HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٤٧٥

وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ. حدثنا ابْنُ وَهْبٍ. ح وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ (وَاللَّفْظُ لَهُ). أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَت: لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي. فقَالَ: «إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا. فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ» قَالَت: قَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ. قَالَت: ثُمَّ قَالَ: إن الله ﷿ قال: ﴿يا أيها النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا. وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [٣٣ /الأحزاب/ ٢٨ و٢٩] قال فَقُلْتُ: فِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ. قَالَت: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مثل ما فعلت.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج4 ص185
ج ٢ ص ١١٠٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٢٩٨
[٢٥٩] حديث عائشة ﵂ : في الحديث دليل على الرجل إذا خير امرأته فاختارت زوجها؛ لم يكن ذلك طلاقا، وفيه دليل أن الخيار إنما يكون للمرأة ما دامت في مجلسها، إذ قال: (لَا عَلَيكِ أَن لَا تَعجَلِي حَتَّى تَستَأْمِرِي أَبَوَيكِ).
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٦ ص١٢١
(٥٢٦٨) - حدّثنا فَرْوَة بن أبي الْمَغْرَاء، حدّثنا عليّ بن مُسْهِر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - ﵂ - قالت: كان رسول الله - ﷺ - يحب العسل والحلواء، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه، فيدنو من إحداهنّ، فدخل على حفصة بنت عمر، فاحتبس أكثر ما كان يحتبس، فَغِرت، فسألت عن ذلك، فقيل لي: أَهدت لها امرأة من قومها عُكَّةً من عسل، فسَقَت النبيّ - ﷺ - منه شربةً، فقلت: أما والله لنحتالنّ له، فقلت لسودة بنت زمعة: إنه سيدنو منك، فإذا دنا منك، فقولي: أكلت مغافير؟ فإنه سيقول لك: لا، فقولي له: ما هذه الريح التي أجد منك؟ فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي له: جَرَسَتْ نحله الْعُرْفُط، وسأقول ذلك، وقولي أنت يا صفية: ذاك، قالت: تقول سودة: فوالله ما هو إلا أن قام على الباب، فأردت أن أباديه بما أمرتني به؛ فَرَقًا منك، فلما دنا منها، قالت له سودة: يا رسول الله أكلت مغافير؟ قال: «لا»، قالت: فما هذه الريح التي أجد منك؟ قال: «سقتني حفصة شربة عسل»، فقالت: جَرَسَت نَحْلُهُ الْعُرْفُط، فلما دار إليّ، قلت له نحو ذلك، فلما دار إلى صفية، قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة، قالت: يا رسول الله، ألا أسقيك منه؟ قال: «لا حاجة لي فيه»، قالت: تقول سودة: والله لقد حرمناه، قلت لها: اسكتي. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤) - (بَابُ بَيَانِ أَنَّ تَخْيِيرَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ لَا يَكُونُ طَلَاقًا إِلَّا بِالنِّيَّةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٣٦٨١] (١٤٧٥) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِر، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ (ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي، فَقَالَ: «إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي، حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ»، قَالَتْ: قَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِه، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: «إِن اللهَ ﷿ قَالَ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الأحزاب: ٢٨، ٢٩]»، قَالَتْ: فَقُلْتُ: فِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ، وَرَسُولَهُ، وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِثْلَ مَا فَعَلْتُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن سَرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ) أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوق [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٤ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قبل بابين. ٦ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ مكثرٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤٢٣. ٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵂ -، ذُكرت في الحديث الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان فصل بينهما بالتحويل. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزهريّ المدنيّ (أَنَّ عَائِشَةَ) - ﵂ - (قَالَتْ: لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ) ورد في سبب هذا التخيير اختلاف الروايات، وسيأتي البحث فيه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. (بَدَأَ بِي) أي: بدأ بالدخول عليها حين كَمُل الشهر، وأراد الرجوع إلى أزواجه، وفيه فضل عائشة - ﵂ -؛ لبداءته بها، كذا قرّره النوويّ ﵀. قال الحافظ ﵀: لكن رَوَى ابن مردويه من طريق الحسن، عن عائشة - ﵂ - أنها طلبت من رسول الله - ﷺ - ثوبًا، فأمر الله نبيّه - ﷺ - أن يُخيّر نساءه: أَمَا عند الله تُردن، أم الدنيا؟ فإن ثبت هذا، وكانت هي السبب في التخيير، فلعلّ البداءة بها لذلك، لكن الحسن لم يسمع من عائشة، فهو ضعيف، وحديث جابر في أن النسوة كنّ يسألنه النفقة أصحّ طريقًا منه. وإذا تقرّر أن السبب لم يتّحد فيها، وقُدّمت في التخيير دلّ على المراد، لا سيّما مع تقديمه لها أيضًا في البداءة بها في الدخول عليها. انتهى . (فَقَالَ: «إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي) أي: فلا بأس عليك في التأني، وعدم العجلة، حتى تشاوري أبويك (حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ) أي: تطلبي منهما أن يُبَيِّنا لك رأيهما في ذلك، ووقع في حديث جابر - ﵁ -:»حتى تستشيري أبويك«، زاد محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة:»إني عارض عليك أمرًا، فلا تفتاتي فيه بشيء، حتى تَعْرِضيه على أبويك: أبي بكر، وأُمّ رُومان«، أخرجه أحمد، والطبريّ، ويستفاد منه أن أم رُومان كانت يومئذ موجودة، فيُرَدّ به على من زعم أنها ماتت سنة ست من الهجرة، فإن التخيير كان في سنة تسع . قال النوويّ ﵀: وقوله - ﷺ -:«فلا عليك أن لا تعجلي» معناه: ما يضرّك أن لا تعجلي، وإنما قال لها هذا شفقةً عليها، وعلى أبويها، ونصيحةً لهم في بقائها عنده - ﷺ -، فإنه خاف أن يَحمِلها صغر سنّها، وقلّة تجاربها على اختيار الفراق، فيجب فراقها، فتتضرّر هي وأبواها، وباقي النسوة بالاقتداء بها. وفي هذا الحديث: منقبة ظاهرة لعائشة، ثم لسائر أمهات المؤمنين - ﵅ - وفيه المبادرة إلى الخير، وإيثار أمور الآخرة على الدنيا، وفيه نصيحة الإنسان صاحبه، وتقديمه في ذلك ما هو أنفع في الآخرة. انتهى . وقال في «الفتح»: قال العلماء: إنما أمر النبيّ - ﷺ - عائشة أن تستأمر أبويها؛ خشيةَ أن يحملها صغر السنّ على اختيار الشقّ الآخر؛ لاحتمال أن لا يكون عندها من المَلَكة ما يدفع ذلك العارض، فإذا استشارت أبويها، أوضحا لها ما في ذلك من المفسدة، وما في مقابله من المصلحة، ولهذا لما فطنت عائشة لذلك قالت: «قد علم أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه»، ووقع في رواية عمرة، عن عائشة في هذه القصّة: «وخشي رسول الله - ﷺ - حداثتي»، وهذا شامل للتأويل المذكور. انتهى . (قَالَتْ) عائشة - ﵂ - (قَدْ عَلِمَ) - ﷺ -، وقولها: (أَنَّ أَبَوَيَّ) هذا هو الموافق للقواعد؛ لأن المثنّى يُجرّ، ويُنصب، بالياء، فإذا أضيف إلى ياء المتكلّم تدغم ياؤه في ياء المتكلّم، ووقع في بعض نسخ النسائيّ بلفظ «أن أبواي» بالألف، وَيحْتَمِل أن يكون له وجه صحيح، وهو أن يُخرّج على لغة من يُلزم المثنّى الألف في الأحوال كلها. [فائدة]: ذكر ابن مالك قاعدةَ ما يُضاف إلى ياء المتكلم في «الخلاصة»، حيث قال: آخِرَ مَا اُضِيفَ لِلْيَا اكْسِرْ إِذَا … لَمْ يَكُ مُعْتَلًّا كَرَامٍ وَقَذَى أَوْ يَكُ كَابْنَيْنِ وَزيدِينَ فَذِي … جَمِيعُهَا الْيَا بَعْدُ فَتْحُهَا احْتُذِي وَتُدْغَمُ الْيَا فِيهِ وَالْوَاوُ وَإِنْ … مَا قَبْلَ وَاو ضُمَّ فَاكْسِرْهُ يَهُنْ وَأَلِفًا سَلِّمْ وَفِي الْمَقْصُورِ … عَنْ هُذَيْل انْقِلَابُهَا يَاءً حَسَنْ (لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ) تعني أنه - ﷺ - إنما أمرها بعدم الاستعجال قبل استئمار أبويها؛ لأنه يعلم أنهما لا يريدان لها إلا الخير، فيختاران الله، ورسوله، والدار الآخرة لها، فيمنعانها من أن تختار نفسها عليه، بخلافها هي، فإنه ربما يدعوها صغرها، وعدم تجربتها الأمور إلى الميل للحظ الدنيوي العاجل، فتختار نفسها - أعاذها الله تعالى من ذلك - (قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللهَ ﷿ قَالَ) وفي نسخة:»قال لي«(﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾ [الأحزاب: ٢٨]) قال الحافظ ابن كثير ﵀ في»تفسيره«: هذا أمر من الله ﵎ لرسوله - ﷺ - بأن يُخيّر نساءه بين أن يفارقهنّ، فيذهبن إلى غيره ممن يَحصُل لهنّ عنده الحياة الدنيا، وزينتها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهنّ عند الله تعالى في ذلك الثواب الجزيل، فاخترن - ﵅، وأرضاهنّ - اللهَ، ورسولَهُ، والدارَ الآخرةَ، فجمع الله تعالى لهنّ بعد ذلك بين خير الدنيا، وسعادة الآخرة. انتهى . (﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾) أي: أعطيكنّ حقوقكنّ، وأُطَلِّقُ سراحكنّ. قال الحافظ ابن كثير ﵀: وقد اختَلَف العلماء في جواز تزوّج غيره لهنّ لو طلّقهنّ على قولين: أصحّهما نعم لو وقع؛ ليحصل المقصود من السراح، والله أعلم. قال عكرمة: وكان تحته - ﷺ - يومئذ تسع نسوة: خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة - رضي الله تعالى عنهنّ - وكانت تحته - ﷺ - صفية بنت حُيي النضِيريّة، وميمونة بنت الحارث الهلاليّة، وزينب بنت جحش الأسديّة، وجويرية بنت الحارث المصطلقيّة - رضي الله تعالى عنهنّ، وأرضاهنّ - . (﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الأحزاب: ٢٩] «، قَالَتْ: فَقُلْتُ: فِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟) في رواية محمد بن عمرو:»فقلت: فإني أريد الله، ورسوله، والدار الآخرة، ولا أؤامر أبويّ: أبا بكر، وأمّ رُومان، فضَحِك«، وفي رواية عمر بن أبي سلمة، عن أبيه عند الطبريّ:»فَفَرِحَ«(فَإِنِّي أُرِيدُ الله، وَرَسُولَهُ، وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِثْلَ مَا فَعَلْتُ) في رواية عُقيل:»ثم خَيَّر نساءه، فقلن مثل ما قالت عائشة«، زاد ابن وهب، عن يونس في روايته:»فلم يكن ذلك طلاقًا، حين قاله لهنّ، فاخترنه«، أخرجه الطبريّ. وفي رواية محمد بن عمرو المذكورة:«ثم استَقْرَى الْحُجَر، يعني حُجَر أزواجه، فقال: إن عائشة قالت كذا، فقلن: ونحن نقول مثل ما قالت». وقوله:«استَقْرَى الحجر»أي: تتبع، والْحُجَر - بضمّ المهملة، وفتح الجيم - جمع حُجْرة - بضمّ، ثم سكون - والمراد مساكن أزواجه - ﷺ -. وفي حديث جابر الآتي: أن عائشة لَمّا قالت: بل أختار الله، ورسوله، والدار الآخرة، قالت: يا رسول الله، وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلتُ، فقال: لا تسألني امرأة منهنّ إلا أخبرتها، إن الله لم يبعثني مُتَعنتًا، وإنما بعثني مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا». وفي رواية معمر الآتية: قال معمر: فأخبرني أيوب، أن عائشة قالت: لا تخبر نساءك أني اخترتك، فقال: «إن الله أرسلني مُبَلِّغًا، ولم يرسلني مُتَعَنِّتًا». وهذا منقطع بين أيوب، وعائشة، ويشهد لصحته حديث جابر. [تنبيه]: وقع في «النهاية»، «والوسيط» التصريح بأن عائشة - ﵂ - أرادت أن يختار نساؤه الفراق، قال الحافظ: فإن كانا ذكراه فيما فهماه من السياق، فذاك، وإلا فلم أر في شيء من طرق الحديث التصريح بذلك ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٣٦٨١] (١٤٧٥)، و(البخاريّ) في «التفسير» (٤٧٨٦) و«الطلاق» (٥٢٦٢ و٥٢٦٤)، و(أبو داود) في «الطلاق» (٢٢٠٣)، و(الترمذيّ) في «الطلاق، واللعان» (١١٧٩) و«التفسير» (٣٢٠٤)، و(ابن ماجه) في «الطلاق» (٢٠٥٢ و٢٠٥٣)، و(النسائيّ) في «الطلاق» (٦/ ٥٥ و١٥٩) و«الكبرى» (٣/ ٢٦٠ و٢٦١)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ١٦٣ و١٨٥)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢٢٦٩)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ١٦٠)، و(أبو نعيم) في «مستخرجه» (٤/ ١٦٣)، و(عبد بن حُميد) (١/ ٤٣١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ٣٦ - ٣٧) و«المعرفة» (٥/ ٤٨٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (ومنها): أن فيه ملاطفة النبيّ - ﷺ - لأزواجه، وحلمه، وصبره على ما كان يصدر منهنّ، من إدلال وغيره، مما يبعثه عليهنّ الغيرة. ٢ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن صغر السنّ مظنّة لنقص الرأي. ٣ - (ومنها): أن فيه منقبة عظيمة لعائشة - ﵂ -، وبيان كمال عقلها، وصحّة رأيها مع صغر سنّها. ٤ - (ومنها): أن الغيرة تَحْمِل المرأة الكاملة الرأي والعقل على ارتكاب ما لا يليق بحالها؛ لسؤال عائشة - ﵂ - النبيّ - ﷺ - أن لا يُخبر أحدًا من أزواجه بفعلها، ولكنه - ﷺ - لَمّا عَلِم أن الحامل على ذلك ما طُبع عليه النساء من الغيرة، ومحبّة الاستبداد، دون ضرائرها لم يُسعِفها بما طلبت من ذلك. ٥ - (ومنها): أن فيه منقبةً ظاهرةً لعائشة، ثم لسائر أمهات المؤمنين - رضي الله تعالى عنهنّ - حيث اخترن الله، ورسوله، والدارَ الآخرةَ، وبادرن إلى ذلك. ٦ - (ومنها): أن فيه المبادرةَ إلى الخير، وإيثارَ أمور الآخرة على الدنيا؛ لأن الله ﷾ رتّب على ذلك ثوابًا عظيمًا، كما بيّنته الآية المذكورة، وكما في قوله ﷿: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء: ١٩]. ٧ - (ومنها): أنه ذكر بعض العلماء أن من خصائصه - ﷺ - تخيير أزواجه، واستند إلى هذه القصّة، ولا دلالة فيها على الاختصاص. نعم ادّعَى بعض من قال: إن التخيير طلاق أنه في حقّ الأُمّة، واختصّ هو - ﷺ - بأن ذلك في حقّه ليس بطلاق، لكن الصحيح أن التخيير ليس طلاقًا في حقّ أحد، كما سيأتي تحقيقه - إن شاء الله تعالى -. ٨ - (ومنها): أن بعضهم استدلّ به على ضعف ما جاء أن من الأزواج حينئذ من اختارت الدنيا، ففارقها، وهي فاطمة بنت الضحّاك، لعموم قول عائشة - ﵂ -: «ثم فعل أزواج النبيّ - ﷺ - مثل ما فعلت». وذكر ابن العربيّ عن ابن شهاب أن امرأة واحدة منهنّ اختارت نفسها، فذهبت، وكانت بدويّة، اسمها عمرة بنت يزيد الكلابيّة، اختارت الفراق، فذهبت، فابتلاها الله تعالى بالجنون، ويقال: إن أباها تركها ترعى غنمًا له، فصارت في طلب إحداهنّ، فلم يُعلم ما كان من أمرها إلى اليوم. وذكر ابن سيّد الناس عن أبي عمر أن اسمها فاطمة بنت الضحّاك بن سفيان الكلابيّ، وذكر أنها كانت بعد ذلك تلتقط البعر، وتقول: أنا الشقيّة، اخترت الدنيا. وهذه الروايات كلّها قد ردّ عليها ابن العربيّ في «أحكام القرآن» ، وابن سيّد الناس في «عيون الأثر» ، وقد أشبع القول في ذلك الحافظ في «الإصابة» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف الروايات في سبب هذه نزول الآية الكريمة: قال الحافظ وليّ الدين ﵀: سبب نزول آية التخيير فيما روى أبو بكر ابن مردويه في «تفسيره» من حديث الحسن مرسلًا أنّ عائشة - ﵂ -، طلبت إلى رسول الله - ﷺ - ثوبًا، فأمر الله تعالى نبيّه - ﷺ - أن يُخيّر نساءه، أَمَا عند الله يُردن، أم الدنيا؟ وهذا مرسل. لكن يشهد له حديث جابر عند مسلم، وفيه: أنه - ﷺ - قال: «وهنّ حولي كما ترى، يسألنني النفقة»، فقام أبو بكر إلى عائشة يَجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يَجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله - ﷺ - ما ليس عنده؟ قلن: والله ما نسأل رسول الله - ﷺ - شيئًا أبدًا، ليس عنده، ثم اعتزلهنّ شهرًا، أو تسعًا وعشرين، ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ الآية، فذكر الحديث. انتهى . وقال في «الفتح»: ورد في سبب هذا التخيير ما أخرجه مسلم من حديث جابر - ﵁ - يعني الآتي آخر الباب -: «قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله - ﷺ - …» الحديث، وفيه قوله - ﷺ -: «هُنّ حولي كما ترى يسألنني النفقة»، يعني نساءه، وفيه: «ثم اعتزلهنّ شهرًا، ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾، حتى بلغ ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قال: فبدأ بعائشة»، فذكر نحو هذا الحديث. ويأتي أيضًا في الباب التالي من طريق ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عباس، عن عمر، في قصة المرأتين اللتين تظاهرتا بطوله، وفي آخره حين أفشته حفصة إلى عائشة، وكان قد قال: «ما أنا بداخل عليهنّ شهرًا، من شِدّة مَوْجِدته عليهنّ، حتى عاتبه الله، فلما مضت تسع وعشرون دخل على عائشة، فبدأ بها، فقالت له: إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرًا، وقد أصبحنا لتسع وعشرين ليلة أعُدّها عدًّا، فقال النبيّ - ﷺ -: الشهر تسع وعشرون، وكان ذلك الشهر تسعًا وعشرين، قالت عائشة: فأنزلت آية التخيير، فبدأ بي أول امرأة، فقال: إني ذاكر لك أمرًا، فلا عليك أن لا تعجلي …» الحديث، لفظ البخاريّ في «كتاب المظالم». قال في «الفتح»: وهذا السياق ظاهره أن الحديث كله من رواية ابن عباس، عن عمر، وأما المروي عن عائشة، فمن رواية ابن عباس عنها، وقد وقع التصريح بذلك فيما أخرجه ابن أبي حاتم، وابن مردويه، من طريق أبي صالح، عن الليث، بهذا الإسناد، إلى ابن عباس، قال: قالت عائشة: «أُنزلت آية التخيير، فبدأ بي …» الحديث. لكن أخرج مسلم الحديث من رواية معمر، عن الزهريّ، ففصّله تفصيلًا حسنًا، وذلك أنه أخرجه بطوله إلى آخر قصة عمر في المتظاهرتين إلى قوله: «حتى عاتبه»، ثم عقّبه بقوله: قال الزهريّ: فأخبرني عروة، عن عائشة، قالت: لَمّا مضى تسع وعشرون، فذكر مراجعتها في ذلك، ثم عقّبه بقوله: قال: «يا عائشة إني ذاكر لك أمرًا، فلا عليكِ أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك …» الحديث. فعُرف من هذا أن قوله: «فلما مضت تسع وعشرون» إلخ في رواية عُقَيل هو من رواية الزهريّ، عن عائشة بحذف الواسطة، ولعل ذلك وقع عن عمد، من أجل الاختلاف على الزهريّ في الواسطة بينه وبين عائشة في هذه القصة بعينها، كما بيّنه البخاريّ، وكأن من أدرجه في رواية ابن عباس مشى على ظاهر السياق، ولم يَفْطُن للتفصيل الذي وقع في رواية معمر. وقد أخرج مسلم أيضا من طريق سماك بن الوليد، عن ابن عباس: حدّثني عمر بن الخطاب قال: لَمّا اعتَزَل النبيّ - ﷺ - نساءه، دخلت المسجد … الحديث بطوله، وفي آخره: قال: وأنزل الله آية التخيير، فاتفق الحديثان على أن آية التخيير نزلت عقب فراغ الشهر الذي اعتزلهنّ فيه. ووقع ذلك صريحًا في رواية عمرة، عن عائشة: قالت: لما نزل النبيّ - ﷺ - إلى نسائه أمر أن يخيرهنّ … الحديث، أخرجه الطبريّ، والطحاويّ. واختلف الحديثان في سبب الاعتزال، ويمكن الجمع بأن تكون القضيتان جميعًا سبب الاعتزال، فإن قصة المتظاهرتين خاصة بهما، وقصة سؤال النفقة عامة في جميع النسوة، ومناسبة آية التخيير بقصة سؤال النفقة أليق منها بقصة المتظاهرتين. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قال الحافظ وليّ الدين ﵀: اختَلَف الصحابة - ﵃ - في أن التخيير في الآية، هل كان بين إقامتهنّ في عصمته، وفراقهنّ، أو بين أن يُبْسَط لهنّ في الدنيا، أو لا يبسط لهنّ فيها؟ فذهب إلى الأول عائشة،
مصادر المؤلف (١٢)

١. وفي نسخة: «قال لي».

٢. «الفتح»٩/ ٤٧٧«كتاب التفسير».

٣. «الفتح» ١٠/ ٤٩٩.

٤. «شرح النوويّ» ١٠/ ٧٨ - ٧٩.

٥. «الفتح» ٩/ ٤٧٧.

٦. «تفسير ابن كثير» ٣/ ٤٨٩ «تفسير سورة الأحزاب».

٧. «تفسير ابن كثير» ٣/ ٤٩٠، «تفسير سورة الأحزاب».

٨. راجع: «الفتح» ٩/ ٤٧٧.

٩. راجع: «أحكام القرآن» لابن العربيّ ٢/ ١٦٢.

١٠. راجع: «عيون الأثر» ٢/ ٣١٠.

١١. راجع: «الإصابة في تمييز الصحابة» ٨/ ٢٧٢ - ٢٧٤.

١٢. «طرح التثريب» ٧/ ١٠٢ - ١٠٣.