HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٣٧٠

وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ. جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ. قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التيمي، عن أبيه، قال: خطبنا علي بن أبي طالب فقال: من زعم أن عندنا شيئا نقرأه إِلَّا كِتَابَ اللَّهِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ (قَالَ: وَصَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ فِي قِرَابِ سَيْفِهِ) فَقَدْ كَذَبَ. فِيهَا أَسْنَانُ الْإِبِلِ. وَأَشْيَاءُ مِنَ الْجِرَاحَاتِ. وَفِيهَا قَالَ النبي صلى الله تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ. فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا. أَوْ آوَى مُحْدِثًا. فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا. وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ. يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ. وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ. فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا«. وَانْتَهَى حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ وَزُهَيْرٍ عَنْدَ قَوْلِهِ»يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ» وَلَمْ يَذْكُرَا مَا بَعْدَهُ. وَلَيْسَ في حديثهما: معلقة في قراب سيفه.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص115
ج ٢ ص ٩٩٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٤ ص٥٤٤
لأن دعاءه -ﷺ- للمدينة بهذه البركة إنما هو على وجه العموم لها، فلا ينبغي تقييده بوقت دون وقت، فتفطّن. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه قبل حديثين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٢٨] (١٣٧٠) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيةَ، قَالَ أَبُو كُرَيْب: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ عِنْدَنَا شَيْئًا نَقْرَؤُهُ، إِلَّا كِتَابَ اللَّهِ، وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ، قَالَ: وَصَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ فِي قِرَابِ سَيْفِهِ، فَقَدْ كَذَبَ، فِيهَا أَسْنَانُ الإِبِلِ، وَأَشْيَاءُ مِنَ الْجِرَاحَاتِ، وَفَيهَا قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «الْمَدِينَةُ حَرَمٌ، مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّه، وَالْمَلَاِئِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا، وَلَا عَدْلًا، وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، وَمَنْ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّه، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا، وَلَا عَدْلًا»وَانْتَهَى حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ وَزُهَيْرٍ عِنْدَ قَوْلِهِ:«يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ»، وَلَمْ يَذْكُرَا مَا بَعْدَهُ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: مُعَلَّقَةٌ فِي قِرَابِ سَيْفِهِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ) ابن يزيد بن شَرِيك، أبو أسماء الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ٩٢) (ع) تقدم في«الإيمان»٧٨/ ٤٠٦. ٥ - (أَبُوهُ) يزيد بن شريك بن طارق التيميّ الكوفيّ، ثقةٌ، يقال: إنه أدرك الجاهليّة [٢] مات في خلافة عبد الملك (ع) تقدم في«الإيمان»٧٨/ ٤٠٦. ٦ - (عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) الهاشميّ، أبو الحسن، الخليفة الراشد، استُشهد -﵁- في رمضان سنة (٤٠) (ع) تقدم في«المقدمة» ٢/ ٢. والباقيان ذُكرا في الباب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفية أخذه عنهم، ثم فرّق؛ لاختلافهم في ذلك. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة سوى شيخيه: أبي بكر، وزهير، فما أخرج لهما الترمذيّ، وأما شيخه أبو كريب، فمن التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، سوى زُهير، فنسائيّ، ثم بغداديّ. ٤ - (ومنها)؛ أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، وفيه رواية الابن عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- ذو مناقب جمّة، فهو أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، ومات -﵁- وهو أفضل الأحياء من بني آدم في الأرض بإجماع أهل السنّة، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) يزيد بن شريك بن طارق، قال في «الفتح»: وهذه رواية أكثر أصحاب الأعمش عنه، وخالفهم شعبة، فرواه عن الأعمش، عن إبراهيم التيميّ، عن الحارث بن سُويد، عن عليّ، أخرجه أحمد، والنسائيّ، قال الدارقطنيّ في «العلل»: والصواب رواية الثوريّ ومن تبعه. انتهى . (قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) -﵁- (فَقَالَ: مَنْ) شرطيّة مبتدأ (زَعَمَ أَنَّ عِنْدَنَا شَيْئًا نَقْرَؤُهُ) وفي رواية البخاريّ: «ما عندنا شيء إلا كتاب اللَّه»، قال في «الفتح»: قوله: «ما عندنا شيءٌ»؛ أي: مكتوب، وإلا فكان عندهم أشياء من السنة سوى الكتاب، أو المنفيّ شيء اختصوا به عن الناس، وسبب قول عليّ هذا يظهر مما أخرجه أحمد، من طريق قتادة، عن أبي حسان الأعرج «أن عليًّا كان يأمر بالأمر، فيقال له: قد فعلناه، فيقول: صدق اللَّه ورسوله، فقال له الأشتر: إن هذا الذي تقول، أهو شيء عهده إليك رسول اللَّه -ﷺ-؟ قال: ما عهد إليّ شيئًا خاصّةً دون الناس، إلا شيئًا سمعته منه، فهو في صحيفة، في قراب سيفي، فلم يزالوا به، حتى أخرج الصحيفة، فإذا فيها. . .»، فذكر الحديث، وزاد فيه: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وشمعى بذمتهم أدناهم، وهم يَدٌ على من سواهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده»، وقال فيه: «إن إبراهيم حرّم مكة، وإني أحرّم ما بين حرتيها، وحماها كله، لا يُختلى خَلاها، ولا يُنَفَّر صيدها، ولا تلتقط لقطتها، ولا يقطع منها شجرة، إلا أن يَعْلِف رجل بعيره، ولا يُحْمَل فيها السلاح لقتال»، والباقي نحوه. وأخرجه الدارقطنيّ من وجه آخر عن قتادة، عن أبي حسان، عن الأشتر، عن عليّ، ولأحمد، وأبي داود، والنسائيّ من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عُباد، قال: انطلقت أنا، والأشتر إلى عليّ، فقلنا: هل عهد إليك رسول اللَّه -ﷺ- شيئًا لم يعهده إلى الناس عامة؟ قال: لا، إلا ما في كتابي هذا، قال: وكتاب في قراب سيفه، فإذا فيه: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم» فذكر مثل ما تقدم إلى قوله: «في عهده، من أحدث حدثًا» إلى قوله: «أجمعين»، ولم يذكر بقية الحديث. ولمسلم من طريق أبي الطفيل: «كنت عند عليّ، فأتاه رجل، فقال: ما كان النبيّ -ﷺ- يُسِرّ إليك؟ فغضب، ثم قال: ما كان يُسِرّ إليّ شيئًا يكتمه عن الناس، غير أنه حدّثني بكلمات أربع»، وفي رواية له: «ما خَصّنا بشيء، لم يعمّ به الناس كافّةً، إلا ما كان في قراب سيفي هذا، فأخرج صحيفة مكتوبًا فيها: لعن اللَّه من ذبح لغير اللَّه، ولعن اللَّه من سرق منار الأرض، ولعن اللَّه من لعن والده، ولعن اللَّه من آوى محدثًا». وفي رواية للبخاريّ في «العلم» من طريق أبي جُحيفة، قلت لعليّ: هل عندكم كتاب؟ قال: «لا، إلا كتاب اللَّه، أو فَهْمٌ أُعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة»، قال: قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: «العقلُ، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر». والجمع بين هذه الأخبار أن الصحيفة المذكورة كانت مشتملة على مجموع ما ذُكِر، فنَقَلَ كلُّ راوٍ بعضها، وأتمّها سياقًا طريق أبي حسان ، كما ترى، واللَّه أعلم. انتهى . (إِلَّا كِتَابَ اللَّهِ) «إلا» هنا بمعنى «غير»، فتكون صفة ثانية لـ «شيئًا»؛ أي: شيئًا غير كتاب اللَّه . (وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ، قَالَ) يزيد بن شريك (وَصَحِيفَة مُعَلَّقَةٌ فِي قِرَابِ سَيْفِهِ) بكسر القاف: هو الغلاف الذي يُجعل فيه السيف بغمده، وقوله: (فَقَدْ كَذَبَ) خبر المبتدإ، وهو «مَن» الشرطيّة. (٩٥٩) - حدّثنا عبد اللَّه، حدّثني أبي، ثنا بهز، ثنا همام، أنبأنا قتادة، عن أبي حسان، أن عليًّا -﵁- كان يأمر بالأمر، فيؤتى، فيقال: قد فعلنا كذا وكذا، فيقول: صدق اللَّه ورسوله، قال: فقال له الأشتر: إن هذا الذي تقول قد تفشى في الناس، أفشيء عهده إليك رسول اللَّه -ﷺ-؟ قال عليّ -﵁-: ما عَهِد إليّ رسول اللَّه -ﷺ- شيئًا خاصّة دون الناس إلا شيء سمعته منه، فهو في صحيفة في قراب سيفي، قال: فلم يزالوا به، حتى أخرج الصحيفة، قال: فإذا فيها: «من أحدث حَدَثًا، أو آوى محدثًا، فعليه لعنة اللَّه، والملائكة، والناس أجمعين، لا يُقْبَل منه صرف، ولا عدل -قال: وإذا فيها- إن إبراهيم حرّم مكة، وإني أُحَرِّم المدينة، حرام ما بين حرتيها، وحماها كله، لا يُختلى خلاها، ولا يُنَفَّر صيدها، ولا تلتقط لقطتها، إلا لمن أشار بها، ولا تُقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره، ولا يُحمل فيها السلاح لقتال». قال: وإذا فيها: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يَدٌ على من سواهم، ألا لا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده». انتهى. وفي رواية البخاريّ في «كتاب الجزية» من طريق سفيان، عن الأعمش: «ما كتبنا عن رسول اللَّه -ﷺ- إلا القرآن، وما في هذه الصحيفة»، وفي رواية له في «العلم» من طريق مُطَرِّف، عن الشعبيّ، عن أبي جحيفة قال: قلت لعليّ -﵁-: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب اللَّه، أو فَهْمٌ أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال الحافظ: قوله: «هل عندكم» الخطاب لعليّ -﵁-، والجمع إما لإرادته مع بقية أهل البيت، أو للتعظيم، وقوله: «كتاب» أي: مكتوب أخذتموه عن رسول اللَّه -ﷺ-، مما أوحي إليه، ويدل على ذلك رواية البخاريّ في «الجهاد»: «هل عندكم شيء من الوحي، إلا ما في كتاب اللَّه؟». وله في «الديات»: «هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟»، وفي «مسند إسحاق ابن راهويه» -﵀- عن جرير، عن مُطَرِّف: «هل علمت شيئًا من الوحي؟». وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك؛ لأن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن عند أهل البيت لا سيّما عليّ أشياءَ من الوحي، خَصَّهم النبيّ -ﷺ- بها لم يطلع غيرهم عليها. وقد سأل عليًّا عن هذه المسألة أيضًا قَيس بن عُبَاد -بضم العين، وتخفيف الباء- والأشتر النخعيّ، وحديثهما عند النسائيّ، ومسند الإمام أحمد (١/ ١٢٢). (فِيهَا)؛ أي: في تلك الصحيفة المعلّقة في قراب سيفه (أَسْنَانُ الإِبِلِ)؛ أي: بيان مقادير أسنان الإبل التي تُعطى في الدية (وَأَشْيَاءُ مِنَ الْجِرَاحَاتِ)؛ أي: الجراحات التي تكون في بدن الإنسان بسبب الاعتداء عليه، فيجب فيها القصاص، أو الدية. (وَفِيهَا)؛ أي: تلك الصحيفة أيضًا (قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «الْمَدِينَةُ حَرَمٌ، مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ) قال النوويّ -﵀-: أما»عَيْرٌ« فبفتح العين المهملة، وإسكان المثناة تحتُ، وهو جبل معروف، قال القاضي عياض: قال مصعب بن الزبير وغيره: ليس بالمدينة عَيْرٌ، ولا ثَوْرٌ، قالوا: وإنما ثور بمكة، قال: وقال الزبير: عَيْرٌ جبل بناحية المدينة، قال القاضي: أكثر الرواة في كتاب البخاري ذكروا عَيْرًا، وأما ثور فمنهم من كَنَى عنه بكذا، ومنهم من ترك مكانه بياضًا؛ لأنهم اعتقدوا ذكر ثور هنا خطأ، قال المازريّ: قال بعض العلماء: ثور هنا وَهَمٌ من الراوي، وإنما ثور بمكة، قال: والصحيح إلى أُحُدٍ، قال القاضي: وكذا قال أبو عبيد: أصل الحديث من عَيْرٍ إلى أُحُد، هذا ما حكاه القاضي، وكذا قال أبو بكر الحازميّ الحافظ وغيره من الأئمة: إن أصله من عَيْر إلى أُحُد. قال النوويّ: ويَحْتَمِل أن ثورًا كان اسمًا لجبل هناك، إما أُحد، وإما غيره، فخفي اسمه، واللَّه أعلم. (واعلم): أنه جاء في هذه الرواية ما بين عَيْر إلى ثَوْر، أو إلى أُحُد على ما سبق، وفي رواية أنس السابقة: «اللهم إني أُحَرِّم ما بين جبليها»، وفي الروايات السابقة: «ما بين لابتيها»، والمراد باللابتين الحرتان، كما سبق، وهذه الأحاديث كلها متفقة، فما بين لابتيها بيان لحدّ حَرَمها من جهتي المشرق والمغرب، وما بين جبليها بيان لحدّه من جهة الجنوب والشمال، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ -﵀- . وقد تقدّم في حديث أنس -﵁-: «المدينة حرَمٌ من كذا إلى كذا»، قال في «الفتح»: هكذا جاء مبهمًا وسيأتي في حديث عليّ -﵁- أي عند البخاريّ- بلفظ: «ما بين عائر إلى كذا»، فعيَّن الأول، وهو بمهملة وزن فاعل، وذكره في «الجزية» وغيرها بلفظ: «عَيْرٍ» بسكون التحتانية، وهو جبل بالمدينة، كما سنوضحه. قال: واتفقت روايات البخاريّ كلها على إبهام الثاني، ووقع عند مسلم: «إلى ثور»، فقيل: إن البخاريّ أبهمه عمدًا؛ لما وقع عنده أنه وَهَمٌ، وقال صاحب المشارق، والمطالع: أكثر رواة البخاريّ ذكروا عَيْرًا، وأما ثور فمنهم من كَنَى عنه بكذا، ومنهم من ترك مكانه بياضًا، والأصل في هذا التوقفِ قولُ مصعب الزبيريّ: ليس بالمدينة عَيْر، ولا ثور، وأثبت غيره عَيْرًا، ووافقه على إنكار ثور، قال أبو عبيد: قوله: «ما بين عير إلى ثور» هذه رواية أهل العراق، وأما أهل المدينة، فلا يعرفون جبلًا عندهم، يقال له: ثور، وإنما ثور بمكة، ونرى أن أصل الحديث: ما بين عير إلى أُحُد. قال الحافظ: وقد وقع ذلك في حديث عبد اللَّه بن سلام عند أحمد، والطبرانيّ. وقال عياض: لا معنى لإنكار عير بالمدينة، فإنه معروف، وقد جاء ذِكره في أشعارهم، وأنشد أبو عبيد البكريّ في ذلك عِدّة شواهد، منها قول الأحوص المدنيّ الشاعر المشهور [من الطويل]: فَقُلْتُ لِعَمْرٍو تِلْكَ يَا عَمْرُو نَارُهُ … تَشِبُّ قَفَا عَيْرٍ فَهَلْ أَنْتَ نَاظِرُ وقال ابن السِّيد في «المثَلَّث»: عَيْرٌ اسم جبل بقرب المدينة معروف، وروى الزبير في أخبار المدينة، عن عيسى بن موسى، قال: قال سعيد بن عمرو لبشر بن السائب: أتدري لِم سكنّا العقبة؟ قال: لا، قال: لأنا قتلنا منكم قتيلًا في الجاهلية، فأُخرجنا إليها، فقال: وددت لو أنكم قتلتم منا آخر، وسكنتم وراء عَيْرٍ، يعني جبلًا، كذا في نفس الخبر. وقد سلك العلماء في إنكار مصعب الزبيريّ لعير وثور مسالك، منها ما تقدّم، ومنها قول ابن قُدامة: يَحْتَمِل أن يكون المراد: مقدار ما بين عير وثور، لا إنهما بعينهما في المدينة، أو سَمَّى النبيّ -ﷺ- الجبلين اللذين بطرفي المدينة عَيْرًا وثَوْرًا؛ ارتجالًا، وحكى ابن الأثير كلام أبي عبيد مختصرًا، ثم قال: وقيل: إن عيرًا جبل بمكة، فيكون المراد: أحرم من المدينة مقدار ما بين عير وثور بمكة على حذف المضاف، ووصف المصدر المحذوف. وقال النوويّ: يَحْتَمِل أن يكون ثور كان اسم جبل هناك، إما أُحد، وإما غيره. وقال المحب الطبريّ في «الأحكام» بعد حكاية كلام أبي عبيد، ومن تبعه: قد أخبرني الثقة العالم أبو محمد عبد السلام البصريّ أن حِذاء أُحُد عن يساره جانحًا إلى ورائه جبل صغير، يقال له: ثور، وأخبر أنه تكرر سؤاله عنه لطوائف من العرب؛ أي: العارفين بتلك الأرض، وما فيها من الجبال، فكل أخبر أن ذلك الجبل اسمه ثور، وتواردوا على ذلك، قال: فعلمنا أن ذكر ثور في الحديث صحيح، وأن عدم علم أكابر العلماء به؛ لعدم شهرته، وعدم بحثهم عنه، قال: وهذه فائدة جليلة. انتهى. قال الحافظ: وقرأت بخط شيخ شيوخنا القطب الحلبيّ في «شرحه»: حَكَى لنا شيخنا الإمام أبو محمد عبد السلام بن مزروع البصريّ، أنه خَرَج رسولًا إلى العراق، فلما رجع إلى المدينة كان معه دليلٌ، وكان يذكر له الأماكن والجبال، قال: فلما وصلنا إلى أُحُد، إذا بقربه جبل صغير، فسألته عنه، فقال: هذا يسمى ثورًا، قال: فعلمت صحة الرواية. قال الحافظ: وكأن هذا كان مبدأ سؤاله عن ذلك، وذكر شيخنا أبو بكر بن حسين المراغيّ نزيل المدينة في مختصره لأخبار المدينة: أن خَلَف أهل المدينة ينقلون عن سلفهم، أن خَلْف أُحُد من جهة الشمال جبلًا صغيرًا إلى الحمرة بتدوير يسمى ثورًا، قال: وقد تحققته بالمشاهدة. قال الحافظ: وأما قول ابن التين أن البخاريّ أبهم اسم الجبل عمدًا؛ لأنه غَلَطٌ، فهو غلط منه، بل إبهامه من بعض رواته، فقد أخرجه في «الجزية»، فسمّاه، واللَّه أعلم. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن من هذا البحث الطويل أن الصواب أن ما وقع في «صحيح مسلم» هنا بلفظ: «المدينة حرم ما بين عَيْر وثور» رواية صحيحة؛ لِما مرّ آنفًا من أن المحقّقين أثبتوا وجود جبلين مسمّيين بهذين الاسمين، فلا يضرّ عدم معرفة كثير ممن قصّر في البحث والتتبّع لهما؛ فإن من حفظ حجة على من لم يحفظ، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (فَمَنْ أَحْدَثَ)؛ أي: فعل (فِيهَا)؛ أي: في المدينة (حَدَثًا) بفتحتين؛ أي: منكرًا، أو بدعةً، وهي ما خالف الكتاب والسنّة، وقال العينيّ -﵀-: هو الأمر الحادث الذي ليس بمعتاد، ولا معروف في السنّة. انتهى. (أَوْ آوَى)؛ أي: ضمّ، وحمي، ومكّن، وأجار (مُحْدِثًا) بكسر الدال، وفتحها على الفاعل والمفعول، فمعنى الكسر: من نصر جانيًا، وآواه، وأجاره من خصمه، وحال بينه وبين أن يقتصّ منه، ومعنى الفتح: هو الأمر المبتدَع نفسه، ويكون معنى إيوائه: الرضا به، فإنه إذا رضي ببدعته، وأقرّ عليها، ولم يُنكرها، فقد آواه، قاله العينيّ، وقال القاري: بكسر على الرواية الصحيحة؛ أي: مبتدعًا، وقيل: أي: جانيًا بأن يحول بينه وبين خصمه أن يقتصّ منه، ويُروى بفتح الدال؛ أي: أمرًا مبتَدَعًا، وإيواؤه الرضا به، والصبر عليه. انتهى. (فَعَلَيْهِ)؛ أي: فعلى كلّ منهما (لَعْنَةُ اللَّهِ)؛ أي: طرده، وإبعاده من رحمته (وَالْمَلَائِكَةِ)؛ أي: دعاؤهم عليه بالبعد عن رحمة اللَّه تعالى (وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)؛ أي: عليه دعاؤهم بالطرد من رحمة اللَّه تعالى (لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا، وَلَا عَدْلًا) قال في «الفتح»: اختُلِف في تفسيرهما، فعند الجمهور: الصرف الفريضة، والعدل النافلة، ورواه ابن خزيمة بإسناد صحيح، عن الثوريّ، وعن الحسن البصريّ بالعكس، وعن الأصمعيّ: الصرف التوبة، والعدل الفدية، وعن يونس مثله، لكن قال: الصرف الاكتساب، وعن أبي عبيدة مثله، لكن قال: العدل الحيلة، وقيل: المثل، وقيل: الصرف الدية، والعدل الزيادة عليها، وقيل: بالعكس، وحكى صاحب «المحكم»: الصرف الوزن، والعدل الكيل، وقيل: الصرف القيمة، والعدل الاستقامة، وقيل: الصرف الدية، والعدل البديل، وقيل: الصرف الشفاعة، والعدل الفدية؛ لأنها تعادل الدية، وبهذا الأخير جزم البيضاويّ، وقيل: الصرف الرشوة، والعدل الكفيل، قاله أبان بن ثعلب، وأنشد: لَا نَقْبَلُ الصَّرْفَ وَهَاتُوا عَدْلَا فحصلنا على أكثر من عشرة أقوال. انتهى . (وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ)؛ أي: عهدهم وأمانهم (وَاحِدَةٌ)؛ أي: كالشيء الواحد، لا يختلف باختلاف مراتب الناس، فلا يجوز لأعلى الناس أن ينقض ما عقدهم أدناهم. وحاصل المعنى: أن أمان المسلمين للكافر صحيح، فإذا أَمَّنه واحدٌ من المسلمين حَرُم على غيره التعرض له ما دام في أمْن المسلم، وللأمان شروط معروفة. وقال البيضاويّ: الذِّمة: العهد، سُمّي بها؛ لأنه يُذَمّ متعاطيها على إضاعتها. وقوله: (يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ)؛ أي: يتولاها، ويلي أمرها أدنى المسلمين مرتبة، والمعنى أن ذمة المسلمين واحدة، سواءٌ صدرت من واحد، أو أكثر، شريفٍ، أو وضيعٍ، فإذا أَمَّن أَحد من المسلمين كافرًا، وأعطاه ذمة لم يكن لأحد نقضه، فيستوي في ذلك الرجلُ، والمرأةُ، والحرّ، والعبد؛ لأن المسلمين كنفس واحدة. قال النوويّ: فيه دلالة لمذهب الشافعيّ، وموافقيه أن أمان المرأة والعبد صحيح؛ لأنهما أدنى من المذكور الأحرار. انتهى . وقال في «الفتح»: دخل في قوله: «أدناهم» -أي: أقلُّهم- كلُّ وضيع بالنصّ، وكلُّ شريف بالفحوي، فدخل في أدناهم: المرأة، والعبد، والصبيّ، والمجنون. قال: فأما المرأة، فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة، إلا شيئًا ذكره عبد الملك؛ يعني ابن الماجشون، صاحب مالك، لا أحفظ ذلك عن غيره، قال: إن أمر الأمان إلى الإمام، وتأوّل ما ورد مما يخالف ذلك على قضايا خاصّة، قال ابن المنذر: وفي قول النبيّ -ﷺ-: «يسعى بذمتهم أدناهم» دلالة على إغفال هذا القائل. انتهى. وجاء عن سحنون مثل قول ابن الماجشون، فقال: هو إلى الإمام: إن أجازه جاز، وإن ردّه رُدّ. وأما العبد فأجاز الجمهور أمانه، قاتل أو لم يقاتِل، وقال أبو حنيفة: إن قاتل جاز أمانه، وإلا فلا، وقال سحنون: إذا أذن له سيده في القتال صح أمانه، وإلا فلا. وأما الصبي فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن أمان الصبي غير جائز. انتهى. قال الحافظ: وكلام غيره يشعر بالتفرقة بين المراهق وغيره، وكذلك المميِّز الذي يعقل، والخلاف عن المالكية والحنابلة. وأما المجنون فلا يصح أمانه بلا خلاف، كالكافر، لكن قال الأوزاعيّ: إن غزا الذميّ مع المسلمين فأَمَّن أَحَدًا، فإن شاء الإمام أمضاه، وإلا فليردّه إلى مأمنه. وحكى ابن المنذر عن الثوريّ أنه استثنى من الرجال الأحرارِ الأسير في أرض الحرب، فقال: لا ينفذ أمانه، وكذلك الأجير. انتهى . (وَمَنْ ادَّعَى)؛ أي: انتسب (إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ) المعروف (أَوْ انْتَمَى)؛ أي: انتسب (إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ) وفي رواية البخاريّ: «ومن والى قومًا بغير إذن مواليه»، قال في «الفتح»: قوله: «ومن يتولى قومًا بغير إذن مواليه» لم يَجعل الإذن شرطًا لجواز الادّعاء، وإنما هو لتأكيد التحريم؛ لأنه إذا استأذنهم في ذلك منعوه، وحالوا بينه وبين ذلك. قاله الخطابيّ وغيره. ويَحتَمِل أن يكون كَنَى بذلك عن بيعه، فإذا وقع بيعه جاز له الانتماء إلى مولاه الثاني، وهو غير مولاه الأول، أو المراد موالاة الحِلْف، فإذا أراد الانتقال عنه لا ينتقل إلا باذن. وقال البيضاويّ: الظاهر أنه أراد به ولاء العتق؛ لعطفه على قوله: «من ادَّعى إلى غير أبيه»، والجمعِ بينهما بالوعيد، فإن العتق من حيث إنه لُحْمة كلُحْمة النسب، فإذا نُسب إلى غير من هو له، كان كالدّعِيّ الذي تبرأ عمن هو منه، وأَلحق نفسه بغيره، فيستحق به الدعاء عليه بالطرد، والإبعاد عن الرحمة. ثم أجاب عن الإذن بنحو ما تقدم، وقال: ليس هو للتقييد، وإنما هو للتنبيه على ما هو المانع، وهو إبطال حق مواليه، فأورد الكلام على ما هو الغالب. انتهى . (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا، وَلَا عَدْلًا»). وقوله: (وَانْتَهَى حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ) يعني ابن أبي شيبة شيخه الأول (وَزُهَيْرٍ) يعني ابن حرب، شيخه الثاني (عِنْدَ قَوْلِهِ:«يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ»، وَلَمْ يَذْكُرَا مَا بَعْدَهُ، وَلَيْسَ في حَدِيثِهِمَا: مُعَلَّقَةٌ في قِرَابِ سَيْفِهِ). قال الجامع عفا اللَّه عنه: أما حديث زهير، فقد أخرجه أبو يعلى في«مسنده»(١/ ٢٢٨) فقال: (٢٦٣) - حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش، عن إبراهيم التيميّ، عن أبيه، قال: خطبنا عليّ، فقال: من زعم أن عندنا شيئًا نقرؤه، إلا كتاب اللَّه، وهذه الصحيفة، صحيفة فيها أسنان الإبل، وأشياء من الجراحات، فقد كذب، قال: وفيها: قال رسول اللَّه -ﷺ-:«المدينة حرمٌ ما بين عير إلى ثور، من أحدث فيها حَدَثًا، أو آوى مُحْدِثًا، فعليه لعنة اللَّه، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل اللَّه منه يوم القيامة عدلًا، ولا صرفًا، وذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم». انتهى. وأما حديث أبي بكر بن أبي شيبة، فلم أجد من ساقه بسياق المصنّف، وأخرجه هو في«مصنّفه»(٦/ ٥١٠) مختصرًا موقوفًا على عليّ -﵁-، ولفظه: (٣٣٣٩٦) - حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم التيميّ، عن أبيه، عن عليّ، قال:«ذمّة المسلمين واحدةٌ، يسعى بها أدناهم». انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عليّ بن أبي طالب -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨٢/ ٣٣٢٨ و٣٣٢٩ و٣٣٣٠] (١٣٧٠) وسيعيده في«كتاب العتق»أيضًا، و(البخاريّ) في«الحجّ»(١٨٧٠) و«الجزية»(٣١٧٢ و٣١٧٩) و«الفرائض»(٦٧٥٥ و٦٩٠٣ و٦٩١٥) و«الاعتصام بالكتاب والسنّة»(٧٣٠٠)، و(أبو داود) في«المناسك»(٢٠٣٤)، و(الترمذيّ) في«الولاء والهبة»(٢١٢٧)، و(النسائيّ) في«الكبرى»(٢/ ٤٨٦)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(٩/ ٢٦٣)، و(أحمد) في«مسنده»(١/ ٨١ و١٥١ و١٢٦)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٣/ ٢٤٠ - ٢٤١)، و(أبو نعيم) في«مستخرجه»(٤/ ٤٠ - ٤١)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٣٧١٦ و٣٧١٧)، و(أبو يعلى) في«مسنده»(٢٦٣)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٥/ ١٩٦ و٨/ ١٩٣ و٩/ ٩٣) و«الصغرى»(٨/ ٥١) و«المعرفة» (٧/ ٣٣)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل المدينة، وأنها حرم ما بين عَيْر إلى ثور، فلا يُنفّر صيدها، ولا يُقطع شجرها، إلَّا لعلف الدوابّ. ٢ - (ومنها): بيان تحريم إحداث البدع والْخُرافات، وسائر المحرّمات في المدينة، وهو إن كان حرامًا في غيرها، إلَّا أنه فيها أشدّ، وأخطر؛ لأنها موطن رسول اللَّه -ﷺ-، ودار الهجرة، ومهبط الوحي، ومأوى الصالحين، فيُشدّد فيها ما لا يُشدّد في غيرها، فمن خالف في ذلك، وأحدث ما لم يأذن به اللَّه -﷾-، فعليه الوعيد المذكور في الحديث. ٣ - (ومنها): أن في قول عليّ -﵁-: «من زعم أن عندنا شيئًا نقرؤه إلَّا كتاب اللَّه، وهذه الصحيفة، فقد كذب» تصريح منه -﵁- بإبطال ما تزعمه الرافضة والشيعة، ويخترعونه من قولهم: إن عليًّا -﵁- أوصى إليه النبيّ -ﷺ- بأمور كثيرة، من أسرار العلم، وقواعد الدين، وكنوز الشريعة، وأنه -ﷺ- خَصّ أهل البيت بما لم يُطلع عليه غيرهم، وهذه دعاوى باطلة، واختراعات فاسدة، لا أصل لها، ويكفي في إبطالها قول عليّ -﵁- هذا، قاله النوويّ -﵀- . ٤ - (ومنها): أن فيه دليلًا على جواز كتابة العلم، وقد بوّب البخاريّ -﵀- في «كتاب العلم» من «صحيحه»: «باب كتابة العلم»، ثم أورد حديث عليّ -﵁- هذا من رواية أبي جُحيفة عنه. انتهى. ٥ - (ومنها): بيان وحدة أمان المسلمين، وأن من عقد أمانًا لكافر لا يحلّ لغيره نقضه، سواء كان رجلًا كان أو امرأةً، حرًّا كان، أو عبدًا، فمن نقض عهد مسلم، فعليه الوعيد المذكور في الحديث. ٦ - (ومنها): أنه صريح في غِلظ تحريم انتماء الإنسان إلى غير أبيه، أو انتماء العتيق إلى ولاء غير مواليه؛ لما فيه من كفر النعمة، وتضييع حقوق الإرث، والولاء، والعَقْل، وغير ذلك، مع ما فيه من قطيعة الرحم، والعقوق، فمن فعل ذلك، فعليه الوعيد المذكور في الحديث أيضًا. قال الأبيّ -﵀-: ومن الانتماء إلى غير الأب: انتماء ولد الزنا إلى من يعرف أنه خُلق من مائه الفاسد؛ لأنه ليس باب شرعيّ. [فإن قلت]: فقول الغلام في حديث جُريج الراهب: أبي الراعي فلان، يدلّ على أنه أبٌ حقيقيّ. [أجيب]: بأن ذلك شرع من قبلنا، أو أنه أبٌ لغةً، والمقصود في الحديث إنما هو البيان مِنْ ماء من هو؟ ومن ذلك ما يتّفق لكثير من المرابطين ينتمي، ويقول: أنا ابن فلان، وليس بابنه، وإنما يقوله يتوصّل به لنيل شيء من الدنيا، أو ليُكرَم، وإن كان إنما يقول ذلك ليأمن على نفسه، فذلك خفيفٌ، ولكن يورّي أحسنُ له. انتهى ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٢٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، جَمِيعًا عَن الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي كُرَيْب، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، إِلَى آخِرِهِ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: «فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفٌ، وَلَا عَدْلٌ»، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: «مَن ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ»، وَلَيْسَ في رِوَايَةِ وَكِيعٍ ذِكْرُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٢ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) هو: عبد اللَّه بن سعيد بن حصين الكنديّ، أحد التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ) هكذا النسخ، «وزاد» بإفراد الضمير، وهو يعود إلى عليّ بن مسهر، ووكيع، بتأويل؛ أي: زاد كلٌّ منهما. وقوله: (فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا. . . إلخ) -بالخاء المعجمة، والفاء-؛ أي: نقض العهد، يقال: خَفَرته بغير ألف: إذا أمّنته، وأخفرته بالألف: إذا نقضت عهده، والمعنى: فمن نقض أمان مسلم، فتعرّض لكافر أَمّنه مسلم، فعليه لعنة اللَّه. . . إلخ. [تنبيه]: أما رواية عليّ بن مسهر، عن الأعمش، فلم أجد من ساقها بتمامها. وأما رواية وكيع، عن الأعمش، فقد ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: حدّثني مُحَمَّدٌ، أخبرنا وَكِيعٌ، عن الْأَعْمَشِ، عن إبراهيم التَّيْمِيِّ، عن أبيه، قال: خَطَبَنَا عَلِيٌّ، فقال: ما عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ، إلَّا كِتَابَ اللَّهِ، وما في هذه الصَّحِيفَةِ، فقال: فيها الْجِرَاحَاتُ، وَأَسْنَانُ الْإِبِلِ، وَالْمَدِينَةُ حَرَمٌ ما بين عَيْرٍ إلى كَذَا، فَمَنْ أَحْدَثَ فيها حَدَثًا، أو آوَى فيها مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ منه صَرْفٌ، ولا عَدْلٌ، وَمَنْ تَوَلَّى غير مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ مِثْلُ ذلك، وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا، فَعَلَيْهِ مِثْلُ ذلك. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٣٣٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ، وَوَكِيعٍ، إِلَّا قَوْلَهُ: «مَنْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ»، وَذِكْرَ اللَّعْنَةِ لَهُ) . رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) على الأصحّ وله (٨٥) سنةً (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٥. [تنبيه]: وقع في نسخة شرح النوويّ، وكذا بعض النسخ الأخرى: «عبد اللَّه بن عمر» بتكبير «عبد»، وهو غلط، والصواب ما في شرح الأبيّ: «عبيد اللَّه» بالتصغير، فتنبّه، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) هو: محمد بن أبي بكر بن عليّ بن
مصادر المؤلف (١٢)

١. «الفتح» ٥/ ١٨٢.

٢. نصّ «المسند» (١/ ١١٩):

٣. «الفتح» ٥/ ١٨٢ - ١٨٣.

٤. راجع: «مغني اللبيب عن كتب الأعاريب» في مجيء «إلا» بمعنى «غير» ١/ ١٤٨ - ١٥٢.

٥. «شرح النوويّ» ٩/ ١٤٣.

٦. «الفتح» ٥/ ١٨٣.

٧. «شرح النوويّ» ٩/ ١٤٤.

٨. راجع: «الفتح» ٧/ ٤٦٣ - ٤٦٥ «كتاب الجزية» رقم (٣١٧١ و٣١٧٢).

٩. «الفتح»٥/ ١٨٤.

١٠. «شرح النوويّ» ٩/ ١٤٣.

١١. راجع: «شرح الأبيّ» ٣/ ٤٦٤.

١٢. وفي نسخة: «وذكر اللعنة لهم».