HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٠٤٨

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ (قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا. وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ. وَيَتُوبُ الله على من تاب».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج3 ص99
ج ٢ ص ٧٢٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٠ ص٤٢
[تنبيه]: رواية شعبة، عن قتادة هذه، ساقها الإمام أحمد ﵀ في «مسنده»، فقال: (١١٧٩٢) - حدّثنا وكيعٌ، ومحمد بن جعفر، قالا: حدّثنا شعبة، قال ابن جعفر في حديثه: سمعت قتادة، عن أنس يقول: قال رسول الله -ﷺ-: «يَهْرَم ابن آدم، ويبقى منه اثنتان: الحرص والأمل». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤١٥] (١٠٤٨) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ، لَابْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ»). رجال هذا الإسناد: ستة، وكلّهم تقدّموا قبل حديثين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٥١) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ أنسِ) بن مالك -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ) أي فرضًا وتقديرًا (وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ) وفي الرواية التالية:»من ذهب«. وقال في«الفتح»: قوله:«لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثًا»، في الرواية الثانية:«لو أن لابن آدم واديًا مالًا لأحبّ أن له إليه مثله»، ونحوه في حديث أنس في الباب، وجمع بين الأمرين في الباب أيضًا، ومثله في مرسل جُبير بن نُفَير، وفي حديث أُبَي. وقوله:«من مال»فسّره في حديث ابن الزبير بقوله:«من ذهب»، ومثله في حديث أنس في الباب، وفي حديث زيد بن أرقم عند أحمد، وزاد:«وفضّة»، وأوَّله مثل لفظ رواية ابن عباس الأولى، ولفظه عند أبي عبيدة في«فضائل القرآن»: كنا نقرأ على عهد رسول الله -ﷺ-:«لو كان لابن آدم واديان من ذهب وفضة، لابتغى الثالث»، وله من حديث جابر بلفظ:«لو كان لابن آدم وادي نخل». انتهى . (لَابْتَغَى) بالغين المعجمة، وهو افتعالٌ، بمعنى الطلب، ومثله في حديث زيد بن أرقم، وفي الرواية الثانية:«أحبّ»، وفي حديث ابن عبّاس:«لأحبّ»، وقال في حديث أنس:«لتمنى مثله، ثم تمنى مثله، حتى يتمنى أوديةً»(وَادِيًا ثَالِثًا) أي واديًا آخر أعظم منهما ذُخْرًا، وهَلُمّ جَرًّا، كما يشير إليه بقوله: (وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ) أي بطنه، وفي رواية حجاج بن محمد، عن ابن جريج عند الإسماعيليّ:«نفس»بدل«جوف»، وفي حديث جابر كالأول، وفي مرسل جُبير بن نُفير:«ولا يُشْبع -بضم أوله- جوف»، وفي حديث ابن الزبير:«ولا يَسُدّ جوف»، وفي رواية عند البخاريّ:«ولا يملأ عين»، وفي حديث أنس فيه:«ولا يملأ فاه»، ومثله في حديث أبي واقد عند أحمد، وله في حديث زيد بن أرقم:«ولا يملأ بطن». قال الكرمانيّ ﵀: ليس المراد الحقيقة في عضو بعينه بقرينة عدم الانحصار في التراب؛ إذ غيره يملؤه أيضًا، بل هو كناية عن الموت؛ لأنه مستلزم للامتلاء، فكأنه قال: لا يشبع من الدنيا حتى يموت، فالغرض من العبارات كلها واحد، وهي من التفنن في العبارة. وتعقّبه الحافظ ﵀ فقال: وهذا يَحْسُن فيما إذا اختلفت مخارج الحديث، وأما إذا اتحدت فهو من تصرف الرواة، ثم نسبة الامتلاء للجوف واضحة، والبطنُ بمعناه، وأما النفس فعبّر بها عن الذات، وأطلق الذات وأراد البطن، من إطلاق الكل وإرادة البعض، وأما النسبة إلى الفم، فلكونه الطريق إلى الوصول للجوف، وَيحْتَمِل أن يكون المراد بالنفس العين، وأما العين فلأنها الأصل في الطلب؛ لأنه يَرَى ما يُعجبه فيطلبه؛ ليحوزه إليه، وخص البطن في أكثر الروايات؛ لأن أكثر ما يُطلب المال لتحصيل المستلذات، وأكثرها يكون للأكل والشرب. انتهى . (إِلَّا التُّرَابُ) أي تراب القبر، قال القاري ﵀: فيه تنبيه نَبِيه على أن البخل الْمُوَرِّث للحرص مركوز في جِبِلّة الإنسان، كما أخبر الله ﷿ عنه في القرآن، حيث قال أبلغ من هذا الحديث: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾ [الإِسراء: ١٠٠]، فهذا يدلّ على أن حرص ابن آدم، وخوفه من الفقر الباعث له على البخل، حتى على نفسه أقوى من الطير الذي يموت عَطَشًا على ساحل البحر؛ خوفًا من نفاده، ومن الدودة التي قُوتُها التراب، وتموت جوعًا خشية من فراغه؛ لأن ما ذُكر من الماء والتراب في جنب خزائن رحمة رب الأرباب كقطرة من السحاب. انتهى . (وَيَتُوبُ اللهُ) أي يرجع بالرحمة (عَلَى مَنْ تَابَ») أي رجع إليه بطلب العصمة، أو يتفضل الله بتوفيق التوبة، وتحقيق استعادة العقبى على من تاب؛ أي من محبة الدنيا، والغفلة عن حضرة المولى. قال النوويّ ﵀: معنى«لا يملأ جوفه إلا التراب»أنه لا يزال حريصًا على الدنيا حتى يموت، ويمتلئ جوفه من تراب قبره، وهذا الحديث خرج على حكم غالب بني آدم في الحرص على الدنيا، ويؤيده قوله:«ويتوب الله على من تاب»، وهو متعلِّق بما قبله، ومعناه: أن الله تعالى يقبل التوبة من الحرص المذموم، وغيره من المذمومات . وقال في«الفتح»: قوله:«ويتوب الله على من تاب»أي إن الله يقبل التوبة من الحريص، كما يقبلها من غيره، قيل: وفيه إشارة إلى ذمّ الاستكثار من جمع المال، وتمني ذلك، والحرص عليه؛ للإشارة إلى أن الذي يترك ذلك يُطلَق عليه أنه تاب. ويَحْتَمِل أن يكون تاب بالمعنى اللغويّ، وهو مطلق الرجوع؛ أي رَجَع عن ذلك الفعل والتمني. انتهى . وقال الطيبيّ ﵀بعد نقل كلام النوويّ المتقدّم-: أقول: ويمكن أن يقال: معناه إن بني آدم كلهم مجبولون على حب المال، والسعي في طلبه، وأنه لا يَشْبَعُ منه إلا من عصمه الله تعالى، ووفّقه لإزالة هذه الجبِلّة عن نفسه، وقليلٌ ما هم، فوضع«ويتوب الله على من تاب» موضعه؛ إشعارًا بأن هذه الجبِلَّة المركوزة فيه مذمومةٌ، جاريةٌ مَجْرَى الذنب، وأن إزالتها ممكنةٌ، ولكن بتوفيق الله وتسديده، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] أضاف الشحّ إلى النفس؛ دلالة على أنها غَرِيزة فيها، وبَيَّن إزالته بقوله: ﴿يُوقَ﴾، ورَتَّب عليه قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. قال: وهاهنا نُكْتةٌ دقيقةٌ، فإنه ذكر ابن آدم تلويحًا إلى أنه مخلوق من التراب، ومن طبيعته القبض واليبس، فيمكن إزالته بأن يُمْطِر الله عليه السحائب من غمائم توفيقه، فَيُثْمِرُ حينئذ الْخِلال الزكيّة، والخصال المرضيّة، كما قال ﷿: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ الآية [الأعراف: ٥٨] فمن لم يتداركه التوفيق، وتركَهُ وحِرْصَهُ لم يزدد إلا حرصًا، وتهالكًا على جمع المال. وموقع قوله: «ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» موقع التذييل والتقرير للكلام السابق، ولذلك أعاد ذكر ابن آدم، ونِيطَ به حكمٌ أشملُ وأعمُّ، كأنه قيل: ولا يَشْبَع مَن خُلِق من التراب إلا بالتراب، وموقع «ويتوب الله على من تاب» موقع الرجوع؛ يعني أن ذلك لعسيرٌ صَعْبٌ، ولكن يسير على من يسّره الله تعالى عليه، فحقيق أن لا يكون هذا من كلام البشر، بل هو من كلام خالق القُوَى والقَدَر. انتهى كلام الطيبيّ ﵀ . وقال في «الفتح» -بعد ذكر كلام الطيبيّ المذكور-: ويَحْتَمِل أن تكون الحكمة في ذكر التراب دون غيره، أن المرء لا ينقضي طمعه حتى يموت، فإذا مات كان من شأنه أن يُدْفَن، فإذا دُفِن صُبّ عليه التراب، فملأ جوفه وفاه وعينيه، ولم يبق منه موضع يحتاج إلى تراب غيره، وأما النسبة إلى الفم، فلكونه الطريق إلى الوصول للجوف. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ٢٤١٥ و٢٤١٦ و٢٤١٧، (١٠٤٨)، و(البخاريّ) في «الرقاق» (٦٤٣٩)، و(الترمذيّ) في «الزهد» (٢٣٣٧)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٩٦٢٤)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢١٩٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٢٢ و١٦٨ و١٧٦ و٢٣٦ و٢٧٢ و٢٤٧)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٣١٨ و٣١٩)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢٩٥١ و٣١٤٣ و٣١٨١ و٣٢٦٦ و٣٢٦٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٢٣٥ و٣٢٣٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ١١٣ - ١١٥)، و(الضياء) في «المختارة» (٣/ ٣٦٩ و٤١٢)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٥/ ١٨٤) و«الأوسط» (٣/ ١٨٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن أحاديث الباب تدلّ على ذمّ الحرص والشَّرَه، ومن ثم آثر أكثر السلف التقلل من الدنيا، والقناعة باليسير، والرضا بالكَفَاف. ٢ - (ومنها): أنه ينبغي للعبد أن يكون قصير الأمل، حتى يُقبل على الآخرة إقبالًا كلّيًّا؛ لأنه إذا كان طويل الأمل في الدنيا فترت همّته في الآخرة. ٣ - (ومنها): بيان كون الإنسان مجبولًا على حبّ الدنيا، والاستكثار منها، وطول البقاء فيها. ٤ - (ومنها): الحثّ على التوبة من هذه الخصال الذميمة. ٥ - (ومنها): بيان سعة كرم الله ﷿، وفضله حيث إنه إذا تاب العبد إليه تاب عليه، وسَتَرَ ما مضى من عيوبه، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الشورى: ٢٥ - ٢٦]. وقد أخرج الشيخان عن ابن مسعود -﵁-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «لله أشدّ فرحًا بتوبة عبده المؤمن، من رجل في أرض دَوّيّة مُهْلِكة، معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ، وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته، وعليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشدّ فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته». وأخرجاه من حديث أنس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لله أشدّ فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه، من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فاع يِس منها، فأَتَى شجرةً، فاضطجع في ظلها، قد أَيِس من راحلته، فبينا هو كذلك؛ إذا هو بها قائمةً عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤١٦] (…) - (وَحَدَّثنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ، فَلَا أَدْرِي أَشَيْءٌ أُنْزِلَ، أَمْ شَيْءٌ كَانَ يَقُولُهُ، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة، وقد تقدّموا قبل حديث. وقوله: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ) مقول القول هو ما تقدّم في الرواية الماضية، وهو قوله: «لو كان لابن آدم واديان إلخ». وقوله: (فَلَا أَدْرِي أَشَيْءٌ أُنْزِلَ، أَمْ شَيْءٌ كَانَ يَقُولُهُ) ببناء أُنزل للمفعول، هذا من كلام أنس -﵁- بيّن به أنه لم يعلم أن قوله -ﷺ-: «لو كان لابن آدم إلخ» هل هو مما نزل من القرآن المتلوّ، أو هو من حديث رسول الله -ﷺ- الذي كان يقوله من عنده، وليس متلوًّا؟. وحاصل ما أشار إليه أنس -﵁- في هذا أنه شكّ هل هذا الحديث الذي سمعه منه -ﷺ- من جملة ما بلّغه عن الله تعالى على أنه قرآن يُتلى، أم من جملة ما بلّغه عنه تعالى، وليس مما يتلى؟. وقد ذكر الإمام البخاريّ ﵀ في «صحيحه» بعد إخراجه حديث أنس -﵁- الآتي بعدُ من رواية ابن شهاب عنه ما نصّه: وقال لنا أبو الوليد : حدّثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أُبَيّ، قال: كنا نَرَى هذا من القرآن حتى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾. انتهى. قال في «الفتح»: قوله: «كنا نُرَى» بضم النون: أي نظنّ، ويجوز فتحها من الرأي أي نعتقد، قوله: «هذا» لم يبين ما أشار إليه بقوله: «هذا»، وقد بيّنه الإسماعيليّ، من طريق موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، ولفظه: كنّا نرى هذا الحديث من القرآن: «لو أن لابن آدم واديين من مال، لتمنى واديًا ثالثًا …» الحديث، دون قوله: «ويتوب الله إلخ». وقوله: «حتى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾»، زاد في رواية موسى بن إسماعيل: «إلى آخر السورة»، وللإسماعيليّ أيضًا، من طريق عفّان، ومن طريق أحمد بن إسحاق الحضرميّ قالا: حدّثنا حماد بن سلمة، فذكر مثله، وأوّله: «كنا نُرى أن هذا من القرآن إلخ». قال ابن بطال وغيره: قوله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ خرج على لفظ الخطاب؛ لأن الله فَطَر الناس على حب المال والولد، فلهم رغبة في الاستكثار من ذلك، ومِن لازم ذلك الغفلة عن القيام بما أُمروا به، حتى يفجأهم الموت. ووجه ظنّهم أن الحديث المذكور من القرآن ما تضمنه من ذم الحرص على الاستكثار من جمع المال، والتقريع بالموت الذي يقطع ذلك، ولا بدّ لكل أحد منه، فلما نزلت هذه السورة، وتضمّنت معنى ذلك مع الزيادة عليه، عَلِموا أن الأول من كلام النبيّ -ﷺ-. وقد شرحه بعضهم على أنه كان قرآنًا، ونسخت تلاوته لَمّا نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾، فاستمرت تلاوتها، فكانت ناسخة لتلاوة ذلك، وأما الحكم فيه والمعنى فلم ينسخ؛ إذ نسخ التلاوة لا يستلزم المعارضة بين الناسخ والمنسوخ كنسخ الحكم، والأول أولى، وليس ذلك من النسخ في شيء. ويؤيد ما ردّه ما أخرجه الترمذيّ، من طريق زِرّ بن حُبيش، عن أُبَيّ بن كعب -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن»، فقرأ عليه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة: ١]، وقرأ فيها: «إن ذات الدين عند الله الحنيفية المسلمة، لا اليهودية، ولا النصرانية، ولا المجوسية، ومن يعمل فيه خيرًا فلن يُكْفَره»، وقرأ عليه: «لو أنّ لابن آدم واديًا من مال لابتغى إليه ثانيًا، ولو أن له ثانيًا لابتغى إليه ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب» ، وسنده جيّد. والجمع بينه وبين حديث أنس عن أُبَيّ المذكور آنفًا أنه يَحْتَمِل أن يكون أُبَيّ لَمّا قرأ عليه النبيّ ﴿لَمْ يَكُنِ﴾، وكان هذا الكلام في آخر ما ذكره النبيّ -ﷺ- احْتَمَلَ عنده أن يكون بقية السورة، واحتَمَلَ أن يكون من كلام النبيّ -ﷺ-، ولم يتهيأ له أن يَستَفْصِل النبيّ -ﷺ- ذلك حتى نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾، فلم ينتف الاحتمال. ومنه ما وقع عند أحمد، وأبي عبيد في «فضائل القرآن» من حديث أَبِي واقد الليثيّ قال: كنا نأتي النبيّ -ﷺ- إذا نزل عليه، فيحدثنا، فقال لنا ذات يوم: «إن الله قال: إنما أنزلنا المال لإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ولو كان لابن آدم وادٍ لأحب أن يكون له ثانٍ …» الحديث بتمامه، وهذا يَحْتَمِل أن يكون النبيّ -ﷺ- أخبر به عن الله تعالى على أنه من القرآن، ويَحْتَمِل أن يكون من الأحاديث القدسية، والله أعلم. وعلى الأول فهو مما نُسخت تلاوته جزمًا، وإن كان حكمه مستمرًّا، ويؤيد هذا الاحتمال ما أخرج أبو عبيد في «فضائل القرآن» من حديث أبي موسى قال: قرأت سورة نحو براءة، فَغِبتُ وحفظت منها: «ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى واديًا ثالثًا …» الحديث، ومن حديث جابر: «كنا نقرأ: لو أن لابن آدم ملء وادٍ مالًا لأحب إليه مثله …» الحديث. انتهى ، وهو بحثٌ مفيدٌ. وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ) يعني أن شعبة حدّث عن قتادة بمثل ما حدّث به أبو عوانة في الرواية السابقة. [تنبيه]: رواية شعبة، عن قتادة هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في «مسنده»، فقال: (١٢٣٩٢) - حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدّث عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول، ولا أدري أشيء أُنزِل، أو كان يقوله؟: «لو أن لابن آدم واديين من مال، لتمنى، أو لابتغى واديًا ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب». انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٤١٧] (…) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ
مصادر المؤلف (١٠)

١. «الفتح» ٥٣١/ ١٤ - ٥٣٢ «كتاب الرقاق» رقم (٦٤٣٦ - ٦٤٤٠).

٢. «الفتح» ١٤/ ٥٣٢ «كتاب الرقاق» رقم (٦٤٤٠).

٣. «مرقاة المفاتيح»٩/ ٤٥٦.

٤. «شرح النوويّ»٧/ ١٣٩ - ١٤٠.

٥. «الفتح»١٤/ ٥٣٣.

٦. «الكاشف عن حقائق السنن» ١٠/ ٣٣٢٢ - ٣٣٢٣.

٧. «الفتح» ١٤/ ٥٣٢.

٨. قال في «الفتح»: قوله: «وقال لنا أبو الوليد» هو الطيالسيّ هشام بن عبد الملك، وشيخه حماد بن سلمة لم يَعُدُّوه فيمن خرّج له البخاري موصولًا، بل عَلَّم المزي على هذا السند في الأطراف علامة التعليق، وكذا رقّم لحماد بن سلمة في «التهذيب» علامة التعليق، ولم ينبّه على هذا الموضع، وهو مصير منه إلى استواء «قال فلان»، و«قال لنا فلان»، وليس بجيّد؛ لأن قوله: «قال لنا» ظاهر في الوصل، وإن كان بعضهم قال: إنها للإجازة، أو للمناولة، أو للمذاكرة، فكل ذلك في حكم الموصول، وإن كان التصريح بالتحديث أشدّ اتصالًا، والذي ظهر لي بالاستقراء من صنيع البخاريّ أنه لا يأتي بهذه الصيغة إلا إذا كان المتن ليس على شرطه في أصل موضوع كتابه، كان يكون ظاهره الوقف، أو في السند مَن ليس على شرطه في الاحتجاج، ثم ذكر أمثلة لذلك، فراجعه ١٤/ ٥٣٤ تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق.

٩. حديث حسنٌ، أخرجه الترمذيّ (٣٧٩٣) في «المناقب».

١٠. «الفتح»١٤/ ٥٣٥ - ٥٣٦«كتاب الرقاق» رقم (٦٤٤١).