HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٢١٧

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن المثننى وابن بشار. قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر. حدثنا شعبة. قال: سمعت قتادة يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَأْمُرُ بِالْمُتْعَةِ. وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَنْهَى عَنْهَا. قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. فَقَالَ: عَلَى يدَيَّ دارَ الحديثُ. تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ بِمَا شَاءَ. وَإِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ نَزَلَ مَنَازِلَهُ. فَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ. كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ. وَأَبِتُّوا نِكَاحَ هَذِهِ النِّسَاءِ. فَلَنْ أُوتَى بِرَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً إِلَى أجل، إلا رجمته بالحجارة.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص38
ج ٢ ص ٨٨٥

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٢ ص٦٢٥
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٤٦] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيٍّ الْقَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا أبُو هِشَامٍ الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً، وَنُحِل، قَالَ: وَكَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رِبْعِيٍّ الْقَيْسِيُّ) الْبَحْرانيّ البصريّ، صدوقٌ، من كبار [١١] (ت ٢٥٠) (ع) تقدم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤. ٢ - (أَبُو هِشَامٍ الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٠) (خت م د س ق) تقدم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤. ٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ، تقدّم قبل بابين. ٤ - (أَبُو بِشْرٍ) ابن أبي وَحْشيّة جعفر بن إياس، تقدّم أيضًا قبل بابين. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَنُحِلَّ) تقدّم أنه بضمّ أوله، وفتحه، من الإحلال، أو الحلّ. والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف - ﵀ -، أخرجه هنا [١٧/ ٢٩٤٦] (١٢١٦)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٧/ ١٢٦)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣١٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٤٧] (١٢١٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَأْمُرُ بِالْمُتْعَة، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَنْهَى عَنْهَا، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، فَقَالَ: عَلَى يَدَيَّ دَارَ الْحَدِيثُ، تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ، قَالَ: إِنَّ اللهَ كَانَ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ مَا شَاء بِمَا شَاءَ، وَإِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ نَزَلَ مَنَازِلَهُ، فَأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ، وَأَبِتُّوا نِكَاحَ هَذِهِ النِّسَاء، فَلَنْ أُوتَى بِرَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةٍ إِلَى أَجَلٍ، إِلَّا رَجَمْتُهُ بِالْحِجَارَةِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعَة الْعَبْديّ الْعَوَفيّ البصريّ، ثقةٌ [٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٧. والباقون ذُكروا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ - وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فرّق؛ لما مرّ غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة، وأبو نضرة علّق له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير جابر - ﵁ -، فمدنيّ. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث. ٥ - (ومنها): أن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة. ٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قُطَعَة - بضمّ القاف، وفتح الطاء المهملة - أنه (قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله - ﵄ - (يَأْمُرُ بِالْمُتْعَةِ) هي الاعتمار في أشهر الحجِّ قبل الحجّ، ثم الحجِّ من عامه ذلك (وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله - ﵄ - (يَنْهَى عَنْهَا) وفي رواية أبي عوانة: «قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة، فكان ابن الزبير ينهى عنها، وقال: إن أقوامًا قد أعمى الله قلوبهم، كما أعمى أبصارهم ، يُفتون الناس بغير علم، قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله …» الحديث. (قَالَ) أبو نضرة (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) أي: اختلافهما في المتعة (لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ - (فَقَالَ) جابر - ﵁ - (عَلَى يَدَيَّ دَارَ الْحَدِيثُ) أي: حديث جواز المتعة (تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ) أي: بأمر الخلافة بعد وفاة أبي بكر - ﵄ - (قَالَ: إِنَّ الله كَانَ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ) - ﷺ - (مَا شَاءَ بِمَا شَاءَ) أي: بالوحي الذي شاء إنزاله، من الآياتِ القرآنيّة، أو بالأحاديث النبويّة (وَإِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ نَزَلَ مَنَازِلَهُ) أي: استقرت أحكامه، وثبتت معالمه، فلا يقبل النسخ ولا التبديل، بعد أن توفي رسول الله - ﷺ -، ويعني بذلك: أن متعة الحج قد رفعت لَمّا أمر الله بإتمام الحج والعمرة، ومتعة النِّكَاح أيضًا كذلك؛ لما ذكر الله شرائط النِّكَاح في كتابه، وبيّن أحكامه، فلا يزاد فيها، ولا ينقص منها شي، ولا يغيّر . (فَأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ) أي: بقوله - ﷿ -: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، أراد بذلك أن الأمر بالإتمام يقتضي استمرار الإحرام إلى فراغ الحجّ، ومنع التحلّل، والمتمتّع يتحلّل، ويستمتع بما كان محظورًا عليه. وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: «فأتموا الحجَّ والعمرة لله كما أمر الله»، وفي الرواية الأخرى عن عمر - ﵁ -: «فافصلوا حجكم من عمرتكم، فإنه أتم لحجكم، وأتمّ لعمرتكم»، وذكر بعد هذا من رواية أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - أنه كان يفتي بالمتعة، ويحتج بأمر النبيّ - ﷺ - له بذلك، وقول عمر - ﵁ -: إن ناخذ بكتاب الله، فإن الله تعالى أمر بالإتمام، وذكر عن عثمان أنه كان ينهى عن المتعة، أو العمرة، وأن عليّا خالفه في ذلك، وأهلّ بهما جميعًا، وذكر قول أبي ذرّ - ﵁ -: كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد - ﷺ - خاصّةً، وفي رواية: رخصةً، وذكر قول عمران بن حصين - ﵄ - أن النبيّ - ﷺ - أعمر طائفةً من أهله في العشر، فلم تنزل آية تفسخ ذلك، وفي رواية: جمع بين حج وعمرة، ثم لَمْ ينزل فيها كتاب، ولم ينه. قال المازريّ - ﵀ -: اختُلِف في المتعة التي نَهَى عنها عمر في الحجّ، فقيل: هي فسخ الحج إلى العمرة، وقيل: هي العمرة في أشهر الحجّ، ثم الحج من عامه، وعلى هذا إنما نهى عنها ترغيبًا في الإفراد الذي هو أفضل، لا أنه يعتقد بطلانها، أو تحريمها. وقال القاضي عياض - ﵀ -: ظاهر حديث جابر، وعمران، وأبي موسى - ﵃ - أن المتعة التي اختلفوا فيها إنما هي فسخ الحج إلى العمرة، قال: ولهذا كان عمر - ﵁ - يضرب الناس عليها، ولا يضربهم على مجرد التمتع في أشهر الحج، وإنما ضربهم على ما اعتقده هو وسائر الصحابة أن فسخ الحج إلى العمرة كان مخصوصًا في تلك السنَة؛ للحكمة التي قدّمنا ذكرها. قال ابن عبد البر - ﵀ -: لا خلاف بين العلماء أن التمتع المراد بقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] هو الاعتمار في أشهر الحج قبل الحج، قال: ومن التمتع أيضًا القران؛ لأنه تمتع بسقوط سفره للنسك الآخر من بلده، قال: ومن التمتع أيضًا فسخ الحج إلى العمرة. انتهى كلام القاضي. قال النوويّ - ﵀ - بعد ذكر ما تقدّم: والمختار أن عمر وعثمان وغيرهما إنما نَهَوا عن المتعة التي هي الاعتمار في أشهر الحج، ثم الحج من عامه، ومرادهم نهيُ أولوية؛ للترغيب في الإفراد؛ لكونه أفضل، وقد انعقد الإجماع بعد هذا على جواز الإفراد، والتمتع، والقران من غير كراهة، وإنما اختلفوا في الأفضل منها، وقد سبقت هذه المسألة في أوائل هذا الباب مستوفاةً. انتهى كلام النوويّ. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها»؛ هذه المتعة التي اختلفا فيها: هي فسخ الحج في العمرة التي أمرهم بها النبيّ - ﷺ -، فكان ابن عباس - ﵄ - يرى أن ذلك جائز لغير الصحابة، وكان ابن الزبير - ﵄ - يرى أن ذلك خاص بهم، وهي التي قال فيها جابر بن عبد الله - ﵁ -: على يدي دار الحديث، تمتعنا مع رسول الله - ﷺ -، وهي التي منعها عمر - ﵁ -، واستَدَلَّ على منعها بقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، ولا معنى لقول مَن قال: إن اختلافهما كان في الأفضل بين المتعة التي هي الجمع بين الحج والعمرة في عام واحد وسفر واحد، وبين غيرها من الإفراد والقران؛ لأنه لو كان اختلافهما في ذلك لكان استدلال عمر ضائعًا؛ إذ كان يكون استدلالًا في غير محله، غير أنه لما كان لفظ المتعة يقال عليهما بالاشتراك خفي على كثير من الناس، وكذلك يصلح هذا اللفظ لمتعة النِّكَاح، ولذلك ذكرهما جابر عن عمر في نسق واحد، وكان ابن عباس أيضًا خالف في متعة النِّكَاح، ولم يبلغه ناسخها على ما يأتي في «النِّكَاح» - إن شاء الله تعالى - انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن الذي اختلف فيه ابن عبّاس، وابن الزبير، والذي كان ينهى عنه عمر وعثمان - ﵃ - هو المتعة مطلقًا، سواء المتعة التي هي فسخ الحجِّ إلى العمرة، أو المتعة التي هي الاعتمار في أشهر الحجّ، ثم الحجِّ بعده من عامه، كما يتبيّن ذلك فيما يأتي من قصّة أبي موسى الأشعريّ مع عمر - ﵄ -، وقصّة عليّ مع عثمان - ﵄ -، وغير ذلك مما هو واضح فيما قلته. ثم إن نهي هؤلاء الذين نهوا عنها إنما هو اجتهاد منهم، وقد خالفهم الجمهور، وهو الحقّ، وقد حمل بعضهم نهيهم على التنزيه، قال البيهقيّ في «سننه» بعد إخراج هذا الحديث ما نصّه: ونحن لا نشك في كونها - يعني المتعة - على عهد رسول الله - ﷺ -، لكنا وجدناه نَهَى عن نكاح المتعة عام الفتح بعد الإذن فيه، ثم لَمْ نجده - ﷺ - فيه بعد النهي عنه، حتى مضى لسبيله - ﷺ -، فكان نهي عمر بن الخطاب - ﵁ - عن نكاح المتعة موافقًا لسنة رسول الله - ﷺ -، فأخذنا به، ولم نجده منهى عن متعة الحج في رواية صحيحة عنه، ووجدنا في قول عمر - ﵁ - ما دل على أنه أحبّ أن يُفْصَل بين الحج والعمرة؛ ليكون أتمّ لهما، فحملنا نهيه عن متعة الحج على التنزيه، وعلى اختيار الإفراد على غيره، لا على التحريم، وبالله التوفيق. انتهى كلام البيهقيّ - ﵀ - ، وهو تحقيق نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ - ﵀ - في «شرح المهذّب» ما حاصله: قد ذكر العلماء في نهي عمر وعثمان - ﵄ - عن متعة الحجِّ تأويلين: [أحدهما]: أنهما نهيا عنه تنزيهًا، وحملًا للناس على ما هو الأفضل عندهما، وهو الإفراد، لا أنهما يعتقدان بطلان التمتع هذا، مع علمهما بقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. [والثاني]: أنهما كانا ينهيان عن التمتع الذي فعلته الصحابة في حجة الوداع، وهو فسخ الحج إلى العمرة؛ لأن ذلك كان خاصّا لهم، وهذا التأويل ضعيف، وإن كان مشهورًا، وسياق الأحاديث الصحيحة يقتضي خلافه. قال: ومن العلماء من أصحابنا وغيرهم من يقتضي كلامه أن مذهب عمر بطلان التمتع، وهو ضعيف، ولا ينبغي أن يُحْمَل كلامه عليه، بل المختار في مذهبه ما قدمته، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت لك أن الذي يظهر لي أن نهي عمر وعثمان - ﵄ - عن متعة الحج يعئم الفسخ أيضًا، كما سيتبيّن من قصّة أبي موسى الأشعريّ - ﵁ -، وغيره، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (وَأَبِتُّوا) بقطع الهمزة، أمر من الإبتات، وهو القطع (نِكَاحَ هَذِهِ النِّسَاءِ) يعني اللاتي عُقِد عليهنّ نكاح المتعة؛ أي: اقطعوا أمر نكاحهنّ، ولا تجعلوه غير مبتوت، بجعله مُتعة، مقدّرة بمدّة، أراد بذلك النهي عن متعة النساء، قال القرطبيّ - ﵀ -: وهذا منه أمر، وتهديدٌ، ووعيدٌ شديدٌ لمن استمر على ذلك بعد المتقدمة. انتهى. وقال النوويّ - ﵀ -: متعة النِّكَاح: هي نكاح المرأة إلى أجل، وكان مباحًا، ثم نُسِخ يوم خيبر، ثم أبيح يوم الفتح، ثم نُسِخ في أيام الفتح، واستمر تحريمه إلى الآن، وإلى يوم القيامة، وقد كان فيه خلاف في العصر الأول، ثم ارتفع، وأجمعوا على تحريمه، وسيأتي بسط أحكامه في «كتاب النِّكَاح» - إن شاء الله تعالى - انتهى . (فَلَنْ أُوتَى) بالبناء للمفعول (بِرَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً إِلَى أَجَلٍ) أي: نكحها نكاح المتعة (إِلَّا رَجَمْتُهُ بِالْحِجَارَةِ) هذا قاله - ﵁ - مبالغة في النهي والزجر، وإلا فهو - ﵁ - قد درأ الحدّ عن بَغِيّ بأجرة، فكيف لا يدرأ عن مستمتع؟ وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «إلَّا رجمته بالحجارة» هذا على جهة التغليظ، وظاهره: أنه كان يرجمه؛ لأنه قد كان حصل عنده على القطع والبتات نسخ نكاح المتعة، ثم إنه تقدم بهذا البيان الواضح والتغليظ الشديد؛ فكأنه لو أُتِي بمن فعل ذلك بعد تلك الأمور لحكم له بحكم الزاني المحصن، ولم يقبل له اعتذارًا بجهل ولا غيره. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثالثة): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٢٩٤٧ و٢٩٤٨] (١٢١٧) وسيأتي مختصرًا في [٣٠٢٦] (١٢٤٩)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (١٧٩٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٢٩٨)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٩/ ٢٤٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٣٩)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣١٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢١ و٧/ ٢٠٦) وفوائده تعلم مما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٤٨] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثنَا قَتَادَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَافْصِلُوا حَجَّكُمْ مِنْ عُمْرَتِكُمْ، فَإِنَّهُ أَتَمُّ لِحَجِّكُمْ، وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِكُمْ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَفانُ) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ، أبو عثمان الصفّار البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت ٢١٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٤. ٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٠. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: رواية همّام، عن قتادة هذه ساقها (أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٣٩) فقال: (٣٣٥٤) - حدّثنا يعقوب بن سفيان، نا عمر بن عاصم، نا همّام، نا قتادة، عن أبي نضرة، قلت لجابر بن عبد الله: إن ابن عباس يأمر بالمتعة، وإن ابن الزبير ينهى عنها، قال: فقال جابر: على يدي جرى الحديث، تمتعت مع رسول الله - ﷺ -، فنزل فيه القرءان، فلما وَليَ عمر بن الخطاب - ﵁ - خطب الناس، فقال: إن القرءان القرءان، والرسول الرسول، وإنهما كانتا متعتان على عهد رسول الله - ﷺ -، وأنهى عنهما، وأعاقب عليهما: إحداهما متعة الحج، فافصلوا بحجكم عن عمرتكم، والأخرى متعة النساء، فلا أقدر على رجل تزوج إلى أجل إلَّا غيّبته في الحجارة، زاد همام: فافصلوا حجكم من عمرتكم، وقال فيه: فإنه أتم لحجكم وعمرتكم. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٩٤٩] (١٢١٦) - (وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيع، وَقُتَيْبَةُ، جَمِيعًا عَنْ حَمَّادٍ، قَالَ خَلَف: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، يُحَدِّثُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَنَحْنُ نَقُولُ: لَبَّيْكَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ) المقرئ البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ) سليمان بن داود العَتَكيّ الزهرانيّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم أيضًا قبل بابين. ٤ - (أَيُّوبُ) بن أبي تَمِيمة السختيانيّ، تقدّم أيضًا قبل بابين. والباقيان ذُكرا في الباب، وشرح الحديث واضح، يُعلم مما سبق. [تنبيه]: قال في «الفتح»: يؤخذ من هذا الحديث فسخ الحجِّ إلى العمرة، وقد ذهب الجمهور إلى أنه منسوخ، وذهب ابن عبّاس - ﵄ - إلى أنه مُحكَم، وبه قال أحمد، وطائفة يسيرة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن دعوى النسخ غير صحيحة، وأن الحقّ هو ما ذهب إليه ابن عبّاس - ﵄ -، وأحمد بن حنبل وغيرهما، وهو مذهب البخاريّ وجمهور المحدّثين، فتبصّر، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٢٩٤٩] (١٢١٦)، و(البخاريّ) في «الحجِّ» (١٥٧٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٥٦ و٣٦٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٢/ ٣٣٤)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٣/ ٣١٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة عليّ بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة: قد انتهيتُ من كتابة الجزء الثاني والعشرين من «شرح صحيح الإمام مسلم» المسمَّى «البحرَ المحيطَ الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج» صباح يوم الجمعة المبارك الثامن من شهر صفر الخير (٨/ ٢/ ١٤٢٩ هـ) الموافق (١٥ فبراير ٢٠٠٨ م). أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣]. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]. «اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». «السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته». ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الثالث والعشرون مفتتحًا بـ (١٨) - (بَابُ ذِكْرِ حديثِ جابِرِ بنِ عبد اللهِ - ﵁ - الطويل في حِجَّةِ النبيِّ - ﷺ -) رقم الحديث [٢٩٥٠] (١٢١٨). «سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلَّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك». * * * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يوم الجمعة المبارك الثامن من شهر صفر الخير ٨/ ٢/ ١٤٢٩ هـ أول الجزء الثالث والعشرين من شرح «صحيح الإمام مسلم» المسمَّى «البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجَّاج» رحمه الله تعالى. (١٨) - (بَابُ ذِكْرِ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - ﵄ - الطَّوِيلِ فِي حِجَّةِ النَّبِيِّ - ﷺ -) [تنبيه]: قال النوويّ - ﵀ -: حديث جابر - ﵁ - هذا حديث عظيمٌ، مشتمل على جُمَل من الفوائد، ونفائسَ من مهمات القواعد، وهو من أفراد مسلم، لَمْ يروه البخاريّ في «صحيحه»، ورواه أبو داود كرواية مسلم، قال القاضي عياض: وقد تكلم الناس على ما فيه من الفقه، وأكثروا، وصَنَّف فيه أبو بكر بن المنذر جزءًا كبيرًا، وخرَّج فيه من الفقه مائة ونيفًا وخمسين نوعًا، ولو تقصى لزيد على هذا القدر قريب منه، وقد سبق الاحتجاج بنكت منه، في أثناء شرح الأحاديث السابقة، وسنذكر ما يحتاج إلى التنبيه عليه على ترتيبه - إن شاء الله تعالى - انتهى كلام النوويّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: وأنا - إن شاء الله تعالى - سأقوم بشرح الحديث شرحًا مستوعبًا، مستكملًا لمقاصده، ومستجمعًا لفوائده، ومستخرجًا لعوائده، بحيث تقرّ به عيون الراغبين من روّاده، وبالله تعالى أستعين، ومنه أطلب المدد والتمكين، إنه جواد كريم، رءوف رحيم. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
مصادر المؤلف (٩)

١. هذا قاله ابن الزبير بعد أن عمي ابن عباس - ﵃ -؛ لأنه عمي في آخر حياته.

٢. «المفهم» ٣/ ٣١٧ - ٣١٨.

٣. «المفهم» ٣/ ٣١٧.

٤. «السنن الكبرى» للبيهقيّ (٧/ ٢٠٦).

٥. راجع: «المجموع» ٧/ ١٤٣.

٦. «شرح النوويّ» ٨/ ١٦٩ - ١٧٠.

٧. «المفهم» ٣/ ٣١٨.

٨. راجع: «الفتح» ٤/ ٤٧١ - ٤٧٢.

٩. «شرح النوويّ» ٨/ ١٧٠.