HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٦٩١

حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. قَالَا: حدثنا ابن وهب يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بن عتبة؛ أنه سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى مِنْبَرِ رسول الله ﷺ: أن اللَّهَ قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ. وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ. فَكَانَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ. قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا. فَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ. فَأَخْشَى، إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ، أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ. فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ. وَإِنَّ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أَحْصَنَ، مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوِ الاعتراف.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص115
ج ٣ ص ١٣١٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٢٩ ص٤٥٣
رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلهم تقدّموا قبل بابين، و«ابن أبي عمر» هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، ثم المكيّ، و«سفيان» هو: ابن عيينة. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ هذه ساقها النسائيّ في «السنن الكبرى»، فقال: (٧١٥٦) - أخبرنا محمد بن منصور المكيّ، قال: ثنا سفيان، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: سمعت عمر يقول: قد خشيت أن يطول بالناس زمان، حتى يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فَيَضِلُّوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حقّ على من زنا، إذا أَحْصَنَ، وكانت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف، وقد قرأناها: «الشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما البتة»، وقد رجم رسول الله - ﷺ -، ورجمنا بعده. قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أن أحدًا ذكر في هذا الحديث: «الشيخ والشيخة فارجموهما البتة»، غير سفيان، وينبغي أنه وَهَمٌ، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: أعلّ النسائيّ - ﵀ - زيادة: «الشيخ والشيخة. . . إلخ» في هذه الرواية؛ لتفرّد ابن عيينة بها، ولم لا تُجعل من زيادة الثقة؟ فليُتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥) - (بَابُ مَنِ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا) [٤٤١٢] (١٦٩١) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَسُولَ الله - ﷺ -، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى ثَنَى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، دَعَاهُ رَسُولُ الله - ﷺ -، فَقَالَ: «أَبِكَ جُنُونٌ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟»، قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «اذْهَبُوا بِهِ، فَارْجُمُوهُ». قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ، فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ، فَرَجَمْنَاهُ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ) الفهميّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١١. ٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الفهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (١٩٩) (م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١١. ٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن، تقدّم قبل بابين. ٤ - (عُقَيْلُ) بن خالد الأيليّ الأمويّ مولاهم، أبو خالد، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٣. ٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قبل بابين. ٦ - (أَبُو سَلَمَةً بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) تقدّم قريبًا. ٧ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) تقدّم أيضًا قريبًا. ٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدّم أيضًا قريبًا. ٩ - (مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) هو أبو سلمة المذكور، كما سيأتي بيانه. ١٠ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام - ﵄ -، تقدّم قبل بابين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه أبو سلمة، وابن المسيِّب من الفقهاء السبعة، وفيه صحابيّان من المكثرين السبعة، روى الأول (٥٣٧٤) والثاني (١٥٤٠)، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيين، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ) هذه رواية شعيب بن الليث عن أبيه، ووافقه يحيى بن بكير عن الليث عند البخاريّ، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّهُ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، وفي رواية عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عند البخاريّ: «من الناس»، وفي رواية يونس ومعمر: «إن رجلًا من أسلم»، وفي حديث جابر بن سمرة الآتي: «رأيت ماعز بن مالك الأسلميّ حين جيء به رسول الله - ﷺ -. . .» الحديث، وفيه: «رجلٌ قصيرٌ، أعضل، ليس عليه رداء»، وفي لفظ: «ذو عَضَلات». (رَسُولَ الله - ﷺ -) بالنصب على أنه مفعول «أَتَى»، وقوله: (وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ) جملة حاليّة؛ أي: والحال أنه - ﷺ - جالس في المسجد النبويّ، (فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ) يقال: أعرضتُ عنه: أضربتُ، وولّيتُ عنه، وحقيقته جعل الهمزة للصيرورة؛ أي: أخذت عُرْضًا؛ أي: جانبًا غير الجانب الذي هو فيه، قاله الفيّومي . والمعنى: حوّل النبيّ - ﷺ - وجهه إلى جهة أخرى؛ كراهية لما قاله، وسترًا عليه. (فَتَنَحَّى)؛ أي: انتقل من الناحية التي كان فيها إلى الناحية التي يَستقبل بها وجه النبيّ - ﷺ -، (تِلْقَاءَ وَجْهِهِ) منصوب على الظرفية، وأصله مصدرٌ أقيم مُقام الظرف؛ أي: مكان تلقاء، فحُذِف مكان، قيل: وليس من المصادر تِفعال بكسر أوله إلا هذا، و«تِبيان»، وسائرها بفتح أوله، وأما الأسماء بهذا الوزن فكثيرة، قاله في «الفتح» . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: يجيء المصدر من فعل ثلاثيّ على تَفْعال بفتح التاء، نحو التَّضْرَاب، والتَّقْتَال، قالوا: ولم يجئ بالكسر إلا تِبْيَانٌ، وتِلْقَاءُ، تِنْضَالٌ، من المناضلة، وقيل: هو اسم، والمصدر تَنْضَالٌ - أي: بالفتح - على الباب. انتهى . (فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، حَتَّى ثَنَى) بثاء مثلّثة، بعدها نون خفيفة؛ أي: كرّر، وفي رواية: «حتى ردّد» (ذَلِكَ)؛ أي: قوله: «إني زنيتُ»، (عَلَيْهِ)؛ أي: على النبيّ - ﷺ - (أَرْبَعَ مَرَّاتٍ)، وفي حديث بريدة الآتي: «قال: ويحك ارجع، فاستغفر الله، وتُب إليه، فرجع غير بعيد، ثم جاء، فقال: يا رسول الله طَهِّرني»، وفي لفظ: «فلما كان من الغد أتاه»، ووقع في مرسل سعيد بن المسيِّب، عند مالك، والنسائيّ من رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن سعيد: «إن رجلًا من أسلم قال لأبي بكر الصديق: إن الآخر زنى، قال: فتب إلى الله، واستتر بستر الله، ثم أتى عمر كذلك، فأتى رسول الله - ﷺ -، فأعرض عنه، ثلاث مرات، حتى إذا أكثر عليه بعث إلى أهله». وهذا كلّه فيه التعريض للمُقِرّ بالزنا بأن يرجع، ويُقْبَل رجوعه بلا خلاف، قاله النوويّ. (فَلَمَّا شَهِدَ) بكسر الهاء، من باب علم (عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ)، وفي رواية: «أربع مرّات»، وفي حديث بريدة الآتي: «حتى إذا كانت الرابعة، قال: فيم أطهرك؟»، وفي حديث جابر بن سمرة، من طريق أبي عوانة، عن سماك الآتي: «فشهد على نفسه أربع شهادات»، وفي رواية شعبة، عن سماك: «قال: فردّه مرتين»، وفي أخرى: «مرتين، أو ثلاثًا، قال شعبة: قال سماك: فذكرته لسعيد بن جبير، فقال: إنه ردّه أربع مرات»، ووقع في حديث أبي سعيد الآتي أيضًا: «فاعترف بالزنا ثلاث مرات». قال في «الفتح»: والجمع بينهما: أما رواية مرتين فتُحْمل على أنه اعترف مرتين في يوم، ومرتين في يوم آخر؛ لِمَا يشعر به قول بريدة: «فلمّا كان من الغد»، فاقتصر الراوي على أحدهما، أو مراده: اعترف مرتين في يومين، فيكون مِنْ ضَرْب اثنين في اثنين. وقد وقع عند أبي داود، من طريق إسرائيل، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «جاء ماعز بن مالك إلى النبيّ - ﷺ -، فاعترف بالزنا مرتين، فطرده، ثم جاء فاعترف بالزنا مرتين». وأما رواية الثلاث فكأن المراد الاقتصار على المرات التي ردّه فيها، وأما الرابعة فإنه لم يرُدّه، بل استثبت فيه، وسأل عن عقله، لكن وقع في حديث أبي هريرة - ﵁ - عند أبي داود، من طريق عبد الرحمن بن الصامت، ما يدل على أن الاستثبات فيه إنما وقع بعد الرابعة، ولفظه: «جاء الأسلميّ، فشَهِد على نفسه أنه أصاب امرأة حرامًا أربع مرات، كل ذلك يُعْرِض عنه رسول الله - ﷺ -، فأقبل في الخامسة، فقال: تدري ما الزاني؟» إلى آخره، والمراد بالخامسة: الصفة التي وقعت منه عند السؤال، والاستثبات؛ لأن صفة الإعراض وقعت أربع مرات، وصفة الإقبال عليه للسؤال وقع بعدها. انتهى . (دَعَاهُ رَسُولُ الله - ﷺ -، فَقَالَ: «أَبِكَ جُنُونٌ؟») قال النوويّ - ﵀ -: إنما قاله ليتحقق حاله، فإن الغالب أن الإنسان لا يُصِرّ على الإقرار بما يقتضي قتله من غير سؤال، مع أن له طريقًا إلى سقوط الإثم بالتوبة، وفي الرواية الأخرى: أنه سأل قومه عنه، فقالوا: ما نعلم به بأسًا، وهذا مبالغة في تحقق حاله، وفي صيانة دم المسلم، وفيه إشارة إلى أن إقرار المجنون باطلٌ، وأن الحدود لا تجب عليه، وهذا كله مجمَع عليه. انتهى . (قَالَ: لَا)، وفي البخاريّ: «وهل بك جنون؟»، وفي حديث بريدة: «فسأل أبه جنون؟ فأُخبر بأنه ليس بمجنون»، وفي لفظ: «فأَرسل إلى قومه، فقالوا: ما نعلمه إلا وَفِيَّ العقل، من صالحينا»، وفي حديث أبي سعيد: «ثم سأل قومه، فقالوا: ما نعلم به بأسًا، إلا أنه أصاب شيئًا يَرى أنه لا يَخرج منه إلا أن يقام فيه الحد لله»، وفي مرسل أبي سعيد: «بعث إلى أهله، فقال: أشتكى؟ به جِنة؟ فقالوا: يا رسول الله إنه لصحيح». ويُجْمَع بينهما بأنه سأله، ثم سأل عنه احتياطًا، فإن فائدة سؤاله أنه لو ادَّعَى الجنون، لكان في ذلك دفعٌ لإقامة الحد عليه، حتى يظهر خلاف دعواه، فلما أجاب بأنه لا جنون به، سأل عنه؛ لاحتمال أن يكون كذلك، ولا يُعْتَدّ بقوله. وعند أبي داود، من طريق نعيم بن هَزّال: «قال: كان ماعز بن مالك يتيمًا في حِجر أبي، فأصاب جارية من الحيّ، فقال له أبي: ائت رسول الله - ﷺ -، فأخبره بما صنعت، لعله يستغفر لك، وإنّما يريد بذلك رجاء أن يكون له مخرجًا»، فذكر الحديث. قال القاضي عياض : فائدة سؤاله أبك جنون؟ سترٌ لحاله، واستبعادٌ أن يُلِحّ عاقلٌ بالاعتراف بما يقتضي إهلاكه، ولعله يرجع عن قوله، أو لأنه سمعه وحده، أو ليتم إقراره أربعًا عند من يشترطه، وأما سؤاله قومه عنه بعد ذلك فمبالغة في الاستثبات. وتعقّب بعض الشراح قوله: «أو لأنه سمعه وحده» بأنه كلام ساقطٌ؛ لأنه وقع في نفس الخبر أن ذلك كان بمحضر الصحابة في المسجد. قال الحافظ: ويُرَدّ بوجه آخر، وهو أن انفراده - ﷺ - بسماع إقرار المقرّ كافٍ في الحكم عليه بعلمه اتفاقًا؛ إذ لا ينطق عن الهوى، بخلاف غيره، ففيه احتمال. انتهى . (قَالَ: «فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟»)؛ أي: أتزوّجت؟ هذا معناه هنا جزمًا؛ لافتراق الحكم في حدّ من تزوّج، ومن لم يتزوّج. وقال النوويّ - ﵀ -: فيه أن الإمام يسأل عن شروط الرجم، من الإحصان وغيره، سواء ثبت بالإقرار، أم بالبيّنة، وفيه مؤاخذة الإنسان بإقراره. انتهى . (قَالَ: نَعَمْ) زاد في حديث بريدة قبل هذا: «أشربت خمرًا؟ قال: لا»، وفيه: «فقام رجل، فاستنكهه، فلم يجد منه ريحًا»، وزاد في حديث ابن عباس عند البخاريّ: «لعلك قَبَّلت؟ أو غمزت؟ - بمعجمة، وزاي - أو نظرت؟»؛ أي: فأطلقتَ على كل ذلك زنا، ولكنه لا حدّ في ذلك - قال: لا«، وفي حديث نعيم:»فقال: هل ضاجعتها؟ قال: نعم، قال: فهل باشرتها؟ قال: نعم، قال: هل جامعتها؟ قال: نعم«، وفي حديث ابن عباس المذكور:»فقال: أنكتها؟ لا يكني - بفتح التحتانية، وسكون الكاف - من الكناية؛ أي: أنه ذكر هذا اللفظ صريحًا، ولم يُكَنِّ عنه بلفظ آخر؛ كالجماع. ويَحْتَمِل أن يُجْمَع بأنه ذَكر بعد ذِكر الجماع بأن الجماع قد يُحْمَل على مجرد الاجتماع، وفي حديث أبي هريرة المذكور: «أَنِكتها؟ قال: نعم، قال: حتى دخل ذلك منك في ذلك منها؟ قال: نعم، قال: كما يغيب الْمِرْوَد في الْمُكْحُلة، والرِّشاء في البئر؟ قال: نعم، قال: تدري ما الزنا؟ قال: نعم أتيت منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالًا، قال: فما تريد بهذا القول؟ قال: تطهّرني، فأَمَر به، فَرُجِم»، وقَبْله عند النسائيّ هنا: «هل أدخلته، وأخرجته؟ قال: نعم» . (فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «اذْهَبُوا بِهِ، فَارْجُمُوهُ»)؛ أي: ارموه بالحجارة حتى يموت، قال النوويّ - ﵀ -: فيه جوار استنابة الإمام من يقيم الحدّ، قال العلماء: لا يستوفي الحد إلا الإمام، أو مَن فَوَّض ذلك إليه، وفيه دليل على أنه يكفي الرجم، ولا يُجلد معه، وقد سبق بيان الخلاف في هذا. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن الراجح الجمع بين الجلد والرجم؛ لقوّة دليله، فتنبّه. وقوله: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) هو موصول بالسند الماضي، كما قال الحافظ في «الفتح» ، وليس معلّقًا، كما قال بعضهم ، فتنبّه. (فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ -، قد أصَرَّ يونس، ومعمر في روايتهما بأنه أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، فكأن الحديث كان عند أبي سلمة عن أبي هريرة، كما عند سعيد بن المسيِّب، وعنده زيادة عليه عن جابر - ﵁ -. (يَقُولُ: فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى)؛ أي: بالمكان الذي تصلّى فيه صلاة الجنائز، وفي رواية معمر: «فأمر به، فرُجِم بالمصلى»، قال النوويّ: قال البخاريّ وغيره من العلماء: فيه دليل على أن مصلى الجنائز والأعياد، إذا لم يكن قد وُقِفَ مسجدًا لا يثبت له حكم المسجد؛ إذ لو كان له حكم المسجد تجنب الرجم فيه، وتلطخه بالدماء والميتة، قالوا: والمراد بالمصلَّى هنا مصلى الجنائز، ولهذا قال في الرواية الأخرى: «في بَقِيع الغَرْقد»، وهو موضع الجنائز بالمدينة، وذكر الدارميّ من أصحابنا أن المصلى الذي للعيد ولغيره إذا لم يكن مسجدًا، هل يثبت له حكم المسجد؟ فيه وجهان: أصحهما: ليس له حكم المسجد، والله أعلم. انتهى . وفي حديث أبي سعيد: «فما أوثقناه، ولا حَفَرنا له، قال: فرميناه بالعظام، والمدَر، والخزَف - بفتح المعجمة، والزاي، وبالفاء - وهي الآنية التي تُتَّخَذ من الطين المشويّ، وكأن المراد: ما تَكَسَّر منها. (فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ) - بذال معجمة، وفتح اللام، بعدها قاف - أي: أقلقته، بوزنه ومعناه، قال أهل اللغة: الذَّلَق - بالتحريك -: الْقَلَق، وممن ذَكَره الجوهريّ، وقال في«النهاية»: أذلقته: بلغت منه الجهد، حتى قَلِقَ، يقال: أذلقه الشيءُ: أجهده، وقال النوويّ: معنى أذلقته الحجارة: أصابته بحدّها، ومنه انذَلَقَ: صار له حَدٌّ يَقطَع . (هَرَبَ)، وفي رواية ابن مسافر عند البخاريّ:«جَمَزَ»- بجيم، وميم مفتوحتين، ثم زاي - أي: وَثَبَ مُسرعًا، وليس بالشديد العَدْوِ، بل كالقَفْز، ووقع في حديث أبي سعيد:«فاشتدّ، وأسند لنا خلفه»، (فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ) - بفتح الحاء، وتشديد الراء - الأرض ذات الحجارة السُّود، (فَرَجَمْنَاهُ) زاد معمر في روايته:«حتى مات»، وفي حديث أبي سعيد:«حتى أتى عُرْض - بضم أوله - أي: جانب الحرّة، فرميناه بجلاميد الحرّة، حتى سكت»، وعند الترمذيّ من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، في قصة ماعز:«فلمّا وَجَدَ مَسَّ الحجارة، فَرَّ يشتدّ حتى مر برجل معه لَحيُ جَمَلٍ، فضربه، وضربه الناس حتى مات». وعند أبي داود، والنسائيّ من رواية يزيد بن نعيم بن هَزّال، عن أبيه، في هذه القصة:«فَوَجد مسّ الحجارة، فخرج يشتدّ، فلقيه عبد الله بن أنيس، وقد عجز أصحابه، فَنَزَع له بوظيف بعير، فرماه، فقتله». وهذا ظاهره يخالف ظاهر رواية أبي هريرة، أنهم ضربوه معه، لكن يُجْمَع بأن قوله في هذا:«فقتله»؛ أي: كان سببًا في قتله. وقد وقع في رواية للطبرانيّ في هذه القصة:«فضرب ساقه، فصرعه، ورجموه، حتى قتلوه»، والوظيف بمعجمة، وزانُ عظيم: خُفّ البعير، وقيل: مُستدقّ الذراع والساق، من الإبل، وغيرها. وفي حديث أبي هريرة، عند النسائيّ:«فانتهى إلى أصل شجرة، فتوسد يمينه، حتى قُتِل»، وللنسائيّ من طريق أبي مالك، عن رجل من أصحاب رسول الله - ﷺ -:«فذهبوا به إلى حائط، يبلغ صدره، فذهب يَثِب، فرماه رجل، فأصاب أصل أذنه، فصُرِع، فقتله»، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة وجابر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٤٤١٢ و٤٤١٣ و٤٤١٤ و٤٤١٥] (١٦٩١)، و(البخاريّ) في«النكاح»(٥٢٧٠ و٥٢٧٢) و«الحدود»(٦٨١٤ و٦٨١٦ و٦٨٢٠ و٦٨٢٦ و٧١٦٨)، و(أبو داود) في«الحدود»(٤٤٣٠)، و(الترمذيّ) في«الحدود»(١٤٢٩)، و(النسائيّ) في«الجنائز»(٤/ ٦٢ - ٦٣) و«الكبرى»(١/ ٦٣٥ و٤/ ٢٧٦ و٢٨٠)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(١٣٣٣٦ و١٣٣٣٧)، و(أحمد) في«مسنده»(٣/ ٣٢٣)، و(الدارميّ) في«سننه»(٢/ ١٧٦)، و(ابن الجارود) في«المنتقى»(١/ ٢٠٦)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٧/ ٣٦٢)، و(الدارقطنيّ) في«سننه»(٣/ ١٢٧)، و(أبو عوانة) في«مسنده»(٤/ ١٢٤ و١٢٥ و١٢٦)، و(الطبرانيّ) في«الأوسط»(٦/ ٢٤)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٨/ ٢١٨ و٢٢٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة الاعتراف بالزنا، وأنه يقام عليه الحدّ بذلك. ٢ - (ومنها): أن فيه منقبةً عظيمةً لماعز بن مالك - ﵁ -؛ لأنه استمرّ على طلب إقامة الحدّ عليه، مع توبته؛ لِيَتِمّ تطهيره، ولم يرجع عن إقراره، مع أن الطبع البشريّ يقتضي أنه لا يستمرّ على الإقرار بما يقتضي إزهاق نفسه، فجاهد نفسه على ذلك، وقَوِي عليها، وأقر من غير اضطرار إلى إقامة ذلك عليه بالشهادة، مع وضوح الطريق إلى سلامته من القتل بالتوبة، ولا يقال: لعله لم يعلم أن الحدّ بعد أن يُرْفَع للإمام يرتفع بالرجوع؛ لأنا نقول: كان له طريق أن يُبرِز أمره في صورة الاستفتاء، فيعلم ما يخفى عليه من أحكام المسألة، ويبنى على ما يجاب به، ويعدل عن الإقرار إلى ذلك. ٣ - (ومنها): أنه يستحب لمن وقع في مثل قضية ماعز - ﵁ - أن يتوب إلى الله تعالى، ويستر نفسه، ولا يذكر ذلك لأحد، كما أشار به أبو بكر وعمر على ماعز - ﵃ -، وأن من اطَّلَع على ذلك يَستر عليه بما ذكرنا، ولا يَفْضَحه، ولا يرفعه إلى الإمام، كما جرت لماعز مع أبي بكر، وعمر - ﵃ -، فقد أخرج قصّته معهما مالك في «الموطّأ» عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيِّب مرسلةً، ووصله أبو داود وغيره من رواية يزيد بن نُعيم بن هَزّال، عن أبيه، وفي القصّة أنه - ﷺ - قال لهزّال: «لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك»، وفي «الموطّأ» عن يحيى بن سعيد: ذكرت هذا الحديث في مجلس، فيه يزيد بن نُعيم، فقال: هزّالٌ جدّي، وهذا الحديث حقّ. قال الباجيّ - ﵀ -: المعنى: كان خيرًا لك مما أمرته به من إظهار أمره، وكان سَتْره بأن يأمره بالتوبة، والكتمان، كما أمره به أبو بكر وعمر - ﵄ -، وذِكرُ الثوب مبالغةٌ؛ أي: لو لم تجد السبيل إلى ستره إلا بردائك، ممن لا يَعلم أمره كان أفضل مما أشرت به عليه من الإظهار. وباستحباب السر جزم الشافعيّ - ﵀ -، فقال: أُحِبّ لمن أصاب ذنبًا، فستره الله عليه، أن يستره على نفسه، ويتوب، واحتَجَّ بقصة ماعز مع أبي بكر وعمر - ﵃ -. وقال ابن العربيّ - ﵀ -: هذا كله في غير المجاهِر، فأما إذا كان متظاهرًا بالفاحشة، مجاهرًا، فإني أحبّ مكاشفته، والتبريح به؛ لينزجر هو وغيره. [تنبيه]: قد استُشكِلَ استحباب الستر، مع ما وقع من الثناء على ماعز والغامدية - ﵄ -. وأجاب الحافظ العراقيّ - ﵀ - في «شرح الترمذي» بأن الغامدية كان ظهر بها الحبل، مع كونها غير ذات زوج، فتعذر الاستتار؛ للاطلاع على ما يُشعر بالفاحشة، ومن ثَمّ قيَّد بعضهم ترجيح الاستتار، حيث لا يكون هناك ما يُشعر بضدّه، وإن وُجِد فالرفع إلى الإمام؛ ليقيم عليه الحدّ أفضل. انتهى. قال الحافظ - ﵀ -: والذي يظهر أن الستر مستحبّ، والرفع لقصد المبالغة في التطهير أحبّ، والعلم عند الله تعالى. ٤ - (ومنها): أن فيه التثبتَ في إزهاق نفس المسلم، والمبالغة في صيانته؛ لِمَا وقع في هذه القصة من ترديده، والإيماء إليه بالرجوع، والإشارة إلى قبول دعواه، إن ادَّعَى إكراهًا، وأخطأ في معنى الزنا، أو مباشرة دون الفرج مثلًا، أو غير ذلك. ٥ - (ومنها): أن فيه مشروعيةَ الإقرار بفعل الفاحشة عند الإمام، وفي المسجد، والتصريح فيه، بما يُستحيَى من التلفظ به، من أنواع الرفَث في القول، من أجل الحاجة الملجئة لذلك. ٦ - (ومنها): مشروعيّة نداء الكبير بالصوت العالي؛ للحاجة. ٧ - (ومنها): إعراض الإمام عمّن أقر بأمر مُحْتَمِل لإقامة الحدّ؛ لاحتمال أن يفسره بما لا يوجب حدًّا، أو يرجع، واستفساره عن شروط ذلك؛ ليرتب عليه مقتضاه. ٨ - (ومنها): أن إقرار المجنون لاغٍ. ٩ - (ومنها): استحباب التعريض للمقرّ بأن يرجع، وأنه إذا رجع قُبِل. قال ابن العربيّ: وجاء عن مالك رواية أنه لا أثر لرجوعه، وحديث النبيّ - ﷺ - أحقّ أن يتّبع. ١٠ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على اشتراط تكرير الإقرار بالزنا أربعًا؛ لظاهر قوله: «فلما شَهِد على نفسه أربع شهادات»، فإن فيه إشعارًا بأن العدد هو العلة في تأخير إقامة الحدّ عليه، وإلا لأَمَر برجمه في أول مرة، ولأن في حديث ابن عباس قال لماعز: «قد شَهِدتَ على نفسك أربع شهادات، اذهبوا به، فارجموه»، ويؤيده القياس على عدد شهود الزنا دون غيره من الحدود، وهو قول الكوفيين، والراجح عند الحنابلة، وزاد ابن أبي ليلى، فاشترط أن تتعدد مجالس الإقرار، وهي رواية عن الحنفية، وتمسكوا بصورة الواقعة، لكن الروايات فيها اختلفت. قال الحافظ: والذي يظهر أن المجالس تعددت، لكن لا بعدد الإقرار، فأكثر ما نُقِل في ذلك أنه أقر مرتين، ثم عاد من الغد، فأقر مرتين، كما تقدم بيانه. وتأول الجمهور بأن ذلك وقع في قصة ماعز، وهي واقعة حال، فجاز أن يكون لزيادة الاستثبات، ويؤيد هذا الجواب ما تقدم في سياق حديث أبي هريرة - ﵁ -، وما يأتي في قصة الغامدية حيث قالت لَمّا جاءت: «طهرني، فقال: ويحك ارجعي، فاستغفري، قالت: أراك تريد أن تردّدني كما رددت ماعزًا، إنها حبلى من الزنا»، فلم يؤخر إقامة الحدّ عليها إلا لكونها حبلى، فلما وَضعت أمَر برجمها، ولم يستفسرها مرة أخرى، ولا اعتبر تكرير إقرارها، ولا تعدد المجالس، وكذا وقع في قصّة العَسِيف الآتي أيضًا، حيث قال: «واغْدُ يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها - وفيه -: فغدا عليها، فاعترفت، فرجمها»، ولم يذكر تعدد الاعتراف، ولا المجالس، وسيأتي قريبًا مع شرحه مستوفًى. وأجابوا عن القياس المذكور بأن القتل لا يُقبل فيه إلا شاهدان، بخلاف سائر الأموال، فيُقبل فيها شاهد وامرأتان، فكان قياس ذلك أن يُشترط الإقرار بالقتل مرتين، وقد اتفقوا أنه يكفي فيه مرة. [فإن قلت]: والاستدلال بمجرد عدم الذِّكر في قصة العسيف وغيره فيه نظر، فإن عدم الذكر لا يدل على عدم الوقوع، فإذا ثبت كون العدد شرطًا فالسكوت عن ذِكره يَحْتَمِل أن يكون لِعِلم المأمور به، وأما قول الغامدية: تريد أن ترددني كما رددت ماعزًا، فيمكن التمسك به، لكن أجاب الطيبيّ بأن قولها: «إنها حبلى من الزنا»، فيه إشارة إلى أن حالها مغايرة لحال ماعز؛ لأنهما وإن اشتركا في الزنا، لكن العلة غير جامعة؛ لأن ماعزًا كان متمكنًا من الرجوع عن إقراره، بخلافها، فكأنها قالت: أنا غير متمكنة من الإنكار بعد الإقرار؛ لظهور الحمل بها بخلافه. وتُعُقِّب بأنه كان يمكنها أن تَدَّعي إكراهًا، أو خطأً، أو شبهةً. والحاصل أن ما ذهب إليه الجمهور من عدم اشتراط أربع مرّات في الإقرار لا يخفى قوّته، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. ١١ - (ومنها): أن الإمام لا يُشترط أن يبدأ بالرجم فيمن أقرّ، وإن كان ذلك مستحبًّا؛ لأن الإمام إذا بدأ مع كونه مأمورًا بالتثبت، والاحتياط فيه كان ذلك أدعى إلى الزجر عن التساهل في الحكم، وإلى الحضّ على التثبت في الحكم، ولهذا يبدأ الشهود إذا ثبت الرجم بالبينة. ١٢ - (ومنها): جواز تفويض الإمام إقامة الحد لغيره. ١٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أنه لا يُشترط الحفر للمرجوم؛ لأنه لم يُذْكَر في حديث الباب، بل وقع التصريح في حديث أبي سعيد الآتي: «قال: فما حفرنا له، ولا أوثقناه»، ولكن وقع في حديث بريدة الآتي: «فحُفِر له حفيرة». ويمكن الجمع بأن المنفي حَفِيرة لا يمكنه الوثوب منها، والمثبت عكسه، أو أنهم في أول الأمر لم يحفروا له، ثم لما فَرّ، فأدركوه حفروا له حفيرة، فانتصب لهم فيها حتى فرغوا منه، وعند الشافعية: لا يُحفر للرجل، وفي وجهٍ: يتخير الإمام، وهو أرجح؛ لثبوته في قصة ماعز، فالمثبِت مقدم على النافي، وقد جُمِع بينهما بما دلّ على وجود حَفْر في الجملة، وفي المرأة أَوْجُه: ثالثها الأصحّ: إن ثبت زناها بالبينة استُحِب، لا بالإقرار، وعن الأئمة الثلاثة في المشهور عنهم: لا يُحفر، وقال أبو يوسف، وأبو ثور: يُحفر للرجل وللمرأة. ١٤ - (ومنها): جواز تلقين المقرّ بما يوجب الحدّ ما يدفع به عنه الحدّ، وأن الحد لا يجب إلا بالإقرار الصريح، ومن ثم شُرِط على من شهد بالزنا أن يقول: رأيته وَلَج ذَكَره في فرجها، أو ما أشبه ذلك، ولا يكفي أن يقول: أشهد أنه زَنَا، وثبت عن جماعة من الصحابة تلقين المقرّ بالحدّ، كما أخرجه مالك عن عمرو بن أبي شيبة، عن أبي الدرداء، وعن عليّ في قصة شراحة، ومنهم من خَصّ التلقين بمن يُظَنّ به أنه يَجهل حكم الزنا، وهو قول أبي ثور، وعند المالكية: يستثنى تلقين المشتهِر بانتهاك الحرمات، ويجوز تلقين من عداه، وليس ذلك بشرط. ١٥ - (ومنها): تركُ سَجْن من اعتراف بالزنا في مدة الاستثبات، وفي الحامل حتى تضع، وقيل: إن المدينة لم يكن بها حينئذ سجن، وإنما كان يُسَلّم كل جانٍ لوليّه، وقال ابن العربيّ: إنما لم يأمر بسجنه، ولا التوكيل به؛ لأن رجوعه مقبول، فلا فائدة في ذلك مع جواز الإعراض عنه إذا رجع. ١٦ - (ومنها): أنه يؤخذ من قوله - ﷺ -: «هل أَحْصنتَ؟» وجوب الاستفسار عن الحال التي تختلف الأحكام باختلافها. ١٧ - (ومنها): أن إقرار السكران لا أثر له، يؤخذ من قوله: «استنكهوه»، والذين اعتبروه، وقالوا: إن عقله زال بمعصيته، ولا دلالة في قصة ماعز؛ لاحتمال تقدّمها على تحريم الخمر، أو أن سُكْره وقع عن غير معصية. ١٨ - (ومنها): أن المقر بالزنا إذا هَرَبَ يُترَك، فإن صرَّح بالرجوع فذاك، وإلا اتُّبِع، ورُجِم، وهو قول الشافعيّ، وأحمد، ودلالته من قصة ماعز ظاهرة، وقد وقع في حديث نعيم بن هَزّال: «هلا تركتموه، لعله يتوب، فيتوب الله عليه»، أخرجه أبو داود، وصححه الحاكم، وللترمذيّ نحوه من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وصححه الحاكم أيضًا، وعند أبي داود من حديث بُريدة - ﵁ - قال: «كنا أصحاب رسول الله - ﷺ - نتحدث أن ماعزًا، والغامدية لو رجعا لم يطلبهما»، وعند المالكية في المشهور، لا يُتْرَك إذا هَرَبَ، وقيل: يشترط أن يؤخذ على الفور، فإن لم يؤخذ تُرِك، وعن ابن عيينة: إن أُخذ في الحال كمل عليه الحدّ، وإن أُخذ بعد أيام تُرِك، وعن أشهب: إن ذَكَر عذرًا يُقبل تُرك، وإلا فلا، ونقله القعنبي عن مالك، وحكى الكجي عنه قولين فيمن رجع إلى شبهة، ومنهم من قيّده بما بعدَ إقراره عند الحاكم، واحتجوا بأن الذين رجموه حتى مات بعد أن هَرَب لم يُلْزَموا بديته، فلو شُرع تَرْكه لوجبت عليهم الدية. والجواب أنه لم يُصَرّح بالرجوع، ولم يقل أحد: إن حد الرجم يسقط بمجرد الهرب، وقد عَبَّر في حديث بُريدة بقوله: «لعله يتوب». ١٩ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على الاكتفاء بالرجم في حدّ من أُحصن من غير جَلْد، وقد تقدم البحث فيه. ٢٠ - (ومنها): أن المصلَّى إذا لم يكن وقفًا لا يثبت له حكم المسجد. ٢١ - (ومنها): أن المرجوم في الحدّ لا تُشرع الصلاة عليه إذا مات بالحدّ، وقد استوفيت البحث فيه في «شرح النسائيّ»، فراجعه تستفد ، وبالله تعالى التوفيق. ٢٢ - (ومنها): أن من وُجد منه ريح الخمر وجب عليه الحد من جهة استنكاه ماعز بعد أن قال له: «أشربت خمرًا؟»، قال القرطبيّ: وهو قول مالك، والشافعيّ، كذا قال. ٢٣ - (ومنها) ما قال المازريّ: استَدَلّ به بعضهم على أن طلاق السكران لا يقع. وتعقبه عياض بأنه لا يلزم من درء الحدّ به أنه لا يقع طلاقه؛ لوجود تهمته على ما يظهره من عدم العقل، قال: ولم يُختلَف في غير الطافح أن طلاقه لازم، قال: ومذهبنا التزامه بجميع أحكام الصحيح؛ لأنه أدخل ذلك على نفسه، وهو حقيقة مذهب الشافعيّ، واستثنى من أُكره، ومن شرب ما ظَنّ أنه غير مُسْكِر، ووافقه بعض متأخري المالكية، وقال النوويّ: الصحيح عندنا صحة إقرار السكران، ونفوذ أقواله فيما له وعليه، قال: والسؤال عن شربه الخمر محمول عندنا على أنه لو كان سكرانًا لم يُقَم عليه الحد، كذا أَطْلَق، فأُلزم التناقض، وليس كذلك، فإن مراده: لم يُقَم عليه الحد؛ لوجود الشبهة كما تقدم من كلام عياض. ومن المذاهب الظريفة فيه قول الليث: يُعْمَل بأفعاله، ولا يُعْمَل بأقواله؛ لأنه يلتذ بفعله، ويَشفِي غيظه، ولا يفقه أكثر ما يقول، وقد قال تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، ذكر هذا كلّه في «الفتح» ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [٤٤١٣] (. . .) - (قَالَ مُسْلِمٌ : وَرَوَاهُ اللَّيْثُ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ) ويقال: اسم جدّه ثابت بن مسافر، ويقال غير ذلك، أبو خالد، ويقال: أبو الوليد الْفَهميّ، أمير مصر، صدوقٌ [٧]. رَوَى عن الزهريّ، وروى عنه الليث بن سعد، ويحيى بن أيوب المصريّ. قال ابن معين: كان على مصر، وكان عنده عن الزهريّ كتاب فيه مائتا حديث، أو ثلاث مائة، كان الليث يحدّث بها عنه، وكان جدّه شَهِد فتح بيت المقدس مع عمر، وقال أبو حاتم: صالح، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال العجليّ: مصريّ ثقة، وقال الذهليّ: ثبت، وقال الدارقطنيّ: ثقةٌ، وقال الساجيّ: هو عندهم من أهل الصدق، وله مناكير، وقرنه النسائيّ في طبقات أصحاب الزهريّ بابن أبي ذئب وغيره، وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال ابن يونس: كانت ولايته على مصر سنة (١١٨)، وعُزل سنة (١٩) وكان ثبتًا في الحديث، يقال: توفي سنة سبع وعشرين ومائة، وجزم القرّاب، وابن حبان بوفاته سنة سبع. استَشهد به مسلم في حديث واحد: «أرأيتم ليلتكم هذه». أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في «المراسيل»، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٦٩١) تعليقًا، واستشهد به في حديث (٢٥٣٧): «أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد. . .» الحديث. والباقيان ذُكرا في السند الماضي. [تنبيه]: هكذا أورد المصنّف - ﵀ - هذا الإسناد معلّقًا، وأحاله على ما قبله، وقد وصله البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»، وساقه تمامًا، فقال: (٦٤٣٩) - حدّثنا سعيد بن عُفير، قال: حدّثني الليث، حدّثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن ابن المسيِّب، وأبي سلمة، أن أبا هريرة قال: أَتَى رسول الله - ﷺ - رجل من الناس، وهو في المسجد، فناداه: يا رسول الله، إني زنيت - يريد نفسه - فأعرض عنه النبيّ - ﷺ -، فتنحى لشقّ وجهه الذي أعرض قِبَلَهُ، فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه، فجاء لشقّ وجه النبيّ - ﷺ - الذي أعرض عنه، فلما شَهِد على نفسه أربع شهادات، دعاه النبيّ - ﷺ -، فقال: «أبك جنون؟» قال: لا يا رسول الله، فقال: «أَحْصَنْتَ؟» قال: نعم يا رسول الله، قال: «اذهبوا به، فارجموه»، قال ابن شهاب: أخبرني من سمع جابرًا قال: فكنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمصلَّى، فلما أذلقته الحجارة جَمَزَ، حتى أدركناه بالحرّة، فرجمناه«. انتهى. وقوله:«جَمَز»بالجيم، من باب ضرب: عدا، وأسرع، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: قال الحافظ الرشيد العطّار - ﵀ - في كتابه«غرر الفوائد المجموعة»: أخرج مسلم في«كتاب الحدود»، حديث الليث بن سعد مقطوعًا، عن عبد الرحمن بن خالد، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، وأبي سلمة كليهما عن أبي هريرة، أنه قال: أَتَى رجل من المسلمين رسول الله - ﷺ -، وهو في المسجد، فناداه، فقال: يا رسول الله، إني زنيت فأعرض عنه. . . الحديث. قال ابن شهاب: أخبرني من سمع جابرًا قال: فكنت فيمن رجمه فرجمناه بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة جَمَزَ حتى أدركناه بالحرّة فرجمناه. هكذا أورده البخاريّ في باب سؤال الإمام المُقِرَّ: هل أَحْصَنتَ؟ فثبت اتصاله من هذا الوجه الآخر - والحمد لله -. والرجل المرجوم المبهم اسمه في هذا الحديث هو ماعز بن مالك الأسلميّ، وقد جاء مسمى هكذا في «الصحيح» من حديث أبي سعيد الخدريّ، وبُريدة بن الْحُصيب، وغيرهما، وذكر بعض العلماء أنه لا خلاف بين أصحاب الحديث في ذلك. وقيل: إن ماعزًا لقب له، واسمه عريب بن مالك، حكى ذلك الحافظ أبو القاسم خلف بن عبد الملك القرطبي، وعزاه إلى الحافظين أبي عليّ بن السكن، وأبي الوليد ابن الفرضيّ، والله أعلم. وفي «سنن أبي داود»: أن ماعزًا كان يتيمًا في حِجر هزال الأسلمي، وأنه الذي عنى النبيّ - ﷺ - بقوله لهزال: «يا هزال لو سترته بردائك كان خيرًا لك». وقول الزهري: فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله يقول: فكنت فيمن رجمه، يدخل في باب المقطوع على مذهب من يرى ذلك كما تقدم بيانه، ويَحْتَمِل أن يكون المخبِر للزهري هو أبو سلمة بن عبد الرحمن؛ لأن مسلمًا أخرج بعد حديث عُقيل عن الزهري الذي ذكرناه أوّلًا حديث يونس ومعمر وغيرهما عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن جابر، عن النبيّ - ﷺ -، وقال: نحو حديث عُقيل عن الزهريّ، عن سعيد، وأبي سلمة عن أبي هريرة، والله - ﷿ - أعلم. وقوله: «أذلقته الحجارة»؛ يعني: بلغت به الجهد، ومعناه: أوجعته وأوهنته، وقيل: أصابته بحدّها فعَقَرته، ومعنى الجميع متقارب، وقوله: «جَمَزَ»: معناه: أسرع يُهروِل، والْجَمَزى: ضرب من السير؛ كأنه قَفَز، ويقال: جَمَز وأجمز، والله الموفق. انتهى كلام الرشيد العطّار - ﵀ - . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٤١٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ أَيْضًا، وَفِي حَدِيثِهِمَا جَمِيعًا: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، كَمَا ذَكَرَ عُقَيْلٌ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) تقدم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الْبَهْرانيّ الحمصيّ، ثقةٌ ثبتٌ، يقال: إن أكثر حديثه عن شعيب بن أبي حمزة مناولة [١٠] (ت ٢٢٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٦. ٣ - (شُعَيْبُ) بن أبي حمزة دينار الأمويّ مولاهم، أبو بشر الحمصيّ، ثقةٌ عابدٌ، من أثبت الناس في الزهريّ [٧] (ت ١٦٢) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٦. و«الزهريّ» ذُكر قبله. وقوله: (وَفِي حَدِيثِهِمَا جَمِيعًا) الضمير لعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، وشعيب بن أبي حمزة. [تنبيه]: رواية شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ هذه، ساقها أبو عوانة - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (٦٢٦٢) - حدّثنا محمد بن يحيى، قثنا أبو اليمان، قثنا شعيب، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، وسعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: أَتَى رجل من أسْلَمَ النبيَّ - ﷺ -، وهو في المسجد، فناداه، فقال: يا رسول الله، إن الآخر زنا - يعني: نفسه - فأعرض عنه النبيّ - ﷺ -، فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قِبَلَهُ، فقال: يا رسول الله، إن الآخر قد زنا، فاعرض عنه النبيّ - ﷺ -، فتنحى لِشقّ وجهه الذي أعرض من قِبَلِهِ، فقال: يا رسول الله، إن الآخر زنا، فأعرض عنه رسول الله - ﷺ -، فتنحى إلى الرابعة، فلمّا شَهِد على نفسه أربع مرات، دعاه رسول الله - ﷺ -، فقال: «هل بك جنون؟» فقال: لا، فقال النبيّ - ﷺ -: «اذهبوا به، فارجموه»، وكان قد أَحْصَنَ. قال الزهريّ: فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله الأنصاريّ قال: كنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمدينة بالمصلَّى، فلما أذلقته الحجارة جَمَزَ، حتى أدركناه بالحرّة، فرجمناه حتى مات. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٤١٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النبيّ - ﷺ - نَحْوَ رِوَايَةِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو: ابن راهويه، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضًا قبل بابين. ٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا في الباب والباب الماضي. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ)؛ يعني: كلّ هؤلاء الثلاثة، وهم: يونس بن يزيد الأيليّ، ومعمر بن راشد، وابن جريج. [تنبيه]: رواية يونس، عن الزهريّ، ساقها أبو عوانة - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (٦٢٦٤) - حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله، أن رجلًا من أسلم، أتى رسول الله - ﷺ -، وهو في المسجد، فناداه، فحدثه أنه زنا، فأعرض عنه رسول الله - ﷺ -، فتنحى لشقه الذي أعرض قِبَلَه، فأخبره بأنه زنا، وشَهِد على نفسه أربع مرات، فدعاه رسول الله - ﷺ -، فقال: «هل بك جنون؟» قال: لا، قال: «فهل أَحْصَنت؟» قال: نعم، فأَمَر به رسول الله - ﷺ - أن يُرْجَم بالمصلَّى، فلما أذلقته الحجارة جَمَزَ، حتى أُدْرِكَ بالحرّة، فقُتِل بها رَجْمًا. انتهى . وأما رواية معمر، عن الزهريّ، فساقها البخاريّ - ﵀ - في «صحيحه»، فقال: (٦٤٣٤) - حدّثني محمود، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن جابر، أن رجلًا من أسلم، جاء النبيّ - ﷺ -، فاعتَرَف بالزنا، فأَعْرض عنه النبيّ - ﷺ - حتى شَهِد على نفسه أربع مرات، قال له النبيّ - ﷺ -: «أبك جنون؟» قال: لا، قال: «أَحْصَنتَ؟» قال: نعم، فأَمَر به، فرُجِم بالمصلَّى، فلما أذلقته الحجارة فَرّ، فأُدْرِك، فرُجِم حتى مات، فقال له النبيّ - ﷺ - خيرًا، وصلَّى عليه، لم يقل يونس، وابن جريج، عن الزهريّ: فصلى عليه، سئل أبو عبد الله، هل قوله: فصلى عليه يصح أم لا؟ قال: رواه معمر، قيل له: رواه غير معمر؟ قال: لا. انتهى. وقوله: «فقال له النبيّ - ﷺ - خيرًا»؛ أي: ذَكَره بجميل، ووقع في حديث أبي سعيد الآتي: «فما استغفر له، ولا سبَّه»، وفي حديث بريدة الآتي أيضًا: «فكان الناس فيه فرقتين: قائل يقول: لقد هلك، لقد أحاطت به خطيئته، وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز، فَلَبِثوا ثلاثًا، ثم جاء رسول الله - ﷺ -، فقال: استغفروا لماعز بن مالك»، وفي حديث بريدة أيضًا: «لقد تاب توبةً، لو قُسمت على أُمَّة لَوَسِعتهم»، وفي حديث أبي هريرة عند النسائيّ: «لقد رأيته بين أنهار الجنة ينغمس»، وفي حديث جابر عند أبي عوانة: «فقد رأيته يتخضخض في أنهار الجنة»، وفي حديث اللجلاج عند أبي داود، والنسائيّ: «ولا تقل له: خبيث، لَهُو عند الله أطيب من ريح المسك»، وفي حديث أبي الفيل عند الترمذيّ: «لا تشتمه»، وفي حديث أبي ذرّ عند أحمد: «قد غُفِر له، وأُدخل الجنة»، ذكره في «الفتح» . وقوله: «وصلى عليه»: قال في «الفتح»: هكذا وقع هنا عن محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق، وخالفه محمد بن يحيى الذُّهليّ، وجماعة، عن عبد الرزاق، فقالوا في آخره: «ولم يصلِّ عليه». قال المنذريّ في «حاشية السنن»: رواه ثمانية أنفس عن عبد الرزاق، فلم يذكروا قوله: «وصلى عليه». قال الحافظ: قد أخرجه أحمد في «مسنده» عن عبد الرزاق، ومسلم عن إسحاق بن راهويه، وأبو داود، عن محمد بن المتوكل العسقلانيّ، وابن حبان من طريقه، زاد أبو داود: والحسن بن عليّ الخلال، والترمذيّ عن الحسن بن عليّ المذكور، والنسائيّ، وابن الجارود، عن محمد بن يحيى الذُّهليّ، زاد النسائيّ: ومحمد بن رافع، ونوح بن حبيب، والإسماعيليّ، والدارقطنيّ من طريق أحمد بن منصور الرماديّ، زاد الإسماعيليّ: ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه، وأخرجه أبو عوانة عن الدَّبَريّ، ومحمد بن سهل الصغاني، فهؤلاء أكثر من عشرة أنفس، خالفوا محمودًا، منهم من سكت عن الزيادة، ومنهم من صرّح بنفيها. انتهى. وقوله: «سئل أبو عبد الله، هل قوله: فصلى عليه، يصح أم لا؟ قال: رواه معمر، قيل له: هل رواه غير معمر؟ قال: لا». قال الحافظ - ﵀ -: وقع هذا الكلام في رواية المستملي وحده، عن الفربريّ، وأبو عبد الله هو البخاريّ، وقد اعتُرِض عليه في جزمه بأن معمرًا روى هذه الزيادة، مع أن المنفرد بها إنما هو محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق، وقد خالفه العدد الكثير من الحفاظ، فصرّحوا بأنه لم يصلّ عليه، لكن ظهر لي أن البخاريّ قَوِيت عنده رواية محمود بالشواهد، فقد أخرج عبد الرزاق أيضًا، وهو في «السنن» لأبي قُرّة من وجه آخر، عن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف في قصة ماعز، قال: «فقيل: يا رسول الله أتصلي عليه؟ قال: لا، قال: فلما كان من الغد قال: صلوا على صاحبكم، فصلى عليه رسول الله - ﷺ - والناس». فهذا الخبر يجمع الاختلاف، فتُحْمَل رواية النفي على أنه لم يصلِّ عليه حين رُجِم، ورواية الإثبات على أنه - ﷺ - صلى عليه في اليوم الثاني، وكذا طريق الجمع لِمَا أخرجه أبو داود، عن بُريدة، أن النبيّ - ﷺ - لم يأمر بالصلاة على ماعز، ولم ينه عن الصلاة عليه، ويتأيد بما أخرجه مسلم من حديث عمران بن حصين في قصة الجهنية التي زَنَت، ورُجِمت أن النبيّ - ﷺ - صلى عليها، فقال له عمر: أتصلي عليها، وقد زنت؟ فقال: «لقد تابت توبةً، لو قُسمت بين سبعين لوسعتهم». وحكى المنذريّ قول مَن حمل الصلاة في الخبر على الدعاء، ثم قال: في قصة الجهنية دلالة على توهين هذا الاحتمال، قال: وكذا أجاب النوويّ، فقال: إنه فاسد؛ لأن التأويل لا يصار إليه إلا عند الاضطرار إليه، ولا اضطرار هنا. وقال ابن العربيّ: لم يثبت أن النبيّ - ﷺ - صلى على ماعز، قال: وأجاب من منع عن صلاته على الغامدية؛ لكونها عَرَفت حكم الحدّ، وماعز إنما جاء مستفهمًا، قال: وهو جوابٌ واهٍ، وقيل: لأنه قتله غضبًا لله، وصلاته رحمة، فتنافيا، قال: وهذا فاسد؛ لأن الغضب انتهى، قال: ومحل الرحمة باق. والجواب المرضي أن الإمام حيث ترك الصلاة على المحدود كان ردعًا لغيره، قال الحافظ: وتمامه أن يقال: وحيث صلى عليه يكون هناك قرينة لا يحتاج معها إلى الردع، فيختلف حينئذ باختلاف الأشخاص. وقد اختَلَف أهل العلم في هذه المسألة، فقال مالك: يأمر الإمام بالرجم، ولا يتولاه بنفسه، ولا يُرفع عنه حتى يموت، ويخلي بينه وبين أهله يغسلونه، ويصلّون عليه، ولا يصلي عليه الإمام ردعًا لأهل المعاصي، إذا عَلِموا أنه ممن لا يصلى عليه، ولئلا يجترئ الناس على مِثل فعله، وعن بعض المالكية: يجوز للإمام أن يصلي عليه، وبه قال الجمهور، والمعروف عن مالك أنه يكره للإمام، وأهل الفضل الصلاة على المرجوم، وهو قول أحمد، وعن الشافعيّ: لا يُكره، وهو قول الجمهور، وعن الزهريّ: لا يصلى على المرجوم، ولا على قاتل نفسه، وعن قتادة: لا يصلى على المولود من الزنا، وأَطلق عياض، فقال: لم يختلف العلماء في الصلاة على أهل الفسق، والمعاصي، والمقتولين في الحدود، وإن كَرِه بعضهم ذلك لأهل الفضل، إلا ما ذهب إليه أبو حنيفة في المحارِبين، وما ذهب إليه الحسن في الميتة من نفاس الزنا، وما ذهب إليه الزهريّ، وقتادة. قال: وحديث الباب في قصة الغامدية حجة للجمهور، والله أعلم. انتهى .
مصادر المؤلف (٢٦)

١. «السنن الكبرى» للنسائيّ ٤/ ٢٧٣.

٢. «المصباح المنير» ٢/ ٤٠٣.

٣. «الفتح» ١٥/ ٦١٠، كتاب «الحدود» رقم (٦٨١٥).

٤. «المصباح المنير» ٢/ ٦٩٩ - ٧٠٠.

٥. «الفتح»١٥/ ٦١٠ - ٦١١، كتاب«الحدود»رقم (٦٨١٥).

٦. «شرح النوويّ»١١/ ١٩٣.

٧. راجع: «إكمال المعلم» ٥/ ٥١٠.

٨. «الفتح» ١٥/ ٦١١ - ٦١٢ رقم (٦٨١٥).

٩. «شرح النوويّ» ١١/ ١٩٣.

١٠. «الفتح» ١٥/ ٦١٢، كتاب «الحدود» رقم (٦٨١٥).

١١. راجع: «الفتح» ١٥/ ٦١٢، كتاب «الحدود» رقم (٦٨١٥).

١٢. سيأتي كلام الرشيد العطار في ذلك، وسأتعقّبه هناك - إن شاء الله تعالى - فتنبّه.

١٣. «شرح النوويّ»١١/ ١٩٤.

١٤. «شرح النوويّ»١١/ ١٩٤.

١٥. «الفتح»١٥/ ٦١٣، كتاب«الحدود» رقم (٦٨١٥).

١٦. راجع: «ذخيرة العقبى في شرح المجتبى» ١٩/ ٢٣٦ - ٢٣٧.

١٧. يقال: سكران طافح؛ أي: ملأه الشراب.

١٨. «الفتح» ١٥/ ٦١٣ - ٦١٨، كتاب «الحدود» رقم (٦٨١٤).

١٩. قوله: «قال مسلم» زاده في النسخة الهنديّة، ومسلم هو صاحب الكتاب، فتنبّه.

٢٠. هذا الاحتمال هو الصواب، وأما الأول، فغير صحيح، وقد أوضحت ذلك فيما سبق قريبًا من هذا الشرح، فتنبّه، والله تعالى أعلم.

٢١. «غرر الفوائد المجموعة» ١/ ١٩ - ٢١.

٢٢. وفي نسخة: «أخبرنا».

٢٣. «مسند أبي عوانة» ٤/ ١٢٤.

٢٤. «مسند أبي عوانة» ٤/ ١٢٥.

٢٥. «الفتح» ١٥/ ٦٢٢ - ٦٢٣، كتاب «الحدود» رقم (٦٨٢٠).

٢٦. «الفتح» ١٥/ ٦٢٣ - ٦٢٤، كتاب «الحدود» رقم (٦٨٢٠).