة الذين يكرهون القنوت في الفجر مطلقًا عند النوازل وغيرها ، ويقولون: هو منسوخ، وفِعلُهُ بدعة، فأهل الحديث متوسطون بين هؤلاء، وبين من استحبه عند النوازل وغيرها، وهم أسعد بالحديث من الطائفتين، فإنهم يقنتون حيث قنت رسول اللَّه -ﷺ-، ويتركونه حيث تركه، فيقتدون به في فعله وتركه، ويقولون: فعله سنّة، وتركه سنّة، ومع هذا، فلا ينكرون على من داوم عليه، ولا يكرهون فعله، ولا يرونه بدعة، ولا فاعلَه مخالفًا للسنّة، كما لا ينكرون على من أنكره عند النوازل، ولا يرون تركه بدعة، ولا تاركه مخالفًا للسنّة، بل من قنت، فقد أحسن، ومن تركه فقد أحسن، ورُكْنُ الاعتدال محل الدعاء والثناء، وقد جمعهما النبيّ -ﷺ- فيه، ودعاء القنوت دعاء وثناء، فهو أولى بهذا المحل، وإذا جَهَرَ به الإمام أحيانًا ليعلم المأمومين، فلا بأس بذلك، فقد جهر عمر بالاستفتاح ليعلم المأمومين، وجهر ابن عباس بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ليعلمهم أنها سنّة، ومن هذا أيضًا جهر الإمام بالتأمين، وهذا من الاختلاف المباح الذي لا يعنَّف فيه من فعله، ولا من تركه، وهذا كرفع اليدين في الصلاة وتركه ، وكالخلاف في أنواع التشهدات، وأنواع الأذان والإقامة، وأنواع النسك من الإفراد، والقران، والتمتع، وليس مقصودنا إلا ذكر هديه -ﷺ- الذي كان يفعله هو، فإنه قبلة القصد، وإليه التوجه في هذا الكتاب، وعليه مدار التفتيش والطلب، وهذا شيء، والجائز الذي لا ينكر فعله، وتركه شيء، فنحن لم نتعرض في هذا الكتاب لما يجوز، ولما لا يجوز، وإنما مقصودنا فيه هدي النبيّ -ﷺ- الذي كان يختاره لنفسه، فإنه أكمل الهدي وأفضله، فإذا قلنا: لم يكن من هديه المداومة على القنوت في الفجر، ولا الجهر بالبسملة، لم يدل ذلك على كراهة غيره، ولا أنه بدعة، ولكن هديه -ﷺ- أكمل الهدي وأفضله، واللَّه المستعان. وأما حديث أبي جعفر الرازيّ، عن الربيع بن أنس، عن أنس، قال: «ما زال رسول اللَّه -ﷺ- يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا»، وهو في «المسند»، والترمذي، وغيرهما، فأبو جعفر قد ضعّفه أحمد وغيره، وقال ابن المديني: كان يخلط، وقال أبو زرعة: كان يهم كثيرًا، وقال ابن حبان: كان ينفرد بالمناكير عن المشاهير. قال: وقال لي شيخنا ابن تيمية قدس اللَّه روحه: وهذا الإسناد نفسه هو إسناد حديث: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] حديث أبي بن كعب -﵁- الطويل، وفيه: وكان روح عيسى -﵇- من تلك الأرواح التي أخذ عليها العهد والميثاق في زمن آدم، فأرسل تلك الروح إلى مريم -﵍- حين انتبذت من أهلها مكانًا شرقيًا، فأرسله اللَّه في صورة بشر، فتمثّل لها بشرًا سويًا، قال: فحملت الذي يخاطبها، فدخل من فيها، وهذا غلط محض، فإن الذي أرسل إليها الملك الذي قال لها: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] ولم يكن الذي خاطبها بهذا هو عيسى ابن مريم، هذا محال. والمقصود أن أبا جعفر الرازي صاحب مناكير، لا يَحْتَج بما تفرد به أحدٌ من أهل الحديث البتة، ولو صحّ لم يكن فيه دليل على هذا القنوت المعين البتة، فإنه ليس فيه أن القنوت هذا الدعاء، فإن القنوت يطلق على القيام، والسكوت، ودوام العبادة، والدعاء، والتسبيح، والخشوع، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦)﴾ [الروم: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢]، وقال -ﷺ-: «أفضل الصلاة طول القنوت» ، وقال زيد بن أرقم -﵁-: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] أُمِرنا بالسكوت، ونُهِينا عن الكلام ، وأنس -﵁- لم يقل: لم يزل يقنت بعد الركوع رافعًا صوته: «اللهم اهدني فيمن هديت. . .» إلخ، ويؤمِّن من خلفه، ولا ريب أن قوله: «ربنا ولك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد. . .» إلى آخر الدعاء والثناء الذي كان يقوله قنوتٌ، وتطويلُ هذا الركن قنوتٌ، وتطويل القراءة قنوت، وهذا الدعاء المعين قنوت، فمن أين لكم أن أنسًا إنما أراد هذا الدعاء المعين، دون سائر أقسام القنوت؟!. ولا يقال: تخصيصه القنوت بالفجر دون غيرها من الصلوات دليل على إرادة الدعاء المعين؛ إذ سائر ما ذكرتم من أقسام القنوت مشترك بين الفجر وغيرها، وأنس خَصّ الفجر، دون سائر الصلوات بالقنوت، ولا يمكن أن يقال: إنه الدعاء على الكفار، ولا الدعاء للمستضعفين من المؤمنين؛ لأن أنسًا قد أخبر أنه قنت شهرًا، ثم تركه، فتعيّن أن يكون هذا الدعاء المعيّن الذي داوم عليه هو القنوت المعروف، وقد قنت أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والبراء بن عازب، وأبو هريرة، وعبد اللَّه بن عباس، وأبو موسى الأشعري، وأنس بن مالك، وغيرهم. والجواب من وجوه: (أحدها): أن أنسًا -﵁- قد أخبر أنه -ﷺ- كان يقنت في الفجر والمغرب، كما ذكره البخاري، فلم يخصص القنوت بالفجر، وكذلك ذكر البراء بن عازب -﵁- سواء، فما بال القنوت اختص بالفجر؟!. فإن قلتم: قنوت المغرب منسوخٌ، قال لكم منازعوكم من أهل الكوفة: وكذلك قنوت الفجر سواء، ولا تأتون بحجة على نسخ قنوت المغرب إلا كان دليلًا على نسخ قنوت الفجر سواءً، ولا يُمكنُكم أبدًا أن تقيموا دليلًا على نسخ قنوت المغرب، وإحكام قنوت الفجر. [فإن قلتم]: قنوت المغرب كان قنوتًا للنوازل، لا قنوتًا راتبًا، قال منازعوكم من أهل الحديث: نعم كذلك هو، وكذلك قنوت الفجر سواء، وما الفرق؛ قالوا: ويدل على أنّ قنوت الفجر كان قنوت نازلة، لا قنوتًا راتبًا أن أنسًا نفسه أخبر بذلك، وعمدتكم في القنوت الراتب إنما هو أنس، وأنس أخبر أنه كان قنوت نازلة، ثم تركه، ففي «الصحيحين» عن أنس -﵁- قال: قنت رسول اللَّه -ﷺ- شهرًا يدعو على حيّ من أحياء العرب، ثم تركه. (الثاني): أن شبابة رَوَى عن قيس بن الربيع، عن عاصم بن سليمان، قال: قلنا لأنس بن مالك: إن قومًا يزعمون أن النبيّ -ﷺ- لم يزل يقنت بالفجر، قال: كذبوا، وإنما قنت رسول اللَّه -ﷺ- شهرًا واحدًا يدعو على حيّ من أحياء العرب، وقيس بن الربيع، وإن كان يحيى بن معين ضعّفه، فقد وثقه غيره، وليس بدون أبي جعفر الرازي، فكيف يكون أبو جعفر حجة في قوله: لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا، وقيس ليس بحجة في هذا الحديث، وهو أوثق منه، أو مثله، والذين ضعّفوا أبا جعفر أكثر من الذين ضعّفوا قيسًا، فإنما يعرف تضعيف قيس عن يحيى، وذكر سبب تضعيفه، فقال أحمد بن سعيد بن أبي مريم: سألت يحيى عن قيس بن الربيع؟ فقال: ضعيف لا يكتب حديثه، كان يحدث بالحديث عن عَبِيدة، وهو عنده عن منصور، ومثل هذا لا يوجب رَدّ حديث الراوي؛ لأن غاية ذلك أن يكون غَلِطَ ووَهِمَ في ذكر عَبِيدة بدل منصور، ومَن الذي يسلم من هذا من المحدثين؟. (الثالث): أن أنسًا -﵁- أخبر أنهم لم يكونوا يقنتون، وأن بدء القنوت هو قنوت النبي -ﷺ- يدعو على رعل وذكوان، ففي «الصحيحين» من حديث عبد العزيز بن صهيب، عن أنس -﵁- قال: بعث رسول اللَّه -ﷺ- سبعين رجلًا لحاجة يقال لهم: القراء. . . فذكر الحديث، وفيه: «فدعا رسول اللَّه -ﷺ- عليهم شهرًا في صلاة الغداة، فذلك بدء القنوت، وما كنا نقنت». فهذا يدل على أنه لم يكن من هديه -ﷺ- القنوت دائمًا، وقول أنس: فذلك بدء القنوت، مع قوله: قنت شهرًا، ثم تركه دليل على أنه أراد بما أثبته من القنوت قنوت النوازل، وهو الذي وقّته بشهر، وهذا كما قنت في صلاة العتمة شهرًا، كما في «الصحيحين» عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قنت في صلاة العتمة شهرًا، يقول: «اللَّهم أنج عياش بن الوليد. . .» الحديث. وقد روي عن أبي هريرة -﵁- أنه قنت لهم أيضًا في الفجر شهرًا، وكلاهما صحيح، وقد تقدم ذكر حديث عكرمة، عن ابن عباس: قنت رسول اللَّه -ﷺ- شهرًا متتابعًا في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح، ورواه أبو داود وغيره، وهو حديث صحيح. وقد ذكر الطبراني في «معجمه» من حديث محمد بن أنس، حدثنا مُطَرِّف بن طَرِيف، عن أبي الجهم، عن البراء بن عازب، أن النبيّ -ﷺ- كان لا يصلي صلاة مكتوبة، إلا قنت فيها ، قال الطبراني: لم يروه عن مطرف إلا محمد بن أنس. انتهى. وهذا الإسناد، وإن كان لا تقوم به حجة، فالحديث صحيح من جهة المعنى؛ لأن القنوت هو الدعاء، ومعلوم أن رسول اللَّه -ﷺ- لم يصل صلاة مكتوبة إلا دعا فيها، كما تقدم، وهذا هو الذي أراده أنس في حديث أبي جعفر الرازي إن صحّ أنه لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا، ونحن لا نشك، ولا نرتاب في صحة ذلك، وأن دعاءه استمرّ في الفجر إلى أن فارق الدنيا. (الوجه الرابع): أن طرق أحاديث أنس تُبَيِّن المراد، ويُصَدِّق بعضها بعضًا، ولا تتناقض. وفي «الصحيحين» من حديث عاصم الأحول، قال: سألت أنس بن مالك عن القنوت في الصلاة؟ فقال: قد كان القنوت، فقلت: كان قبل الركوع، أو بعده؟ قال: قبله، قلت: وإن فلانًا أخبرني عنك أنك قلت: قنت بعده، قال: كذب، إنما قلت: قنت رسول اللَّه -ﷺ- بعد الركوع شهرًا . وقد ظن طائفة أن هذا الحديث معلول، تفرد به عاصم، وسائر الرواة عن أنس خالفوه، فقالوا: عاصم ثقة جدًّا، غير أنه خالف أصحاب أنس في موضع القنوتين، والحافظ قد يَهِمُ، والجواد قد يَعْثُرُ، وحكوا عن الإمام أحمد تعليله، فقال الأثرم: قلت لأبي عبد اللَّه -يعني أحمد بن حنبل-: أيقول أحد في حديث أنس: إن رسول اللَّه -ﷺ- قنت قبل الركوع غير عاصم الأحول؟ فقال: ما علمت أحدًا يقوله غيره ، قال أبو عبد اللَّه: خالفهم عاصم كُلَّهُم، هشامٌ، عن قتادة، عن أنس، والتيميُّ، عن أبي مجلز، عن أنس، عن النبيّ -ﷺ-: قنت بعد الركوع، وأيوبُ عن محمد بن سيرين، قال: سألت أنسًا، وحنظلةُ السدوسي، عن أنس، أربعة وجوه. وأما عاصم، فقال: قلت له؟ فقال: كذبوا، إنما قنت بعد الركوع شهرًا، قيل له: من ذكره عن عاصم؟ قال: أبو معاوية وغيره، قيل لأبي عبد اللَّه: وسائر الأحاديث أليس إنما هي بعد الركوع؟ فقال: بلى كلها عن خُفَاف بن إيماء بن رَحَضَة، وأبي هريرة. قلت لأبي عبد اللَّه: فلم ترخص إذًا في القنوت قبل الركوع، وإنما صح الحديث بعد الركوع؟ فقال: القنوت في الفجر بعد الركوع، وفي الوتر يُختار بعد الركوع، ومن قنت قبل الركوع، فلا بأس، لفعل أصحاب النبيّ -ﷺ- واختلافهم، فأما في الفجر، فبعد الركوع. فيقال: من العجب تعليل هذا الحديث الصحيح المتفق على صحته، ورواه أئمة ثقات أثبات حفاظ، والاحتجاج بمثل حديث أبي جعفر الرازي، وقيس بن الربيع، وعمرو بن أيوب، وعمرو بن عبيد، ودينار، وجابر الجعفي، وقلّ مَنْ تحمّل مذهبًا، وانتصر له في كل شيء إلا اضطرّ إلى هذا المسلك. فنقول -وباللَّه التوفيق-: أحاديث أنس كلها صحاح، يصدق بعضها بعضًا، ولا تتناقض، والقنوت الذي ذكره قبل الركوع غير القنوت الذي ذكره بعده، والذي وَقَّتَه غير الذي أطلقه، فالذي ذكره قبل الركوع هو إطالة القيام للقراءة ، وهو الذي قال فيه النبيّ -ﷺ-: «أفضل الصلاة طول القنوت»، والذي ذكره بعده، هو إطالة القيام للدعاء، فعله شهرًا، يدعو على قوم، ويدعو لقوم، ثم استمرّ يُطيل هذا الركن للدعاء والثناء إلى أن فارق الدنيا، كما في «الصحيحين» عن ثابت، عن أنس، قال: إني لا أزال أصلي بكم كما كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي بنا، قال: وكان أنس يصنع شيئًا لم أركم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا، حتى يقول القائل: قد نسي، وإذا رفع رأسه من السجدة يمكث حتى يقول القائل: قد نسي، فهذا هو القنوت الذي ما زال عليه حتى فارق الدنيا. ومعلوم أنه لم يكن يسكت في مثل هذا الوقوف الطويل، بل كان يُثني على ربه، ويمجده، ويدعوه، وهذا غير القنوت المؤقت بشهر، فإن ذلك دعاء على رعل، وذَكْوَان، وعُصَيّة، وبني لِحْيَان، ودعاء للمستضعفين الذين كانوا بمكة. وأما تخصيص هذا بالفجر، فبحسب سؤال السائل، فإنما سأله عن قنوت الفجر، فأجابه عما سأله عنه، وأيضًا، فإنه كان يطيل صلاة الفجر دون سائر الصلوات، ويقرأ فيها بالستين إلى المائة، وكان -كما قال البراء بن عازب- ركوعه، واعتداله، وسجوده، وقيامه متقاربًا، وكان يظهر من تطويله بعد الركوع في صلاة الفجر ما لا يظهر في سائر الصلوات بذلك، ومعلوم أنه يدعو ربه، ويثني عليه، ويمجده في هذا الاعتدال، كما تقدمت الأحاديث بذلك، وهذا قنوت منه، لا ريب، فنحن لا نشكّ، ولا نرتاب أنه لم يزل يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا. ولما صار القنوت في لسان الفقهاء، وأكثرِ الناس، هو هذا الدعاء المعروف: «اللهم اهدني فيمن هديت. . .» إلى آخره، وسمعوا أنه لم يزل يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا، وكذلك الخلفاء الراشدون، وغيرهم من الصحابة -﵃- حملوا القنوت في لفظ الصحابة على القنوت في اصطلاحهم، ونشأ مَنْ لا يعرف غيرَ ذلك، فلم يشكَّ أن رسول اللَّه -ﷺ-، وأصحابه -﵃- كانوا مداومين عليه كل غداة، وهذا هو الذي نازعهم فيه جمهور العلماء، وقالوا: لم يكن هذا من فعله الراتب، بل ولا يثبت عنه أنه فعله. وغاية ما روي عنه في هذا القنوت، أنه علّمه للحسن بن عليّ -﵄-، كما في «المسند»، و«السنن» الأربع عنه، قال: علّمني رسول اللَّه -ﷺ- كلمات أقولهن في قنوت الوتر: «اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي، ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا، وتعاليت». قال الترمذيّ: حديث حسن، ولا نعرف ذلك في القنوت عن النبيّ -ﷺ- شيئًا أحسن من هذا، وزاد البيهقي بعد «ولا يذل من واليت»: و«لا يعز من عاديت». ومما يدلّ على أن مراد أنس بالقنوت بعد الركوع هو القيام للدعاء والثناء ما رواه سليمان بن حرب: حدثنا حنظلة إمام مسجد قتادة -قلت: هو السدوسي- قال: اختلفت أنا وقتادة في القنوت في صلاة الصبح، فقال قتادة: قبل الركوع، وقلت أنا: بعد الركوع، فأتينا أنس بن مالك، فذكرنا له ذلك، فقال: أتيت النبيّ -ﷺ- في صلاة الفجر، فكبّر، وركع، ورفع رأسه، ثم سجد، ثم قام في الثانية، فكبّر، وركع، ثم رفع رأسه، فقام ساعة، ثم وقع ساجدًا . وهذا مثل حديث ثابت عنه سواء، وهو يبيّن مراد أنس بالقنوت، فإنه ذكره دليلًا من قال: إنه قنت بعد الركوع، فهذا القيام والتطويل هو مراد أنس -﵁-، فاتفقت أحاديثه كلها، وباللَّه التوفيق. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: وهو يبيّن مراد أنس إلخ، فيه نظر؛ إذ هذا الحديث إسناده ضعيف؛ لأن في سنده أبا هلال الراسبيّ ليّنوه، وحنظلة السدوسيّ ضعيفٌ، فلا يصلح بيانًا لمراد أنس، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم. قال: وأما المروي عن الصحابة -﵃-، فنوعان: (أحدهما): قنوت عند النوازل، كقنوت الصديق -﵁- في محاربة الصحابة لمسيلمة، وعند محاربة أهل الكتاب، وكذلك قنوت عمر -﵁-، وقنوت علي -﵁- عند محاربته لمعاوية وأهل الشام. (الثاني): مطلق، مراد من حكاه عنهم به تطويل هذا الركن للدعاء والثناء، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام ابن القيم -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: خلاصة هذه المسألة أن الراجح أن القنوت المشروع هو القنوت عند النوازل، وأما القنوت الوارد في الصبح، أو غيره، فالمراد به تطويل القيام بالأذكار، فبهذا تتفق الأحاديث والآثار المروية في الباب، وقد تقدم قول العلامة الشوكانيّ -﵀-: إذا تقرر لك هذا علمت أن الحقّ ما ذهب إليه من قال: إن القنوت مختص بالنوازل، وأنه ينبغي عند نزول النازلة أن لا تخص به صلاة دون صلاة، وقد ورد ما دل على هذا الاختصاص من حديث أنس -﵁- عند ابن خزيمة في «صحيحه»: «أن النبيّ -ﷺ- كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم، أو دعا على قوم». ومن حديث أبي هريرة -﵁- عند ابن حبان بلفظ: «كان لا يقنت إلا أن يدعو لأحد، أو يدعو على أحد»، قال: وقد حاول جماعة من حُذّاق الشافعية الجمع بين الأحاديث بما لا طائل تحته، وأطالوا الاستدلال على مشروعية القنوت في صلاة الفجر في غير طائل. انتهى. هذا كله في غير الوتر، وأما القنوت في الوتر، فسيأتي الكلام عليه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في القنوت في صلاة الوتر: قال الإمام ابن المنذر -﵀-: لم نجد في هذا الباب خبرًا أعلى من خبر بُريد، عن أبي الْحَوْراء، عن الحسن -يعني ما أخرجه الإمام أحمد، وأصحاب السنن، عن أبي الْحَوْراء، قال: قال الحسن: علّمني رسول اللَّه -ﷺ- كلمات أقولهن في الوتر في القنوت: «اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يَذِلُّ من واليت، تباركت ربنا وتعاليت»، وهو حديث صحيحٌ. قال: وقد اختَلَفَ أهل العلم في القنوت في الوتر، فرأت طائفة أن يقنت في السنَة كلها في الوتر، وممن رأى ذلك عبد اللَّه بن مسعود، والحسن البصريّ، وإبراهيم النخعيّ، وإسحاق، وأبو ثور. وذهبت طائفة إلى أن لا يقنت إلا في النصف الثاني من شهر رمضان، رُوي ذلك عن عليّ بن أبي طالب، وأُبيّ بن كعب، وكان ابن عمر -﵄- يفعله، وكذا معاذ القارئ، وبه قال محمد بن سيرين، وسعيد بن أبي الحسن، ويحيى بن وثّاب، والزهريّ، وبه قال مالك بن أنس، والشافعيّ، وأحمد. وذهبت طائفة إلى أنه يقنت في السنَة كلها في الوتر إلا في النصف الأول من رمضان، كذلك قال الحسن، خلاف القول الأول، وبه قال قتادة، ومعمر. وذهبت طائفة إلى أنه لا يقنت في الوتر، ولا في الصبح، رُوي ذلك عن ابن عمر، خلاف الرواية الأولى، ورُوي عن طاوس أنه قال: القنوت في الوتر بدعة، وحكى ابن وهب عن مالك أنه قال: ما أقنت في الوتر في رمضان، ولا في غيره، ولا أعرف القنوت قديمًا. انتهى كلام ابن المنذر -﵀- بتصرف. قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الأرجح عندي المذهب الأول؛ لصحة حديث الحسن -﵁-، فيستحبّ القنوت في الوتر في جميع السنة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في محلّ القنوت، هل بعد الركوع، أم قبله؟: (اعلم): أن هذه المسألة تقدّمت في ضمن المسألة الماضية، ولكن نزيدها بحثًا خاصّا بها؛ للإيضاح، فنقول: قال الإمام أبو بكر بن المنذر -﵀-: اختلف أهل العلم في القنوت قبل الركوع وبعده: فممن رُوي عنه أنه قنت قبل أن يركع: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد اللَّه بن مسعود، وأبو موسى الأشعري، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وابن عباس، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وحميد الطويل، وعَبِيدة السلماني، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وكذلك إسحاق، وعامة من ذكرنا أنه رأى القنوت قبل الركوع، أو بعده، فإنما هو في صلاة الصبح. قال: وقال أصحاب الرأي: بلغنا أنه قنت النبيّ -ﷺ- بعدما فرغ من القراءة قبل أن يركع، وليس في الصلوات قنوت إلا الوتر. وفيه قول ثان: وهو أن القنوت بعد الركوع، روي هذا القول عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وقال أنس بن مالك: كل ذلك كنا نفعل قبلُ، وبعدُ، وممن رأى أنه يقنت بعد الركوع أيوب السختياني، وأحمد بن حنبل، وروي هذا القول عن الحسن، والحكم، وحماد، وأبي إسحاق. قال ابن المنذر -﵀-: ثبتت الأخبار عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه قنت بعد الركوع في صلاة الصبح، وبه نقول، إذا نزلت نازلة، احتاج الناس من أجلها إلى القنوت، قنت إمامهم بعد الركوع. انتهى المقصود من كلام ابن المنذر -﵀- . وقال الحافظ ولي الدين العراقيّ -﵀-: فيه -أي في حديث الباب- حجة من ذهب إلى أن محل القنوت بعد الركوع، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، ورواية عن مالك، وقد ثبت أيضًا من حديث ابن عمر -﵄- أنه سمع رسول اللَّه -ﷺ- إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة، يقول: «اللَّهم العن فلانًا» بعدما يقول: «سمع اللَّه من حمده، ربنا، ولك الحمد. . .» الحديث، ولمسلم من حديث خُفاف بن إِيمَاء: ركع رسول اللَّه -ﷺ-، ثم رفع رأسه، فقال: «غفار غفر اللَّه لها. . .» الحديث. وهو في «الصحيحين» أيضًا من حديث أنس -﵁-. وذهب مالك في المشهور عنه إلى أن محله قبل الركوع، واستدلّ له بما رواه البخاري ومسلم من رواية عاصم، قال: سألت أنسًا عن القنوت، أكان قبل الركوع، أم بعده؟ قال: قبله، قلت: فإن فلانًا أخبرني عنك أنك قلت: بعده، قال: كذب، إنما قنت رسول اللَّه -ﷺ- بعد الركوع شهرًا. وذهب جماعة إلى التخيير بين القنوت قبله، أو بعده، حكاه صاحب «المفهم» عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وجماعة من الصحابة، والتابعين. انتهى كلام ولي الدين -﵀- . قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن أرجح المذاهب هو مذهب القائلين بكون محل القنوت بعد الركوع؛ لأن أكثر الأحاديث الصحيحة على أنه -ﷺ- قنت بعد الركوع، كما أشار إليه ابن المنذر -﵀- فيما تقدم، واختاره، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٤١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- إِلَى قَوْلِهِ: «وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ كَسِنِي يُوسُفَ»، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرّقّة، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٣. ٣ - (ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا في السند الماضي. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ) الضمير لابن عيينة. [تنبيه]: رواية ابن عيينة، عن الزهريّ هذه ساقها النسائيّ -﵀- في «سننه»، فقال: (١٠٧٣) أخبرنا محمد بن منصور، قال: حدثنا سفيان، قال: حفظناه من الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة، قال: لما رفع رسول اللَّه -ﷺ- رأسه من الركعة الثانية، من صلاة الصبح، قال: «اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف». انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٤٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَنَتَ بَعْدَ الرَّكْعَةِ فِي صَلَاةٍ شَهْرًا، إِذَا قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، يَقُولُ فِي قُنُوتِهِ : «اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللَّهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ نَجِّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ نَجِّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ»، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تَرَكَ الدُّعَاءَ بَعْدُ، فَقُلْتُ: أُرَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ تَرَكَ الدُّعَاءَ لَهُمْ، قَالَ: فَقِيلَ: وَمَا تُرَاهُمْ قَدْ قَدِمُوا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ) الْجَمّال أبو جعفر، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (خ م د) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٢. ٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٨. ٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمر، أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ إمامٌ جليل [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِير) الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثم البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، يُدلّس ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٤. والباقون تقدّموا في السند الماضي. وقوله: (قَنَتَ بَعْدَ الرَّكْعَةِ فِي صَلَاةٍ) وفي نسخة: «في صلاته». «القنوت» بالضم مصدر «قَنَتَ» من باب قعد، يطلق في اللغة على معان: قال في «اللسان»: القنوت: الإمساك عن الكلام. وقيل: الدعاء في الصلاة، والقنوت: الخشُوع، والإقرار بالعبودية، والقيام بالطاعة التي ليس معها معصية. وقيل: القيام. وزعم ثعلب أنه الأصل. وقيل: إطالة القيام، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، قال زيد بن أرقم -﵁-: «كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام»، فالقنوت ههنا الإمساك عن الكلام في الصلاة، وقال أبو عبيد: أصل القنوت في أشياء، فمنها القيام، وبهذا جاءت الأحاديث في قنوت الصلاة؛ لأنه إنما يدعو قائمًا، وأبين من ذلك حديث جابر -﵁- قال: سئل النبيّ -ﷺ- أَيُّ الصلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت». يريد طول القيام. ويقال للمصلي: قانت. وقد تكرر في الحديث، ويَرِدُ لمعان متعددة، كالطاعة، والخشوع، والصلاة، والدعاء، والعبادة، والقيام، وطول القيام، والسكوت، فيصرف في كل واحد من هذه المعاني إلى ما يحتمله لفظ الحديث الوارد فيه. وقال ابن الأنباري: القنوت على أربعة أقسام: الصلاة، وطول القيام، وإقامة الطاعة، والسكوت، وقال ابن سِيدَهْ: القنوت الطاعة، هذا هو الأصل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] ثم سمي القيام في الصلاة قنوتًا، ومنه قنوت الوتر، وقَنَتَ اللَّهَ يَقْنُتُه: أطاعه، وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٦] أي: مطيعون، ومعنى الطاعة ههنا: أن من في السموات والأرض مخلوقون بإرادة اللَّه تعالى، لا يقدر أحد على تغيير الْخِلْقَة، ولا مَلَك مقرب، فآثار الصنعة والخلقة تدل على الطاعة، وليس يُعْنَى بها طاعة العبادة؛ لأن فيهما مطيعًا، وغير مطيع، وإنما هي طاعة الإرادة والمشيئة. والقانت: المطيع، والقانت الذاكر للَّه تعالى، كما قال -﷿-: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩]، وقيل: القانت العابد، والقانت في قوله -﷿-: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] أي من العابدين. والمشهور في اللغة أن القنوت الدعاء، وحقيقة القانت أنه القائم بأمر اللَّه، فالداعي إذا كان قائمًا خُصّ بأن يقال له: قانت؛ لأنه ذاكر للَّه تعالى، وهو قائم على رجليه، فحقيقة القنوت: العبادة، والدعاء للَّه -﷿- في حال القيام، ويجوز أن يقع في سائر الطاعة؛ لأنه إن لم يكن قيام بالرجلين، فهو قيام بالشيء بالنية. قال ابن سِيدَهْ: والقانت القائم بجميع أمر اللَّه تعالى، وجمع القانت من ذلك كله: قُنَّت، قال الْعَجَّاجُ: [من الرجز] رَبُّ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ الْقُنَّتِ وقَنَتَ له: ذلّ، وقَنَتت المرأة لبعلها: أقرّت. انتهى المقصود من «اللسان» . وقد نظم الحافظ أبو الفضل العراقيّ -﵀- معاني القنوت بقوله [من الطويل]: وَلَفْظُ الْقُنُوتِ اعْدُدْ مَعَانِيَهُ تَجِدْ … مَزِيدًا عَلَى عَشْرٍ مَعَانِيَ مَرْضِيَّهْ دُعَاءٌ خُشُوعٌ وَالْعِبَادَةُ طَاعَةُ … إِقَامَتُهَا إِقْرَارُهُ بِالْعُبُودِيَّهْ سُكُوتٌ صَلَاةٌ وَالْقِيَامُ وَطُولُهُ … كَذَاكَ دَوَامُ الطَّاعَةِ الرَّابِحُ الْقِنْيَهْ واللَّه تعالى أعلم بالصواب. وقوله: (تَرَكَ الدُّعَاءَ بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها، أي بعد قنوته شهرًا. وقوله: (أُرَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-) بضمّ الهمزة، أي أظنّ، ويَحْتَمل أن يكون بفتحها. وقوله: (وَمَا تُرَاهُمْ قَدْ قَدِمُوا) بتقدير همزة الاستفهام، أي أوَما تراهم قد قدِموا من مكة إلى المدينة مهاجرين، فقد استجاب اللَّه تعالى دعاء النبيّ -ﷺ- لهم، فنجاهم من شرّ المشركين، ولذا ترك الدعاء لهم. والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرحه، ومسائله تقدّمت في حديث أول الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٥٤٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي الْعِشَاءَ، إِذْ قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، ثُمَّ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَسجُدَ: «اللَّهُمَّ نَجِّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ»، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ الْأَوْزَاعِيِّ، إِلَى قَوْلِهِ: «كَسِنِي يُوسُفَ»، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّد) بن بَهْرَام التميميّ، أبو أحمد، ويقال: أبو عليّ المؤدّب الْمَرُّوذيّ -بفتح الميم، وتشديد الراء المضمومة، بعدها ذال معجمة- نزيل بغداد، ثقةٌ [٩]. رَوَى عن إسرائيل، وجرير بن حازم، وأبي غَسّان محمد بن مُطَرِّف، وشيبان النحويّ، وابن أبي ذئب، ومُبارك بن فَضَالة وخَلَف بن خَلِيفة، وشَرِيك النخعيّ، وأبي أويس المدنيّ، وغيرهم. ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، وأحمد بن منيع، وإبراهيم بن سعيد الجوهريّ، وأبو خيثمة، ومحمد بن رافع، وابن أبي شيبة، والذُّهْليّ، وإبراهيم وإسحاق الحربيان، وعباس الدُّوريّ، وجماعة، وحَدَّث عنه عبد الرحمن بن مهديّ، ومات قبله. قال ابن سعد: ثقةٌ، مات في آخر خلافة المأمون، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال معاوية بن صالح: قال لي أحمد: اكتبوا عنه، وقال ابن قانع: ثقةٌ، وقال ابن وضاح: سمعت محمد بن مسعود يقول: حسين بن محمد ثقةٌ، وسمعت ابن نُمَير يقول: حسين بن محمد بن بَهْرام صدوق، وقال العجليّ: بصريٌّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال أبو حاتم في حسين بن محمد المرُّوذيّ: أتيته مرات بعد فراغه من تفسير شيبان، وسألته أن يعيد عليّ بعض المجلس، فقال: بَكِّر بَكِّر، ولم أسمع منه شيئًا، ثم ذكر ابن أبي حاتم: حسين بن محمد بن بَهْرَام، وحَكَى عن أبيه، أنه مجهول، فكأنه ظن أنه غير المرُّوذيّ . وقال حنبل بن إسحاق: مات سنة (٢١٣)، وقال مطين: سنة (٢١٤)، وقال ابن قانع: مات سنة (٢١٥). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث، برقم (٦٧٥) و(٧٣٨) و(١٠٨٢) و(١٤١٩) و(١٤٨٠) و(٢٩٣٦). ٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، ثقة صاحب كتاب [٧] (١٦٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٨. والباقون ذكروا قبله. وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ الْأَوْزَاعِيِّ. . . إلخ) فاعل «ذَكَرَ» ضمير شيبان، و«يحيى» هو: ابن أبي كثير.
مصادر المؤلف (٥٧)

١. هكذا النسخة، والظاهر أنها مصحّفة، والصواب: «وكانا»، كما هو عند مسلم، فليُحرّر.

٢. من الغريب ترجمة النوويّ بقوله: «باب استحباب القنوت في جميع الصلوات إذا نزلت بالمسلمين نازلة -والعياذ باللَّه- واستحبابه في الصبح دائمًا»، فقوله: «واستحبابه في الصبح دائمًا» ليس في أحاديث الباب ذكره، وإنما زاده بناء على مذهبه، وهذا هو الذي نبهنا عليه في أوائل الشرح أنه مما لا ينبغي لشرّاح الحديث أن يفعلوه، بل يتحتم عليهم أن يقوموا بما يقتضيه الحديث، ولو خالف مذهبهم، فليُتنبّه، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

٣. وفي نسخة: «لَمّا أنزلت».

٤. «القاموس المحيط» ٣/ ١١١.

٥. «المصباح المنير» ٢/ ٤٧٠.

٦. «المصباح المنير» ٢/ ٥٩٥.

٧. «الفتح» ٩/ ٩٣ - ٩٤، و«عمدة القاري» ٦/ ٨٠.

٨. «عمدة القاري» ٦/ ٨٠.

٩. «الفتح» ٩/ ٩٤ بزيادة.

١٠. «عمدة القاري» ٦/ ٨٠.

١١. «المصباح المنير» ٢/ ٣٠٧.

١٢. «زهر الربى في شرح المجتبى» ٢/ ٢٠١.

١٣. «لسان العرب» ١/ ١٩٧.

١٤. «عمدة القاري» ٦/ ٨٠.

١٥. «لسان العرب» ٥/ ١٧٧.

١٦. «المفهم» ٢/ ٣٠٣.

١٧. «طرح التثريب» ٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣.

١٨. «اللباب في تهذيب الأنساب»٢/ ٢٧٥.

١٩. «الفتح»٧/ ٤٤٠«كتاب المغازي»رقم (٤٠٨٦).

٢٠. «اللباب في تهذيب الأنساب»١/ ٣٨٠.

٢١. «اللباب في تهذيب الأنساب»١/ ٣٥٨.

٢٢. «الفتح»٦/ ٦٢٨«كتاب المناقب»رقم (٣٥١٣).

٢٣. راجع:«الفتح»٦/ ٦٢٨«كتاب المناقب»رقم (٣٥١٣).

٢٤. راجع: «عيون الأثر» ٢/ ٦٧ - ٧٢.

٢٥. «المفهم» ٢/ ٣٠٣ - ٣٠٤.

٢٦. «الفتح» ٨/ ٧٥ «كتاب التفسير» رقم (٤٥٦٠).

٢٧. «المفهم» ٢/ ٣٠٤.

٢٨. «المفهم» ٢/ ٣٠٤.

٢٩. «طرح التثريب» ٢/ ٢٩١ - ٢٩٢.

٣٠. «التلخيص الحبير» ١/ ٢٤٤ - ٢٤٥.

٣١. «نيل الأوطار» ٢/ ٣٩٩ - ٤٠١.

٣٢. في سنده عبد اللَّه بن ميسرة، وهو ضعيف.

٣٣. «السنن الكبرى» ٢/ ٢١٣.

٣٤. وأخرجه الحاكم في «المستدرك» ١/ ٢٢٥، وصححه، ووافقه الذهبيّ.

٣٥. قال في «التقريب»: عبد اللَّه بن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ متروك. انتهى.

٣٦. متّفقٌ عليه.

٣٧. هذا إن أراد به الحنفيّة، ففيه نظر؛ لأن عندهم أن القنوت للنوازل في صلاة الفجر مشروع، كما قاله الطحاويّ وغيره، راجع: «حاشية ردّ المحتار» لابن عابدين ٢/ ١١.

٣٨. قال الجامع عفا اللَّه عنه: في تسويته رفع اليدين وتركه، ومثله الجهر بالتأمين بأنواع التشهّدات، وأنواع الأذان، وأنواع النسك نظر لا يخفى؛ لأن ترك الرفع، وعدم الجهر بالتأمين مما خالف السنة الصحيحة، مخالفةً بيِّنةً، فيُعدّ فاعله مخالفًا للسنّة، فيستحقّ الإنكار عليه، وأما أنواع التشهدات، والأذان، والنسك، فإنها ثابتة في السنّة، فمن أخذ ببعضها فقد أخذ بالسنة، فلا يُنكر عليه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.

٣٩. رواه مسلم.

٤٠. متفقٌ عليه.

٤١. قال في «مجمع الزوائد»: رجاله موثّقون.

٤٢. متّفقٌ عليه.

٤٣. لكن قال في «الفتح» ٢/ ٥٦٩: قد وافق عاصمًا على روايته هذه عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس، كما عند البخاريّ في «المغازي»، ولفظه: «سأل رجل أنسًا عن القنوت بعد الركوع، أو عند الفراغ من القراءة؟ قال: لا، بل عند الفراغ من القراءة»، ومجموع ما جاء عن أنس من ذلك أن القنوت للحاجة بعد الركوع، لا خلاف عنه في ذلك، وأما لغير الحاجة فالصحيح عنه أنه قبل الركوع، وقد اختلف عملُ الصحابة في ذلك، والظاهر أنه من الاختلاف المباح. انتهى.

٤٤. قال الجامع: لكن يعكُر على هذا ما أخرجه البخاريّ في «المغازي»: «عن عبد العزيز بن صُهيب، قال: سأل رجل أنسًا عن القنوت، بعد الركوع، أو عند الفراغ من القراءة؟ قال: بل عند الفراغ من القراءة»، فإن هذا ظاهر في كون القنوت غير القراءة، فليُتأمّل، واللَّه تعالى أعلم.

٤٥. إسناده ضعيف، فيه أبو هلال الراسبيّ، محمد بن سُليم، قال في «التقريب»: صدوقٌ، فيه لينٌ من السادسة، وفيه أيضًا حنظلة السدوسيّ، ضعّفه أحمد، وقال: يروي عن أنس أحاديث مناكير، وقال ابن معين، والنسائيّ: ضعيف، وقال في «التقريب»: ضعيفٌ من السادسة. انتهى.

٤٦. «زاد المعاد في هدي خير العباد» ١/ ٢٧١ - ٢٧٥.

٤٧. «الأوسط» ٥/ ٢٠٨ - ٢١٠.

٤٨. «طرح التثريب» ٢/ ٢٩١.

٤٩. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٥٠. وفي نسخة:«وحدّثنا».

٥١. وفي نسخة:«في صلاته».

٥٢. وفي نسخة:«في صلاته».

٥٣. وفي نسخة:«نَجِّ».

٥٤. «لسان العرب» ٢/ ٧٣ - ٧٤.

٥٥. «الفتح» ٣/ ١٧٨.

٥٦. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٥٧. «تهذيب التهذيب» ١/ ٤٣٥.