HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٥٩٦

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ. (وَاللَّفْظُ لِابْنِ عَبَّادٍ) قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي صَالِحٍ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بالدرهم، مثلا بمثل. فمن زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى. فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ غَيْرَ هَذَا. فَقَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ ابْنَ عَبَّاسٍ. فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَذَا الذي تقوله أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﷿؟ فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَلَمْ أَجِدْهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ. وَلَكِنْ حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زيد؛ أن النبي ﷺ قَالَ (الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص49
ج ٣ ص ١٢١٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن الدارمي, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٧ ص٦٨٩
المدنيّ، مولى ابن عبّاس، صدوقٌ [٤]. رَوَى عن مولاه ابن عباس، وابن مسعود، وعليّ بن أبي طالب. وروى عنه سعيد بن جبير، ويحيى بن الجزار، وأبو معاوية البجليّ، وأبو نضرة العبديّ، وطاووس. قال أبو زرعة: ثقةٌ، وقال النسائيّ: أبو الصهباء صهيب بصريّ ضعيف، وذكره ابن حبان في «الثقات». وله ذكر في «صحيح مسلم» في هذا الباب، وأخرج له أبو داود، والنسائي. وقوله: (سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْهُ بِمَكَّةَ، فَكَرِهَهُ) هذا ظاهر في أن ابن عبَّاس -﵄- رجع عن قوله في جواز التفاضل في الصرف، كما رجع ابن عمر -﵄-. والحديث قد مضى تمام البحث فيه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٠٨١] (١٥٩٦) - (حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ عَبَّادٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، مَنْ زَادَ، أَوِ ازْدَادَ، فَقَدْ أَرْبَى، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ غَيْرَ هَذَا، فَقَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَذَا الَّذِي تَقُولُ، أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، أَوْ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللهِ ﷿؟ فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَلَمْ أَجِدْهُ فِي كِتَابِ اللهِ، وَلَكِنْ حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بنُ زيدٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرِقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٩. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم قبل باب. ٣ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، تقدّم أيضًا قبل باب. ٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم أيضًا قبل باب. ٥ - (عَمْرُو) بن دينار، تقدّم أيضًا قبل باب. ٦ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. و«أبو سعيد الخدريّ -﵁-» ذُكر قبله. شرح الحديث: (عَنْ أَبِيِ صَالِحٍ) ذكوان السمّان أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) -﵁- (يَقُولُ: الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ) برفع «الدينارُ»؛ أي: يباع الدينار بالدينار، ويَحتمل النصب؛ أي: بيعوا الدينار بالدينار (وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ) منصوب على الحاليّة؛ أي: حال كونهما متماثلين في الوزن (مَنْ زَادَ) أي: على مقدار المبيع الآخر من جنسه (أَوِ ازْدَادَ) أي: طلب الزيادة، وأخذها (فَقَدْ أَرْبَى) قال التوربشتيّ: أي أتى الربا وتعاطاه، ومعنى اللفظ: أخذ أكثر مما أعطى، مِنْ رَبا الشيءُ يربو: إذا زاد، قال الطيبيّ: لعل الوجه أن يقال: أتى الفعل المحرّم؛ لأن من اشترى الفضّة عشرة مثاقيل بمثقال من ذهب، فالمشتري آخذ للزيادة، وليس بربًا. انتهى . قال أبو صالح: (فَقُلْتُ لَهُ) أي: لأبي سعيد الخدريّ (إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ غَيْرَ هَذَا) أي: يقول بجواز التفاضل في بيع الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم (فَقَالَ) أبو سعيد: (لَقَدْ لَقِيتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني (هَذَا الَّذِي تَقُولُ) بحذف العائد، وهو جائز، كما قال في «الخلاصة»: ....................... … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أوْ وَصْفٍ كَـ «مَنْ نَرْجُو يَهَبْ» أي: تقوله، والذي يقوله: هو أنه لا ربا في الفضل فيما كان يدًا بيد. (أَشَىْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، أَوْ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللهِ؟ فَقَالَ) ابن عبَّاس (لَمْ أسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، وَلَمْ أَجِدْهُ فِي كِتَابِ اللهِ) وفي رواية البخاريّ: «قال: كلَّ ذلك لا أقول»، قال في «الفتح»: بنصب «كلَّ» على أنه مفعول مقدم، وهو في المعنى نظير قوله -ﷺ- في حديث ذي اليدين: «كلُّ ذلك لم يكن»، فالمنفيّ هو المجموع، وفي رواية مسلم الآتية من طريق عطاء: أن أبا سعيد، لقي ابن عباس فذكر نحوه، وفيه: «فقال: كل ذلك لا أقول، أما رسول الله -ﷺ-، فأنتم أعلم به، وأما كتاب الله، فلا أعلمه»؛ أي: لا أعلم هذا الحكم فيه، وإنما قال لأبي سعيد: أنتم أعلم برسول الله -ﷺ- مني؛ لكون أبي سعيد وأنظاره، كانوا أسنّ منه، وأكثر ملازمة لرسول الله -ﷺ-. انتهى . (وَلَكِنْ حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) حبّ رسول الله -ﷺ-، وابنُ حبّه -﵄- المتوفّى سنة (٥٤) وتقدّمت ترجمته في «الإيمان» ٤٣/ ٢٨٤. (أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ») وفي الرواية التالية: «إنما الربا في النسيئة»، وفي الرواية الثالثة: «لا ربا فيما كان يدًا بيد»، وفي رواية: ««ألا إنما الربا في النسيئة»، وتقدّم من طريق أبي نضرة، قال: «سألت ابن عباس، عن الصرف؟ فقال: أيدًا بيد؟، قلت: نعم، قال: فلا بأس به، فأخبرت أبا سعيد، فقال: أَوَ قال ذلك؟ إنّا سنكتب إليه، فلا يفتيكموه»، وفي رواية عن أبي نضرة: «سألت ابن عمر، وابن عباس -﵄- عن الصرف؟ فلم يريا به بأسًا، فإني لقاعد عند أبي سعيد، فسألته عن الصرف؟ فقال: ما زاد فهو ربا، فأنكرت ذلك؛ لقولهما، فذكر الحديث، قال: فحدثني أبو الصهباء، أنه سأل ابن عباس عنه بمكة؟ فكرهه»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أسامة بن زيد -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ٤٠٨١ و٤٠٨٢ و٤٠٨٣ و٤٠٨٤] (١٥٩٦)، و(البخاريّ) في «البيوع» (٢١٧٨ و٢١٧٩)، و(الترمذيّ) في «البيوع» (٣/ ٥٤٣)، و(النسائيّ) في «البيوع» (٧/ ٢٨١) و«الكبرى» (٤/ ٣٢)، و(ابن ماجه) في «التجارات» (٢٢٥٧)، و(الشافعيّ) في «مسنده» (٢/ ٢٥٩)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٦٢٢)، و(ابن أبي شيبة) في «مسنده» (١/ ١١٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٢٠٠ و٢٠٢ و٢٠٤ و٢٠٦ و٢٠٨ و٢٠٩)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٢٥٩)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٤٤٢ و٤٤٣)، و(البزّار) في «مسنده» (٧/ ١٠ و١١ و١٢ و١٤ و١٨)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٢/ ٤٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٠٢٣)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٣٨٧)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٦٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٨٠) و«الصغرى» (٥/ ٣٧) و«المعرفة» (٤/ ٢٩٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان حكم بيع الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، وهو الجواز إذا كان مثلًا بمثل، يدًا بيد. ٢ - (ومنها): أن في قصة أبي سعيد، مع ابن عمر، ومع ابن عباس -﵃- المذكورة أن العالم يناظر العالم، ويوقفه على معنى قوله، ويردّه من الاختلاف إلى الاجتماع، ويحتجّ عليه بالأدلة. ٣ - (ومنها): أن فيه إقرارَ الصغير للكبير بفضل التقدم. ٤ - (ومنها): أن في السياق دليلًا على أن أبا سعيد، وابن عباس متفقان، على أن الأحكام الشرعية، لا تطلب إلا من الكتاب، أو السنة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في الصرف: الصرفُ -بفتح المهملة-: دفع ذهب، وأخذ فضة وعكسه، وله شرطان: منع النسيئة مع اتفاق النوع، واختلافه، وهو المجمع عليه، ومنع التفاضل في النوع الواحد منهما، وهو قول الجمهور، وخالف فيه ابن عمر، ثم رجع، وابن عباس، واختُلف في رجوعه، وقد رَوَى الحاكم من طريق حيان العدوي -وهو بالمهملة، والتحتانية- سألت أبا مِجْلَز عن الصرف؟ فقال: كان ابن عباس، لا يرى به بأسًا زمانًا من عمره، ما كان منه عينًا بعين، يدًا بيد، وكان يقول: إنما الربا في النسيئة، فلقيه أبو سعيد، فذكر القصة والحديث، وفيه: «التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يدًا بيد، مِثْلًا بمثل، فمن زاد فهو ربا»، فقال ابن عباس: أستغفر الله، وأتوب إليه، فكان ينهى عنه أشدّ النهي. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فتبيّن بما تقدّم أن ابن عبّاس -﵄- ثبت رجوعه، كما ثبت رجوع ابن عمر -﵄-، فتكون المسألة إجماعية، فلا يجوز ربا الفضل، كما لا يجوز ربا النسيئة بالإجماع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تأويل حديث أسامة -﵁-: «لا ربا إلا في النسيئة»: قال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀، ما حاصله: هذا الخلاف شاذّ متقدّم، مرجوع عنه، كما قد نصّ عليه هنا من رجوع ابن عمر، وابن عبّاس -﵃- عنه، وممن قال بقولهما من السلف: عبد الله بن الزبير، وزيد بن أرقم، وأُسامة بن زيد، ولا شكّ في معارضة هذا الحديث لحديث عبادة، وأبي سعيد، وغيرهما، فإنها نصوصٌ في إثبات ربا الفضل، ولَمّا كان كذلك اختلف العلماء في كيفيّة التخلّص من ذلك على أوجه، أشبهها وجهان: [أحدهما]: أن حديث ابن عبّاس منسوخٌ بحديث عبادة، وأبي سعيد، غير أنهم لم ينقلوا التاريخ صريحًا، وإنما أخذوه من رجوع ابن عبّاس عن ذلك، ومِنْ عمل الجمهور من الصحابة، وغيرهم، من علماء المدينة على خلاف في ذلك. قال القرطبيّ: وهذا لا يدلّ على النسخ، وإنما يدلّ على الأرجحيّة. [وثانيهما]: أن قوله: «لا ربا إلا في النسيئة» إنما مقصوده نفي الأغلظ الذي حرّمه الله بنصّ القرآن، وتوعّد عليه بالعقاب الشديد، وجعل فاعله محاربًا لله، وذلك بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ إلى آخر الآيات [البقرة: ٢٧٥ - ٢٨١] وما كانت العرب تعرف ربا إلا ذلك، فكانت إذا حلّ دَينها قالت للغريم: إما أن تقضي، وإما أن تُرْبي: أي تزيد في الدين، وهذا هو الذي نسخه النبيّ -ﷺ- يوم عرفة، لَمّا قال: «ألا إن كلّ ربا موضوع، وإن أول ربا أضعُهُ ربانا، ربا عباس»، متّفقٌ عليه. وهذا كما تقول العرب: إنما المال الإبل، وإنما الشجاع عليٌّ، وإنما الكريم يوسف ابن نبيّ الله، ولا عالم في البلد إلا زيد، ومثله كثير، يعنون بذلك نفي الأكبر والأكمل، لا نفي الأصل، وهذا واضح، ومما يقرب فيه هذا التأويل جدًّا رواية من روى: «لا ربا فيما كان يدًا بيد» أي: لا ربا كثيرٌ، أو عظيمٌ، كما قال: «لا صلاة لجار المسجد، إلا في المسجد» أي: لا صلاة كاملة. قال: ويظهر لي وجهٌ آخر، وهو حسنٌ، وذلك أن دلالة حديث ابن عبّاس على نفي ربا الفضل دلالة بالمفهوم، ودلالة إثباته دلالة بالمنطوق، ودلالة المنطوق راجحة على دلالة المفهوم، باتّفاق النُّظّار. انتهى كلام القرطبيّ ببعض تصرّف ، وهو بحث مفيد نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ ﵀: أما حديث أسامة: «لا ربا إلا في النسيئة» فقد قال قائلون بأنه منسوخ بهذه الأحاديث، وقد أجمع المسلمون على ترك العمل بظاهره، وهذا يدل على نسخه. وتأوله آخرون تأويلات: [أحدها]: أنه محمول على غير الربويات، وهو كبيع الدَّين بالدَّين مؤجلًا، بأن يكون له عنده ثوب موصوف، فيبيعه بعبد موصوف مؤجلًا، فإن باعه به حالًا جاز. [الثاني]: أنه محمول على الأجناس المختلفة، فإنه لا ربا فيها من حيث التفاضل، بل يجوز تفاضلها يدًا بيد. [الثالث]: أنه مجمل، وحديث عبادة بن الصامت، وأبي سعيد الخدريّ، وغيرهما مُبَيَّن، فوجب العمل بالمبيَّن، وتنزيل المجمل عليه، هذا جواب الشافعىّ ﵀. انتهى كلام النوويّ ﵀ . وقال في «الفتح»: اتَّفَقَ العلماءُ على صحة حديث أسامة، واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد، فقيل: منسوخ، لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وقيل: المعنى في قوله: «لا ربا» الربا الأغلظ الشديد التحريم، المتوعدُ عليه بالعقاب الشديد، كما تقول العرب: لا عالم في البلد إلا زيد، مع أن فيها علماء غيره، وإنما القصد نفي الأكمل، لا نفي الأصل، وأيضًا فنفي تحريم ربا الفضل، من حديث أسامة، إنما هو بالمفهوم، فيقدَّم عليه حديث أبي سعيد؛ لأن دلالته بالمنطوق، ويُحمَل حديث أسامة على الربا الأكبر، كما تقدم، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أقرب التأويلات: الترجيح بأن دلالة حديث أسامة بالمفهوم، ودلالة حديث أبي سعيد بالمنطوق، فيرجّح المنطوق على المفهوم، كما سبق استحسانه في كلام القرطبيّ ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [٤٠٨٢] (…) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ -وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ؛ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنى أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّمَا الرِّبَا في النَّسِيئَةِ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ) الليثيّ المكيّ مولى آل قارظ بن شيبة، ثقةٌ كثير الحديث [٤] (ت ١٢٦) وله (٨٦) سنةً (ع) تقدم في «الصيام» ٢١/ ٢٦٦٢. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، وبالله تعالى التوفيق. [٤٠٨٣] (…) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «لَا رِبًا فِيمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ»). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الصفّار، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٠) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٤. ٣ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، أو قبلها (ع) تقدم في «الإيمان» ٣/ ١١٢. ٤ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عجلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبتٌ تغيّر قليلًا [٧] (ت ١٦٥) أو بعدها (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ٢ ص ٤١٣. ٥ - (ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله اليمانيّ، أبو محمد، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤. ٦ - (أَبُوهُ) طاوس بن كيسان، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الإسنادين الماضيين. والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، وبالله تعالى التوفيق. [٤٠٨٤] (…) - (حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِقْلٌ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ؛ أَنَّ أَبا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ لَقِيَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَكَ فِي الصَّرْفِ، أشَيْئًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-؟ أَمْ شَيْئًا وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللهِ ﷿؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَلّا، لَا أقُولُ، أمَّا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَأنتُمْ أَعْلَمُ بِهِ، وَأمَّا كِتَابُ اللهِ، فَلَا أَعْلَمُهُ، وَلَكنْ حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «ألا إِنَّمَا الرِّبَا فى النَّسِيئَةِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى) بن أبي زُهير البغداديّ، أبو صالح القَنْطَريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خت م مد س ق) تقدم في «الإيمان» ٤٦/ ٢٩٤. ٢ - (هِقْلُ) -بكسر الهاء، وسكون القاف- ابن زياد السَّكْسَكيّ الدمشقيّ، نزيل بيروت، قيل: هِقْلٌ لقبٌ، واسمه محمد، أو عبد الله، وكان كاتب الأوزاعيّ، ثقةٌ متقنٌ [٩] (ت ١٧٩) أو بعدها (م ٤) تقدم في «الصلاة» ٤٤/ ١٠٩٩. ٣ - (الأَوْزَاعِىُّ) عبد الرحمن بن عمرو الإمام المعروف، تقدّم قريبًا. ٤ - (عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ) أسلم، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله. شرح الحديث: (عَنِ الأَوْزَاعيِّ) عبد الرحمن بن عمرو؛ أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ) اسم أبيه أسلم (أَنَّ أبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) -﵁- (لَقِيَ ابْنَ عَبَّاسٍ) -﵄- (فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني (قَوْلَكَ فِي الصَّرْفِ، أَشَيْئًا) منصوب بفعل مقدّر دلّ عليه ما سبق؛ أي: أتقول شيئًا، ويَحْتَمِل أن يكون منصوبًا على الاشتغال؛ أي: أسمعت شيئًا؟ (سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-؟ أَمْ شَيْئًا وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللهِ ﷿؟) قال القرطبيّ ﵀: هذا سؤال منكِرٍ لما سمعه، طالب للحقيقة بالدليل، بَانٍ على أن لا دليل على الأحكام الشرعيّة إلا الكتاب والسّنّة. انتهى . (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَلَّا) معناها الردع، والزجر؛ أي: ارتدع، وانزجر عما تقوله، فإني (لَا أقُولُ) ذلك، قال القرطبيّ ﵀؛ أي: لم أسمع فيه من النّبيّ -ﷺ- شيئًا، ولا فَهِمتُ من كتاب الله تعالى، ثم أخذ، فأسند الحديث عن أسامة -﵁-، وأخبر أنه سمعه منه، فثبت الحديث بنقله، وهو الإمام العدل، عن أسامة ذي المآثر والفضل، فلا شكّ في صحّة الحديث، وإنما هو متروك بأحد الأوجه المتقدّمة، والله تعالى أعلم. انتهى . (أمّا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، فَأنتُمْ أَعْلَمُ بِهِ) أي: بأحاديثه، فإنَّهم أسنّ منه، وهم
مصادر المؤلف (١٢)

١. هذا هو الأولى، وأما ما قاله في «التقريب»: إنه مقبول، فغير مقبول؛ لأنه قد روى عنه جماعة، ووثقه أبو زرعة، والعجليّ، وذكره ابن حبّان، وابن خلفون في «الثقات»، وتفرّد بتضعيفه النسائىّ، فمثله صدوقٌ. انظر: «تهذيب الكمال» مع ما كُتب في هامشه ١٣/ ٢٤١ - ٢٤٢.

٢. وفي نسخة: «عن ابن عيينة».

٣. «الكاشف عن حقائق السنن» ٧/ ٢١٢٦ - ٢١٢٧.

٤. «الفتح» ٥/ ٦٤٨.

٥. حديث ضعيف، تقدّم الكلام عليه في «كتاب الصلاة».

٦. «المفهم» ٤/ ٤٨٤ - ٤٨٥.

٧. «شرح النوويّ» ١١/ ٢٥ - ٢٦.

٨. «الفتح» ٥/ ٦٤٩.

٩. وفي نسخة: «عن النبىّ -ﷺ-».

١٠. وفي نسخة: «ولكني حدّثني».

١١. «المفهم» ٤/ ٤٨٦.

١٢. «المفهم» ٤/ ٤٨٦ - ٤٨٧.