HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦١٧

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى (وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى) قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ. حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عن سالم ابن أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ يَوْمَ جُمُعَةٍ. فَذَكَرَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ. وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ. ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَا أدع بعدي شيئا أهم مِنَ الْكَلَالَةِ. مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي شَيْءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلَالَةِ. وَمَا أَغْلَظَ لِي فِي شَيْءٍ مَا أَغْلَظَ لِي فِيهِ. حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِي صَدْرِي. وَقَالَ (يَا عُمَرُ! أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ؟) وَإِنِّي إِنْ أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ، يَقْضِي بِهَا مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَمَنْ لَا يَقْرَأُ القرآن.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص61
ج ٣ ص ١٢٣٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن ابن ماجه, سنن النسائي, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٣٦٤
[٣٤٨] وقوله: (أَلَا يَكفِيكَ آيَةُ الصَّيفِ) يعني الآية التي نزلت في الصيف، يشير بذلك إلى قرب نزولها، ويعرفه الحال فيه. ومن كتاب الوصايا والصدقة والنهي عن الرجوع في الصدقة
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٨ ص٢٠٥
٣ - (أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ) عبد الملك بن عمرو القيسيّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٤ أو ٢٠٥) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢١. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ الزَّمِنُ، ثقة حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٢. ٥ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ) بن حازم، أبو عبد الله الأزديّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥/ ٣١٥. و«شُعبة» ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية النضر بن شُميل، وأبي عامر العقديّ، كلاهما عن شعبة، ساقها الحافظ ابن الجعد ﵀ في «مسنده» (١/ ٢٥٢) فقال: (١٦٦٧) - حدّثنا خلاد بن أسلم، أنا النضر، وحدثنا هارون، نا أبو عامر، وأبو داود، ووهب، وحدّثنا عباس بن حاتم، نا قُرَاد أبو نوح، واللفظ للنضر، قالوا: نا شعبة، أنا محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: أتاني رسول الله -ﷺ-، وأنا مريض، لا أعقل، فتوضأ، فصَبَّ عليّ من وَضوئه، فعقلت، فقلت: يا رسول الله إنه لا يرثنى إلا كلالة، فكيف الميراث؟ فنزلت آية الفرض. انتهى. ورواية وهب بن جرير، عن شعبة ساقها الحافظ البيهقيّ ﵀ (٦/ ٢١٢) فقال: (أخبرنا) أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن مرزوق البصريّ، ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة، عن محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: دخل عليّ رسول الله -ﷺ-، وأنا مريض، فتوضأ، ونضح عليَّ من وَضوئه، قال: فقلت: يا رسول الله إنما يرثني كلالة، فكيف الميراث؟ فنزلت آية الفرائض. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤١٤٣] (١٦١٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى -وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فَذَكَرَ نَبِيَّ اللهِ -ﷺ-، وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَا أَدَعُ بَعْدِي شَيْئًا أَهَمَّ عِنْدِي مِنَ الْكَلَالَةِ، مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- فِي شَيْءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلَالَةِ، وَمَا أَغْلَظَ لِي فِي شَيْءٍ مَا أَغْلَظَ لِي فِيهِ، حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: «يَا عُمَرُ أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ؟»، وَإِنِّي إِنْ أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ يَقْضِي بِهَا مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَمَنْ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) أبو عبد الله الثقفيّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م س) تقدم في «الإيمان» ١٠/ ١٤٥. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) ذُكر في السند الماضي. ٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ، الإمام الحجة الناقد البصير المشهور [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٨٥. ٤ - (هِشَامُ) بن أبي عبد الله -سَنْبَر- الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٥ - (قَتَادَةُ) بن دعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس، رأس [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدّم في «المقدّمة» ٦/ ٧٠. ٦ - (سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ) رافع الأشجعيّ الْغَطَفانيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ يرسل كثيرًا [٣] (ت ٧ أو ١٩٨) أو بعد ذلك (ع) تقدّم في «الحيض» ٨/ ٧٢٨. ٧ - (مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ) ويقال: ابن طلحة الْيَعْمَريّ الشاميّ، ثقةٌ [٢] (م ٤) تقدّم في «الصلاة» ٤٤/ ١٠٩٨. ٨ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) بن نفيل العدويّ الخليفة الراشد، استُشهد -﵁- في ذي الحجة سنة (٢٣) (ع) تقدّم في «المقدّمة» ٣/ ٩. شرح الحديث: (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ) اسم أبيه رافع (عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) تقدّم في «كتاب المساجد» برقم [١٧/ ١٢٦٢] أن الدارقطنيّ انتقد إدخال معدان بن أبي طلحة بين سالم، وعمر في هذا الإسناد؛ لمخالفة قتادة للحفّاظ فيه، وتقدّم الجواب عنه هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطاب) -﵁- (خَطَبَ) وكانت خطبة عمر -﵁- هذه بعد رجوعه من الحجة الأخيرة التي حجّها بالناس، وقد ذكر البخاريّ في «صحيحه» سبب هذه الخطبة مطوّلًا، وتقدّم بيانه في «كتاب الصلاة» بالرقم المذكور. (يَوْمَ جُمُعَةٍ) وكانت آخر جمعة صلّاها عمر -﵁-؛ كما أخرجه أحمد في «مسنده» من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في آخر هذه الخطبة: «فخَطَب بها عمر -﵁- يوم الجمعة، وأُصيب يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة» . (فَذَكَرَ نَبِيَّ اللهِ -ﷺ-) قد سبق في حديث البخاريّ قوله: «إن الله بعث محمدًا -ﷺ- بالحقّ، وأنزل عليه الكتاب …»، وقوله: ألا ثم إنّ رسول الله -ﷺ- قال: «لا تُطروني كما أُطرِي عيسى ابن مريم، وقولوا: عبد الله ورسوله …» (وَدكَرَ أَبَا بَكْرٍ) -﵁-؛ أي: ذكره بالخير وأثنى عليه. (ثُمَّ قَالَ) عمر -﵁- (إِنِّي) وفي نسخة: «ثمّ إني» (لَا أَدَعُ)؛ أي: لا أترك (بَعْدِي)؛ أي: بعد موتي (شَيْئًا أَهَمَّ عِنْدِي مِنَ الْكَلَالَةِ) قال أبو عبد الله القرطبيّ ﵀ في «تفسيره»: الكلالة مصدرٌ من تكلَّله النسبُ؛ أي: أحاط به، وبه سُمِّي الإكليل، وهي منزلة من منازل القمر؛ لإحاطتها بالقمر إذا احْتَلّ بها، ومنه الإكليل أيضًا، وهو التاج، والعصابة المحيطة بالرأس، فإذا مات الرجل، وليس له وَلَدٌ ولا والد، فورَثَتُه كلالةٌ. انتهى. [فائدة]: قال أهل اللغة: يقال: رجلٌ كلالةٌ، وامرأةٌ كلالةٌ، ولا يثنَّى، ولا يُجمَعُ؛ لأنه مصدرٌ، كالوكالة، والدلالة، والسَّمَاحة، والشَّجَاعة، وأعاد الضمير المفرد في قوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ﴾، ولم يقل: لهما، وقد سبق ذكر الرجل والمرأة، على عادة العرب، إذا ذَكَرت اسمين، ثم أَخبَرَت عنهما، وكانا في الحكم سواءً، ربما أضافت إلى أحدهما، وربما أضافت إليهما جميعًا، تقول: من كان عنده غلام وجارية، فليحسن إليه، وإليها، وإليهما، وإليهم، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ الآية [البقرة: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ الآية [النساء: ١٣٥]، ويجوز أَولى بهم. قاله الفرّاء وغيره . وقال النوويّ ﵀: اختلفوا في اشتقاق الكلالة، فقال الأكثرون: مشتقة من التكلُّل، وهو التطرُّف، فابن العمّ مثلًا يقال له: كلالةٌ؛ لأنه ليس على عمود النسب، بل على طرفه، وقيل: من الإحاطة، ومنه الإكليل، وهو شبه عصابة تُزَيَّن بالجوهر، فسُمُّوا كلالةً؛ لإحاطتهم بالميت من جوانبه، وقيل: مشتقة من كَلَّ الشيءُ: إذا بَعُد، وانقطع، ومنه قولهم: كَلَّت الرحمُ: إذا بَعُدت وطال انتسابها، ومنه: كَلَّ في مشيه: إذا انقطع؛ لبُعد مسافته. انتهى . (مَا) نافيةٌ (رَاجَعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- فِي شَيْءٍ)؛ أي: من أحكام الدين (مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلَالَةِ)؛ أي: بيان حكمها، و«ما» مصدريّةٌ، والمصدر المؤّول نعت لمصدر، مفعول مطلقٌ لـ «راجعتُ»؛ أي: مثل مراجعتي في الكلالة (وَمَا أَغْلَظَ) -ﷺ-، وهو بالبناء للفاعل (لِي فِي شَيْءٍ)؛ أي: مما سألته من الأحكام (مَا أَغْلَظَ لِي فِيهِ)؛ أي: مثل إغلاظه في سؤالي عن الكلالة (حَتَّى طَعَنَ) بالبناء للفاعل أيضًا (بِإِصْبَعِهِ) تقدّم أن فيها عشر لغات، تثليث الهمزة، مع تثليث الموحّدة، والعاشرة أُصبُوع بالضمّ، وزانُ أُسْبُوع، وأفصحها كسر الهمزة، وفتح الموحّدة. (في صَدْرِي)؛ أي: تأديبًا له لتشدّده في السؤال، وقال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: هذا الطعن مبالغة في الحثّ على النظر والبحث، وألّا يرجع إلى السؤال مع التمكّن من البحث والاستدلال؛ ليحصل على رتبة الاجتهاد، ولينال أجر من طلب، فأصاب الحكم، ووافق المراد. وروى ابن جرير عن أبي إسحاق الشَّيباني، عن عمرو بن مُرّة، عن سعيد بن المسيِّب؛ أن عمر سأل رسول الله -ﷺ-: كيف يُوَرّث الكلالة؟ قال: فأنزل الله ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، قال: فكأن عمر لم يفهم، فقال لحفصة: إذا رأيتِ من رسول الله -ﷺ- طيب نَفْس فسليه عنها، فرأت منه طيب نفس فسألته عنها، فقال: «أبوك ذكر لك هذا؟ ما أرى أباك يعلمها»، قال: وكان عمر يقول: ما أراني أعلمها، وقد قال رسول الله -ﷺ- ما قال . وقال القرطبيّ ﵀ ما حاصله: مقتضى الآية الأولى أن كلَّ واحد من الأخوين له السدس، سواء كان أحدهما ذكرًا أو أُنثى، فإن كانوا أكثر اشتركوا في الثلث، ومقتضى الآية الثانية أن للأخت النصف، وللاثنين الثلثين، ولم يُبيَّن في واحدة من الآيتين الإخوة، هل هي لأمّ، أو لأب، أو لهما؟ ثم إذا تنزّلنا على أن الإخوة في الأولى للأم، وفي الثانية للأب، أو أشقّاءُ، فهل ذلك فرضهم إذا انفردوا؟ أو يكون ذلك فرضهم، وإن كان معهم بعض الورثة؟ كلُّ ذلك أمورٌ مطلوبة، والوصول إلى تحقيق تلك المطالب عَسِيرٌ، فلَمّا استُشكِلَتْ على عمر -﵁- هذه الوجوه تشوّف إلى معرفتها بطريق يُزيح له الإشكال، فألَحّ على النبيّ -ﷺ- بالسؤال عن ذلك، حتى ضرب النبيّ -ﷺ- على صدره، وأغلظ عليه في ذلك؛ رَدْعًا له عن الإلحاح؛ إذ كان قد نُهي عن كثرة السؤال، وتنبيهًا له على الاكتفاء بالبحث عمّا في الكتاب من ذلك، وعلى أن الكتاب يُبيِّنُ بعضه بعضًا. وقال الخطّابيّ ﵀: يُشبه أن يكون لم يُفْتِهِ، وَوَكَل الأمر إلى بيان الآية؛ اعتمادًا على عِلْمه وفَهْمه؛ ليتوصَّلَ إلى معرفتها بالاجتهاد، ولو كان السائل ممن لا فَهْمَ له لَبَيَّنَ له البيان الشافي. قال: وإن الله تعالى أنزل في الكلالة آيتين: إحداهما في الشتاء، وهي التي في أول «سورة النساء»، وفيها إجمالٌ، وإبهامٌ لا يكاد يتبيّن المعنى من ظاهرها، ثم أنزل الآية التي في آخر «النساء» في الصيف، وفيها زيادة بيان. انتهى . ودلّ هذا الحديث على أن آخر آية من «سورة النساء» نزلت في فصل الصيف، وقد ذكر يحيى بن آدم بلاغًا أنها نزلت في الصيف، ورسول الله -ﷺ- يتجهّز إلى مكة . (فَقَالَ) -ﷺ-، وفي نسخة: «وقال» («يَا عُمَرُ ألَا) أداة تحضيض (تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ)؛ أي: الآية التي نزلت في فصل الصيف، وهو أحد الفصول الأربعة المشهورة في السنة، وقد تقدّم بيانها بالتفصيل في»كتاب الصلاة«. وقال القرطبيّ ﵀: إنما أحاله على النظر في هذه الآية؛ لأنه إذا أمعن النظر فيها عَلِم أنها مخالفة للآية الأولى في الورثة، وفي القسمة، فيتبيّن من كلّ آية معناها، ويُرتَّب عليها حكمها، فيزول الإشكال. انتهى . (الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ؟»)؛ يعني: قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ الآية [النساء: ١٧٦]. (وَإِنِّي إِنْ أَعِشْ) بفتح أوله، وكسر ثانيه، مِنْ عاش يعيش، يقال: عاش يَعيش عيَشًا، كسار يسير سيرًا: صار ذا حياة، فهو عائشٌ، والأنثى عائشة، وعيّاشٌ أيضًا مبالغةٌ ، وقوله: (أَقْضِ) مجزوم على أنه جواب الشرط؛ أي: أحكم، يقال: قضيتُ بين الخصمين، وعليهما: أي: حكمت . (فِيهَا)؛ أي: في الكلالة؛ أي: في معرفة أحكامها (بِقَضِيَّةٍ)؛ أي: بقضاء، فالمراد بالقضيّة هنا معناها المصدريّ، قال في «القاموس»: «القضاءُ»، ويُقصر: الحكم، قَضَى عليه يَقْضي قَضْيًا، وقَضَاءً، وقَضِيَّةً، وهي الاسم أيضًا. انتهى . (يَقْضِي بِهَا)؛ أي: بتلك القضيّة (مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَمَنْ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ)؛ يعني: أنه يستوي في فهم تلك القضيّة الخاصّ والعامّ؛ لوضوحها وبيانها. وفي رواية همّام بن يحيى عن قتادة عند أحمد : «فسأقضي فيها بقضاء يعلمه من يقرأ، ومن لا يقرأ»، وفي رواية سعيد بن أبي عروبة عنده أيضًا : «أقضي فيها قضيّة لا يختلف فيها أحد يقرأ القرآن، أو لا يقرأ القرآن»، ومفاد هذه الروايات جميعًا: أني سوف أقضي في الكلالة بقضيّة يعرفها كلّ عالم وجاهل، ولا يختلف فيها أحد. وقد ساق ابن جرير في «تفسيره» عدّة روايات تُبيّن أن عمر -﵁- كتب في الكلالة كتابًا، ولكنه لم يستطع إخراجه إلى الصحابة، وأخرج عن طارق بن شهاب قال: «أخذ عمر كتفًا، وجمع أصحاب محمد -ﷺ-، ثم قال: لأقضينّ في الكلالة قضاءً تَحَدّث به النساء في خدورهنّ، فخرجت حينئذ حيّة من البيت، فتفرّقوا، فقال: لو أراد الله أن يتمّ هذا الأمر لأتمّه»، وفي رواية أخرى عند ابن جرير أيضًا أنه قال عند وفاته: «إني كنت كتبت في الجدّ والكلالة كتابًا، وكنت أستخير الله فيه، فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه». وأخرج أحمد عن أبي رافع قال: «إن عمر بن الخطاب -﵁- كان مستندًا إلى ابن عبّاس، وعنده ابن عمر، وسعيد بن زيد -﵃-، فقال: اعلموا أني لم أقل في الكلالة شيئًا، ولم أستخلف من بعدي أحدًا … إلخ»، وهذا يدلّ على أنه لم يصل إلى القول الفصل في الكلالة حتى آخر حياته -﵁-. وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «وإني إن أَعِشْ أَقْض فيها بقضيّة … إلخ» هذا يدلّ على أنه كان اتّضح له وجهُ الصواب فيها، وأنه كان قد استعمل فِكْرَه فيها حتى فَهِمَ ذلك، وأنه أراد أن يوضِّح ذلك على غاية الإيضاح، ولم يتمكّن من ذلك في ذلك الوقت الحاضر للعوائق والموانع، ثم فاجأته المنيّة -﵁-، ولم يُرْوَ عنه فيها شيءٌ من ذلك. لكن قد اهتَدَى علماء السلف لفهم الآيتين، وأوضحوا ذلك، فتبيَّن الصبح لذي العينين، والله تعالى أعلم . وقال النوويّ ﵀: قوله: «وإني إن أعش … إلخ» هذا من كلام عمر -﵁-، لا من كلام النبيّ -ﷺ-، وإنما أخَّر القضاء فيها؛ لأنه لم يظهر له في ذلك الوقت ظهورًا يحكم به، فأخّره حتى يتم اجتهاده فيه، ويستوفي نظره، ويتقرر عنده حكمه، ثم يقضي به، ويُشيعه بين الناس، ولعل النبيّ -ﷺ- إنما أغلظ له؛ لخوفه من اتكاله، واتكال غيره على ما نُصّ عليه صريحًا، وتركهم الاستنباط من لنصوص، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، فالاعتناء بالاستنباط من آكد الواجبات المطلوبة؛ لأن النصوص الصريحة لا تفي إلا بيسير من المسائل الحادثة، فإذا أُهمل الاستنباط فات القضاء في معظم الأحكام النازلة، أو في بعضها. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال الجامع عفا الله عنه: حديث عمر بن الخطّاب -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀، وقد تقدّم تخريجه، وبيان فوائده في «كتاب المساجد» [١٧/ ١٢٦٢]، فما بقي إلا ذكر ما يتعلّق بالكلالة، فأقول: (مسألة): في اختلاف أهل العلم في معنى الكلالة: قال النوويّ ﵀: اختَلَفَ العلماء في المراد بالكلالة في الآية على أقوال: [أحدها]: المراد: الوِرَاثة إذا لم يكن للميت ولد ولا والد، وتكون الكلالة منصوبة على تقدير: يُورَثُ وراثةَ كلالة. [والثاني]: أنه اسم للميت الذي ليس له ولد ولا والد، ذكرًا كان الميت أو أنثي، كما يقال: رجل عقيم، وامرأة عقيم، وتقديره: يورث كما يورث في حال كونه كلالةً. وممن رُوِي عنه هذا: أبو بكر الصديق، وعمر، وعليّ، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس -﵃ أجمعين-. [والثالث]: أنه اسم للورثة الذين ليس فيهم ولد ولا والد، واحتجُّوا بقول جابر -﵁-: إنما يرثني كلالةٌ، ولم يكن ولد ولا والد. [والرابع]: أنه اسم للمال الموروث، قال الشيعة: الكلالة من ليس له ولد، وإن كان له أب، أو جدٌّ، فوَرَّثوا الإخوة مع الأب، قال القاضي: ورُوي ذلك عن ابن عباس، قال: وهي رواية باطلة، لا تصح عنه، بل الصحيح عنه مما عليه جماعة العلماء، قال: وذكر بعض العلماء الإجماع على أنَّ الكلالة مَنْ لا ولد له ولا والد، قال: وقد اختلفوا في الورثة إذا كان فيهم جدّ: هل الورثة كلالةٌ أم لا؟ فمن قال: ليس الجد أبًا جعلها كلالةً، ومن جعله أبًا لم يجعلها كلالةً، قال القاضي: وإذا كان في الورثة بنت، فالورثة كلالةٌ عند جماهير العلماء؛ لأن الإخوة والأخوات وغيرهم من العصبات يرثون مع البنت، وقال ابن عباس: لا ترث الأخت مع البنت شيئًا؛ لقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ﴾، وبه قال داود، وقالت الشيعة: البنت تمنع كون الورثة كلالةً؛ لأنهم لا يُوَرِّثون الأخ والأخت مع البنت شيئًا، ويعطون البنت كلّ المال، وتعلَّقوا بقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا﴾ ومذهب الجمهور أن معنى الآية الكريمة: أن توريث النصف للأخت بالفرض لا يكون إلَّا إذا لم يكن ولد، فعَدَمُ الولد شرط لتوريثها النصف فرضًا، لا لأجل توريثها، وإنما لم يَذكُر عدم الأب في الآية كما ذَكَر عدم الولد مع أن الأخ والأخت لا يرثان مع الأب؛ لأنه معلوم من قاعدة أصل الفرائض: أن من أدلى بشخص لا يرث مع وجوده، إلَّا أولاد الأم، فيرثون معها، وأجمع المسلمون على أن المراد بالإخوة والأخوات في الآية التي في آخر سورة النساء: من كان من أبوين، أو من أب عند عدم الذين من أبوين، وأجمعوا على أن المراد في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ الإخوة والأخوات من الأم. انتهى . وقال أبو عبد الله القرطبيّ - ﵀ - في «تفسيره»: الكلالة مصدرٌ من تكلَّله النسبُ؛ أي: أحاط به، وبه سُمِّي الإكليل، وهي منزلة من منازل القمر؛ لإحاطتها بالقمر إذا احْتَل بها، ومنه الإكليل أيضًا، وهو التاج، والعصابة المحيطة بالرأس، فإذا مات الرجل، وليس له وَلَدٌ ولا والد، فورثته كلالة، هذا قول أبي بكر الصديق، وعمر، وعليّ، وجمهور أهل العلم، وذكر يحيى بن آدم، عن شَرِيك، وزهير، وأبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن عبد، قال: ما رأيتهم إلَّا وقد تواطئوا، وأجمعوا على أنَّ الكلالة مَن مات ليس له ولد ولا والد، وهكذا قال صاحب «كتاب العين»، وأبو منصور اللغوي، وابن عرفة، والْقُتَبيّ، وأبو عبيد، وابن الأنباريّ، فالأب والابن طرفان للرجل، فإذا ذهبا تكلَّله النسب، ومنه قيل: رَوْضَةُ مُكَلَّلةُ: إذا حُفَّت بالنَّوْر، وأنشدوا: مَسْكَنُهُ رَوْضةٌ مُكَلَّلَةٌ … عَمَّ بِهَا الأَيْهُقَانُ وَالذُّرَقُ يعني: نَبْتَيْن، وقال امرؤ القيس [من الطويل]: أَصَاحِ تَرَى بَرْقًا أُرِيكَ وَمِيضَهُ … كَلَمْعِ الْيَدَيْنِ فِي حَبِيٍّ مُكَلَّلِ فَسَمُّوا القرابة كلالةً؛ لأنهم أطافوا بالميت من جوانبه، وليسوا منه، ولا هو منهم، وإحاطتهم به أنهم يَنْتَسِبون معه، كما قال أعرابيٌّ: مالي كثير، ويرثني كلالةٌ مُتَرَاخٍ نسبهم، وقال الفرزدق [من الطويل]: وَرِثْتُمْ قَنَاةَ الْمَجْدِ لَا عَنْ كَلَالَةٍ … عَنِ ابْنَيْ مَنَافٍ عَبْدِ شَمْسٍ وَهَاشِمِ وقال آخر [من المتقارب]: وَإِنَّ أَبَا الْمَرْءِ أَحْمَى لَهُ … وَمَوْلَى الْكَلَالَةِ لَا يَغْضَبُ وقيل: إن الكلالة مأخوذة من الكَلال، وهو الإعياء، فكأنه يصير الميراث إلى الوارث عن بُعْدٍ وإعياء، قال الأعشي [من الطويل]: فَآلَيْتُ لَا أَرْثِي لَهَا مِنْ كَلَالَةٍ … وَلَا مِنْ وَجًى حَتَّى تُلَاقِي مُحَمَّدًا وذكر أبو حاتم، والأثرم، عن أبي عبيدة، قال: الكلالة كلُّ من لم يرثه أبٌ، أو ابنٌ، أو أخٌ، فهو عند العرب كلالةٌ. قال أبو عُمر: ذِكْر أبي عبيدة الأخ هنا مع الأب والابن في شرط الكلالة غلطٌ، لا وجه له، ولم يذكره في شرط الكلالة غيره. ورَوَى عن عمر بن الخطاب -﵁- أن الكلالة من لا وَلَدَ له خاصّةً، ورُوي عن أبي بكر ثم رجعا عنه، وقال ابن زيد: الكلالة الحيّ والميت جميعًا، وعن عطاء: الكلالةُ المال، قال ابن العربيّ: وهذا قول طريف لا وجه له. قال القرطبيّ: له وجه يتبيَّن بالإعراب آنفًا. ورُوي عن ابن الأعرابيّ: أن الكلالة بنو العم الأباعد، وعن السُّديّ: أن الكلالة الميت، وعنه مثل قول الجمهور. وهذه الأقوال تتبيَّن وجوهها بالإعراب، فقرأ بعض الكوفيين: «يُوَرِّث كلالةً» بكسر الراء وتشديدها، وقرأ الحسن، وأيوب: «يُورِثُ» بكسر الراء وتخفيفها، على اختلاف عنهما، وعلى هاتين القراءتين لا تكون الكلالةُ إلَّا الوَرَثَةَ، أو المال، كذلك حَكَى أصحاب المعاني، فالأول مِن وَرَّثَ، والثاني من أَوْرَثَ، و«كلالةً» مفعوله، و«كان» بمعنى وَقَعَ، ومن قرأ «يُورَثُ» بفتح الراء احتَمَلَ أن تكون الكلالة المالَ، والتقدير: يُورَثُ وِراثةَ كلالةٍ، فتكون نعتًا لمصدر محذوف، ويجوز أن تكون الكلالة اسمًا للورثة، وهي خبر «كان»، فالتقدير: ذا وَرَثَةٍ، ويجوز أن تكون تامّة بمعنى وقع، و«يورَثُ» نعت لـ «رجلٌ»، و«رجلٌ» رُفِعَ بـ «كان»، و«كلالةً» نُصِب على التفسير، أو الحال على أنَّ الكلالة هو الميت، والتقدير: وإن كان رجلٌ يورَث مُتَكَلِّل النسب إلى الميت. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- . وقال الحافظ ابن كثير -﵀-: الكلالة مُشْتَقَّةٌ من الإكليل، وهو الذي يُحيط بالرأس من جوانبه، والمراد هنا: مَن يرثه من حواشيه، لا أصوله، ولا فروعه، كما رَوَى الشعبيُّ عن أبي بكر الصديق -﵁- أنه سئل عن الكلالة؟ فقال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه، الكلالة: من لا ولد له ولا والد، فلما وُلِّيَ عمر -﵁- قال: إني لأستحي أن أخالف أبا بكر في رأي رآه، كذا رواه ابن جرير وغيره، وقال ابن أبي حاتم في «تفسيره»: حدَّثنا محمد بن يزيد، عن سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاوس، قال: سمعت ابن عباس -﵄- يقول: كنت آخر الناس عهدًا بعمر -﵁-، فسمعته يقول: القول ما قلت، قلت: وما قلت؟ قال: الكلالة: من لا ولد له ولا والد، وهكذا قال عليّ، وابن مسعود، وصَحَّ عن غير واحد، عن ابن عباس، وزيد بن ثابت، وبه يقول الشعبيّ، والنخعيّ، والحسن، وقتادة، وجابر بن زيد، والحكم، وبه يقول أهل المدينة، وأهل الكوفة والبصرة، وهو قول الفقهاء السبعة، والأئمة الأربعة، وجمهور السلف والخلف، بل جميعهم، وقد حَكَى الإجماع عليه غيرُ واحد، وورد فيه حديث مرفوعٌ ، قال أبو الحسين ابن اللَّبّان: وقد رُوي عن ابن عباس ما يخالف ذلك، وهو أنه من لا ولد له، والصحيح عنه الأول، ولعل الراوي ما فَهِمَ عنه ما أراد. انتهى كلام ابن كثير -﵀- . وقال في موضع آخر بعد ذكره تفسير الصدّيق -﵁- للكلالة الماضي ما نصّه: وهذا الذي قاله الصدِّيق -﵁- عليه جمهور الصحابة، والتابعين، والأئمة في قديم الزمان وحديثه، وهو مذهب الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة، وقول علماء الأمصار قاطبة، وهو الذي يدُلُّ عليه القرآن، كما أرشد الله أنه قد بَيَّنَ ذلك، ووَضَّحَهُ في قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦]. انتهى كلام ابن كثير -﵀- . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الصحيح في معنى الكلالة هو الذي عليه الجمهور، وهو أنه من لا ولد له ولا والد؛ لقوّة حجته، كما عرفته آنفًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قال أبو عبد الله القرطبيّ -﵀-: ذَكَرَ الله -عَزَّوَجَلَّ-، في كتابه الكلالة في موضعين: في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ الآية [النساء: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، ولم يذكر في الموضعين وارثًا غير الإخوة، فأما في الآية الأولى فأجمع العلماء على أنَّ الإخوة فيها عُنِي بها الإخوة للأم؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ وكان سعد بن أبي وقاص يقرأ: «وله أخ أو أخت من أمه»، ولا خلاف بين أهل العلم أن الإخوة للأب والأم، أو للأب ليس ميراثهم كهذا، فدلَّ إجماعهم على أنَّ الإخوة المذكورين في آخر السورة هم إخوة الْمُتَوَفَّى لأبيه وأمه، أو لأبيه؛ لقوله -عَزَّوَجَلَّ-: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، ولم يَختلفوا أن ميراث الإخوة للأم ليس هكذا، فدَلَّت الآيتان أن الإخوة كلَّهم جميعًا كلالةٌ. وقال الشعبيّ: الكلالة ما كان سوى الولد والوالد، من الورثة إخوةً أو غيرهم من العصبة، كذلك قال عليّ، وابن مسعود، وزيد، وابن عباس -﵃-، قال الطبريّ: والصواب أن الكلالة هم الذين يرثون الميت مَن عدا ولده ووالده؛ لصحة خبر جابر -﵁-، فقلت: «يا رسول الله إنما يرثني كلالةٌ، أَفأُوصي بمالي كلِّه؟ قال:»لا«…» الحديث، متّفقٌ عليه ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -عَزَّوَجَلَّ- أوّل الكتاب قال: [٤١٤٤] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ابْنُ علَيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرْوبَةَ (ع) وَحَدَّثَنَا زهَيْرٌ بْن حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْن رَافِعٍ، عَنْ شَبَابَةَ بْنِ سَوَّارٍ، عَنْ شُعْبَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
مصادر المؤلف (٢٦)

١. وفي نسخة: «قال: ثم إني».

٢. بضمّ الميم، وفتح القاف، وتشديد الدال المهملة المفتوحة: نسبة إلى جدّ.

٣. راجع: «المسند» ١/ ٤٨.

٤. راجع: «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٧٨.

٥. «شرح النوويّ» ١١/ ٥٨.

٦. «تفسير ابن كثير» ٢/ ٤٨٥ - ٤٨٦.

٧. «المفهم» ٢/ ١٧٢.

٨. راجع: «أحكام القرآن» للجصّاص ﵀ ٢/ ١٠٥.

٩. «المفهم» ٤/ ٥٧٢ - ٥٧٣.

١٠. «المصباح» ٢/ ٤٤٠.

١١. «المصباح المنير» ٢/ ٥٠٧.

١٢. «القاموس المحيط» ٤/ ٣٧٨.

١٣. «المسند» ١/ ١٥.

١٤. «المسند» ١/ ٤٨.

١٥. «المسند» ١/ ٢٠.

١٦. «المفهم» ٢/ ١٧٣.

١٧. «شرح النوويّ» ١١/ ٥٧ - ٥٨.

١٨. «شرح النوويّ» ١١/ ٥٨ - ٥٩.

١٩. «الأَيهُقان»: الجرجير البريّ، و«الذُّرَقُ» كصُرَدٍ: بقلة وحشيشة؛ كالقتّ الرطب.

٢٠. وَمضَ البرق: لَمَعَ، و«الْحَبيّ»: السحاب المعترض، و«المكلَّل»: الذي في جوانبه البرق مثل: الإكليل.

٢١. الوجَى: الْحَفَى.

٢٢. «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٧٦ - ٧٧.

٢٣. الحديث المرفوع ضعيف، ولفظه: «من لم يترك مالًا ولا والدًا، فورثته كلالة»، راجع: «السلسلة الضعيفة» للشيخ الالبانيّ -﵀- رقم (٤٦٥٣).

٢٤. تفسير ابن كثير ١/ ٤٦١.

٢٥. «تفسير ابن كثير» ١/ ٥٩٦.

٢٦. راجع: «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٧٨.