عمر -﵁- قَدِمتُ حاجًّا، فبينا أنا أُحَدِّث الناس عند البيت بما أمرني رسول الله -ﷺ- إذ قدم رجل، فقال: دونك أيها الرجل بحديثك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك، فقلت: يا أيها الناس مَن سَمِعَ شيئًا، فلا يأخذ به، حتى يَقْدَم أمير المؤمنين، فبه ائتمُّوا، فلما قَدِمَ عمر -﵁-، قلت له: يا أمير المؤمنين أَحَدَثَ في النسك شيء؟ فغَضِبَ عمر أمير المؤمنين من ذلك، ثم قال: أَجَلْ، لئن نأخذ بكتاب الله فقد أمر الله بالتمام، وإن نأخذ بسنة رسول الله -ﷺ- بيننا، فإنه لم يَحِلّ حتى بلغ الهدي محله. انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى في شرح حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٩٦١] (١٢٢٢) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن الْحَكَمِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِي مُوسَى: أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِالْمُتْعَةِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: رُوَيْدَكَ بِبَعْضِ فُتْيَاكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي النُّسُكِ بَعْدُ، حَتَّى لَقِيَهُ بَعْدُ، فَسَأَلهُ، فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَدْ فَعَلَهُ وَأَصْحَابُهُ، وَلَكِنْ كَرِهْتُ أَنْ يَظَلُّوا مُعْرِسِينَ بِهِنَّ فِي الْأَرَاكِ، ثُمَّ يَرُوحُونَ فِي الْحَجِّ تَقْطُرُ رُءُوسُهُمْ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الكِنْديّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (عُمَارَةُ بْنُ عُمَيْرٍ) التيميّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] مات بعد المائة، أو قبلها (ع) تقدم في «الصلاة» ٢٩/ ٩٧٧.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ، وُلد في حياة رسول الله -ﷺ-، فسمّاه، وحَنّكه بتمرة، ودعا له بالبركة، عِداده في أهل الكوفة، ثقةٌ [٢].
رَوَى عن أبيه، والمغيرة بن شعبة، وعنه الشعبيّ، وعُمَارة بن عمير.
قال ابن حبان في «الصحابة»: لم يسمع من النبيّ -ﷺ-، روى عنه الحكم بن عُتيبة، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقة، وذكره جماعة في الصحابة على عادتهم فيمن له إدراك.
أخرج له المصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (كَانَ يُفْتِي بِالْمُتْعَةِ) أي بجواز التمتّع، والمراد فسخ الحجّ بعمل العمرة.
وقوله: (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ) لم يُعرف الرجل، كما قال صاحب «التنبيه» .
وقوله: (رُويدَكَ بِبَعْضِ فُتْيَاكَ) أي تمهّل عن بعض الأحكام التي تفتي الناس بها.
وقوله: (فِي النُّسُكِ) أي في شأن النسك.
وقوله: (بَعْدُ) بالضم، من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها: أي بعد ما كنت تعرفه من جواز التمتّع.
(فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَدْ فَعَلَهُ) أي التمتّع، بمعنى القران، أو المراد التمتع المعروف، ومعناه أمر بفعله، أو التمتّع الذي هو فسخ الحج بعمل العمرة، وقال السنديّ: أي فلا نهي عنه لذاته، بل لأن الناس لا يؤدّون حقّ الحجّ لأجله. انتهى.
وقوله: (كَرِهْتُ أَنْ يَظَلُّوا) -بفتح التحتانيّة، والظاء، وتشديد اللام- قال الفيّوميّ: وظلّ يَفْعَل كذا، من باب تَعِبَ ظُلُولًا: إذا فعله نهارًا، قال الخليل: لا تقول العرب: ظَلَّ إلا لعمل يكون بالنهار. انتهى.
وقوله: (مُعْرِسِينَ بِهِنَّ) اسم فاعل من الإعراس، لا من التعريس، قال الفيّوميّ: وأعرس بامرأته بالألف: دخل بها، وأعرس عَمِلَ عُرْسًا، وأما عرّسَ بامرأته بالتثقيل على معنى الدخول، فقالوا: هو خطأ، وإنما يقال: عرّس: إذا نزل المسافر ليستريح نزلةً، ثم يرتحل، قال أبو زيد: وقالوا: عرّس القوم في
المنزل تعريسًا: إذا نزلوا أيَّ وقت كان من ليل أو نهار، فالإعراس: دخول الرجل بامرأته، والتعريس: نزول المسافر ليستريح. انتهى .
وضمير «بهنّ» للنساء بقرينة المقام، وإن لم يذكرن.
وقال القرطبيّ ﵀: ولا يصحّ أن يكون من التعريس؛ لأن الرواية بتخفيف العين والراء؛ ولأن التعريس إنما هو النزول من آخر الليل، كما تقدّم، ويناقضه قوله: «يظلون»، و«يروحون»، فإنهما إنما يقالان على عمل النهار. انتهى.
وأراد عمر -﵁- وطأ النساء بعد التحلل من عمل العمرة.
وقوله: (فِي الْأَرَاكِ) متعلّق بقوله: «مُعْرِسِين»، وهو بفتح الهمزة: شجر معروف، ويَحْتَمِل أن يكون المراد به موضعًا معيّنًا قُرب نَمِرَة، فقد ذكر ذلك في «القاموس»، فقال: الأَراكُ كسحاب: القِطعةُ من الأرض، وموضع بعرفة قربَ نَمِرَة، وجبلٌ لِهُذيل، والْحَمْضُ، كالإراك بالكسر، وشجر من الْحَمْضِ يُستاك به، جمعه أُرُكٌ بضمّتين، وأرائك. انتهى .
وقوله: (ثُمَّ يَرُوحُونَ فِي الْحَجِّ) أي يذهبوا ملبين بالحجّ إلى منى، وعرفات.
وقوله: (تَقْطُرُ رُءُوسُهُمْ) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل، والمعنى أن عمر -﵁- كره التمتّع؛ لأنه يفضي إلى التحلّل الذي يفضي إلى مواقعة النساء المسبّب عنه الاغتسال الذي تقطر منه رؤوس المغتسلين.
والحاصل أنه أراد بذلك أن الأفضل للحاجّ أن يتفرّق شعره، ويتغيّر حاله، والتمتع في حقّ غالب الناس صار مؤديًا إلى خلافه، فنهاهم لذلك.
وقال النوويّ ﵀: معناه كَرِهْتُ التمتع؛ لأنه يقتضي التحلل ووطء النساء إلى حين الخروح إلى عرفات.
وقال الحافظ ﵀: وفي هذه الرواية تبيين عمر العلة التي لأجلها كَرِهَ التمتعَ، وكان من رأي عمر -﵁- عدم الترفّه للحجّ بكلّ طريق، فكره لهم قرب عهدهم بالنساء؛ لئلا يستمرّ الميل إلى ذلك بخلاف من بَعُدَ عهده به، ومن يُفطم ينفطم.
وقد أخرج مسلم من حديث جابر -﵁- أن عمر -﵁- قال: «افْصِلُوا حجكم من عمرتكم، فإنه أتمّ لحجكم، وأتمّ لعمرتكم»، وفي رواية: «إن الله يُحلّ لرسوله ما شاء، فأتموا الحجّ والعمرة كما أمركم الله». انتهى كلام الحافظ ﵀. ومال القرطبيّ ﵀ إلى أن ما كرهه عمر -﵁- هو فسخ الحجّ بعمل العمرة، ونصّه عند قوله: «كرهت أن يظلّوا بهنّ معرسين»: يعني أنه كره أن يَحِلّوا من حجهم بالفسخ المذكور، فيطؤون نساءهم قبل تمام الحجّ الذي كانوا أحرموا به، ولا يُظَنّ بمثل عمر -﵁- الذي جعل الله الحقّ على لسانه وقلبه أنه منع ما جوّزه رسول الله -ﷺ- بالرأي والمصلحة، فإن ذلك ظنُّ من لم يعرف عمر، ولا فهم استدلالة المذكور في الحديث.
وإنما تمسك بقول الله ﷿: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، ففهم أن من تلبّس بشيء منهما وجب عليه إتمامه، ثم ظهر له أن ما أمر به النبيّ -ﷺ- أصحابه قضيّة مخصوصة على ما ذكرناه فيما تقدّم، فقضى بخصوصيّة ذلك لأولئك، ثم إنه أطلق الكراهية، وهو يريد بها التحريم، وتجنّب لفظ التحريم؛ لأنه مما أدّاه إليه اجتهاده، وهذه طريقة كبراء الأئمة، كمالك، والشافعيِّ، وكثيرًا ما يقولون: أكره كذا، وهم يريدون التحريم، وهذا منهم تحرّزٌ، وحَذرٌ من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ الآية [النحل: ١٦]. انتهى كلام القرطبيّ ﵀.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ ﵀ تحقيق حسنٌ، ويؤيّده ما ثبت من أن عمر كان يضرب الناس على هذا، فلولا أنه كان يرى تحريمه لما ضرب الناس عليه.
والحاصل أن تأويل ما ثبت عن عمر -﵁- بما ذكر حسنٌ، ولكنه اجتهاد، خالفه فيه جُلّ الصحابة، حيث خالف النصّ الصحيح الصريح، فلا يعوّل عليه، وإن اعتُذر عنه بما ذُكر ففسخ الحج بعمل العمرة مشروع مستمرّ، ينبغي العمل به، كما ذهب إليّه المحققون.
والحديث أخرجه (المصنف) هنا [٢٠/ ٢٩٦١] (١٢٢٢)، وهو من أفراده، و(النسائي) في «المجتبى» (٥/ ١٥٣)، و(ابن ماجه) في «سننه» (٢٩٧٩)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٤٩ و٥٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.