HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٢٨

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ. أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عن عامر ابن سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ: عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، مِنْ وَجَعٍ أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَلَغَنِي مَا تَرَى مِنَ الْوَجَعِ. وَأَنَا ذُو مَالٍ. وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ. أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ (لا) قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ (لَا. الثُّلُثُ. وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ. إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ. وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ، إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا. حَتَّى اللُّقْمَةُ تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ). قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ (إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً. وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يُنْفَعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ. اللَّهُمَّ! أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ. وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ. لَكِنْ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ). قَالَ: رَثَى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من أن توفى بمكة.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص71
ج ٣ ص ١٢٥٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٨ ص٣٥٩
قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ لا تَمُرُّ بِهِ ثَلاثُ لَيَالٍ إِلا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ. انتهى . وأما رواية معمر، عن الزهريّ فقد ساقها عبد بن حُميد في «مسنده»، فقال: (٧٢٧) - أخبرنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «ما حقّ امرئ مسلم، تَمُرّ عليه ثلاث ليال، إلا ووصيته عنده»، قال ابن عمر: فما مَرَّت عليّ ثلاث قطّ، إلا ووصيتي عندي. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. [(٢) - (بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ)] وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٠١] (١٦٢٨) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عَادَنِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، مِنْ وَجَعٍ أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَلَغَنِي مَا تَرَى مِنَ الْوَجَعِ، وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِي وَاحِدَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيّ مَالِي؟، قَالَ: «لَا»، قَالَ: قُلْتُ: أَفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟ قَالَ: «لَا، الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً، يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ، إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى اللُّقْمَةُ تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: «إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ، فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ، إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ تُخَلَّفُ حَتَّى يُنْفَعَ بِكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ»، قَالَ: رَثَى لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مِنْ أَنْ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) النيسابوريّ الإمام، تقدّم قبل باب. ٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، ثقةٌ حجة، تُكُلِّم فيه بلا قادح [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الشهير، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (عَامِرُ بْنُ سَعْدِ) بن أبي وقّاص الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٣/ ١٥٩. ٥ - (أَبُوهُ) سعد بن أبي وقّاص مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق الصحابيّ الشهير، مات -﵁- سنة (٥٥) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧١. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسلٌ بالمدنيين، وشيخه، وإن كان نيسابوريًّا إلا أنه دخل المدينة، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، ورواية الابن عن أبيه، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة -﵃-، ذو مناقب جمّة، فهو من السابقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وهو آخرهم موتًا، مات بالعقيق سنة (٥٥) على المشهور، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ) بن أبي وقّاص (عَنْ أَبِيهِ) سعد بن أبي وقّاص -﵁- أنه (قَالَ: عَادَنِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ-)؛ أي: زارني، يقال: عُدتُ المريض عِيَادةً: زُرتُهُ، فالرجل عائد، وجمعه عُوّادٌ، والمرأة عائدةٌ، وجمعها عُوّدٌ بغير ألف، قاله الفيّوميّ ﵀ ، وقال القرطبيّ ﵀: ولا يقال ذلك إلا لزيارة المريض، فأما الزيارة، فأكثرها للصحيح، وقد تقال للمريض، وأما قوله تعالى: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ [التكاثر: ٢] فكناية عن الموت. انتهى . وفيه استحباب عيادة المريض، وأنها مستحبة للإمام، كاستحبابها لآحاد الناس . (فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) قال في «الفتح»: اتَّفَقَ أصحابُ الزهريّ على أن ذلك كان في حجة الوداع، إلا ابن عيينة، فقال: «في فتح مكة»، أخرجه الترمذيّ وغيره من طريقه، واتَّفَقَ الحفاظ على أنه وَهِمَ فيه، وقد أخرجه البخاريّ في «الفرائض» من طريقه، فقال: «بمكة»، ولم يذكر الفتح. قال الحافظ ﵀: وقد وجدت لابن عيينة مُستندًا فيه، وذلك فيما أخرجه أحمد، والبزار، والطبرانيّ، والبخاريّ في «التاريخ»، وابن سعد من حديث عمرو بن القاريّ: «أن رسول الله -ﷺ- قَدِمَ، فَخَلَّف سعدًا مريضًا حيث خرج إلى حُنين، فلما قَدِمَ من الجعرانة معتمرًا دخل عليه، وهو مغلوبٌ، فقال: يا رسول الله إن لي مالًا، وإني أُورَثُ كلالةً، أفأوصي بمالي …» الحديث، وفيه: «قلت: يا رسول الله، أميت أنا بالدار التي خرجت منها مهاجرًا؟ قال: لا، إني لأرجو أن يرفعك الله، حتى ينتفع بك أقوام»، الحديث. فلعل ابن عُيينة انتقل ذهنه من حديث إلى حديث، ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون ذلك وقع له مرّتين: مرةً عام الفتح، ومرةً عام حجة الوداع، ففي الأولى لم يكن له وارث من الأولاد أصلًا، وفي الثانية كانت له ابنة فقط، فالله أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀ . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الجمع الذي ذكره الحافظ ﵀ جمع حسنٌ، إلا أن الحديث المذكور ضعيفٌ؛ لأن في إسناده عمرو بن القاريّ، وهو مجهول ، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم. (مِنْ وَجَعٍ)؛ أي: لأجل وجع، فـ «من» تعليليّة، و«الوَجَعُ» بفتحتين، كالمرض وزنًا ومعنًى، قال إبراهيم الحربيّ: الوَجَع اسم لكلّ مرض ، وقال الفيّوميّ ﵀: وَجِعَ فلانًا رأسُهُ، أو بطنُهُ، يُجْعَل الإنسانُ مفعولًا، والعضو فاعلًا، وقد يجوز العكس، وكأنه على القلب؛ لفهم المعنى، يَوْجَعُ وَجَعًا، من باب تَعِبَ، فهو وَجِعٌ؛ أي: مريضٌ مُتَأَلِّمٌ، ويقع الوَجَعُ على كلّ مرض، وجمعه: أَوْجَاعٌ، مثلُ سَبَبٍ وأسباب، ووِجَاعٌ أيضًا بالكسر، مثلُ جَبَلٍ وجِبَالٍ، وقومٌ وَجِعُونَ، وَوَجْعَى، مثلُ مَرْضَى، ونساء وَجِعَاتٌ، ووَجَاعَى، وربما قيل: أَوْجَعَهُ رأسُهُ، بالألف، والأصل: وَجَعَهُ أَلَمُ رأسه، وأَوْجَعَهُ ألم رأسه، لكنه حُذِف للعِلم به، وعلى هذا، فيقال: فلانٌ مَوْجُوعٌ، والأجود مَوْجُوعُ الرأسِ، وإذا قيل: زيد يَوْجَعُ رأسَهَ، بحذف المفعول انتصَبَ الرأسُ، وفي نصبه قولان: قال الفراء: وَجِعْتَ بَطْنَكَ، مثلُ رَشِدتَ أَمْرَك، فالمعرفة هنا في معنى النكرة، وقال غير الفَّراءِ: نُصِبَ البطنُ بنزع الخافض، والأصل: وَجِعْتَ من بطنك، ورَشِدتَ في أمرك؛ لأن المفسّرات عند البصريّين لا تكون إلا نكرات، وهذا على القول بجعل الشخص مفعولًا واضح، أما إذا جُعِل الشخص فاعلًا، والعضو مفعولًا، فلا يُحتاج إلى هذا التّأويل، وتَوَجَّعَ: تشكّى، وتَوَجَّعْتُ له من كذا: رَثَيتُ له. انتهى كلام الفيّوميّ ﵀ . (أَشْفَيْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ)؛ أي: قاربته، وأشرفتُ عليه، يقال: أشفى عليه، وأشاف، قاله الهرويّ، وقال ابن قتيبة: لا يقال: أشفى إلا في الشرّ. انتهى . (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَلَغَنِي) وفي بعض النسخ: «بَلَغَ بي» (مَا تَرَى) «ما» موصولة فاعل «بلغ»، وقوله: (مِنَ الْوَجَعِ) بيان لـ «ما» (وَأَنَا ذُو مَالٍ)؛ أي: كثير، فالتنوين للتعظيم، قال النوويّ ﵀: وفيه دليلٌ على إباحة جمع المال؛ لأن هذه الصيغة لا تُستعمل في العُرف إلا لمال كثير. انتهى . وفيه جواز ذكر المريض ما يجده من شدّة الوجع؛ لغرض صحيح، من مداواة، أو دعاء صالح، أو وصية، أو استفتاء عن حاله، ونحو ذلك، وإنما يُكره من ذلك ما كان على سبيل التسخط ونحوه، فإنه قادح في أجر مرضه . (وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ) وفي نسخة: «إلا بنتٌ» (لِي وَاحِدَةٌ) وفي الرواية الآتية: «وإنما يرثني ابنتي»، وفي رواية: «ولم يكن له يومئذ إلا ابنة»، قال النوويّ وغيره: معناه: لا يرثني من الولد، أو من خواصّ الورثة، أو من النساء، وإلا فقد كان لسعد عصبات؛ لأنه من بني زُهْرة، وكانوا كثيرًا، وقيل: معناه: لا يرثني من أصحاب الفروض، زاد في «الفتح»: أو خصّها بالذكر على تقدير: لا يرثني ممن أخاف عليه الضياع والعجز إلا هي، أو ظنّ أنها ترث جميع المال، أو استكثر لها نصف التركة. قال الحافظ ﵀: وهذه البنت زعم بعض من أدركناه أن اسمها عائشة، فإن كان محفوظًا فهي غير عائشة بنت سعد التي روت هذا الحديث عنده، فهي تابعية عُمِّرت حتى أدركها مالك، ورَوَى عنها، وماتت سنة سبع عشرة، لكن لم يذكر أحد من النسابين لسعد بنتًا تُسَمَّى عائشة غير هذه، وذكروا أن أكبر بناته أم الحكم الكبرى، وأمها بنت شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهْرة، وذكروا له بنات أخرى أمهاتهنّ متأخرات الإسلام بعد الوفاة النبوية، فالظاهر أن البنت المشار إليها هي أم الحكم المذكورة؛ لتقدُّم تزويج سعد بأمها، قال: ولم أر من حَرَّر ذلك. انتهى كلام الحافظ ﵀ . (أفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيّ مَالِي؟) وفي الرواية الآتية: «فقلت: أوصي بمالي كلّه؟»، قال في «الفتح»: فأما التعبير بقوله: «أفأتصدّق»، فيَحْتَمِل التنجيزَ والتعليقَ، بخلاف «أفاوصي»، لكن المخرج متّحد، فَيُحْمَل على التعليق للجمع بين الروايتين، وقد تمسّك بقوله: «أتصدّق» مَنْ جعلَ تبرّعات المريض من الثلث، وحملوه على المنجّزة، وفيه نظرٌ؛ لما بيّنته. وأما الاختلاف في السؤال، فكأنه سأل أوّلًا عن الكلّ، ثم سأل عن الثلثين، ثم سأل عن النصف، ثم سأل عن الثلث، وقد وقع مجموع ذلك في رواية جرير بن يزيد عند أحمد، وفي رواية بُكير بن مِسمار عند النسائيّ، كلاهما عن عامر بن سعد، وكذا أوّلهما من طريق محمد بن سعد، عن أبيه، ومن طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن سعد. انتهى . وقال النوويّ ﵀: قوله: «أفأتصدق بثلثي مالي؟» يَحْتَمِل أنه أراد بالصدقة الوصية، ويَحْتَمِل أنه أراد الصدقة المنجَّزة، وهما عندنا، وعند العلماء كافّةً سواءٌ، لا ينفذ ما زاد على الثلث إلا برضا الوارث، وخالف أهل الظاهر فقالوا: للمريض مرض الموت أن يتصدق بكل ماله، ويتبرع به كالصحيح، ودليل الجمهور ظاهر حديث: «الثلث كثير»، مع حديث الذي أعتق ستة أعبد في مرضه، فأعتق النبيّ -ﷺ- اثنين، وأَرَقَّ أربعةً ، رواه مسلم. (قَالَ) -ﷺ- («لَا»)؛ أي: لا ينبغي لك أن تتصدّق بثلثي مالك (قَالَ) سعد (قُلْتُ: أفَأَتَصَدَّقُ بِشَطْرِهِ؟)؛ أي: نصفه، وفي الرواية الآتية: «قلت: فالنصفِ؟»، وهو بالجرّ عطفًا على قوله: «بثلثي مالي»؛ أي: فأتصدّق بالنصف؟ وهذا رجّحه السهيليّ، وقال الزمخشريّ: هو بالنصب على تقدير فعل؛ أي: أُسمّي الشطر؟ أو: أُعيّن الشطر، ويجوز الرفع على تقدير: أيجوز الشطرُ. (قَالَ) -ﷺ- («لَا، الثُّلُثُ) هكذا هذه الرواية فيها اختصار، يوضّحه ما في الرواية الآتية:»قال: فالثلث؟، قال: الثلث، والثلث كثير«. قال النوويّ ﵀:«كثير»بالمثلثة، وفي بعض الرواية بالموحّدة، وكلاهما صحيح، قال القاضي عياض: يجوز نصب«الثلث»الأول، ورفعه، أما النصب فعلى الإغراء، أو على تقدير: افْعَل؛ أي: أَعْطِ الثلثَ، وأما الرفع فعلى أنه فاعل؛ أي: يكفيك الثلثُ، أو أنه مبتدأ، وحُذِف خبره، أو خبرٌ محذوف المبتدأ. انتهى . وقال في«الفتح»: قوله:«قلت: الثلثُ؟، قال: فالثلثُ، والثلث كثير»كذا في أكثر الروايات، وفي رواية الزهريّ عند البخاريّ في«الهجرة»:«قال: الثلثُ يا سعد، والثلث كثير»، وفي رواية عائشة بنت سعد عن أبيها عند البخاريّ:«قال: الثلثُ، والثلث كبير، أو كثير»، وكذا للنسائيّ من طريق أبي عبد الرحمن السُّلَميّ، عن سعد، وفيه:«فقال: أوصيتَ؟ فقلت: نعم، قال: بكم؟ قلت: بمالي كله، قال: فما تركت لولدك؟ »، وفيه:«أَوْصِ بالعُشر، قال: فما زال يقول، وأقول، حتى قال: أوصِ بالثلث، والثلث كثير، أو كبير»؛ يعني: بالمثلثة، أو بالموحدة، وهو شكّ من الراوي، والمحفوظ في أكثر الروايات بالمثلثة، ومعناه: كثير بالنسبة إلى ما دونه. قال: وقوله:«قال: الثلث، والثلث كثير» بنصب الأول على الإغراء؛ أي: الزم الثلث، أو بفعل مضمَر، تقديره: أَعْطِ، أو أَمْضِ، أو نَفّذ الثلثَ، واستبعد هذا الوجه القرطبيّ، ولا بُعْد فيه، ويجوز رفعه على أنه فاعل لفعل محذوف؛ أي: يكفيك الثلثُ، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الكافي الثلثُ، أو مبتدأ والخبر محذوف؛ أي: الثلثُ كافٍ. وقوله: (وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ) مبتدأ وخبره، وهو يَحْتَمِل أن يكون مسوقًا لبيان الجواز بالثلث، وأن الأَولى أن ينقص عنه، ولا يزيد عليه، وهو ما يبتدره الفهم، وَيحْتَمِل أن يكون لبيان أن التصدق بالثلث هو الأكمل؛ أي: كثير أجره، ويَحْتَمِل أن يكون معناه: كثير غيرُ قليل، قال الشافعيّ ﵀: وهذا أولى معانيه؛ يعني: أن الكثرة أمر نِسْبِيّ، وعلى الأول عَوَّل ابنُ عباس -﵄- كما سيأتي في الحديث الآتي آخر الباب، أفاده في «الفتح» . وقال النوويّ ﵀: وفي هذا الحديث مراعاة العدل بين الورثة والوصية، قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: إن كانت الورثة أغنياء استُحِبّ أن يوصى بالثلث تبرعًا، وإن كانوا فقراء استُحِبّ أن ينقص من الثلث، وأجمع العلماء في هذه الأعصار على أن من له وارث لا تنفذ وصيته بزيادة على الثلث إلا بإجازته، وأجمعوا على نفوذها بإجازته في جميع المال، وأما من لا وارث له فمذهبنا، ومذهب الجمهور، أنه لا تصح وصيته فيما زاد على الثلث، وجوّزه أبو حنيفة، وأصحابه، وإسحاق، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، ورُوي عن عليّ، وابن مسعود -﵄-. انتهى. (إِنَّكَ أِنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ) وفي رواية: «أن تَدَع»؛ أي: تتركهم، وهو بفتح «أَنْ» على التعليل، وكسرها على الشرطيّة، قال القاضي عياض ﵀ رَوَينا قوله: «أن تذر» بفتح الهمزة، وكسرها، وكلاهما صحيح، وقال القرطبيّ: روايتنا في «أن تذر» بفتح الهمزة، و«أن» مع الفعل بتأويل المصدر في موضع رفع بالابتداء، وخبره «خيرٌ» المذكور بعده، والمبتدأ وخبره خبر «إنك»، تقديره: إنك تركُك ورثتَكَ أغنياء خيرٌ من تركهم فقراء، قال: وقد وَهِمَ من كسَر الهمزة من «إن»، وجعلها شرطًا؛ إذ لا جواب له، ويبقى «خيرُ» لا رافع له، فتأمله. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، وسيأتي توهيمه في توهيم من كسر الهمزة، فتنبّه. وقال ابن الجوزيّ ﵀: سمعناه -يعني: قوله: أن تذر- من رواة الحديث بالكسر، وأنكره شيخنا عبد الله بن أحمد -يعني: ابن الخشاب- وقال: لا يجوز الكسر؛ لأنه لا جواب له؛ لخلوّ لفظ «خير» من الفاء، وغيرها مما اشتُرط في الجواب . وتُعُقِّب بأنه لا مانع من تقديره، وقال ابن مالك ﵀: جزاء الشرط قوله: «خيرٌ»؛ أي: فهو خير، وحذفُ الفاء جائزٌ، قال: ومن خَصّ ذلك بالشِّعر بَعُدَ عن التحقيق، وضَيَّق حيث لا تضييق؛ لأنه كثير في الشعر، قليل في غيره، وأشار بذلك إلى ما وقع في الشعر، فيما أنشده سيبويه [من البسيط]: مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا … وَالشَرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللهِ مِثْلَانِ أي: فالله يشكرها، وإلى الردّ على من زعم أن ذلك خاصّ بالشعر قال: ونظيره قوله -ﷺ- في حديث اللقطة: «فإن جاء صاحبها، وإلا استَمْتِعْ بها» بحذف الفاء، وقوله -ﷺ- في حديث اللعان: «البينةُ، وإلا حَدٌّ في ظهرك». انتهى . (وَرَثَتَكَ) قال الزين ابن الْمُنَيِّر ﵀: إنما عبَّر له -ﷺ- بلفظ الورثة، ولم يقل: أن تدع بنتك، مع أنه لم يكن له يومئذ إلا ابنة واحدة؛ لكون الوارث حينئذ لم يتحقق؛ لأن سعدًا إنما قال ذلك بناء على موته في ذلك المرض، وبقائها بعده حتى ترثه، وكان من الجائز أن تموت هي قبله، فأجاب -ﷺ- بكلام كليّ مطابق لكل حالة، وهو قوله: «ورثتك»، ولم يخصّ بنتًا من غيرها. وقال الفاكهيّ شارح «العمدة» ﵀: إنما عبّرﷺ- بالورثة؛ لأنه اطَّلَعَ على أن سعدًا سيعيش، ويأتيه أولاد غير البنت المذكورة، فكان كذلك، ووُلد له بعد ذلك أربعة بنين، ولا أعرف أسماءهم، ولعل الله أن يفتح بذلك. قال الحافظ -بعد ذكر ما تقدّم-: وليس قوله: «أن تدَع بنتك» متعيَّنًا؛ لأن ميراثه لم يكن منحصرًا فيها، فقد كان لأخيه عتبة بن أبي وقاص أولاد إذ ذاك، منهم هاشم بن عتبة الصحابيّ الذي قُتِل بصِفِّين، فجاز التعبير بالورثة؛ لتدخل البنت وغيرها ممن يرث لو وقع موته إذ ذاك، أو بعد ذلك. قال: وأما قول الفاكهيّ: إنه وُلد له بعد ذلك أربعة بنين، وأنه لا يعرف أسماءهم، ففيه قصورٌ شديدٌ، فإن أسماءهم في رواية هذا الحديث بعينه عند مسلم من طريق عامر، ومصعب، ومحمد، ثلاثتهم عن سعد، ووقع ذكر عُمَر بن سعد فيه في موضع آخر، ولمّا وقع ذِكر هؤلاء في هذا الحديث عند مسلم اقتَصَر القرطبيّ على ذكر الثلاثة. قال: ووقع في كلام بعض شيوخنا تعقُّب عليه بأن له أربعة من الذكور غير الثلاثة، وهم: عُمر، وإبراهيم، ويحيى، وإسحاق، وعزا ذِكرهم لابن المدينيّ وغيره، وفاته أن ابن سعد ذَكر له من الذكور غير السبعة أكثر من عشرة، وهم: عبد الله، وعبد الرحمن، وعمرو، وعمران، وصالح، وعثمان، وإسحاق الأصغر، وعمر الأصغر، وعُمير -مصغَّرًا- وغيرهم، وذَكر له من البنات ثنتي عشرة بنتًا، وكأن ابن المدينيّ اقتصر على ذِكر مَن رَوَى الحديث منهم، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀ . وقال صاحب «تنبيه المعلم»: وذكر أبو زرعة الدمشقيّ أنهم ثمانية، وقال الدمياطيّ: هم: عامر، وإبراهيم، وإسحاق، وعُمر، ومصعبٌ، وموسى، ومحمد، وإسماعيل، وإسحاق الأصغر، وعبد الله الأكبر والأصغر، وعُمير الأكبر والأصغر، وعبد الرحمن، وستّ عشرة أُختًا. وقال ابن الملقّن: عامر بن سعد بن أبى وقّاص له أربعة عشر أخًا، وستّ عشرة أختًا. وعدّدهم ابن الجوزيّ في أول «التلقيح» ستة وثلاثين ولدًا من ذكر وأنثى، وسمّاهم فيه، فقال: هم: إسحاق الأكبر، وأمّ الحكم الكبرى، وعمر، ومحمد، وحفصة، وأمّ القاسم، وأمّ كلثوم، وعامر، وإسحاق الأصغر، وإسماعيل، وأمّ عمران، وإبراهيم، وموسى، وأمّ الحكم الصغرى، وأمّ عمرو، وهند، وأُمّ الزبير، وأمّ موسى، وعبد الله، ومصعب، وعبد الله الأصغر، وبُجير، واسمه عبد الرحمن، وحُميدة، وعُمير الأكبر، وحَمْنة، وعُمير الأصغر، وعمرو، وعمران، وأمّ عمرو، وأم أيوب، وأمّ إسحاق. انتهى . وقوله: (خَيْرٌ) تقدّم أنه خبر للمبتدإ المؤوّل من «أن» وصلتها، إن فُتحت الهمزة، وخبر لمحذوف؛ أي: فهو خيرٌ، إن كُسرت، والجملة خبر «إنك» (مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً)؛ أي: فقراء، وهو جمع عالٍ، وهو الفقير، والفعل منه عائل يَعِيل: إذا افتقر، قال الفيّوميّ ﵀: الْعَيْلَةُ -بالفتح-: الفقر، وهي مصدرُ عال يَعِيلُ، من باب سار يسير، فهو عائلٌ، والجمع: عالَة، وهو في تقدير فَعَلَةٍ، مثلُ كافرٍ وكَفَرَةٍ. انتهى . (يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ)؛ أي: يسألون الناس بأكفهم، يقال: تكفف الناسَ، واستكفّ: إذا بَسَطَ كفه للسؤال، أو سأل ما يَكُفّ عنه الجوع، أو سأل كَفًّا كَفًّا من طعام. وفي رواية: «يتكفّفون الناس في أيديهم»، وقوله: «في أيديهم»؛ أي: بأيديهم، أو سألوا بأكفّهم وَضْعَ المسئول في أيديهم. وقال القرطبيّ: «يتكفّفون الناس»: يسألون الصدقة من أكُفّ الناس، أو يسألونهم بأكفّهم. انتهى . قال في «الفتح»: وقع في رواية الزهريّ أن سعدًا قال: «وأنا ذو مال»، ونحوه في رواية عائشة بنت سعد عند البخاريّ في «الطبّ»، وهذا اللفظ يؤذن بمال كثير، وذو المال إذا تصدق بثلثه، أو بشطره، وأبقى ثلثه بين ابنته وغيرها لا يصيرون عالة، لكن الجواب أن ذلك خرج على التقدير؛ لأن بقاء المال الكثير إنما هو على سبيل التقدير، وإلا فلو تصدق المريض بثلثيه مثلًا، ثم طالت حياته، ونَقَصَ وفَنِيَ المالُ فقد تُجحِفُ الوصيةُ بالورثة، فرَدّ الشارع الأمر إلى شيء معتدل، وهو الثلث. انتهى . وقوله: (وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً) معطوف على خبر «إنّك»، وهو علّة للنهي عن الوصيّة بأكثر من الثلث، كأنه قيل: لا تفعل؛ لأنك إن متّ، تركتَ ورثتك أغنياء، وإن عِشْتَ تصدّقتَ، وأنفقتَ، فالأجر حاصلٌ لك في الحالين. (تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ، إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا) وفي رواية البخاريّ: «وإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة»، وقوله في هذه الرواية: «تبتغي بها وجه الله … إلخ» فيه التقييد بابتغاء وجه الله، وتعليق حصول الأجر بذلك، وهو المعتبَر، ويُستفاد منه أن أجر الواجب يزداد بالنيّة؛ لأن الإنفاق على الزوجة واجبٌ، وفي فعله الأجر، فإذا نوى به ابتغاء وجه الله ازداد أجره بذلك، قاله ابن أبي جمرة، قال: ونَبَّهَ بالنفقة على غيرها، من وجوه البرّ والإحسان. (حَتَّى اللُّقْمَةُ) بالنصب عطفًا على «نفقةً»، ويجوز الرفع، على أنه مبتدأ، وجملة «تجعلها … إلخ» حال منه، أو نعتٌ، والخبر محذوف، تقديره: صدقة، وقال القرطبيّ ﵀: يجوز في «اللقمة» النصب على عطفها على «نفقةً»، وأظهر من ذلك أن تنصبها بإضمار فعل؛ لأن الفعل قد اشتغل عنها بضمير، وهذا كقول العرب: «أكلت السمكة حتى رأسها أكلته»، وقد أجازوا في «رأسها» الرفع، والنصب، والجرّ، وأوضح هذه الأوجه النصب، وأبعدُها الخفض، وكلّ ذلك جائز في «حتى اللقمة» ههنا، فنزِّلْه عليه، والذي قرأت به هذا الحرف النصب، لا غير. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «لأن الفعل قد اشتَغَل … إلخ» فيه أن قوله: «تجعلها» مفسّر للفعل المقدّر، وفيه نظر؛ لأنه في محلّ نعت، أو حالٍ من «اللقمة»، كما لا يخفى على البصير، بل الأولى كون العطف على «نفقةً» المتقدّم، كما أشرت إليه، فتأمله بالإمعان ، وبالله تعالى التوفيق. وقال القرطبيّ ﵀: وإنما خَصَّ الزوجة بالذِّكر؛ لأن نفقتها دائمة، تعودُ منفعتُها إلى المنفق، فإنها تحسنها في بدنها، ولباسها، وغير ذلك، فالغالب من الناس أنه ينفق على زوجته لقضاء وطره، وتحصيل شهوته، وليس كذلك النفقة على الأبوين، فإنها تخرج بمحض الكلفة، والمشقّة غالبًا، فكانت نية التقرُّب فيها أقرب وأظهر، والنفقة على الولد فيها شَبَهٌ من نفقة الزوجة، ومن نفقة الأبوين، من حيث المحبة الطبيعية، والكلفة الوجودية. قال: وإنما ذَكَر النبيّ -ﷺ- لسعد هذا الكلام في هذا الموطن تنبيهًا على الفوائد التي تحصلُ بسبب المال، فإنه إن مات أُثيب على ترك ورثته أغنياء من حيث إنه وصل رحمهم، وأعانهم بماله على طاعة الله تعالى، كما قال -ﷺ-: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة»؛ أي: ذلك أفضل من صدقتك بمالك، وإن لم تمت حصل لك أجر النفقات الواجبة والمندوب إليها. قال: ويخرُج من هذا الحديث: أن كسب المال وصرفه على هذه الوجوه أفضل من ترك الكسب، أو من الخروج عنه جملة واحدة، وكل هذا إذا كان الكسب من الحلال الخالي عن الشبهات الذي قد تعسَّر الوصول إليه في هذه الأوقات. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ ، وهو بحثٌ نفيسٌ. وقال النوويّ ﵀: فيه استحباب الإنفاق في وجوه الخير، وفيه أن الأعمال بالنيات، وأنه إنما يثاب على عمله بنيته، وفيه أن الإنفاق على العيال يثاب عليه، إذا قَصَد به وجه الله تعالى، وفيه أن المباح إذا قصد به وجه الله تعالى صار طاعة، ويثاب عليه، وقد نبّه -ﷺ- على هذا بقوله: «حتى اللقمة تجعلها في فِي امرأتك»؛ لأن زوجة الإنسان هي من أخص حظوظه الدنيوية وشهواته وملاذّه المباحة، وإذا وَضَع اللقمة في فيها، فإنما يكون ذلك في العادة عند الملاعبة والملاطفة والتلذذ بالمباح، فهذه الحالة أبعد الأشياء عن الطاعة، وأمور الآخرة، ومع هذا فأخبر -ﷺ- أنه إذا قصد بهذه اللقمة وجه الله تعالى حصل له الأجر بذلك، فغير هذه الحالة أولى بحصول الأجر، إذا أراد وجه الله تعالى، ويتضمن ذلك أن الإنسان إذا فعل شيئًا أصله على الإباحة، وقصد به وجه الله تعالى يثاب عليه، وذلك كالأكل بنية التقوى على طاعة الله تعالى، والنوم للاستراحة؛ ليقوم إلى العبادة نشيطًا، والاستمتاع بزوجته وجاريته؛ ليكفّ نفسه وبصره ونحوهما عن الحرام، وليقضي حقهما، وليُحَصّل ولدًا صالِحًا، وهذا معنى قوله -ﷺ-: «وفي بُضْع أحدكم صدقة»، متّفقٌ عليه، والله أعلم. انتهى . وقوله: (تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ»)«في»الأولى هي الجارّة، والثانية بمعنى الفم، وهي أحد الأسماء الستّة التي تُرفع بالواو، وتُنصب بالألف، وتُجرّ بالياء، كما قال ابن مالك في«الخلاصة»: وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَانْصِبَنَّ بِالأَلِفْ … وَاجْرُرْ بِيَاءٍ مَا مِنَ الأَسْمَا أَصِفْ مِنْ ذَاكَ«ذُو»إِنْ صُحْبَةً أَبَانَا … و«الْفَمُ»حَيْثُ الْمِيمُ مِنْهُ بَانَا«أَبٌ» «أَخٌ» «حَمٌ»كَذَاكَ و«هَنُ»… وَالنَّقْصُ فِي هَذَا الأَخِيرِ أَحْسَنُ وَفِي«أَبٍ»وَتَالِيَيْهِ يَنْدُرُ … وَقَصْرُهَا مِنْ نَقْصِهِنَّ أَشْهَرُ [تنبيه]: وجه تعلّق قوله:«ولست تنفق نفقة … إلخ»بقصّة الوصيّة أن سؤال سعد يُشعر بأنه رَغِب في تكثير الأجر، فلما منعه الشارع من الزيادة على الثلث، قال له على سبيل التسلية: إن جميع ما تفعله في مالك من صدقة، ناجزة، ومن نفقةٍ، ولو كانت واجبةً تؤجر بها، إذا ابتغيت بذلك وجه الله تعالى، ولعلّه خصّ المرأة بالذّكر لأن نفقتها مستمرّةٌ، بخلاف غيرها. قال ابن دقيق العيد ﵀: فيه أن الثواب في الإنفاق مشروطٌ بصحّة النيّة، وابتغاء وجه الله تعالى، وهذا عَسِرٌ إذا عارضه مقتضى الشهوة، فإن ذلك لا يُحَصِّل الغرض من الثواب حتى يبتغي به وجه الله تعالى، وسبق تخليص هذا المقصود مما يشوبه، قال: وقد يكون فيه دليلٌ على أن الواجبات إذا أدّيت على قصد أداء الواجب ابتغاء وجه الله أُثيب عليها، فإن قوله:«حتى ما تجعل في فِي امرأتك»لا تخصيص له بغير الواجب، ولفظة«حتّى»هنا تقتضي المبالغة في تحصيل هذا الأجر بالنسبة إلى المعنى، كما يقال: جاء الحُجّاج حتى المشاة. انتهى . (قَالَ) سعد -﵁- (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُخَلَّفُ)، وفي نسخة:«أتخلّف»، والكلام على تقدير الاستفهام، وقد وقع التصريح به في نسخة مختصر القرطبيّ، ولفظه:«أَأُخلَّف … إلخ»، و«أُخلَّف» بتشديد اللام، مبنيًّا للمفعول (بَعْدَ أَصْحَابِي؟)؛ أي: أَأَبْقَى في مكة بعد رجوع أصحابي، وهم النبيّ -ﷺ-، وأصحابه -﵃- إلى المدينة؟، قال النوويّ: قال القاضي عياض: معناه: أُخَلَّف بمكة بعد أصحابي، قاله إما إشفاقًا من موته بمكة؛ لكونه هاجر منها، وتركها لله تعالى، فَخَشِيَ أن يَقْدَح ذلك في هجرته، أو في ثوابه عليها، أو خَشِيَ بقاءه بمكة بعد انصراف النبيّ -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة، وتخلّفه عنهم بسبب المرض، وكانوا يَكرهون الرجوع فيما تركوه لله تعالى، ولهذا جاء في رواية أخرى: «أُخَلَّف عن هجرتي؟»، قال القاضي: قيل: كان حكم الهجرة باقيًا بعد الفتح؛ لهذا الحديث، وقيل: إنما كان ذلك لمن كان هاجر قبل الفتح، فأما من هاجر بعده فلا. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «أَأُخلَّفُ بعد أصحابي؟» هذا الاستفهام إنما صدر عن سعد مخافة أن يكون مُقامه بمكة بعد أصحابه إلى أن يموت بها قادحًا في هجرته، كما قد نصَّ عليه في الرواية الأخرى؛ إذ قال فيها: «لقد خشيتُ أن أموت بالأرض التي هاجرت منها»، فأجابه النبيّ -ﷺ- بما يقتضي أن ذلك لا يكون، وأنه يطول عمره إلى أن ينتفع به قومٌ، ويستضرَّ به آخرون، وقد كان ذلك، فإنه عاش بعد ذلك نيفًا وأربعين سنة، وَوَليَ بالعراق أميرًا، وفتحها الله تعالى على يديه، وأسلم على يديه بشر كثير، فانتفعوا به، وقَتَلَ وأَسَرَ من الكفار خلقًا كثيرًا، فاستضرّوا به، فكان ذلك القول من أعلام نبوَّته -ﷺ-، وأدلَّة صدق رسالته. انتهى . وقال النوويّ ﵀: وهذا الحديث من المعجزات، فإن سعدًا -﵁- عاش حتى فَتَحَ العراق وغيره، وانتفع به أقوام في دينهم ودنياهم، وتضرَّر به الكفار في دينهم ودنياهم، فإنهم قُتِلوا وصاروا إلى جهنم، وسُبيت نساؤهم، وأولادهم، وغُنِمت أموالهم وديارهم، وَوَلي العراق، فاهتدى على يديه خلائق، وتضرر به خلائق بإقامته الحقّ فيهم، من الكفار ونحوهم. قال القاضي: قيل: لا يُحبط أجر هجرة المهاجر بقاؤه بمكة، وموته بها، إذا كان لضرورة، وإنما كان يُحبطه ما كان بالاختيار، قال: وقال قوم: موت المهاجر بمكة مُحبط هجرته كيفما ما كان، قال: وقيل: لم تُفْرَض الهجرة إلا على أهل مكة خاصةً. انتهى . (قَالَ) -ﷺ- («إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ) بضمّ أوله، وتشديد اللام، مبنيًّا للمفعول، والمراد بالتخلّف هنا طول العمر، والبقاء في الحياة بعد جماعات من أصحابه، قاله النوويّ ﵀ . (فَتَعْمَلَ) بالنصب عطفًا على«تُخلَّف»(عَمَلًا تَبْتَغِي)؛ أي: تطلب (بِهِ وَجْهَ الله) ﷿ (إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ تُخَلُّفُ حَتَّى يُنْفَعَ) بالبناء للمفعول، وفي بعض النسخ:«حتى يَنْتَفِعَ»بزيادة التاء، وعليه فهو مبنيّ للفاعل (بِكَ أقوَامٌ، وَيُضَرُّ بِكَ آخَرُونَ)؛ أي: ينتفع بك المسلمون بالغنائم، مما سيفتح الله على يديك من بلاد الشرك، ويُضرّ بك المشركون الذين يهلكون على يديك. وفي رواية للبخاريّ:«وعسى الله أن يرفعك»؛ أي: يُطيل عمرك، قال في«الفتح»: وكذلك اتّفق، فإنه عاش بعد ذلك أزيد من أربعين سنةً، بل قريبًا من خمسين؛ لأنه مات سنة (٥٥) من الهجرة، وقيل: سنة (٥٨)، وهو المشهور، فيكون عاش بعد حجة الوداع (٤٥) سنة، أو (٤٨) سنة. انتهى . [تنبيه]: قال بعض العلماء:«لعلّ»، وإن كانت للترجّي، لكنّها من الله للأمر الواقع، وكذلك إذا وردت على لسان رسوله -ﷺ- غالبًا. قاله في«الفتح». [تنبيه آخر]: قال في«الفتح»: وزعم ابن التين أن المراد بالنفع به ما وقع من الفتوح على يديه؛ كالقادسيّة، وغيرها، وبالضرر ما وقع من تأمير ولده عُمر بن سعد على الجيش الذين قتلوا الحسين بن عليّ، ومن معه. قال: وهو كلامٌ مردود؛ لتكلّفه لغير ضرورة تَحْمِل على إرادة الضرر الصادر من ولده، وقد وقع منه هو الضرر المذكور بالنسبة إلى الكفّار. وأقوى من ذلك ما رواه الطحاويّ من طريق بكير بن عبد الله بن الأشجّ، عن أبيه، أنه سأل عامر بن سعد، عن معنى قول النبيّ -ﷺ- هذا، فقال: لَمّا أمّر سعد على العراق، أُتي بقوم ارتدّوا، فاستتابهم، فتاب بعضهم، وامتنع بعضهم، فقتلهم، فانتفع به من تاب، وحصل الضرر للآخرين. انتهى ما في «الفتح» ، وهو بحث نفيس جدًّا، والله تعالى أعلم. (اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ)؛ أي: أثبتها، وأدمها لهم حتى يموتوا مهاجرين، يقال: مضى الأمرُ مَضَاءً: نَفَذَ، وأمضيته بالألف: أنفذته، قاله الفيّوميّ ، وقوله: (وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) تأكيد لما قبله. قال القاضي عياض ﵀: استَدَلّ به بعضهم على أن بقاء المهاجر بمكة كيف كان قادحٌ في هجرته، قال: ولا دليل فيه عندي؛ لأنه يَحْتَمِل أنه دَعا لهم دعاءً عامًّا، ومعنى «أمْضِ لأصحابي هجرتهم»؛ أي: أتممها، ولا تُبطلها، ولا تَرُدَّهم على أعقابهم بترك هجرتهم، ورجوعهم عن مستقيم حالهم المَرْضية. انتهى . وقال القرطبيّ ﵀: قوله: «اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم» يقتضي أن تبقى عليهم حال هجرتهم، وأحكامها، ويفيد أن استصحاب أحكامها كان واجبًا على من هاجر، فيحرم عليه الرجوع إلى وطنه، وترك المدينة إلى أن يموت بها، وإن كان قد ارتفع حكم وجوب أصلها عن لم يهاجر يوم الفتح، حيث قال -ﷺ-: «لا هجرة بعد الفتح»، متّفقٌ عليه، وقال: «إن الهجرة قد مضت لأهلها»، متّفقٌ عليه؛ أي: مَن كان هاجر قبل الفتح صحَّت له هجرته، ولزمه البقاء عليها إلى الموت، ومن لم يكن هاجر سقط ذلك عنه، ومِن نَقْضِ الهجرة خاف المهاجرون، حيث تحرَّجوا من مُقامهم بمكة في حجة الوداع، وهذا هو الذي خاف منه سعد -﵁-، فإن قضيته هذه كانت في حجَّة الوداع، وهذا هو الذي نَقِمَه الحجَّاجُ على ابن الأكوع لَمّا تَرَك المدينة، ولَزِمَ الرَّبَذَة، فقال: تَغَرَّبت يا ابن الأكوع؟! فأجابه بأن قال له: إن رسول الله -ﷺ- أَذِنَ لي في البدو، وهذا هو الظاهر من جملة ما ذكرناه من هذه الأحاديث، وبه قال بعض أهل العلم، وهو الذي يدلُّ عليه قوله -ﷺ-: «لكن البائسُ سعد ابن خولة» رثى له رسول الله -ﷺ- أن توفي بمكة، وسيأتي الكلام عليه. وقال آخرون: إن وجوب الهجرة، ووجوبَ استدامة حكمها قد ارتفع يوم الفتح، وإنما لزم المهاجرون المقام بالمدينة بعد الهجرة في حياة رسول الله -ﷺ- لنُصرته، ولِأخذ شريعته، ومشافهته، ولأن للكون معه اغتنامًا لبركته، ثم لمّا مات -ﷺ- فمنهم من أقام بالمدينة، وأكثرهم ارتحل عنها، ولمّا فُتِحَت الأمصار استوطنوها، وتركوا سكنى المدينة، فاستوطن الشامَ قومٌ منهم، واستوطن آخرون العراق، وآخرون مصر. وتأوّل أهل هذا القول ما تقدَّم بان ذلك إنما كان منهم مخافةَ أن تنقص أجورُهُم في هجرتهم متى زالوا عن شيء من أحكامها، فدعا لهم النبيّ -ﷺ- بألا يُنْقِصَهم شيئًا من ذلك. وللأولين أن ينفصلوا عن هذا، بأن يقولوا: إنما استوطنوا تلك الأمصار للجهاد، وفتح البلاد، وإظهار الدِّين، ونشر العلم، حتى أنفذوا في ذلك أعمارهم، ولَمّا يقضوا من ذلك أوطارهم. انتهى . (لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ») البائس: اسم فاعل، من البؤس، وهو الذي عليه أثر البؤس، وهو الفقر، يقال: بَئِسَ يَبْئَسُ، كسَمِعَ يسمع: إذا اشتدّت حاجته. وقال القرطبيّ ﵀: البائس: اسم فاعل من بئس، يبأس: إذا أصابه بؤسٌ، وهو الضرر. قال: وسعد ابن خولة: هو زوج سُبيعة الأسلمية، وهو رجل من بني عامر بن لؤيّ، من أنفسهم، وقيل: حليف لهم، وقيل: إنه مولى أبي رُهْم بن عبد العزى العامريّ. واختُلِف في أمره؛ فقال ابن مزين، وعيسى بن دينار: إنه لم يهاجر من مكة حتى مات فيها، والأكثر على أنَّه هاجر، ثم رجع إلى مكة مختارًا، وعلى هذين القولين يكون بؤسُه ذمًّا له؛ إما لعدم هجرته، وإما لسقوطها برجوعه عنها، وقال ابن هشام: إنَّه هاجر الهجرة إلى الحبشة، والهجرة الثانية، وشهد بدرًا، وغيرها، وتُوُفّي بمكة في حجة الوداع، وعلى هذا فلا يكون بؤسه ذمًّا له، بل توجُّعًا له ورحمةً؛ إذ كان منه: أنه هاجر الهجرتين، ثم إنَّه مات بعد ذلك بمكة، فيكون إشعارًا بما قدَّمناه من نقص ثواب من اتفق له ذلك، ومن ذلك تحرَّج سعد، والمهاجرون، والله أعلم. وظاهر هذا القول: أنه من قول النبيّ -ﷺ-، ولذلك قال المحدِّثون: انتهى كلام رسول الله -ﷺ- في قوله: «لكن البائس سعد ابن خولة»، وأما قوله بعد ذلك: قال: رثى له رسول الله -ﷺ- أن توفي بمكة؛ فظاهره: أنه من كلام غير النبيّ -ﷺ-، فقيل: هو قول سعد بن أبي وقاص، وقد جاء ذلك في بعض طرقه، وأكثر الناس على أنَّه من قول الزهريّ، والله تعالى أعلم. قال: وقد وقع في بعض طرق هذا الحديث انقطاع في أصل كتاب مسلم، وهو من المواضع المنقطعة الأربعة عشر، لكن لا يضر ذلك إن صحَّ؛ لأنه قد رواه من طُرُق متصلة. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ . وقال النوويّ نقلًا عن القاضي عياض: واختلفوا في قصة سعد ابن خَوْلة، فقيل: لم يهاجر من مكة حتى مات بها، قاله عيسى بن دينار وغيره، وذكر البخاريّ أنه هاجر، وشهد بدرًا، ثم انصرف إلى مكة، ومات بها، وقال ابن هشام: إنه هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وشهد بدرًا وغيرها، وتُوُفّي بمكة في حجة الوداع سنة عشر، وقيل: تُوُفّي بها سنة سبع في الْهُدْنة خرج مجتازًا من المدينة، فعلى هذا، وعلى قول عيسى بن دينار سبب بؤسه سقوط هجرته؛ لرجوعه مختارًا، وموته بها، وعلى قول الآخرين سبب بؤسه موته بمكة على أي حال كان، وإن لم يكن باختياره؛ لِمَا فاته من الأجر والثواب الكامل بالموت في دار هجرته، والغربة عن وطنه بالهجرة إلى الله تعالى. قال القاضي: وقد رُوِي في هذا الحديث أن النبيّ -ﷺ- خَلَّفَ مع سعد بن أبي وقاص رجلًا، وقال له: «إن تُوُفّي بمكة فلا تدفنه بها»، وقد ذكر مسلم في الرواية الأخرى: أنه كان يَكره أن يموت في الأرض التي هاجر منها، وفي رواية أخرى لمسلم: قال سعد بن أبي وقاص: خَشِيت أن أموت بالأرض التي هاجرتُ منها، كما مات سعد ابن خَوْلة، وسعد ابن خولة هذا هو زوج سبيعة الأسلمية. انتهى . ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: «يرحم الله ابن عفراء»، قال في «الفتح»: كذا وقع في هذه الرواية، وفي رواية أحمد، والنسائيّ من طريق عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان: «فقال النبيّﷺ-:»يرحم الله سعد ابن عفراء«ثلاث مرّات، قال الداوديّ: قوله:»ابن عفراء«غير محفوظ، وقال الدمياطيّ: هو وَهَمٌ، والمعروف»ابن خَوْلة«، قال: ولعلّ الْوَهَمَ من سعد بن إبراهيم، فإن الزهريّ أحفظ منه، وقال فيه:»سعد ابن خَوْلة«يشير إلى ما وقع في روايته بلفظ:»لكن البائس سعد ابن خولة«، يرثي له رسول الله -ﷺ- أن مات بمكة». قال الحافظ: وقد ذكرت آنفًا من وافق الزهريّ ، وهو الذي ذكره أصحاب المغازي، وذكروا أنه شهد بدرًا، ومات في حجة الوداع. وقال بعضهم في اسمه: خَوْلِيّ -بكسر اللام، وتشديد التحتانية-، واتفقوا على سكون الواو، وأغرب ابن التين، فَحَكَى عن القابسيّ فتحها. ووقع عند البخاريّ في رواية ابن عيينة في «الفرائض»: قال سفيان: وسعد ابن خولة رجل من بني عامر بن لؤيّ. انتهى. وذكر ابن إسحاق أنه كان حليفًا لهم، ثم لأبي رُهْم بن عبد العزى منهم، وقيل: كان من الفُرْس الذين نزلوا اليمن. قال: وجزم الليث بن سعد في «تاريخه» عن يزيد بن أبي حبيب بأن سعد ابن خَوْلة مات في حجة الوداع، وهو الثابت في «الصحيح» خلافًا لمن قال: إنه مات في مدة الهدنة مع قريش سنة سبع. وجَوَّز أبو عبد الله بن أبي الخصال الكاتب المشهور في «حواشيه» على البخاريّ أن المراد بابن عفراء: عوف بن الحارث أخو معاذ ومُعَوّذ أولاد عفراء، وهي أمهم، والحكمة في ذِكره ما ذَكره ابن إسحاق أنه قال يوم بدر: ما يُضحك الربّ من عبده؟ قال: «أن يَغْمِس يده في العدوّ حاسرًا»، فألقى الدرع التي هي عليه، فقاتل حتى قُتِل. قال: فَيَحْتَمِل أن يكون لَمّا رأى اشتياق سعد بن أبي وقاص للموت، وعَلِم أنه يبقى حتى يلي الولايات، ذكر ابن عفراء، وحُبّه للموت، ورغبته في الشهادة، كما يُذْكَر الشيءُ بالشيء، فَذَكَر سعد ابن خَوْلة؛ لكونه مات بمكة، وهي دار هجرته، وذكر ابن عفراء مستحسنًا لميتته. انتهى ملخصًا. قال الحافظ: وهو مردود بالتنصيص على قوله: «سعد ابن عفراء»، فانتفى أن يكون المراد عوفًا، وأيضًا فليس في شيء من طرق حديث سعد بن أبي وقاص أنه كان راغبًا في الموت، بل في بعضها عكس ذلك، وهو أنه بَكَى، فقال له رسول الله -ﷺ-: «ما يُبكيك؟»، فقال: خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها، كما مات سعد ابن خولة، وهو عند النسائيّ، وأيضًا فمخرج الحديث متحدٌ، والأصل عدم التعدد، فالاحتمال بعيدٌ أَبُو صَرَّح بأنه عوف ابن عفراء، والله أعلم. وقال التيميّ: يَحْتَمِل أن يكون لأمه اسمان: خولة وعفراء. انتهى، ويَحْتَمِل أن يكون أحدهما اسْمًا، والآخر لقبًا، أو أحدهما اسم أمه، والأخر اسم أبيه، أو والآخر اسم جدة له، والأقرب أن عفراء اسم أمه، والآخر اسم أبيه؛ لاختلافهم في أنه خولة، أو خَوْليّ. انتهى . (قَالَ: رَثَى لَهُ رَسُولُ الله -ﷺ-)؛ أي: رحمه، ورقّ له، يقال: رثيتُ الميتَ أرثيه، من باب رَمَى مَرْثِيةً، ورَثَيتُ له: ترحّمتُ، ورفقت له، قاله الفيّوميّ . وقال المجد ﵀: ورَثَيْتُ المَيِّتَ رَثْيًا، ورِثاءً، ورِثَايَةً -بكسرهما- ومَرْثاةً، ومَرْثِيَةً -مُخَفَّفَةً- ورَثَوْتُه: بَكَيْتُه، وعَدَّدْتُ مَحَاسِنَهُ، كَرَثَّيْتُه تَرْثِيَةً، وتَرَثَّيْتُه، ونَظَمْتُ فيه شِعْرًا، وحَديثًا عنه أرْثِي رِثايَةً: ذَكَرْتُه، وحَفِظْتُه، ورجُلٌ أرْثَى: لا يُبْرِمُ أمْرًا، ورَثَى له: رَحِمَهُ، ورَقَّ له، وامرأةٌ رَثَّاءَةٌ، ورَثَّايَةٌ: نَوَّاحَةٌ. انتهى . وقال النوويّ: قوله: «رَثَى له رسول الله -ﷺ- … إلخ» قال العلماء: هذا من كلام الراوي، وليس هو من كلام النبيّ -ﷺ-، بل انتهى كلامه -ﷺ- بقوله: «لكن البائس سعد ابن خولة»، فقال الراوي تفسيرًا لمعنى هذا الكلام: إنه يرثيه النبيّ -ﷺ-، ويتوجع له، وَيرِقّ عليه؛ لكونه مات بمكة. واختلفوا في قائل هذا الكلام من هو؟ فقيل: هو سعد بن أبي وقاص، وقد جاء مفسَّرًا في بعض الروايات، قال القاضي: وأكثر ما جاء أنه من كلام الزهريّ. انتهى. وقال في «الفتح»: قال ابن عبد البر: زعم أهل الحديث أن قوله: «يرثي … إلخ» من كلام الزهريّ، وقال ابن الجوزيّ وغيره: هو مدرج من قول الزهريّ. قال الحافظ: وكأنهم استندوا إلى ما وقع في رواية أبي داود الطيالسيّ، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ، فإنه فَصَلَ ذلك، لكن وقع عند البخاريّ في «الدعوات» عن موسى بن إسماعيل، عن إبراهيم بن سعد في آخره: «لكن البائس سعد ابن خولة»، قال سعد: رَثَى له رسول الله -ﷺ- … إلخ، فهذا صريح في وصله، فلا ينبغي الجزم بإدراجه. ووقع عند البخاريّ في «الطبّ» من رواية عائشة بنت سعد، عن أبيها فلادةُ: «ثم وَضَع يده على جبهتي، ثم مسح وجهي وبطني، ثم قال: اللهم اشف سعدًا، وأتمم له هجرته، قال: فما زلت أجد بَرْدها». ولمسلم من طريق حميد بن عبد الرحمن الحميريّ الآتية: «فقال النبيّ -ﷺ-: اللهم اشف سعدًا، اللهم اشف سعدًا، ثلاث مرار». وقوله: (مِنْ أَنْ تُوُفِّيَ بمَكَّةَ) «من» تعليليّة، و«أن» بفتح الهمزة مصدريّة، وهو تعليل لرثائه -ﷺ-؛ أي: لأجل موته بمكة. قال في «الفتح»: قوله: «أن مات بمكة» هو بفتح الهمزة للتعليل، وأغرب الداوديّ، فتردّد فيه، فقال: إن كان بالفتح ففيه دلالةٌ على أنه أقام بمكة بعد الصَّدَر من حجته، ثم مات، وإن كان بالكسر ففيه دليل على أنه قيل له: إنه يريد التخلّف بعد الصَّدَر، فخشي عليه أن يدركه أجله بمكة. ثم قال: والمضبوط المحفوظ بالفتح، لكن ليس فيه دلالة على أنه أقام بعد حجه؛ لأن السياق يدلّ على أنه مات قبل الحجّ. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذُكر من تردّد الداودي في فتح الهمزة وكسرها، لا يتأتّى في رواية مسلم هذه؛ لأنه لا يمكن فيها الكسر؛ لدخول «مِن» الجارّة عليها، وإنْ الشرطيّة لا يدخل عليها الجارّ، فهي صريحة في الردّ على الداوديّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سعد بن أبي وقّاص -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٢/ ٤٢٠١ و٤٢٠٢ و٤٢٠٣ و٤٢٠٤ و٤٢٠٥ و٤٢٠٦ و٤٢٠٧ و٤٢٠٨ و٤٢٠٩] (١٦٢٨)، و(البخاريّ) في «الجنائز» (١٢٩٦) و«الوصايا» (٢٧٤٢ و٢٧٤٤) و«المناقب» (٣٩٣٦) و«المغازي» (٤٤٠٩) و«النفقات» (٥٣٥٤) و«المرضى» (٥٦٥٩) و«الدعوات» (٦٣٧٣) و«الفرائض» (٦٧٣٣)، و(أبو داود) في «الوصايا» (٢٨٦٤)، و(الترمذيّ) في «الوصايا» (٢١١٦)، و(النسائيّ) في «الوصايا» (٦/ ٢٤١ و٢٤٢ و٢٤٣) و«الكبرى» (٤/ ٦٨ و١٠٢ و١٠٣)، و(ابن ماجه) في «الوصايا» (٢٧٠٨)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٩/ ٦٤ - ٦٥)، و(الحميديّ) في «مسنده» (١/ ٣٦)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ١٦٨ و١٧٣ و١٧٦ و١٧٩)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٤٩٩)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (١/ ٧٥)، و(سعيد بن منصور) في «سننه» (١/ ١٢٨ و١٢٩)، و(البزّار) في «مسنده» (٣/ ٢٩٣)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢/ ٩٢ و١٤٥)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٣/ ٤٧٨ و٤٧٩ و٤٨٠ و٤٨١ و٤٨٣ و٤٨٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (١٠/ ٦١ و١٣/ ٣٨٤ و١٦/ ٢٥١)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٢/ ٣٣) و«الكبير» (٧/ ٢٩٢)، و(البيهقيّ) في «الصغرى» (٦/ ٥٣) و«المعرفة» (٥/ ٩٠) و«الكبرى» (٦/ ٢٦٨ و٧/ ٤٦٧ و٩/ ١٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثه): في فوائده : ١ - (منها): بيان مشروعيّة الوصيّة بالثلث، قال في «الفتح»: واستقر الإجماع على منع الوصية بأزيد من الثلث، لكن اختُلِف فيمن كان له وارث، وسيأتي تحقيقه في المسألة السادسة، وفيمن لم يكن له وارث خاصّ فمنعه الجمهور، وجوّزه الحنفية، وإسحاق، وشريك، وأحمد في رواية، وهو قول عليّ، وابن مسعود، واحتجوا بأن الوصية مطلقة بالآية، فقيّدتها السُّنَّة بمن له وارث، فيبقى من لا وارث له على الإطلاق. قال: واختلفوا أيضًا: هل يُعتبر ثلث المال حال الوصية، أو حال الموت؟ على قولين، وهما وجهان للشافعية، أصحهما الثاني، فقال بالأول مالك، وأكثر العراقيين، وهو قول النخعيّ، وعمر بن عبد العزيز، وقال بالثاني أبو حنيفة، وأحمد، والباقون، وهو قول عليّ بن أبي طالب -﵁-، وجماعة من التابعين. وتمسك الأولون بأن الوصية عَقْدٌ، والعقود تُعتبر بأولها، وبأنه لو نذر أن يتصدق بثلث ماله اعتُبِر ذلك حالة النذر اتفاقًا. وأجيب بأن الوصية ليست عقدًا من كل جهة، ولذلك لا تُعتبر فيها الفورية، ولا القبول، وبالفرق بين النذر والوصية بأنها يصح الرجوع عنها، والنذر يلزم. وثمرة هذا الخلاف تظهر فيما لو حَدَثَ له مال بعد الوصية. قال: واختلفوا أيضًا هل يُحسَب الثلث من جميع المال، أو تُنَفَّذ بما علمه الموصي دون ما خَفِي عليه، أو تجدَّد له، ولم يعلم به؟ وبالأول قال الجمهور، وبالثاني قال مالك. وحجة الجمهور أنه لا يُشترط أن يستحضر تعداد مقدار المال حالة الوصية اتفاقًا، ولو كان عالِمًا بجنسه، فلو كان العلم به شرطًا لَمَا جاز ذلك. [فائدة]: أول من أوصى بالثلث في الإسلام البراء بن معرور-بمهملات - أوصى به للنبىّ -ﷺ-، وكان قد مات قبل أن يدخل النبيّ -ﷺ- بالمدينة بشهر، فقبِله النبيّ -ﷺ-، وردّه على ورثته، أخرجه الحاكم، وابن المنذر، من طريق يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن جدّه. انتهى ما في «الفتح» . ٢ - (ومنها): مشروعيّة عيادة المريض للإمام، فمَن دونه، وتتأكّد باشتداد المرض. ٣ - (ومنها): أن فيه وضع اليد على جبهة المريض، ومسْح وجهه، ومسح العضو الذي يؤلمه، والفسح له في طول العمر؛ لِمَا تقدّم في رواية عائشة بنت سعد عند البخاريّ: «ثم وضع يده على جبهتي، ثم مسح وجهي، وبطني، ثم قال: اللَّهم اشف سعدًا، وأتمم له هجرته». ٤ - (ومنها): جواز إخبار المريض بشدّة مرضه، وقوّة ألمه، إذا لم يقترن بذلك شيء مما يُمنَع، أو يُكرَه، من التبرّم، وعدم الرضا، بل حيث يكون ذلك لطلب دعاء، أو دواء، وربّما استُحِبّ، وأن ذلك لا ينافي الاتصاف بالصبر المحمود، وإذا جاز ذلك في أثناء المرض، كان الإخبار به بعد البرء أجوز. ٥ - (ومنها): أن أعمال البرّ والطاعة، إذا كان منها ما لا يمكن استدراكه، قام غيره في الثواب والأجر مقامه، وربّما زاد عليه، وذلك أن سعدًا -﵁- خاف أن يموت بالدار التي هاجر منها، فيفوت عليه بعض أجر هجرته، فأخبره النبيّ -ﷺ- بأنه إن تخلّف عن دار هجرته، فعمل عملًا صالحًا، من حجّ، أو جهاد، أو غير ذلك، كان له به أجر بِعِوَض ما فاته من الجهة الأخرى. ٦ - (ومنها): إباحة جمع المال بشرطه؛ لأن التنوين في قوله: «وأنا ذو مال» للكثرة، وقد وقع في بعض طرقه صريحًا: «وأنا ذو مال كثير». ٧ - (ومنها): الحثّ على صلة الرحم، والإحسان إلى الأقارب، وأن صلة الأقرب أفضل من صلة الأبعد، والإنفاقِ في وجوه الخير. ٨ - (ومنها): أن المباح إذا قُصد به وجه الله تعالى صار طاعةً، وقد نبّه على ذلك بأقلّ الحظوظ الدنيويّة العاديّة، وهو وضع اللقمة في فِي الزوجة؛ إذ لا يكون ذلك غالبًا إلا عند الملاعبة، والممازحة، ومع ذلك فيؤجر فاعله، إذا قَصَد به قصدًا صحيحًا، فكيف بما فوق ذلك. ٩ - (ومنها): أن فيه منعَ نقل الميت من بلد إلى بلد؛ إذ لو كان ذلك مشروعًا لأمر النبيّ -ﷺ- بنقل سعد ابن خَوْلة -﵁-، قاله الخطابيّ. قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم عن القاضي عياض ﵀ أنه قال: وقد رُوي في هذا الحديث أن النبيّ -ﷺ- قال لرجل: «إن توفّي بمكة، فلا تدفنه فيها»، فإن صحّ هذا فإنه يردّ قول الخطابيّ المذكور، لكن لم يذكر عياض سند الحديث، حتى يُنظر فيه، والله أعلم. ١٠ - (ومنها): أن من لا وارث له تجوز له الوصيّة بما زاد على الثلث؛ لقوله -ﷺ-: «أنْ تَدَع ورثتك أغنياء»، فمهومه أن من لا وارث له لا يبالي بالوصيّة بما زاد؛ لأنه لا يترك ورثته يُخشى عليهم الفقر. وتُعُقّب بأنه ليس تعليلًا محضًا، وإنما فيه تنبيه على الأحظّ الأنفع، ولو كان تعليلًا محضًا لاقتضى جواز الوصيّة بأكثر من الثلث لمن كانت ورثته أغنياء، ولنَفَذ ذلك عليهم بغير إجازتهم، ولا قائل بذلك، وعلى تقدير أن يكون تعليلًا محضًا، فهو للنقص عن الثلث، لا للزيادة عليه، فكأنه لما شُرع الإيصاء بالثلث، وأنه لا يُعترض به على الموصي إلا أن الانحطاط عنه أولى، ولا سيّما لمن ترك ورثة غير أغنياء، فنبّه سعدًا على ذلك. ١١ - (ومنها): أن فيه سدّ الذريعة؛ لقوله -ﷺ -: «اللَّهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردّهم على أعقابهم»، لئلّا يتذرّع بالمرض أحدٌ لأجل حبّ الوطن، قاله ابن المنيّر. ١٢ - (ومنها): أن فيه تقييد مطلق القرآن بالسُّنَّة؛ لأنه قال ﷾: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، فأَطْلَق، وقيّدت السُّنَّة الوصيّة بالثلث. ١٣ - (ومنها): أن من ترك شيئًا لله لا ينبغي له الرجوع فيه، ولا في شيء منه مختارًا. ١٤ - (ومنها): التأسّف على فوت ما يُحَصِّل الثواب، وأن من فاته ذلك بادر إلى جبره بغير ذلك. ١٥ - (ومنها): تسلية من فاته أمرٌ من الأمور لتحصيل ما هو أعلى منه؛ لِمَا أشار -ﷺ- لسعد من عمله الصالح بعد ذلك. ١٦ - (ومنها): الاستفسار عن الْمُحْتَمِل إذا احْتَمَل وجوهًا؛ لأن سعدًا لما مُنع من الوصيّة بجميع المال احتَمَل عنده المنع فيما دونه، والجواز، فاستفسر عما دون ذلك. ١٧ - (ومنها): النظر في مصالح الورثة، وأن خطاب الشرع للواحد يعمّ من كان بصفته من المكلّفين؛ لإطباق العلماء على الاحتجاج بحديث سعد هذا، وإن كان الخطاب إنما وقع له بصيغة الإفراد، ولقد أبعد من قال: إن ذلك يختصّ بسعد، ومن كان في مثل حاله ممن يُخَفف وارثًا ضعيفًا، أو كان ما يخلُفه قليلًا؛ لأن البنت من شأنها أن يطمع فيها إذا كان لها مال، وإن كانت بغير مال لم يرغب فيها. ١٨ - (ومنها): أن من ترك مالًا قليلًا، فالاختيار له ترك الوصيّة، وإبقاء المال للورثة، وقد اختلف السلف في ذلك القليل، وقد تقدّم البحث فيه، مستوفًى. ١٩ - (ومنها): أن بعضهم استدلّ به لفضل الغنيّ على الفقير، وفيه نظر، قاله في «الفتح». ٢٠ - (ومنها): أن فيه مراعاةَ العدل بين الورثة، ومراعاةَ العدل في الوصيّة. ٢١ - (ومنها): أن الثلث في حدّ الكثرة، وقد اعتبره بعض الفقهاء في غير الوصيّة، ويحتاج الاحتجاج به إلى ثبوت طلب الكثرة في الحكم المعيّن، قاله في «الفتح». ٢٢ - (ومنها): أنه استَدَلَّ بقوله: «ولا يرثني إلا ابنة» من قال بالردّ على ذوي الأرحام؛ للحصر في قوله: «ولا يرثني إلا ابنة». وتُعُقّب بان المراد: من ذوي الفروض، كما تقدّم، ومن قال بالردّ لا يقول بظاهره؛ لأنهم يعطونها فَرْضَها، ثم يردّون عليها الباقي، وظاهر الحديث أنها ترث الجميع ابتداء، قاله في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الرابعة): في استحباب النقص في الوصيّة عن الثلث: قال العلامة ابن قُدامة ﵀: والأولى أن لا يستوعب الثلثَ بالوصية، وإن كان غنيًّا؛ لقول النبيّ -ﷺ-: «والثلث كثير»، قال ابن عباس -﵄-: لو أن الناس غَضُّوا من الثلث، فإن النبيّ -ﷺ- قال: «الثلث كثير»، متّفقٌ عليه، وقال القاضي، وأبو الخطاب: إن كان غنيًّا استُحِب الوصية بالثلث. قال: ولنا أن النبيّ -ﷺ- قال لسعد: «والثلث كثير»، مع إخباره إياه بكثرة ماله، وقلّة عياله، فإنه قال في الحديث: إن لي مالًا كثيرًا، ولا يرثني إلا ابنتي، وقال أبو عبد الرحمن السلميّ: لم يكن أحد منا يبلغ في وصيته الثلث حتى ينقص منه شيئًا؛ لقول النبيّ -ﷺ-: «الثلث والثلث كثير». إذا ثبت هذا فالأفضل للغنيّ الوصية بالخُمس، ونحو هذا يُرْوَى عن أبي بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب -﵄-، وهو ظاهر قول السلف، وعلماء أهل البصرة. وقال إسحاق: السُّنَّة الربع، إلا أن يكون رجلًا يَعرِف في ماله حرمة شبهات أو غيرها، فله استيعاب الثلث. قال: ولنا أن أبا بكر الصديق -﵁- أوصى بالخمس، وقال: رضيت بما رضي الله به لنفسه- يعني قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]-، وروي أن أبا بكر وعليًّا -﵄- أوصيا بالخمس، وعن عليّ -﵁- أنه قال: لَأن أوصي بالخمس أحب إلي من الربع. وعن إبراهيم قال: كانوا يقولون: صاحب الربع أفضل من صاحب الثلث، وصاحب الخمس أفضل من صاحب الربع. وعن الشعبيّ قال: كان الخمس أحبّ إليهم من الثلث، فهو منتهى الجامح. وعن العلاء بن زياد قال: أوصى أبي أن أسأل العلماء: أي الوصية أعدل؟ فما تتابعوا عليه فهو وصيته، فتتابعوا على الخمس. انتهى كلام ابن قدامة ﵀ ، وهو مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة الخامسة): الأفضل للإنسان أن يجعل وصيته لأقاربه الذين لا يرثون، إذا كانوا فقراء، في قول عامة أهل العلم، قال ابن عبد البرّ: لا خلاف بين العلماء علمتُ في ذلك، إذا كانوا ذوي حاجة؛ وذلك لأن الله تعالى كتب الوصية للوالدين والأقربين، فخرج منه الوارثون بقول النبيّ -ﷺ-: «لا وصية لوارث»، وبقي سائر الأقارب لهم وأقلّ ذلك الاستحباب، وقد قال الله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ [البقرة: ١٧٧]، فبدأ بهم؛ ولأن الصدقة عليهم في الحياة أفضل، فكذلك بعد الموت، فإن أوصى لغيرهم، وتركهم صحت وصيته، في قول أكثر أهل العلم، منهم: سالم، وسليمان بن يسار، وعطاء، ومالك، والثوريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وحُكِي عن طاوس، والضحاك، وعبد الملك بن يعلى أنهم قالوا: يُنْزَع عنهم، ويردّ إلى قرابته. وعن سعيد بن المسيِّب، والحسن، وجابر بن زيد: للذي أُوصي له ثلث الثلث، والباقي يُرَدّ إلى قرابة الموصي؛ لأنه أَبُو أوصى بماله كله لجاز منه الثلث، والباقي ردّ على الورثة، وأقاربُهُ الذين لا يرثونه في استحقاق الوصية؛ كالورثة في استحقاق المال كله. واحتجّ الأولون بما أخرجه مسلم في «صحيحه» عن عمران بن حصين -﵄-: «أن رجلًا أعتق في مرضه ستة أعبد، لم يكن له مال غيرهم، فبلغ ذلك النبيّ -ﷺ-، فدعاهم، فجزأهم ثلاثة أجزاء، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأَرَقّ أربعةً، وقال له قولًا شديدًا»، فأجاز العتق في ثلثه لغير قرابته، ولأنها عطية، فجازت لغير قرابته؛ كالعطية في الحياة، قاله ابن ﵀ ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الوصيّة بأكثر من الثلث إن أجازه الورثة: قال العلامة ابن قُدامة ﵀: ومن أوصى لغير وارث بأكثر من الثلث، فأجاز ذلك الورثة بعد موت الموصي جاز، وإن لم يجيزوا رُدّ إلى الثلث: قال: وجملة ذلك أن الوصية لغير الوارث تلزم في الثلث من غير إجازة، وما زاد على الثلث يُوقف على إجازتهم، فإن أجازوه جاز، وإن ردّوه بَطَلَ، في قول جميع العلماء، والأصل في ذلك قول النبيّ -ﷺ- لسعد حين قال: أوصي بمالي كله؟ قال: «لا»، قال: فبالثلثين؟ قال: «لا»، قال: فبالنصف؟ قال: «لا»، قال: فبالثلث؟ قال: «الثلثُ، والثلث كثير»، وقوله -ﷺ-: «إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في أعمالكم» يدلّ على أنه لا شيء له في الزائد عليه، وحديث عمران بن حصين -﵄- المذكور في المملوكِين الذين أعتقهم المريض يدلّ أيضًا على أنه لا يصحّ تصرفه فيما عدا الثلث إذا لم يُجِز الورثة، ويجوز بإجازتهم؛ لأن الحقّ لهم. انتهى كلام ابن قدامة ﵀ ، وهو بحثٌ مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الوصية للوارث: قال العلّامة ابن قُدامة ﵀: إذا أوصى لوارثه بوصيّة، فلم يُجزها سائر الورثة، لم تصحّ، بغير خلاف بين العلماء، قال ابن المنذر، وابن عبد البرّ: أجمع أهل العلم على هذا، وجاءت الأخبار عن رسول الله -ﷺ - بذلك، وإن أجازها الورثة جازت في قول الجمهور من العلماء، وقال بعضهم: الوصيّة باطلة، وإن أجازوها، وهو قول المزنيّ، وأهل الظاهر، وهو قول للشافعيّ، واحتجّوا بظاهر قوله -ﷺ-: «لا وصيّة لوارث». وظاهر مذهب أحمد، والشافعيّ أن الوصيّة صحيحة في نفسها، وهو قول جمهور العلماء؛ لأنه تصرّف صدر من أهله في محلّه، فصحّ، كما لو أوصى لأجنبيّ، والخبر قد رُوي فيه: «إلا أن يُجيز الورثة» ، والاستثناء من النفي إثبات، فيكون دليلًا على صحّة الوصيّة عند الإجازة. ولو خلا من الاستثناء كان معناه لا وصيّة نافذة، أو لازمة، أو ما أشبه ذلك، أو يقدّر فيه: لا وصيّة لوارث عند عدم الإجازة من غيره من الورثة. وفائدة الخلاف أن الوصية إذا كانت صحيحة، فإجازة الورثة تنفيذٌ، وإجازة محضةٌ، يكفي فيها قول الوارث: أجزت، أو أمضيتُ، أو نفّذت، فإذا قال ذلك لزمت الوصيّة، وإن كانت باطلة، كانت الإجازة هبة مبتدأةً، تفتقر إلى شروط الهبة من اللفظ، والقبول، والقبض؛ كالهبة المبتدأة، ولو رجع المجيز قبل القبض فيما يُعتبر فيه القبض صحّ رجوعه. انتهى كلام ابن قُدامة بتصرف يسير . وقال في «الفتح»: واستُدلّ بحديث: «لا وصية لوارث» بأنه لا تصحّ الوصية للوارث أصلًا، وعلى تقدير نفاذها من الثلث لا تصحّ الوصية له ولا لغيره بما زاد على الثلث، ولو أجازت الورثة، وبه قال المزنيّ، وداود، وقوّاه السبكيّ، واحتَجّ له بحديث عمران بن حصين -﵄- في الذي أعتق ستة أعبد، فإن فيه عند مسلم: «فقال له النبيّ -ﷺ- قولًا شديدًا»، وفُسِّر القول الشديد في رواية أخرى، بأنه قال: «لو علمتُ ذلك ما صليت عليه»، ولم يُنقل أنه راجع الورثة، فدلّ على منعه مطلقًا، وبقوله في حديث سعد بن أبي وقاص: «وكان بعد ذلك الثلثُ جائزًا»، فإن مفهومه أن الزائد على الثلث ليس بجائز، وبأنه -ﷺ - منع سعدًا من الوصية بالشطر، ولم يستثن صورة الإجازة. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أجاد السبكيّ ﵀ في هذه الاحتجاجات الواضحة التي تقوّي القول بأنه لا تصحّ الوصيّة للوارث، ولا بما زاد على الثلث مطلقًا، أجازه الورثة أم لا؟. والحاصل أن القول بعدم جواز الوصيّة للوارث، ولا بأكثر من الثلث لغيره، أجازها الورثة، أم لا؟، هو الحقّ؛ لهذه الأدلة الواضحة، وأما الاستثناء المذكور في رواية «إلا أن يجيز الورثة»، فإنه ضعيف، لا تقوم به الحجّة، بل قال بعضهم: إنه منكر . وأما ما ذكره ابن قدامة من التعليل بأنه تصرّف صدر من أهله في محلّه، فصحّ، فإنه تعليل عقليٌّ في مقابلة النصّ، فلا يُلتفت إليه، ولقد سبق غير مرّة أن ذكرنا قول من قال، وأجاد في المقال: إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَصِّ يَوْمًا … تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ [تنبيه]: حديث: «لا وصيّة لوارث»، رُوي عن جماعة من الصحابة -﵃-، منهم: عمرو بن خارجة، وأبو أمامة الباهليّ، وعبد الله بن عبّاس، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمرو، وجابر بن عبد الله، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم -﵃-. قال في «الفتح» عند قول البخاريّ: «باب لا وصيّة لوارث»: هذه الترجمة لفظ حديث مرفوع؛ كأنه لم يثبت على شرط البخاريّ، فترجم به كعادته، واستغنى بما يُعطي حكمه، وقد أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وغيرهما من حديث أبي أمامة -﵁-: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول في خطبته في حجة الوداع: «إن الله قد أعطى كلَّ ذي حقّ حقّه، فلا وصيّة لوارث». وفي إسناده إسماعيل بن عيّاش، وقد قوّى حديثه عن الشاميين جماعة من الأئمة، منهم أحمد، والبخاريّ، وهذا من روايته عن شُرحبيل بن مسلم، وهو شاميّ ثقة، وصرّح في روايته بالتحديث عند الترمذيّ، وقال الترمذيّ: حديث حسن، وفي الباب عن عمرو بن خارجة، عند الترمذيّ، والنسائيّ، وعن أنس عند ابن ماجه، وعن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، عند الدارقطنيّ، وعن جابر عند الدارقطنيّ أيضًا، وقال: الصواب إرساله، وعن عليّ عند ابن أبي شيبة، ولا يخلو إسناد كلّ منها عن مقال، لكن مجموعها يقتضي أن للحديث أصلًا، بل جنح الشافعيّ في «الأمّ» إلى أن هذا المتن متواتر، فقال: وجدنا أهل الفتيا، ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش، وغيرهم، لا يختلفون في أن النبيّ -ﷺ- قال عام الفتح: «لا وصيّة لوارث»، ويُؤثِرون عمن حفظوه عنه ممن لَقُوه من أهل العلم، فكان نقل كافّة، عن كافّة، فهو أقوى من نقل واحد. وقد نازع الفخر الرازيّ في كون هذا الحديث متواترًا، وعلى تقدير تسليم ذلك، فالمشهور من مذهب الشافعيّ أن القرآن لا يُنسخ بالسُّنَّة، لكن الحجة في هذا الإجماع على مقتضاه، كما صرّح به الشافعيّ وغيره. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن حديث: «لا وصيّة لوارث» صحيح؛ بمجموع طرقه، فقد مرّ آَنفًا أنه مرويّ عن هؤلاء الصحابة -﵃-، بطرق كثيرة، وقد قام بتخريجها، والكلام عليها الشيخ الألبانيّ ﵀ في كتابه الممتع «إرواء الغليل»، فأجاد، وأفاد، فراجعه تستفد ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٠٢] (…) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح) وَحَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: اثنا عشر: وكلّهم ذُكروا في الباب والباب الماضي. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ … إلخ)؛ أي: كلّ هؤلاء الثلاثة: سفيان بن عيينة، ويونس بن يزيد الأيليّ، ومعمر بن راشد رووا نحو هذا الحديث عن الزهريّ بسنده الماضي؛ أي: عن عامر بن سعد، عن أبيه -﵁-. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، ساقها الحميديّ في «مسنده»، فقال: ثنا سفيان، ثنا الزهريّ، أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: مَرِضتُ بمكة عام الفتح، مرضًا أشفيت منه على الموت، فأتاني رسول الله -ﷺ- يعودني، فقلت: يا رسول الله، إن لي مالًا كثيرًا، وليس يرثني إلا ابنتي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا»، قلت: فالشطرِ؟ قال: «لا»، قلت: فالثلثِ؟ قال: «الثلثُ، والثلثُ كثير، إنك أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالةً، يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقةً إلا أُجرت عليها، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك»، فقلت: يا رسول الله أُخَلَّف على هجرتي؟ فقال: «إنك لن تُخَلَّف بعدي، فتعملَ عملًا تريد به وجه الله، إلا ازددت به رفعةً ودرجةً، ولعلك أن تُخَلَّف بعدي، حتى ينتفع بك أقوام، ويُضَرَّ بك آخرون، اللهم أَمْضِ لأصحابي هجرتهم، ولا تردَّهم على أعقابهم، ولكن البائس سعد ابن خولة»، يرثي له رسول الله -ﷺ- أن مات بمكة، قال سفيان: وسعد ابن خولة رجل من بني عامر بن لؤيّ. انتهى . وأما رواية معمر، عن الزهريّ، فساقها عبد الرزّاق في «مصنّفه»، فقال: (١٦٣٥٧) - عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: كنت مع رسول الله -ﷺفي حجة الوداع، فمَرِضت مرضًا أشفى على الموت، قال: فعادني رسول الله -ﷺ-، فقلت: يا رسول الله إن لي مالًا كثيرًا، وليس يرثني إلا ابنة لي، أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: «لا» قلت: فبشطر مالي؟ قال: «لا» قلت: فبثلث مالي؟ قال: «الثلث، والثلث كثير، إنك يا سعد أن تَدَعَ ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم فقراء، يتكففون الناس، إنك يا سعد لن تنفق نفقةً، تبتغي بها وجه الله، إلا ازددت درجةً ورفعةً، ولعلك أن تُخَلَّف حتى ينفع الله بك أقوامًا، وَيضُرّ بك الآخرين، اللهم أَمْضِ لأصحابي هجرتهم، ولا تَرُدّهم على أعقابهم، لكن البائس سعد ابن خولة»، رثى له رسول الله -ﷺ-، وكان مات بمكة. انتهى . وأما رواية يونس، عن الزهريّ، فساقها أبو عوانة في «مسنده» مقرونًا بمالك، فقال: (٥٧٦٨) - حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، قثنا ابن وهب، قال: أخبرني رجال من أهل العلم، منهم مالك بن أنس، ويونس بن يزيد، أن ابن شهاب حدّثهم، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، أخبره عن سعد بن أبي وقاص، أنه قال: جاءني رسول الله -ﷺ- عام حجة الوداع، من وجع اشتدّ بي، قال: قلت: يا رسول الله، قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا»، قال: قلت: فالشطر يا رسول الله؟، قال: «لا»، قلت: فبالثلث؛ قال: «الثلث كثير». في حديث يونس: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس، وإنك أن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا أُجرت فيها، حتى ما تجعل في فِي امرأتك»، قال: قلت: يا رسول الله أُخَلَّف بعد أصحابي؟ قال: «إنك لن تُخَلَّف، فتعمل عملًا صالِحًا، تبتغي به وجه الله، إلا ازددت درجةً ورفعةً، ولعلك أن تُخَلَّف حتى ينتفع بك أقوام، ويُضَرَّ بك آخرون، اللهم أَمْضِ لأصحابي هجرتهم، ولا تَرُدَّهم على أعقابهم، لكن البائس سعد ابن خولة»، يرثي له رسول الله -ﷺ- أن مات بمكة. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٠٣] (…) - (وَحَدَّثَني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثنَا لو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَيَّ يَعُودُنِي، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي سَعْدِ ابْنِ خَوْلَةَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالأَرْضِ الَّتى هَاجَرَ مِنْهَا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسج، تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ) عُمر بن سعد بن عُبيد الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٣) (م ٤) تقدم في «النكاح» ١٥/ ٣٤٩٨. [تنبيه]: قوله: «الْحَفَريّ» قال النوويّ ﵀: هو بحاء مهملة، ثم فاء مفتوحتين: منسوب إلى الْحَفَر -بفتح الحاء والفاء- وهي مَحِلّة بالكوفة، كان أبو داود يسكنها، هكذا ذكره أبو حاتم بن حِبّان، وأبو سعد السّمْعانيّ، وغيرهما، واسم أبي داود هذا عُمَر بن سعد الثقة الزاهد الصالح العابد، قال عليّ ابن المدينيّ: ما أعلم أني رأيت بالكوفة أعبد من أبي داود الْحَفَريّ، وقال وكيع: إن كان يُدفع بأحد في زماننا -يعني: البلاء والنوازل- فبأبي داود، تُوُفِّي سنة ثلاث، وقيل: سنة ست ومائتين ﵀. انتهى . ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قبل باب. ٤ - (سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ القاضي، ثقةٌ فاضل عابدٌ [٥] (ت ١٢٥)، أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٣١. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي سَعْدِ ابْنِ خَوْلَةَ) إن أراد قوله المذكور في حديث الزهريّ الماضي، وهو: «لكن البائس سعد ابن خولة»، فمسلّم، وإلا فقد ذكر ما يتعلّق به، حيث قال: «يرحم الله سعد ابن عفراء»، كما سيأتي في التنبيه من رواية البخاريّ، فتنبّه. وقوله: (وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا) الظاهر أن فاعل«يَكره»ضمير النبيّ -ﷺ-؛ أي: كان -ﷺ- يكره أن يموت سعد في مكة التي هاجر منها إلى المدينة، وهذا هو ظاهر سياق البخاريّ الآتي في التنبيه المذكور بعدُ. ويَحْتَمل أن يكون الفاعل ضمير سعد -﵁-، ولكن فيه التفات؛ لأن الظاهر أن يقول: وأنا أكره الموت … إلخ، ويؤيّد هذا الوجه ما يأتي في رواية حميد بن عبد الرحمن، عن ثلاثة من ولد سعد بلفظ:«فقال: قد خشيتُ أن أموت بالأرض التي هاجرت منها، كما مات سعد ابن خولة». والحاصل أن كُلًّا من النبيّ -ﷺ- وسعد -﵁- يكره الموت في الأرض التي هاجر منها، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد هذه ساقها البخاريّ في«صحيحه»، فقال: (٢٥٩١) - حدّثنا أبو نُعَيْمٍ، حدثنا سُفْيَانُ، عن سَعْدِ بن إبراهيم، عن عَامِرِ بن سَعْدٍ، عن سَعْدِ بن أبي وَقَّاصٍ -﵁- قال: جاء النبيّ -ﷺ- يَعُودُنِي، وأنا بِمَكَّةَ، وهو يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْأَرْضِ التي هَاجَرَ منها، قال:«يَرْحَمُ الله ابن عَفْرَاءَ»، قلت: يا رَسُولَ اللهِ، أُوصِي بمَالِي كُلِّهِ؟ قال:«لَا»، قلت: فَالشَّطْرُ؟ قال:«لَا»، قلت: الثُّلُثُ؟ قال:«فَالثلُثُ، وَالثلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ من أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً، يَتَكَفَّفُونَ الناس في أَيْدِيهِمْ، وَإِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ من نَفَقَةٍ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ، حتى اللُّقْمَةُ التي تَرْفَعُهَا إلى فِي امْرَأَتِكَ، وَعَسَى الله أَنْ يَرْفَعَكَ، فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ»، ولم يَكُنْ له يَوْمَئِذٍ إلا ابْنَةٌ. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٠٤] (…) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْب، حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَرِضْتُ، فَأَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِيّ -ﷺ-، فَقُلْتُ: دَعْنِي أَقْسِمْ مَالِي حَيْثُ شِئْتُ، فَأَبى، قُلْتُ: فَالنِّصْفُ؟، فَأَبَى، قُلْتُ: فَالثُّلُثُ؟، قَالَ: فَسَكَتَ بَعْدَ الثُّلُثِ، قَالَ: فَكَانَ بَعْدُ الثُّلُثُ جَائِزًا). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى) الأشيب، أبو عليّ البغداديّ، قاضي الموصل وغيرها، ثقةٌ [٩] (ت ٩ أو ٢٠١) (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٥/ ٣٢١. ٣ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج، تقدّم قبل باب. ٤ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْب) بن أوس بن خالد الذهليّ البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوق، تغيّر بآخَره، فربّما تلقّن [٤] (ت ١٢٣) (خت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٦٤/ ٣٦٥. ٥ - (مُصْعَبُ بْنُ سَعْدِ) بن أبي وقّاص الزهريّ، أبو زُرارة المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٣) (ع) تقدم في «الطهارة» ٢/ ٥٤١. و«سعد -﵁-» ذُكر قبله. وقوله: (مَرِضْتُ) بكسر الراء، من باب تَعِب. وقوله: (فَأَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِيّ -ﷺ- ...... إلخ) ظاهره أنه لم يشافه النبيّ -ﷺ-، وليس كذلك، كما تبيّنه الروايات الأخرى، فيُحمَل على أن المراد أنه أرسل إليه ليأتيه، فلما أتاه سأله، فقال: دعني أَقسم مالي … إلخ، والله تعالى أعلم. وقوله: (دَعْنِى)؛ أي: اترُكني. وقوله: (أقسِمْ مَالِي) بفتح الهمزة، من باب ضرب، وهو مجزوم في جواب الأمر، كما قال في «الخلاصة»: وَبَعْدَ غَيْرِ النَّفْيِ جَزْمًا اعْتَمِدْ … إِنْ تَسْقُطِ الْفَا وَالْجَوَابُ قَدْ قُصِدْ وقوله: (حَيْثُ شِئْتُ) ظرف لـ «أَقْسِمْ»؛ أي: في أي مكان أردتُ، يريد بذلك أن يوصي به في سبيل الله، لا أنه يُضيع ماله؛ لأن إضاعة المال حرام، كما قال -ﷺ-: «إن الله كَرِه لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال»، متّفقٌ عليه. وقوله: (قَالَ: فَكَانَ بَعْدُ الثُّلُثُ جَائِزًا)؛ أي: قال سعد -﵁-: فكان الإيصاء بالثلث بعد سكوت النبيّ -ﷺ- المذكور جائزًا، والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٠٥] (…) - (وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ: «فَكَانَ بَعْدُ الثلُثُ جَائِزًا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلهم تقدّموا في الباب، والبابين السابقين. [تنبيه]: رواية شعبة، عن سماك هذه ساقها الإمام أحمد في «مسنده»، فقال: (١٦١٤) - ثنا محمدبن جَعْفَرٍ، ثنا شُعْبَةُ، عن سِمَاكٍ، عن مُصْعَب بن سَعْدٍ، عن أبيه، قال: أُنْزِلَتْ فيَّ أَرْبَعُ آياتٍ: يوم بَدْرٍ أَصَبْتُ سَيْفًا، فَأَتَى النبيّ -ﷺ-، فقال: يا رَسُولَ اللهِ نَفِّلْنِيهِ، فقال: «ضَعْهُ»، ثُمَّ قام، فقال: يا رَسُولَ اللهِ نَفِّلْنِيهِ، فقال: «ضَعْهُ»، ثُمَّ قام، فقال: يا رَسُولَ اللهِ نَفِّلْنِيهِ، أُجْعَل كَمَنْ لَا غَنَاءَ له؟ فقال النبيّ -ﷺ-: «ضَعْهُ» من حَيْثُ أَخَذْتَهُ«، فَنَزَلَتْ هذه الآيَةُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، قال: وَصَنَعَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ طَعَامًا، فَدَعَانَا، فَشَرِبْنَا الْخَمْرَ، حتى انْتَشَيْنَا، قال: فَتَفَاخَرَتِ الأَنْصَارُ وَقُرَيْشٌ، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: نَحْنُ أَفْضَلُ مِنْكُمْ، وَقَالَتْ قُرَيْشٌ: نَحْنُ أَفْضَلُ مِنْكُمْ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ لَحْيي جَزُورٍ، فَضَرَبَ بِهِ أَنْفَ سَعْدٍ، فَفَزَرَهُ، قال: فَكَانَ أَنْفُ سَعْدٍ مَفْزُورًا، قال: فَنَزَلَتْ هذه الآيَةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠]، قال: وَقَالَتْ أُمُّ سَعْدٍ: أَلَيْسَ الله قد أمرهم بِالْبِرِّ، فَوَاللهِ لَا أَطْعَمُ طَعَامًا، وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا، حتى أَمُوتَ، أو تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، قال: فَكَانُوا إذا أَرَادُوا أَنْ يُطْعِمُوهَا، شَجَرُوا فَاهَا بِعَصًا، ثُمَّ أَوْجَرُوهَا، قال: فَنَزَلَتْ هذه الآيَةُ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]، قال: وَدَخَلَ رسول اللهِ -ﷺ- على سَعْدٍ، وهو مَرِيضٌ يَعُودُهُ، فقال: يا رَسُولَ اللهِ أُوصِي بمالي كُلِّهِ؟ قال: «لَا»، قال: فَبِثُلُثَيْهِ؟ فقال: «لَا»، قال: فَبِثُلُثِهِ؟ قال: فَسَكَتَ. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٠٦] (…) - (وَحَدَّثَني الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثنا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مُصْعَب بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبيهِ، قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ -ﷺ-، فَقُلْتُ: أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟، قَالَ : «لَا»، قُلْتُ: فَالنِّصْفُ؟، قَالَ : «لَا»، فَقُلْتُ: أَبِالثّلثِ؟ فَقَالَ : «نَعَمْ، وَالثلُثُ كَثِيرٌ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان، وربّما نُسب لجدّه، ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٤/ ١١٨. ٢ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ) الْجُعفيّ، أبو الوليد الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت ٣ أو ٢٠٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ١١/ ١٥٤. ٣ - (زَائِدَةُ) بن قدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ [٧] (ت ١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٣. ٤ - (عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) اللَّخْميّ الفرَسيّ الكوفيّ، ثقةٌ فقيةٌ تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣] (ت ١٣٦) وله (١٠٣) سنين (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٦/ ٢٩٦. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (قُلْتُ: فَالنِّصْفُ؟) يَحْتَمل أن يكون مجرورًا عطفًا على «مالي»، ويَحْتَمِل أن يكون مرفوعًا بتقدير خبر؛ أي: فالنصف جائز؟ أو فاعلًا لمحذوف؛ أي: أيجوز النصف؟ وقوله: (فَقُلْتُ: أَبالثُّلثِ؟) متعلّق بـ «أُوصي» محذوفًا بدليل ما تقدّم. والحديث متّفقٌ علَيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٠٧] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكيُّ، حَدَّثَنَا الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ، عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ وَلَدِ سَعْدٍ، كُلُّهُمْ يُحَدِّثُهُ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيّ -ﷺ- دَخَلَ عَلَى سَعْدٍ يَعُودُهُ بِمَكَّةَ، فَبَكَى، قَالَ: «مَا يُبْكِيكَ؟»، فَقَالَ: قَدْ خَشِيتُ أَنْ أَمُوتَ بِالأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا، كَمَا مَاتَ سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا»، ثَلَاثَ مِرَارٍ ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا، وَإِنَّمَا يَرِثُني ابْنَتي، أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: «لَا»، قَالَ: فَبِالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: «لَا»، قَالَ: فَالنِّصْفُ؟ قَالَ: «لَا»، قَالَ: فَالثلُثُ؟ قَالَ: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّ صَدَقَتَكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِن نَفَقَتَكَ عَلَى عِيَالِكَ صَدَقَةٌ، وإِن مَا تَأْكُلُ امْرَأَتُكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّكَ أَنْ تَدَعَ أَهْلَكَ بِخَيْرٍ -أَوْ قَالَ: بِعَيْشٍ- خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ»، وَقَالَ بِيَدِهِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّي) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (الثَقَفِيُّ) هو: عبد الوهّاب بن عبد المجيد البصريّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ) ابن أبي تميمة كيسان، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ) القرشيّ، أو الثقفيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ [٥] (بخ م ٤) تقدم في «الجمعة» ١٥/ ٢٠٠٨. ٥ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ) البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ع) تقدم في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤٩١. وأولاد سعد الثلاثة، سيأتي الكلام فيهم بعدُ، وأما «سعد» فذُكر قبله. وقوله: (عَنْ ثَلَاَثةٍ مِنْ وَلَدِ سَعْدٍ، كُلُّهُمْ يُحَدِّثُهُ عَنْ أَبِيهِ) هكذا هذه الرواية متّصلة، إلا أن فيها إبهام أولاد سعد، وفي الرواية التالية: «عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ وَلَدِ سَعْدٍ، قَالُوا: مَرِضَ سَعْدٌ بِمَكَّةَ»، وهذه الرواية مرسلة؛ لأن أولاد سعد لم يشهدوا القضيّة؛ لكونهم غير صحابيين، قال النوويّ ﵀: قوله: «عن حميد بن عبد الرحمن الحميريّ، عن ثلاثة من ولد سعد، كلهم يحدثه عن أبيه، أن النبيّ -ﷺ- دخل على سعد يعوده بمكة»، وفي الرواية الأخرى: «عن حميد، عن ثلاثة من ولد سعد، قالوا: مَرِضَ سعد بمكة، فأتاه رسول الله -ﷺ- يعوده»، فهذه الرواية مرسلة، والأولى متصلة؛ لأن أولاد سعد تابعيّون، وإنما ذكر مسلم هذه الروايات المختلفة في وصله وإرساله؛ ليبيّن اختلاف الرواة في ذلك، قال القاضي: وهذا وشِبْهَه من الْعِلَل التي وَعَدَ مسلم في خطبة كتابه أنه يذكرها في مواضعها، فظَنّ ظانّون أنه يأتي بها مفردة، وأنه تُوُفّي قبل ذكرها، والصواب أنه ذكرها في تضاعيف كتابه، كما أوضحناه في أول هذا الشرح، ولا يقدح هذا الخلافُ في صحة هذه الرواية، ولا في صحة أصل الحديث؛ لأن أصل الحديث ثابت من طُرُق من غير جهة حميد، عن أولاد سعد، وثبت وصله عنهم في بعض الطرُق التي ذكرها مسلم، قال: وقد قدّمنا في أول هذا الشرح أن الحديث إذا رُوِي متصلًا ومرسلًا، فالصحيح الذي عليه المحققون أنه محكوم باتصاله؛ لأنها زيادة ثقةٌ، وقد عَرَّض الدارقطنيّ بتضعيف هذه الرواية، وقد سبق الجواب عن اعتراضه الآن، وفي مواضع نحو هذا، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ . وقال الحافظ الرشيد العطّار ﵀ في «الغرر الفوائد المجموعة» -بعد أن أورد رواية حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن سعيد، عن حميد بن عبد الرحمن الحميريّ، عن ثلاثة من ولد سعد، قالوا: مرض سعد بمكة، فأتاه رسول الله -ﷺ- يعوده، الحديث- ما نصّه: قلت: وهذا مرسل، وليس في ولد سعد بن أبي وقاص من له صحبة، ولا رواية عن النبيّ -ﷺ-، قاله الدارقطنيّ وغيره، وهذا الحديث وإن كان مرسلًا من هذا الوجه، فإنه متصل في كتاب مسلم وغيره، من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، ومن حديث مصعب بن سعد أيضًا عن أبيه، وأخرجه البخاريّ، وأبو داود، والنسائيّ من حديث عائشة بنت سعد، عن أبيها أيضًا كذلك. والطريق الذي ذكر الدارقطنيّ أنها مرسلة، إنما أوردها مسلم في الشواهد، ومع ذلك فقد أخرجها في كتابه متصلةً من وجه آخر من حديث عبد الوهاب الثقفيّ، عن أيوب، بإسناده المتقدم، وقال فيها: عن ثلاثة من ولد سعد كلهم يحدثه عن أبيه، أن النبيّ -ﷺ- دخل على سعد يعوده بمكة الحديث، فثبت اتصاله في الكتاب من حديث أيوب بن أبي تميمة أيضًا -والحمد لله-. وإنما أورده مسلم من الوجهين المذكورين عن أيوب؛ لينَبِّه على الاختلاف عليه في إسناده، والله أعلم. قال: وبنو سعد بن أبي وقاص سبعة فيما ذكر عليّ ابن المدينيّ وهم: مصعب، وعامر، ومحمد، وإبراهيم، وعمر، ويحمص، وعائشة، وذكر أبو زرعة الدمشقيّ أنهم ثمانية، فَعَدّ هذه السبعة، وزاد إسحاق بن سعد، والله أعلم. انتهى كلام الرشيد العطّار ﵀ ، وهو بحث مفيدّ جدًّا، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: ثم وجدت سعيد بن منصور قد أشار إلى تعيين أحد الثلاثة بأنه عامر بن سعد، فقال: (٣٣١) - حدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِنْ وَلَدِ سَعْدٍ، هَذَا أَحَدُهُمْ -يَعْنِي: عَامِرَ بْنَ سَعْدٍ- أَنَّ سَعْدًا مَرِضَ بِمَكَةَ، فَأَتَاهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَعُودُهُ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِني أَدَعُ مَالًا، وَلَيْسَ لِي وَارِث إِلَا كَلَالَةٌ، أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: «لَا»، قَالَ: فَبِنِصْفِهِ؟ قَالَ: «لَا» قَالَ: فَبِثُلُثِهِ؟ قَالَ: «الثلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ أَهْلَكَ بِعَيْشٍ -أَوْ قَالَ: - بِخَيْرٍ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ». انتهى . وقوله: (وَقَالَ بِيَدِهِ)؛ أي: أشار النبيّ -ﷺ- بيده إلى كيفيّة سؤالهم الناس. والحديث من أفراد المصنّف ﵀، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٤٢٠٨] (…) - (وَحَدَّثَني أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِي، حَدَّثنَا حَمَّادٌ، حَدَّثنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ، عَنْ ثَلَاَثةٍ مِنْ وَلَدِ سَعْدٍ، قَالُوا: مَرِضَ سَعْدٌ بِمَكَّةَ، فَأَتاهُ رَسُولُ الله -ﷺ- يَعُودُهُ. بِنَحْوِ حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أبو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ) سليمان بن داود الزهرانيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٠. ٢ - (حَمَّادُ) بن زيد، تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية حمّاد بن زيد، عن أيوب هذه لم أجد من ساقها بتمامها، إلا أن أبا عوانة قال في «مسنده»: (٥٧٨٣) - حدّثنا الصغانيّ، قال: ثنا عبيد الله بن عمر، قثنا حماد بن زيد، قثنا أيوب، عن عمرو بن سعيد، عن حميد بن عبد الرحمن الحميريّ، عن ثلاثة من بني سعد بن مالك كلهم يحدث عن أبيه، كلهم يقول: مرض سعد بمكة فأتاه النبيّ -ﷺ- يعوده، فقال: يا رسول الله إني أَرْهَب أن أموت بالأرض التي هاجرت منها -فذكر مثله سواء- «أهلك أغنياء، أو قال: بخير- أو كما قال رسول الله -ﷺ- خير من أن تدعهم يتكففون الناس». انتهى . [تنبيه آخر]: هذه الرواية أيضًا مرسلة؛ كسابقتها، وقد تقدّم الكلام فيها، ولله الحمد والمنّة.
مصادر المؤلف (٨٣)

١. «مستخرج أبي عوانة» ٧/ ٣.

٢. «مسند عبد بن حميد» ١/ ٢٣٨.

٣. وفي نسخة: «بلغ بي».

٤. وفي نسخة: «إلا بنت لي».

٥. وفي نسخة: «أتخلّف أصحابي».

٦. وفي نسخة: «حتى ينتفع».

٧. «المصباح المنير» ٢/ ٤٣٦.

٨. «المفهم» ٤/ ٥٤٣.

٩. «شرح النوويّ» ١١/ ٧٦.

١٠. «الفتح» ٦/ ٦٧٤ - ٦٧٥.

١١. راجع: «المسند» المحقّق بإشراف الشيخ شعيب الأرنؤوط ٢٧/ ١٢٥.

١٢. راجع: «شرح النوويّ» ١١/ ٧٦.

١٣. «المصباح المنير» ٢/ ٦٤٨ - ٦٤٩ وتقدّم نقل كلام الفيّوميّ هذا في هذا الشرح برقم (٦٦/ ٣٧١) وإنما أعدته؛ لطول العهد به، فتنبّه.

١٤. «شرح النوويّ» ١١/ ٧٦.

١٥. «شرح النوويّ» ١١/ ٧٦.

١٦. «شرح النوويّ» ١١/ ٧٦.

١٧. «الفتح» ٦/ ٦٨١، كتاب «الوصايا» رقم (٢٧٤٢).

١٨. «الفتح»٦/ ٦٧٧.

١٩. «شرح النوويّ»١١/ ٧٧.

٢٠. «شرح النوويّ»١١/ ٧٦ - ٧٧.

٢١. «الفتح» ٦/ ٦٧٧ - ٦٧٨.

٢٢. «المفهم» ٤/ ٥٤٥.

٢٣. راجع: «كشف المشكل» لابن الجوزيّ ١/ ٢٣٢.

٢٤. راجع: «الفتح» ٦/ ٦٧٨.

٢٥. «الفتح» ٦/ ٦٧٩.

٢٦. لكن المذكورون هنا أحد وثلاثون، فليحرّر.

٢٧. «تنبيه المعلم» ص ٢٧٤.

٢٨. «المصباح المنير» ٢/ ٤٤٠.

٢٩. «المفهم» ٤/ ٥٤٥.

٣٠. «الفتح» ٥/ ٣٦٦.

٣١. «المفهم» ٤/ ٥٤٦.

٣٢. كنت اتبعت ما قاله القرطبيّ هنا في شرح النسائيّ، والآن تبيّن لي أنه غير صواب، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

٣٣. «المفهم» ٤/ ٥٤٦ - ٥٤٧.

٣٤. «شرح النوويّ»١١/ ٧٧ - ٧٨.

٣٥. راجع: «الفتح» ٦/ ٦٨٠.

٣٦. «شرح النوويّ» ١١/ ٧٨.

٣٧. «المفهم»٤/ ٥٤٧.

٣٨. «شرح النوويّ»١١/ ٧٨ - ٧٩.

٣٩. «شرح النوويّ»١١/ ٧٨.

٤٠. «الفتح» ٦/ ٦٨٠.

٤١. «الفتح» ٦/ ٦٨١.

٤٢. «الفتح» ٦/ ٦٨١.

٤٣. «المصباح المنير» ٢/ ٥٧٥.

٤٤. «شرح النوويّ» ١١/ ٧٩.

٤٥. «المفهم» ٤/ ٥٤٨ - ٥٤٩.

٤٦. «المفهم» ٤/ ٥٤٩ - ٥٥٠.

٤٧. «شرح النوويّ» ١١/ ٧٩ - ٨٠.

٤٨. ذكر قبله ممن وافق الزهريّ في قوله: «سعد ابن خولة»: حميد بن عبد الرحمن، عن ثلاثة من ولد سعد، عن سعد، وجرير بن يزيد، عن عامر بن سعد، وبُكير بن مسمار، عن عامر بن سعد، فتنبّه.

٤٩. «الفتح»٦/ ٦٧٦.

٥٠. «المصباح المنير»١/ ٢١٨.

٥١. «القاموس المحيط»١/ ١٦٦٠.

٥٢. «الفتح» ٨/ ٧٣٢، كتاب «مناقب الأنصار» رقم (٣٩٣٦).

٥٣. المراد بها الفوائد التي اشتَمَل عليها حديث سعد بن أبي وقّاص -﵁- بجميع طرقه المشار إليها في الشرح، وغيرها، لا خصوص سياق المصنّف، فتنبّه.

٥٤. «الفتح» ٦/ ٦٨٤.

٥٥. راجع: «الفتح» ٦/ ٦٨١ - ٦٨٣.

٥٦. «المغني» ٦/ ٤٥٧.

٥٧. «المغني» ٦/ ٤٥٧.

٥٨. رواه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وحسّنه، وكذا حسّنه الألبانيّ في «الإرواء».

٥٩. «المغني» ٦/ ٤٥٧.

٦٠. سيأتي أن هذا الاستثناء لا يصحّ، فتنبّه.

٦١. راجع: «المغني» ٨/ ٣٩٦ - ٣٩٧.

٦٢. «الفتح» ٦/ ٦٨٩ - ٦٩٠.

٦٣. راجع: «إرواء الغليل» للشيخ الألبانيّ ﵀ ٦/ ٩٦ - ٩٩.

٦٤. «الفتح» ٦/ ٦٨٨.

٦٥. راجع: «إرواء الغليل» ٦/ ٨٧ - ٩٩.

٦٦. وفي نسخة: «وحدّثني».

٦٧. «مسند الحميديّ» ١/ ٣٦.

٦٨. «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ٦٤.

٦٩. «مسند أبي عوانة» ٣/ ٤٨٠.

٧٠. وفي نسخة: «ثنا».

٧١. شرح النوويّ«١١/ ٨٠ - ٨١.

٧٢. «صحيح البخاريّ» ٣/ ١٠٠٦.

٧٣. وفي نسخة: «ثنا».

٧٤. «مسند أحمد بن حنبل» ١/ ١٨٥.

٧٥. وفي نسخة: «فقال».

٧٦. وفي نسخة: «فقال».

٧٧. وفي نسخة: «قال».

٧٨. وفي نسخة: «مرّات».

٧٩. وفي نسخة: «من أن تَدَعَهم عالةً يتكفّفون».

٨٠. «شرح النوويّ» ١١/ ٨١ - ٨٢.

٨١. «غرر الفوائد المجموعة» ١/ ٦٣ - ٦٤.

٨٢. «سنن سعيد بن منصور» ١/ ١٢٩.

٨٣. «مسند أبي عوانة» ٣/ ٤٨٥.