HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٥٢٥

حَدَّثَنَا يَحْيَي بْنُ يَحْيَي. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. ح وحدثنا ابن الربيع بن الْعَتَكِيُّ وَقُتَيْبَةُ. قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ إن رسول الله ﷺ قَالَ (مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ). قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ مثله.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص7
ج ٣ ص ١١٥٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٧ ص٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ليلة الخميس الحادي عشر من شهر الله المحرّم ١١/ ١/ ١٤٣٠ هـ أول الجزء السابع والعشرين من شرح صحيح الإمام مسلم المسمّى «البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج» رحمه الله تعالى. (٨) - (بَابُ بُطْلَانِ بَيْعِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ) وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٨٣١] (١٥٢٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، وَقُتَيْبَةُ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زيدِ) بن درهم، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبث فقية [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٦. ٣ - (أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتكِي) سليمان بن داود الزهرانيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م دس) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٠. ٤ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٥ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبتٌ [٤] (٢٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢١/ ١٨٤. ٦ - (طَاوُسُ) بن كيسان الْحَمْيَريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقةٌ فقية فاضل [٣] (ت ١٠٦) أو بعد ذلك (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر - ﵄ - المتوفّى سنة (٦٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة من الشيوخ فرق بينهم بالتحويل؛ لاختلاف صيغتي الأداء، حيث قال يحيى: «حدثنا حماد بن زيد»، فنسبه إلى أبيه، وقال أبو الربيع، وقتيبة: «حدثنا حماد» فأهملاه. ٢ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عمرو، عن طاوس. ٣ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى من الصحابة - ﵃ -. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنِ ابْتَاعَ)؛ أي: اشترى، و»من«شرطيّة جوابها»فلا يبعه«(طَعَامًا) بالفتح: اسم لما يؤكل، قال الفيّوميّ - ﵀ -: وإذا أطلق أهل الحجاز الطعام عَنَوا به البُرّ خاصّةً، وفي العرف: الطعام: اسم لما يؤكل، مثلُ الشراب: اسم لما يُشرب، وجمعه أَطْعِمةٌ. انتهى . (فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ») وفي الرواية الآتية: «حتى يقبضه»، وفيها زيادة معنًى؛ لأنه قد يستوفيه بالكيل بأن يكيله البائع، ولا يُقبِضه للمشتري، بل يَحبسه عنده لينقُده الثمن مثلًا، ويُستفاد منه أنه لو استوفى المبيع المفصول من البائع، وأبقاه في منزل البائع، لا يكون قبضًا شرعيًّا حتى ينقله المشتري إلى مكان لا اختصاص للبائع به، كما نُقل عن الشافعيّ - ﵀ -، أفاده في «الفتح» . وقال الحافظ وليّ الدين - ﵀ -: قوله: «حتى يستوفيه»، وقوله: «حتى يقبضه» بمعنى واحد، فإن الاستيفاء هو القبض، كما دلّت عليه الرواية الأخرى، والقبض في المنقولات يكون بالنقل، والمراد بالنقل تحويله إلى مكان، لا يختصّ بالبائع، أو يختصّ بالبائع بإذنه. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ولي الدين - ﵀ - من أن الاستيفاء والقبض بمعنى واحد أظهر مما سبق في عبارة «الفتح» من الفرق بينهما، فتأمله، والله تعالى أعلم. (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (وَأَحْسِبُ) بكسر السين المهملة، وفتحها، قال الفيّوميّ - ﵀ -: وحَسِبتُ زيدًا قائمًا أَحْسَبُهُ، من باب تَعِبَ في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضًا، على غير قياس، حِسْبانًا، بمعنى ظننت. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: حَسِب بمعنى ظَنّ من الأفعال التي سُمع فتح عينها على القياس، وكسرها على الشذوذ، وقد ذكرها ابن مالك في «لاميّته» حيث قال: وَجْهَانِ فِيهِ مِنِ احْسِبْ مَعْ وَغِرْتَ وَحِرْ … تَ انْعِمْ بَئِسْتَ يَئستَ إِوْلِهْ يَبِسْ وَهِلَا وَفِقْتَ مَعْ وَرِيَ الْمُخُّ احْوِهَا … ..................................... وزاد الشارح محمد بن عمر اليمنيّ - ﵀ - عليها، فقال: وَمِثْلُ يَحْسَبُ ذِي الْوَجْهَيْنِ مِنْ فَعِلَا … يَلِغْ يَبِقْ تَحِمُ الْحُبْلَى اشْتَهَتْ أُكُلَا (كُلَّ شَيْءٍ مِثْلَهُ) بنصب «كلَّ» على أنه المفعول الأول لـ «أحسب»، و«مثله» هو المفعول الثاني. ومعنى كلام ابن عبّاس - ﵄ - هذا: أن الحديث، وإن نصّ على الطعام، إلا أن غير الطعام يُلحق به، وهذا من تفقّهه - ﵁ -، وقد مال ابن المنذر - ﵀ - إلى اختصاص ذلك بالطعام، واحتجّ باتفاقهم على أن من اشترى عبدًا، فاعتقه قبل قبضه أن عتقه جائزٌ، قال: فالبيع كذلك. وتُعُقّب بالفارق، وهو تشوّف الشارع إلى العتق، وسيأتي ترجيح إطلاق المنع في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى: حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٣٨٣١ و٣٨٣٢ و٣٨٣٣ و٣٨٣٤] (١٥٢٥)، و(البخاريّ) في «البيوع» (٢١٣٢ و٢١٣٥)، و(أبو داود) في «البيوع» (٣٤٩٧)، و(الترمذيّ) في «البيوع» (١٢٩١)، و(النسائيّ) في «البيوع» (٧/ ٢٨٥) و«الكبرى» (٤/ ٣٦)، و(ابن ماجه) في «التجارات» (٢٢٢٧)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (٢/ ١٤٢)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٦٠٢)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١٤٢١١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٦/ ٣٦٨ - ٣٦٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٢٧٠ و٣٦٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٩٨٠)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٦٠٦)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٠٨٧١ و١٠٨٧٢ و١٠٨٧٣ و١٠٨٧٤ و١٠٨٧٥ و١٠٨٧٦ و١٠٨٧٧ و١٠٨٧٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٢٨١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٣١٢ - ٣١٣) و«المعرفة» (٤/ ٣٤٦)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢٠٨٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في النهي عن بيع الطعام قبل القبض: اختلفوا في هذه المسألة على سبعة أقوال: (القول الأول): اختصاص ذلك بالمطعومات، كما هو مقتضى الحديث، فأما غيره، فيجوز بيعه قبل قبضه، وهذا مذهب مالك، وحَكَى عنه ابن عبد البرّ استثناء أمرين من المطعوم يجوز بيعهما قبل القبض: [أحدهما]: الماء، وحكى ابن حزم عنه في الماء روايتين. [الأمر الثاني]: الطعام المشترى جزافًا، فالمشهور من مذهب مالك جواز بيعه قبل القبض، وبه قال الأوزاعيّ، ثم قال: ولا أعلم أحدًا تابع مالكًا من جماعة فقهاء الأمصار على تفرقته بين ما اشتُري جِزافًا من الطعام، وبين ما اشتُري منه كيلًا إلا الأوزاعيّ، فإنه قال: من اشترى طعامًا جزافًا، فهلك قبل القبض فهو من المشتري، وإن اشتراه مكايلةً، فهو من البائع، وهو نصّ قول مالك، وقد قال الأوزاعيّ: من اشترى ثمرة لم يجز له بيعها قبل القبض، وهذا تناقض، ثم استدلّ ابن عبد البرّ لمالك برواية القاسم، عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ -: «نهى أن يبيع أحدٌ طعامًا اشتراه بكيل حتى يستوفيه»، قال: فقوله: «بكيل» دليل على أن ما خالفه بخلافه. وتُعُقّب بان الروايات الآتية في نهي الَّذِين يبتاعون الطعام جزافًا عن بيعه حتى ينقلوه من مكانه صريحٌ في الرّدّ على من جوّز بيع الطعام قبل قبضه، إذا كان اشتراه جزافًا، والله تعالى أعلم. (القول الثاني): اختصاص ذلك بالمطعوم، سواء اشتُري جزافًا، أو مقدّرًا بكيل، أو وزن، أو غيرهما، وبه قال بعض المالكيّة، وحكاه عن مالك، واختاره أبو بكر الوقار، وصححه أبو عمرو ابن الحاجب، وحكاه ابن عبد البرّ عن أحمد، وأبي ثور، قال: وهو الصحيح عندي؛ لثبوت الخبر بذلك، عن النبيّ - ﷺ -، وعمل أصحابه، وعليه جمهور أهل العلم، قال: وحجّتهم عموم قوله - ﷺ -: «من ابتاع طعامًا»، لم يقل: جزافًا، ولا كيلًا، بل ثبت عنه فيمن ابتاع طعامًا جزافًا أن لا يبيعه حتى ينقله، ويقبضه، قال: وضعّفوا الزيادة في قوله: «طعامًا بكيل». (القول الثالث): اختصاص ذلك بما اشتُري مقدّرًا بكيل، أو وزن، أو ذرع، أو عدد، سواء كان مطعومًا، أم لا؟ فإن اشتُري بغير تقدير جاز بيعه قبل قبضه، وهذا هو المشهور عن أحمد، كما قال الشيخ مجد الدين ابن تيميّة في «المحرّر»، وقال ابن عبد البرّ: رُوي عن عثمان بن عفّان، وسعيد بن المسيّب، والحسن البصريّ، والحكم بن عُتيبة، وحمّاد بن أبي سُليمان، وبه قال إسحاق ابن راهويه، ورُوي عن أحمد بن حنبل، والأول أصحّ عنه. انتهى، والمعتمد في ذلك قول ابن تيميّة، فإنه أعرف بمذهبه. قال ابن عبد البرّ: وحجتهم أن الطعام المنصوص عليه أصله الكيل، أو الوزن، فكلّ مكيل، أو موزون، فذلك حكمه. وتُعُقّب بأن النهي الوارد عن بيع المشترَى جزافًا قبل قبضه يردّ هذا، كما تقدّم بيانه. وعن أحمد رواية أخرى: أن صبر المكيل والموزون خاصّة كبيعهما كيلًا، ووزنًا. (القول الرابح): طردُ ذلك في جميع الأشياء، المطعوم، وغيره، والمقدّر، وغيره، فلا يجوز بيعها قبل قبضها، إلا العقار، وبهذا قال أبو حنيفة، وأبو يوسف. (القول الخامس): منعُ المبيع قبل القبض مطلقًا، حتى في العقار، وبهذا قال الشافعيّ، ومحمد بن الحسن، وهو روايةٌ عن أحمد، وحكاه ابن عبد البرّ عن عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله - ﵃ -، وسفيان الثوريّ، وسفيان بن عُيينة، ويدلّ لذلك أن ابن عبّاس - ﵄ -، لَمّا روى عن النبيّ - ﷺ - «أنه نهى عن بيع الطعام حتى يُستوفَى»، قال: ولا أحسب كلّ شيء إلا مثله، رواه الأئمة الستّة، وهذا لفظ البخاريّ، ولفظ مسلم: «وأحسب كلّ شيء مثله»، وفي لفظ: «وأحسب كلّ شيء بمنزلة الطعام»، وفي لفظ له: «حتى يكتاله»، وكذلك قال جابر - ﵁ -؛ أي: أن غير الطعام مثله، قال ابن عبد البرّ: فدلّ على أنهما فَهِما عن النبيّ - ﷺ - المراد والمغزى. وعن حكيم بن حِزام - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله إني أشتري بيوعًا، فما يحلّ لي منها، وما يحرم؟ قال: «إذا اشتريت بيعًا، فلا تبعه حتى تقبضه»، رواه النسائيّ باختلاف في إسناده، ومتنه، وصححه ابن حزم، وقال ابن عبد البرّ: هذا الإسناد، وإن كان فيه مقالٌ، ففيه لهذا المذهب استظهار. وروى أبو داود وغيره عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يحلّ بيعٌ وسلف، ولا بيع ما لم يُضْمَن، ولا بيع ما ليس عندك»، وهو حديث صحيح، وعن ابن عمر - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ -: «أنه نهى أن تباع السِّلَعُ حيث تُشترى حتى يحوزها الذي اشتراها إلى رحله»، رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، لكن فيه عنعنة ابن إسحاق. فهذه الأحاديث حجة لهذا المذهب، وللذي قبله إلا أن صاحب المذهب الذي قبله استثنى من ذلك العقار؛ لانتفاء الغرر فيه، فإن الهلاك فيه نادر بخلاف غيره. (القول السادس): جواز البيع قبل القبض مطلقًا في كلّ شيء، وبهذا قال عثمان البتّيّ، قال ابن عبد البرّ: هذا قول مردود بالسنّة، والحجة المجمعة على الطعام فقط، وأظنّه لم يبلغه الحديث، ومثل هذا لا يُلتفت إليه. وقال النوويّ: وحكاه المازريّ، والقاضي عياض، ولم يحكه الأكثرون، بل نقلوا الإجماع على بطلان بيع الطعام المبيع قبل قبضه، قالوا: وإنما الخلاف فيما سواه، فهو شاذّ متروك. قال وليّ الدين: وحكاه ابن حزم عن عطاء بن أبي رباح. (القول السابعٍ): منع البيع قبل القبض في القَمْح مطلقًا، وفي غيره إن ملكه بالشراء خاصّة، ويُعتبر أيضًا في القمح خاصَّة مع القبض، وهو إطلاق اليد عليه، وعدم الحيلولة بينه وبين أن ينقله عن موضعه الذي هو فيه إلى مكان آخر، فإن اشتراه بكيل لم يحلّ له بيعه حتى يكتاله، فإذا اكتاله حلّ له بيعه، وإن لم ينقله عن موضعه، وبهذا قال ابن حزم الظاهريّ، وتمسّك في القَمْح بحديث ابن عبّاس - ﵄ -: «أما الذي نهى رسول الله - ﷺ - أن يُباع حتى يُقبض، فهو الطعام»، وقال: فهذا تخصيص للطعام في البيع خاصّة، وعموم له بأيّ وجه مُلك، واسم الطعام في اللغة لا يُطلق إلا على القَمْح وحده، وإنما يُطلق على غيره بإضافة، وتمسّك في غير القَمْح بحديث حكيم بن حزام - ﵁ - المتقدّم، وقال: هذا عموم لكلّ بيع، ولكلّ ابتياع، والمذكور في حديثي ابن عمر، وابن عبّاس - ﵄ - بعض ما في حديث حكيم بن حزام - ﵁ -، فهو أعمّ، ثم حكى مثل قوله عن ابن عبّاس، وجابر، والحسن، وابن شُبْرُمة - ﵃ -، هكذا ذكر هذه الأقوال وليّ الدين - ﵀ - . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أرجح الأقوال هو القول الخامس، وهو منع البيع قبل القبض، مطلقًا، حتى في العقار، فهو أرجح؛ لثبوت النصوص بذلك: (فمنها): ما أخرجه النسائيّ من حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يحلّ سلَفٌ، وبيعٌ، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يُضمَن»، وهو حديث صحيحٌ، فمعنى «ربح ما لم يُضْمَن» هو ربح مبيع اشتراه، فباعه، قبل أن ينتقل من ضمان البائع، وهو يعمّ كل شيء، الطعام، وسائر المنقولات، وغيرها. (ومنها): حديث حكيم بن حزام - ﵁ - الذي أخرجه أحمد في «مسنده» بلفظ: «إذا اشتريت بيعًا، فلا تبعه حتى تقبضه»، فهو وإن كان في سنده راو مبهم، إلا أنه يشهد له حديث ابن عمرو المذكور. (ومنها): ما أخرجه أبو داود، والحاكم، وابن حبّان، وصحّحاه، من حديث زيد بن ثابت - ﵁ - بلفظ: «أن النبيّ - ﷺ - نهى أن تباع السِّلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجّار إلى رحالهم»، فهو وإن كان فيه محمد بن إسحاق، وقد عنعنه، لكنه يشهد له ما تقدّم، فهذه الأحاديث كما رأيت صالحة للحجيّة، ولا سيّما حديث عبد الله بن عَمْرو - ﵄ -، فإنه بمفرده كاف للحجيّة، وأيضًا قول ابن عبّاس - ﵄ - فيما يأتي: «وأً حسب أن كل شيء بمنزلة الطعام»، وفي رواية البخاريّ: «ولا أحسب كل شيء إلا مثله». والحاصل أن أرجح الأقوال هو القول الخامس، وهو مذهب الشافعيّ - ﵀ - وجماعة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في التصرّف في المبيع قبل القبض بغير البيع: اختلفوا في ذلك على أربعة أقوال: (القول الأول): قصر المنع على البيع، وتجويز غيره من التصرّفات قبل القبض، قاله ابن حزم، قال: والشركة، والتولية، والإقالة كلّها بيوعٌ مبتدأة لا يجوز في شيء منها إلا ما يجوز في سائر البيوع. (القول الثاني): أن سائر التصرّفات في المنع قبل القبض كالبيع، قال وليّ الدين: وهذا هو الذي فهمته من مذهب الحنابلة؛ لإطلاق ابن تيميّة في «المحرّر» التصرّف من غير استثناء شيء منه. (القول الثالث): طرد المنع في كلّ معاوضة فيها حقّ توفية، من كيل، أو شبهه بخلاف القرض، والهبة، والصدقة، وهذا مذهب مالك، وأرخص في الإقالة، والتولية، والشركة مع كونها معاوضات فيها حق توفية، قال ابن حزم: واحتجّوا بما رويناه من طريق عبد الرزّاق، قال ابن جريج: أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن؛ أن رسول الله - ﷺ - قال حديثًا مستفيضًا في المدينة: «من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه، وششوفيه، إلا أن يُشَرِّك فيه، أو يوليه، أو يقيله»، وقال مالك: إن أهل العلم اجتمع رأيهم على أنه لا بأس بالشركة، والإقالة، والتولية في الطعام وغيره - يعني قبل القبض - قال ابن حزم؛ ما نعلم رُوي هذا إلا عن ربيعة، وطاوس فقط، وقوله عن الحسن في التولية، قد جاء عنه خلافها، قال ابن حزم: وخبر ربيعة مرسل، ولو استفاضَ عن أصل صحيح، لكان الزهريّ أولى بأن يعرف ذلك من ربيعة، والزهريّ مخالف له في ذلك، قال: التولية بيع في الطعام وغيره، ثم ذكر عن الحسن أنه قال: ليس له أن يولّيه حتى يقبضه، فقيل له: أبرأيك تقوله؟ قال: لا، ولكن أخذناه عن سلفنا، وأصحابنا، قال ابن حزم: سلف الحسن هم الصحابة، أدرك منهم خمسمائة وأكثر، وأصحابه أكابر التابعين، فلو أقدم امرؤ على دعوى الإجماع هنا لكان أصحّ من الإجماع الذي ذكره مالك. (القول الرابع): المنع من سائر التصرّفات؛ كالبيع، إلا العتق، والاستيلاد، والتزويج، والقسمة، هذا حاصل الفتوى في مذهب الشافعيّ، مع الخلاف في أكثر الصور، وأما الوقف، فقال المتولّي في «التتمّة»: إن قلنا: إن الوقف يفتقر إلى القبول، فهو كالبيع، وإلا فهو كالإعتاق، وبه قطع الماورديّ في «الحاوي»، وقال: يصير قابضًا، حتى لو لم يرفع البائع يده عنه، صار مضمونًا عليه بالقيمة، فمن قصر المنع على البيع، اقتصر على مورد النصّ، ومن عدّاه إلى غيره، فبالقياس، وذلك متوقّفٌ على فهم العلّة في ذلك، ووجودها في الفرع المقيس، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح القول الأول، وهو قصر النهي على البيع فقط؛ عملًا بظواهر النصوص، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في بيع ما مُلك بغير البيع قبل القبض: قال الحافظ وليّ الدين - ﵀ -: والذي في الحديث المنع فيما مُلك بالبيع، وهو ساكت عما مُلك بغيره، وللعلماء في ذلك خلاف أيضًا: قال الشافعيّة: يلتحق بالمملوك بالبيع ما كان في معناه، وهو ما كان مضمونًا على من هو في يده بعقد معاوضة؛ كالأجرة، والعوض المصالح عليه عن المال، وكذا الصداق؛ بناءً على أنه مضمون على الزوج ضمان عقد، وهو الأظهر، أما ما ليس مضمونًا على من هو تحت يده، كالوديعة، والإرث، أو مضمونًا ضمان يد، وهو المضمون بالقيمة، كالمستام، ونحوه، فيجوز بيعه قبل القبض؛ لتمام الملك فيه، ومذهب أحمد نحوه، قال ابن تيميّة في «المحرّر»: وكلّ عين مُلكت بنكاح، أو خُلع، أو صلح عن دم عمدًا، أو عتق، فهي كالبيع في ذلك كله، لكن يجب بتلفها مثلها، إن كانت مثليّة، وإلا فقيمتها، ولا فسخ لعقدها بحال، فأما ما مُلك بإرث، أو وصيّة من مكيل، أو غيره، فالتصرّف فيه قبل قبضه جائزٌ. وفرّق ابن حزم في ذلك بين القَمْح وغيره، فقال في القَمْح: إنه بأيّ وجه مَلَكه لا يحلّ له بيعه قبل قبضه، وقال في غيره: متى مَلَكه بغير البيع فله بيعه قبل قبضه. انتهى . وقال ابن قُدامة - ﵀ -: وكل عوض مُلك بعقد ينفسخ بهلاكه قبل القبض، لم يجز التصرف فيه قبل قبضه، كالذي ذكرنا، والأجرة، وبدل الصلح، إذا كانا من المكيل، أو الموزون، أو المعدود، وما لا ينفسخ العقد بهلاكه، جاز التصرف فيه قبل قبضه؛ كعوض الخلع، والعتق على مال، وبدل الصلح عن دم العمد، وأرش الجناية، وقيمة المتلف؛ لأن الْمُطْلِق للتصرف الملكُ، وقد وُجد، لكن ما يتوهم فيه غررُ الانفساخِ بهلاك المعقود عليه، لم يجز بناء عقد آخر عليه تحرزًا من الغرر، وما لا يتوهم فيه ذلك الغرر انتفى المانع، فجاز العقد عليه، وهذا قول أبي حنيفة، والمهر كذلك عند القاضي، وهو قول أبي حنيفة؛ لأن العقد لا ينفسخ بهلاكه، وقال الشافعي: لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه، ووافقه أبو الخطاب في غير المتعين؛ لأنه يخشى رجوعه بانتقاض سببه بالردة قبل الدخول، أو انفساخه بسبب من جهة المرأة، أو نصفه بالطلاق، أو انفساخه بسبب من غير جهتها، وكذلك قال الشافعي في عوض الخلع، وهذا التعليل باطل بما بعد القبض، فإن قبضه لا يمنع الرجوع فيه قبل الدخول. وأما ما مُلك بإرث، أو وصية، أو غنيمة، وتعيّن ملكه فيه، فإنه يجوز له التصرف فيه بالبيع وغيره قبل قبضه؛ لأنه غير مضمون بعقد معاوضة، فهو كالمبيع المقبوض، وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي، ولا أعلم عن غيرهم خلافهم، وإن كان لإنسان في يد غيره وديعة، أو عارية، أو مضاربة، أو جعله وكيلًا فيه جاز له بيعه ممن هو في يده ومن غيره؛ لأنه عين مال مقدور على تسليمها، لا يخشى انفساخ الملك فيها، فجاز بيعها كالتي في يده، وإن كان غصبًا جاز بيعه ممن هو في يده؛ لأنه مقبوض معه فاشبه بيع العارية ممن هي في يده، وأما بيعه لغيره فإن كان عاجزًا عن استنقاذه، أو ظن أنه عاجز لم يصح شراؤه له؛ لأنه معجوز عن تسليمه إليه، فأشبه بيع الآبق والشارد، وإن ظن أنه قادر على استنقاذه ممن هو في يده صح البيع؛ لإمكان قبضه، فإن عجز عن استنقاذه فله الخيار بين الفسخ والإمضاء؛ لأن العقد صح؛ لكونه مظنون القدرة على قبضه، ويثبت له الفسخ للعجز عن القبض، فأشبه ما لو باعه فرسًا، فشردت قبل تسليمها، أو غائبًا بالصفة، فعجز عن تسليمه. انتهى ، وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في أقوال أهل العلم في تفسير القبض: قال ابن قُدامة - ﵀ -: وقَبْض كل شيء بحسبه، فإن كان مكيلًا أو موزونًا، بِيع كيلًا أو وزنًا، فقبضه بكيله ووزنه، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: التخليةُ في ذلك قبض، وقد رَوى أبو الخطاب، عن أحمد رواية أخرى: أن القبض في كل شيء بالتخلية مع التمييز؛ لأنه خَلَّى بينه وبين المبيع من غير حائل، فكان قبضًا له كالعقار. ولنا ما رَوَى أبو هريرة - ﵁ -؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا بعت فكِلْ، وإذا ابتعت فاكتل»، رواه البخاريّ، وعن النبيّ - ﷺ -: «أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع، وصاع المشتري»، رواه ابن ماجه ، وهذا فيما بيع كيلًا، وإن بيع جزافًا فقبضه نقله؛ لأن ابن عمر قال: «كانوا يُضرَبون على عهد رسول الله - ﷺ -، إذا اشتروا طعامًا جِزافًا، أن يبيعوه في مكانه، حتى يحوّلوه»، وفي لفظ: «كنا نبتاع الطعام جِزافًا، فبُعِثَ علينا من يأمرنا بانتقاله من مكانه، الذي ابتعناه إلى مكان سواه، قبل أن نبيعه»، وفي لفظ: «كنا نشتري الطعام من الركبان جِزافًا، فنهانا رسول الله - ﷺ - أن نبيعه حتى ننقله»، رواهنّ مسلم. وهذا يبين أن الكيل إنما وجب فيما بيع بالكيل، وقد دل على ذلك أيضًا قول النبي - ﷺ -: «إذا سميت الكيل فكِل» ، رواه الأثرم. وإن كان المبيع دراهم أو دنانير، فقبضُها باليد، وإن كان ثيابًا باليد فقبضها نقلها، وإن كان حيوانًا فقبضه تمشيته من مكانه، وإن كان مما لا يُنقل ويحوّل، فقبضه التخلية بينه وبين مشتريه، لا حائل دونه، وقد ذكره الْخِرَقي في «باب الرهن» فقال: إن كان مما ينقل فقبضه أخذه إياه من راهنه منقولًا، وإن كان لا ينقل فقبضه تخلية راهنه بينه وبين مرتهنه، لا حائل دونه، ولأن القبض مطلق في الشرع، فيجب الرجوع فيه إلى العرف؛ كالإحراز، والتفرق، والعادة في قبض هذه الأشياء ما ذكرنا. انتهى كلام ابن قُدامة - ﵀ - ، وهو بحث نفيس جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في بيان مَن عليه أجرة الكيل، والوزن: قال ابن قُدامة - ﵀ -: وأجرة الكيّال والوزّان، في المكيل والموزون على البائع؛ لأن عليه تقبيضَ المبيع للمشتري، والقبض لا يحصل إلا بذلك، فكان على البائع، كما أن على بائع الثمرة سقيَهَا، وكذلك أجرة الذي يَعُدّ المعدودات، وأما نقل المنقولات وما أشبهه، فهو على المشتري؛ لأنه لا يتعلق به حقُّ توفية، نَصّ عليه أحمد - ﵀ -. قال: ويصحّ القبض قبل نقد الثمن وبعده، باختيار البائع، وبغير اختياره؛ لأنه ليس للبائع حبس المبيع على قبض الثمن، ولأن التسليم من مقتضيات العقد، فمتى وُجد بعده وقع موقعه كقبض الثمن. انتهى كلام ابن قدامة - ﵀ - ، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٨٣٢] (…) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدُّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ - وَهُوَ الثَّوْرِيُّ - كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. ٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ) بن موسى الضَّبّيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) (م ٤) تقدم في «الإيمان» ١/ ١٠٣. ٣ - (سُفْيَانُ) بن عيينة بن أبي عمران الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقة حافظٌ حجة إمام فقيه، من رؤوس [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٣. ٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، له تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م دس ق) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٥ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء بن كُريب الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة [١٠] (٢٤٧) (ع) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٧. ٦ - (وَكِيعُ) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. ٧ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن حبيب الثَّوْرِيُّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ إمام حجة، وربّما دلّس، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. و«عمرو بن دينار» ذُكر قبله. وقوله: (كِلَاهُمَا … إلخ)؛ يعني أن كلّا من سفيان بن عيينة، وسفيان الثوريّ رويا هذا الحديث عن عمرو بن دينار. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار هذه ساقها البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه». (٢٠٢٨) - حدّثنا عليّ بن عبد الله، حدّثنا سفيان، قال: الذي حفظناه من عمرو بن دينار سمع طاوسًا يقول: سمعت ابن عباس - ﵄ - يقول: أما الذي نهى عنه النبيّ - ﷺ - فهو الطعام أن يباع حتى يُقْبَض، قال ابن عباس: «ولا أَحْسِبُ كلَّ شيء إلا مثله». انتهى. وأما رواية سفيان الثوريّ، فقد ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في «مسنده» (١/ ٢٧٠) فقال: (٢٤٣٨) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا عبد الرزاق، ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: قال النبيّ - ﷺ -: «من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه»، قال ابن عباس: وأَحْسَبُ كلَّ شيء بمنزلة الطعام. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٨٣٣] (…) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثنا، وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ»، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الْحَنظليّ، أبو محمد المروزيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ حافظٌ إمام حجةٌ [١٠] (٢٣٨) (خ م دت س) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٨. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م دت س) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر الْكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في «الإيمان» ٧/ ١٣١. ٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحَمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ مصنّف، شهيرٌ، عَمِيَ، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٥ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. ٦ - (ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله بن طاوس بن كيسان، أبو محمد اليمانيّ، ثقة فاضلٌ عابدٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٨. والباقيان ذُكرا قبل حديثين. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى قبل حديثين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٣٨٣٤] (…) - (حَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْب، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ»، فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ؟ فَقَالَ: ألَا تَرَاهُمْ يَتَبَايَعُونَ بِالذَّهَب، وَالطَّعَامُ مُرْجَأٌ؟ وَلَمْ يَقُلْ أَبُو كُرَيْبٍ: مُرْجَأٌ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: وكلّهم ذُكروا قبله، و«سفيان» هو الثوريّ. وقوله: (حَتَّى يَكْتَالَهُ) قال الفيّوميّ - ﵀ -: اكتلتُ منه، وعليه: إذا أخذت، وتولّيت الكيل بنفسك، يقال: كال الدافعُ، واكتال الآخذ. قال: كِلْتُ زيدًا الطعامَ كَيْلًا، من باب باع يتعدّى إلى مفعولين، وتَدخُلُ اللام على المفعول الأول، فيقال: كِلتُ له الطعامَ، والاسم: الْكِيلة بالكسر. انتهى بتصرّف . فقوله: «حتى يكتاله» كنايةٌ عن القبض، أو لكون القبض عادةً يكون بالكيل، فهو بمعنى الرواية السابقة: «حتى يقبضه». وقوله: (فَفُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ؟)؛ أي: لأيّ شيء نُهي عن بيع الطعام حتى يكتاله؟ وقوله: (وَالطَّعَامُ مُرْجَأٌ)؛ أي: مؤخَّر، ويجوز همز «مرجأ»، وترك همزه، ووقع في كتاب الخطابيّ بتشديد الجيم بغير همز، وهو للمبالغة، قاله في «الفتح» . قال الشوكانيّ - ﵀ - ما معناه: أنه إذا باعه المشتري قبل القبض، وتأخر المبيع في يد البائع، فكأنه باع دراهم بدراهم، ويبيّن ذلك ما في رواية مسلم، عن ابن عباس؛ أنه قال لما سأله طاوس: «ألا تراهم يبتاعون بالذهب، والطعام مرجأ»، وذلك لأنه إذا اشترى طعامًا بمائة دينار، ودفعها للبائع، ولم يقبض منه الطعام، ثم باع الطعام إلى آخر بمائة وعشرين مثلًا، فكأنه اشترى بذهبه ذهبًا أكثر منه. انتهى المقصود منه . وقال الخطّابيّ - ﵀ -: قوله: «والطعام مرجأ»؛ أي: غائبٌ مُؤجَّلٌ في ذمة البائع، يقال رَجَّيتُ الشيءَ، وأرجاته: إذا أخرته، ومن هذا قوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦]. وتفسير ذلك أن يُسْلِف نَقْدًا في طعام، ثم يبيعه بنقد قبل أن يقبضه، فيفسد البيع؛ لأن ملكه لا يستقرّ، ولا يتكامل إلا بالقبض، وقد نَهَى رسول الله - ﷺ - عن ربح ما لم يُضْمَن، فإذا كان الطعام الذي يبيعه مرجأً؛ أي: مؤخَّرًا عن ملكه، ومضمونًا على غيره، لم يجز بيعه؛ لأنهما إنما تبايعا ذَهَبًا ليس بإزائه في الحقيقة طعامٌ. وبيان هذا في حديث له آخر، ثم أخرج بسنده عن القاسم بن محمد قال: سألت ابن عباس، فقلت: كنا نُسلف في السيائب، فنبيعها قبل أن نستوفيها، فقال: ذاك بيع ورِق بورق. يريد أن البيع لم يقع على الثياب الذي هو مضمون على غيره، وإنما
مصادر المؤلف (١٤)

١. «المصباح المنير» ٢/ ٣٧٣.

٢. «الفتح» ٥/ ٥٩٩.

٣. «طرح التثريب» ٥/ ١٥٥٥.

٤. «المصباح المنير» ١/ ١٣٤.

٥. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٥/ ١٥٥٥ - ١٥٥٨.

٦. «طرح التثريب» ٥/ ١٥٥٩.

٧. «المغني» ٦/ ١٩١ - ١٩٢.

٨. رواه ابن ماجه في «سننه» (٢/ ٧٥٠) وفي إسناده محمد بن أبي ليلى، سيئ الحفظ، وحسّن الحديث الشيخ الألبانيّ - ﵀ -.

٩. رواه ابن ماجه (٢/ ٧٥٠) وفي سنده عبد الله بن لَهِيعة، لكنه من رواية عبد الله بن يزيد المقرئ، وهو ممن روى عنه قبل اختلاطه، ولذا صحح الحديث الشيخ الألبانيّ - ﵀ -.

١٠. «المغني» ٦/ ١٨٨.

١١. «المغني» ٦/ ١٨٨.

١٢. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٥٤٦.

١٣. «الفتح» ٥/ ٥٩٦ - ٥٩٧.

١٤. راجع: «نيل الأوطار» ٥/ ٢٥٩.