HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٧٩٧

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ. كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ. قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ. قال: قال رسول الله ﷺ «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الأُتْرُجَّةِ. رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ. وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ التَّمْرَةِ. لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ. وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ. رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ. وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ. لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج2 ص194
ج ١ ص ٥٤٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج١٦ ص٢٩٠
(المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ما قاله النوويُّ -﵀-: في هذا الحديث جواز رؤية آحاد الأمة للملائكة، قال الحافظ: كذا أطلق، وهو صحيح لكن الذي يظهر التقييد بالصالح مثلًا، والحسن الصوت. انتهى. ٢ - (ومنها): أن فيه فضيلةَ القراءة، وأنها سبب نزول الرحمة، وحضور الملائكة. قال الحافظ -﵀-: الحكم المذكور أعمّ من الدليل، فالذي في الرواية إنما نشأ عن قراءة خاصة، من سورة خاصة بصفة خاصة، ويَحْتَمِل من الخصوصية ما لم يُذْكَر، وإلا لو كان على الإطلاق لحصل ذلك لكل قارئ. ٣ - (ومنها): أنه قد أشار في آخر الحديث بقوله: «ما تستتر منهم» إلى أن الملائكة لاستغراقهم في الاستماع، كانوا يستمرّون على عدم الاختفاء الذي هو من شأنهم. ٤ - (ومنها): بيان منقبةً عظيمة لأُسيد بن حُضير -﵁-. ٥ - (ومنها): بيان فضل قراءة سورة البقرة في صلاة الليل، وفضل الخشوع في الصلاة، وأن التشاغل بشيء من أمور الدنيا، ولو كان من المباح قد يُفَوِّت الخير الكثير، فكيف لو كان بغير الأمر المباح، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣٨) - (بابُ بَيَانِ فَضِيلَةِ حَافِظِ الْقُرْآنِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٦٠] (٧٩٧) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنسٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، مَثَلُ الأُتْرُجَّةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ، وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، مَثَلُ التَّمْرَةِ، لَا رِيحَ لَهَا، وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ، وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ، لَيْسَ لَهَا رِيحٌ، وَطَعْمُهَا مُرٌّ»). رجال هذا الإسناد: ستة: - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في«المقدمة»٦/ ٥٧. ٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في«المقدمة»٢/ ٤. ٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأس [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في«المقدمة» ٦/ ٧٠. ٥ - (أَنَسُ) بن مالك -﵁- تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٦ - (أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ) -﵁-، تقدّم قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيات المصنّف -﵀-. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، وأبو كامل علّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون. ٣ - (ومضها): أنه مسلسل بثقات البصريين، غير قُتيبة، فبغلانيّ، وأبي عوانة، فواسطيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ) بن مالك خادم رسول اللَّه -ﷺ- الصحابيّ المشهور -﵁-، ووقع في رواية البخاريّ من طريق همّام، قال: حدّثنا قتادة، قال: حدّثنا أنس بن مالك، فصرّح قتادة بالتحديث، فسلم من تُهمة التدليس، على أنه في الرواية من طريق شعبة، عن قتادة، وشعبة لا يروي عن شيوخه المدلّسين إلا ما صرّحوا بالسماع، وقد قلت في ذلك: شُعْبَةُ لَا يَرْوي عَنِ الْمُدَلِّسِ … إِلَّا الَّذِي سَمِعَهُ فَاسْتَأْنِسِ لِذَا إِذَا رَوَى عَنِ الأَعْمَشِ أَوْ … قَتَادَةٍ أَوِ السَّبِيعِي مَا رَوَوَا مُعَنْعَنًا لَا تَخْشَ تَدْلِيسًا فَقَدْ … كَفَاكَهُ هَذَا الإِمَامُ الْمُعْتَمَدْ (عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ) عبد اللَّه بن قيس بن حضّار بن سُليم الصحابيّ المشهور -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَثَلُ) أي: صفةُ (الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) أي: ويعمل به، كما وقع في رواية للبخاريّ من طريق شعبة، عن قتادة، بلفظ:»المؤمن الذي يقرآ القرآن، ويَعْمَل به«، وهي زيادة مفسرة للمراد، وأن التمثيل وقع بالذي يقرأ القرآن، ولا يخالف ما اشتمل عليه، من أمر، ونهي، لا مطلق التلاوة. وعبّر بصيغة المضارع لإفادة تكريره لها، ومداومته عليها، حتى صارت دأبه وعادته، كفلان يَقري الضيف، ويحمي الحريم، ويُعطي اليتيم. وقال الطيبيّ -﵀-: إثبات القراءة في قوله -ﷺ-:«يقرأ القرآن»على صيغة المضارع، ونفيها في قوله:«لا يقرأ القرآن»ليس المراد منها حصولها مرّة، ونفيها بالكلّية، بل المراد منها الاستمرار، والدوام عليها، فإن القراءة دأبه وعادته، أو ليس ذلك من هِجّيراه، كقولك؛ فلان يَقْرِي الضيفَ، وَيحمِي الحريم. انتهى . (مَثَلُ الْأُتْرُجَّةِ) بضم الهمزة والراء، بينهما مثناة ساكنة، وآخره جيم ثقيلة، وقد تخفف، ويزاد قبلها نون ساكنة، ويقال: بحذف الألف مع الوجهين، فتلك أربع لغات، وتبلغ مع التخفيف إلى ثمانية، قاله في«الفتح». وقال في«القاموس»: الأُتْرُجُّ، والأُتْرُجَّةُ، والتُّرُنْجُ، والتُّرُنْجَةُ: معروف. انتهى. (رِيحُهَا طَيِّبٌ، وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ) قيل: خص صفة الإيمان بالطعم، وصفة التلاوة بالريح؛ لأن الإيمان ألزم للمؤمن من القرآن؛ إذ يمكن حصول الإيمان بدون القراءة، وكذلك الطعم ألزم للجوهر من الريح، فقد يذهب ريح الجوهر، ويبقى طعمه. ثم قيل: الحكمة في تخصيص الأترجّة بالتمثيل، دون غيرها من الفاكهة، التي تجمع طيب الطعم والريح، كالتفاحة لأنه يُتَدَاوى بقشرها، وهو مفرِّحٌ بالخاصية، ويُستخرج من حَبّها دُهن له منافع. وقيل: إن الجنّ لا تقرب البيت الذي فيه الأترج، فناسب أن يُمَثَّل به القرآن، الذي لا تقربه الشياطين، وغلاف حَبّه أبيض، فيناسب قلب المؤمن، وفيها أيضا من المزايا، كبر جرمها، وحسن منظرها، وتفريح لونها، ولين ملمسها، وفي أكلها مع الالتذاذ طيب نكهة، ودباغ مَعِدة، وجَودة هضم، ولها منافع أخرى، مذكورة في «المفردات». وقال المظهر -﵀-: المؤمن الذي يقرأ القرآن هكذا من حيث الإيمان في قلبه ثابتٌ، طيّب الباطن، ومن حيث إنه يقرأ القرآن، ويستريح الناس بصوته، ويُثابون بالاستماع إليه، ويتعلّمون منه مثلُ الأترجّة، يستريح الناس برائحتها. وقال التوربشتيّ -﵀-: الْمَثَلُ عبارة عن المشابهة بغيره في معنى من المعاني؛ لإدناء المتوهّم عن المشاهَد، وكان النبيّ -ﷺ- يُخاطب بذلك العرب، ويُحاورهم، ولم يكن ليأتي في الأمثال بما لم تشاهده، فيجعلَ ما أورده للتبيان مزيدًا للإبهام، بل يأتيهم بما شاهدوه، وعرفوه؛ ليبلغ ما انتحاه من كشف الغطاء، ورفع الحجاب، ولم يوجد فيما أخرجته الأرض من بركات السماء، لا سيما من الثمار الشجريّة التي آنستها العرب في بلادهم أبلغ في هذا المعنى من الأترجّة، بل هي أفضل ما يوجد من الثمار في سائر البلدان الأخرى، وأجدى؛ لأسباب كثيرة جامعة للصفات المطلوبة منها، والخواصّ الموجودة فيها، فمن ذلك كبر جِرْمها، وحسن منظرها، وطيب مطعمها، ولين ملمسها، وذكاء أَرَجها، تملأ الأكفّ بكبر جِرْمها، وتكسيها لينًا، وتُفعم الخياشيم طيبًا، وتأخذ بالأبصار صبغةً ولوثًا، فاقعٌ لونها تسرّ الناظرين، تتوق إليها النفس قبل التناول، تفيد آكلها بعد الالتذاذ بذواقها طيب نكهة، ودباغ معدة، وقوّة هضم، اشتركت الحواسّ الأربع دون الاحتظاء بها: البصر، والذوق، والشمّ، واللمس، ثم إنها في أجزائها تنقسم على طبائعَ، فقشرها حارّ يابسٌ، ولحمها حارّ رَطْبٌ، وحماضها باردٌ يابسٌ، وبذرها حارّ مجفّفٌ، وفيها من المنافع ما هو مذكور في الكتب الطبيّة، وأيّةُ ثمرة تبلُغ هذا المبلغ في كمال الخِلْقة، وشمول المنفعة؟. ثم إنه -ﷺ- ضرب المثل بما تُنبته الأرض، ويُخرجه الشجر؛ للمشابهة التي بينها وبين الأعمال، فإنها من ثمرات النفوس، فخصّ ما يُخرجه الشجر من الأُتْرُجّة والتمر بالمؤمن، وما تُنبته الأرض من الحنظلة والريحانة بالمنافق؛ تنبيهًا على علوّ شأن المؤمن، وارتفاع عمله، ودوام ذلك، وتوقيفًا على ضَعَةِ شأن المنافق، وإحباط عمله، وقلّة جدواه. قال الطيبيّ -﵀-: اعلم أن هذا التشبيه والتمثيل في الحقيقة وصف لموصوفٍ اشتَمَلَ على معنى معقولٍ صِرْفٍ، لا يُبْرِزُهُ عن مكنونه إلا تصويره بالمحسوس المشاهد، ثم إن كلام اللَّه تعالى المجيد له تأثيره في باطن العبد وظاهره، وإن العباد متفاوتون في ذلك، فمنهم من له النصيب الأوفر من ذلك التأثير، وهو المؤمن القارئ، ومنهم من لا نصيب له البتّةَ، وهو المنافق الحقيقيّ، ومن تأثر ظاهره دون باطنه، وهو المرائي، أو بالعكس، وهو المؤمن الذي لم يقرأه، وإبراز هذه المعاني، وتصويرها في المحسوسات ما هو مذكور في الحديث، ولم يجد ما يوافقها ويلائمها أقرب، ولا أحسن، ولا أجمع من ذلك؛ لأن المشبّهات والمنبّه بها ورادة على التقسيم الحاصر؛ لأن الناس إما مؤمنٌ، أو غير مؤمن، والثاني إما منافقٌ صِرْفٌ، أو مُلحقٌ به، والأول إما مواظبٌ على القراءة، أو غير مواظبٍ عليها، فعلى هذا قس الأثمار المشبّه بها، ووجه الشبه في المذكورات مركّبٌ منتزعٌ من أمرين محسوسين: طعمٌ وريحٌ، وليس بمفرّق، كما في قول امرئ القيس [من الطويل]: كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا وَيَابِسًا … لَدَى وَكْرِهَا الْعُنَّابُ وَالْحَشَفُ الْبَالِي انتهى كلام الطيبيّ -﵀- . وقال في «الفتح»: [فإن قيل]: لو كان لكثرة التقسيم، كأن يقال: الذي يقرأ، ويعمل، وعكسه، والذي يعمل، ولا يقرأ، وعكسه، والأقاسم الأربعة، ممكنة في غير المنافق، وأما المنافق، فليس له إلا قسمان فقط؛ لأنه لا اعتبار بعمله، إذا كان نفاقه نفاق كفر. [وكأن الجواب عن ذلك]: أن الذي حُذف من التمثيل قسمان: الذي يقرأ ولا يعمل، والذي لا يعمل ولا يقرأ، وهما شبيهان بحال المنافق، فيمكن تشبيه الأول بالريحانة، والثاني بالحنظلة، فاكتفى بذكر المنافق، والقسمان الآخران قد ذُكِرا . (وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ) أي: ويعمل به، كما في الرواية الأخرى (مَثَلُ التَّمْرَةِ) بالتاء المثنّاة، وسكون الميم (لَا رِيحَ لَهَا) وفي رواية للبخاريّ: «لا ريح فيها» (وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ) -بفتح الراء- هي: كلّ نبت طَيِّبِ الريح من أنوع المشموم (رِيحُهَا طَيِّبٌ، وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ) وفي همّام، عن قتادة: «ومثل الفاجر» بدل المنافق، كما سيشير إليه المصنّف -﵀- (الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ) هي: كلّ نبات يمتدّ على الأرض كالبطيخ، وثمره يُشبه ثمر البطيخ، لكنه أصغر منه جدًّا، ويُضرب المئل بمرارته . (لَيْسَ لَهَا رِيحٌ، وَطَعْمُهَا مُرٌّ«) وفي رواية للبخاريّ، من طريق شعبة، عن قتادة:»وريحها مر«. [واستُشْكِلت]: هذه الرواية من جهة أن المرارة، من أوصاف الطعوم، فكيف يوصف بها الريح؟. [وأجيب]: بأن ريحها لما كان كريهًا، استُعير له وصف المرارة. وأطلق الزركشيّ هنا أن هذه الرواية وَهَمٌ، وأن الصواب ما في رواية هذا الباب:«ولا ريح لها»، ثم قال في«كتاب الأطعمة»لَمّا جاء فيه:«ولا ريح لها»، هذا أصوب من رواية الترمذي:«طعمها مر، وريحها مر»، ثم ذكر توجيهها، وكأنه ما استحضر أنها في هذا الكتاب، وتكلّم عليها، فلذلك نسبها للترمذي، قاله في«الفتح»، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ١٨٦٠ و١٨٦١] (٧٩٧)، و(البخاريّ) في«فضائل القرآن»(٥٠٢٠ و٥٠٥٩) و«الأطعمة»(٥٤٢٧) و«التوحيد»(٧٥٦٠)، و(أبو داود) في«الأدب»(٤٨٢٩ و٤٨٣٠)، و(الترمذيّ) في«الأمثال»(٢٨٦٥)، و(النسائيّ) في«الإيمان»(٥٥٤٠) و«فضائل القرآن»من«الكبرى»(١٠٦ و١٠٧)، و(ابن ماجه) في«المقدّمة»(٢١٤)، وأخرجه (عبد الرزاق) في«مصنّفه»(٢٠٩٣٣)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(١٠/ ٢٥٩ و٥٣٠)، و(أحمد) في«مسنده»(٤/ ٣٩٧ و٤٠٣ و٤٠٤ و٤٠٨)، و(عبد بن حميد) في«مسنده»(٥٦٥)، و(الدارميّ) في«سننه»(٣٣٦٦)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٧٧٠)، و(البغويّ) في«شرح السنة»(١١٧٥)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضيلة حاملي القرآن، وقارئيه. ٢ - (ومنها): ضرب المثل للتقريب للفهم، وأن المقصود من تلاوة القرآن العمل بما دلّ عليه، لا مطلق التلاوة؛ لقوله في الزيادة السابقة:«ويعمل به». ٣ - (ومنها): تشبيه القرآن بالأترجّة؛ لأنها من أفضل الثمار؛ لكبر جِرمها، وحسن منظرها، وطيب طعمها، ولين ملمسها، ولونها يسرّ الناظرين. ٤ - (ومنها): أن فيه تشبيه الإيمان بالطعم الطيبّ؛ لكونه خيرًا باطنيًّا، لا يظهر لكلّ أحد، وتشبيه القرآن بالريح الطيّب، ينتفع بسماعه كلُّ أحد، ويظهر سمحًا لكلّ سامع. ٥ - (ومنها): ما قال التوربشتيّ -﵀- تعالى: إن النبيّ -ﷺ- أشار في ضرب هذا المثل إلى معان لا يَهتدِي إليها إلا من أُيِّدَ بالتوفيق: فمنها أنه ضرب المثل بما تنبته الأرض، ويُخرجه الشجر للمشابهة التي بينها وبين الأعمال، فإنها من ثمرات النفوس، والمثل وإن ضُرب للمؤمن نفسِهِ، فإن العبرة فيه بالعمل الذي يصدر منه؛ لأن الأعمال هي الكاشفة عن حقيقة الحال. ومنها: أنه ضرب مثل المؤمن بالأترجّة والتمرة، وهما مما يُخرجه الشجر، وضرب مثل المنافق بما تنبته الأرض؛ تنبيهًا على علو شأن المؤمن، وارتفاع عمله، ودوام ذلك وبقائه ما لم تيبس الشجرة، وتوقيفًا على ضَعَة شأن المنافق، وإحباط عمله، وقلّة جدواه، وسقوط منزلته. ومنها: أن الأشجار المثمرة لا تخلو عمن يغرسها، فيسقيها، ويُصلح أودها، ويربيها، وكذلك المؤمن يقيّض له من يؤدّبه، ويُعلّمه، ويُهذّبه، ويلُمّ شَعْثه، ويسوّيه، ولا كذلك الحنظلة المهملة المتروكة بالعراء، والمنافق الذي وُكِلَ إلى شيطانه وطبعه وهواه ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [١٨٦١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ هَمَّامٍ بَدَلَ «الْمُنَافِقِ»: «الْفَاجِرِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَدَّابُ بْنُ خَالِدِ) بن الأسود القيسيّ، أبو خالد البصريّ، ويقال له: هُدْبة، ثقةٌ عابدٌ، تفرّد النسائيّ بتليينه، من صغار [٩] مات سنة بضع (٢٣٠) (خ م د) تقدم في «الإيمان» ١١/ ١٥١. ٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن ديار الْعَوْذيّ، أبو عبد اللَّه، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٠. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٥ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم في الباب الماضي. و«قتادة» ذُكر قبله. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ) أي: بإسناد قتادة الماضي، وهو: عن أنس، عن أبي موسى الأشعريّ -﵁-. [تنبيه]: رواية همّام، عن قتادة هذه ساقها الإمام البخاريُّ -﵀-، في «صحيحه»، فقال: (٥٠٢٠) حدّثنا هُدْبة بن خالد أبو خالد، حدّثنا همام، حدّثنا قتادة، حدّثنا أنس بن مالك، عن أبي موسى الأشعريّ، عن النبيّ -ﷺ- قال: «مثل الذي يقرأ القرآن كالأُتْرُجّة، طعمها طيب، وريحها طيب، والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة، طعمها طيب، ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب، وطعمها مُرّ، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، طعمها مرّ، ولا ريح لها». ورواية شعبة، عن قتادة هذه ساقها الإمام البخاريُّ -﵀- أيضًا، فقال: (٥٠٥٩) حدّثنا مسدّد، حدّثنا يحيى، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن أبي موسى، عن النبيّ -ﷺ- قال: «المؤمن الذي يقرأ القرآن، ويعمل به كالأترجة، طعمها طيب، وريحها طيب، والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن، ويعمل به كالتمرة، طعمها طيب، ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة، ريحها طيب، وطعمها مرّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كالحنظلة، طعمها مرّ أو خبيث، وريحها مرّ»، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٨)

١. وفي نسخة: «وحدّثنا».

٢. «الكاشف عن حقائق السنن»٥/ ١٦٣٧.

٣. «الفتح» ٨/ ٦٨٣ - ٦٨٤.

٤. «الكاشف عن حقائق السنن» ١٥/ ١٦٣٦ - ١٦٣٧.

٥. «الفتح»٨/ ٦٨٤«كتاب فضائل القرآن»رقم (٥٠٢٠).

٦. «المرعاة»٧/ ١٧٨.

٧. «الفتح»٨/ ٦٨٤،«كتاب فضائل القرآن» رقم (٥٠٢٠).

٨. راجع: «المرعاة» ٧/ ١٧٨ - ١٧٩.