HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٥٥

حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا عكرمة بن عمار. حدثني إياس بن سلمة. حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: غَزَوْنَا فَزَارَةَ وَعَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ. أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْنَا. فَلَمَّا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمَاءِ سَاعَةٌ، أَمَرَنَا أَبُو بَكْرٍ فَعَرَّسْنَا. ثُمَّ شَنَّ الْغَارَةَ. فَوَرَدَ الْمَاءَ. فَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ عَلَيْهِ، وَسَبَى. وَأَنْظُرُ إِلَى عُنُقٍ مِنَ النَّاسِ. فِيهِمُ الذَّرَارِيُّ. فَخَشِيتُ أَنْ يَسْبِقُونِي إِلَى الْجَبَلِ. فَرَمَيْتُ بِسَهْمٍ بَيْنهُمْ وَبَيْنَ الْجَبَلِ. فَلَمَّا رَأَوْا السَّهْمَ وَقَفُوا. فَجِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ. وَفِيهِمُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ. عَلَيْهَا قَشْعٌ مِنْ أَدَمٍ. (قَالَ: الْقَشْعُ النِّطَعُ) مَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا مِنْ أَحْسَنِ الْعَرَبِ. فَسُقْتُهُمْ حَتَّى أَتَيْتُ بِهِمْ أَبَا بَكْرٍ فَنَفَّلَنِي أَبُو بَكْرٍ ابْنَتَهَا. فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا. فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي السُّوقِ. فَقَالَ (يَا سَلَمَةُ! هَبْ لِي الْمَرْأَةَ). فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَاللَّهِ! لَقَدْ أَعْجَبَتْنِي. وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا. ثُمَّ لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْغَدِ فِي السُّوقِ. فَقَالَ لِي (يَا سَلَمَةُ! هَبْ لِي الْمَرْأَةَ. لِلَّهِ أَبُوكَ!) فَقُلْتُ: هِيَ لَكَ. يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَوَاللَّهِ! مَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا. فَبَعَثَ بِهَا رسول الله ﷺ إلى أَهْلِ مَكَّةَ. فَفَدَى بِهَا نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، كانوا أسروا بمكة.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص150
ج ٣ ص ١٣٧٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٠ ص٥٠٦
ذلك السلب. انتهى . قال الحافظ: وما أبداه احتمالًا هو الواقع، فقد وقع في رواية عكرمة بن عمار أن ذلك كان في غزوة هوازن، وقد اشتهر ما وقع فيها بعد ذلك من الغنائم. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١٤) - (بَابُ التَّنْفِيل، وَفدَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِالأَسَارَى) [٤٥٦٣] (١٧٥٥) - (حَدَّثنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَني إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَني أَبِي، قَالَ: غَزَوْنَا فَزَارَةَ، وَعَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ، أمَّرَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَيْنَا، فَلَمَّا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمَاءِ سَاعَةٌ، أَمَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، فَعَرَّسْنَا، ثُمَّ شَنَّ الْغَارَةَ، فَوَرَدَ الْمَاءَ، فَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ عَلَيْه، وَسَبَى، وَأَنْظُرُ إِلَى عُنُقٍ مِنَ النَّاس، فِيهِمُ الذَّرَارِيُّ، فَخَشِيتُ أَنْ يَسْبِقُونِي إِلَى الْجَبَل، فَرَمَيْتُ بسَهْمٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْجَبَل، فَلَمَّا رَأَوُا السَّهْمَ وَقَفُوا، فَجِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ، وَفِيهِمُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ، عَلَيْهَا قِشْعٌ مِنْ أَدَمٍ - قَالَ: الْقِشْعُ: النِّطَعُ - مَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا مِنْ أَحْسَنِ الْعَرَب، فَسُقْتُهُمْ حَتَّى أتيْتُ بِهِمْ أَبَا بَكْرٍ، فَنَفَّلَنِي أَبُو بَكْرٍ ابْنَتَهَا، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا، فَلَقِيَني رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي السُّوق، فَقَالَ: «يَا سَلَمَةُ هَبْ لِي الْمَرْأةَ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، وَاللهِ لَقَدْ أَعْجَبَتْنِي، وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا، ثُمَّ لَقِيَني رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنَ الْغَدِ فِي السُّوق، فَقَالَ لِي: «يَا سَلَمَة هَبْ لِي الْمَرْأةَ لِلَّهِ أَبُوكَ»، فَقُلْتُ: هِيَ لَكَ يَا رَسُولَ الله، فَوَاللهِ مَا كشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا، فَبَعَثَ بِهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ، فَفَدَى بِهَا نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، كَانُوا أُسِرُوا بِمَكَّةَ). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الإسناد الذي سبق قبله نفسه. شرح الحديث: عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ، أنه قال: (حَدَّثَنى أَبِي) سلمة بن الأكوع - ﵁ - (قَالَ: غَزَوْنَا فَزَارَةَ)؛ أي: القبيلة المدعوّة بفزارة - بفتح الفاء، والزاي، آخره راء - وهو: فَزَارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غَطَفَان، وهي قبيلة كبيرة من قيس عيلان، يُنسب إليها خلق كثير، قاله في «اللباب» . [تنبيه]: كانت هذه الغزوة في شعبان سنة سبع من مُهاجَر رسول الله - ﷺ -، قاله ابن سعد - ﵀ - . (وَعَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي: والحال أن الأمير علينا هو أبو بكر الصدّيق - ﵁ -، (أَمَّرَهُ) بشديد الميم؛ أي: جعله أميرًا (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَيْنَا، فَلَمَّا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمَاءِ سَاعَةٌ) مرفوع على أنه اسم «كان»، وخبره الظرف قبله. وقال القاضي عياض - ﷺ -: قوله: «فلما كان بيننا وبين الماء ساعة» كذا للجماعة، وعند الهوزنيّ: «بيننا وبين المساء ساعة»، وكلاهما صحيح؛ لأن الماء موضع اجتماعهم، والمساءُ أيضًا وقت هدوئهم، وسكونهم، واجتماعهم لمائهم، لكن قوله: «أمرنا أبو بكر، فعرّسنا، ثم شنّ الغارة … إلخ» يدلّ على صواب رواية غيره، فإنما يكون التعريس بالليل، وهو النزول فيه، وكذلك الغارات إنما عادَتُهم بها مع الصباح. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن الرواية بلفظ «المساء» غير صحيحة؛ لأن قوله: «عرّسنا» يُبعده، وأيضًا فقد صحّ أنهم أغاروا في الصبح، لا في المساء، ففي «صحيح ابن حبّان»: «فلما صلّينا الصبح أمرنا أبو بكر بشنّ الغارة»، فهذا صريح في أنهم أغاروا في الصبح، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. (أَمَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، فَعَرَّسْنَا) - ﵁ -؛ أي: أمرنا بالتعريس؛ لنستريح من تعب الطريق، حتى نواجه العدوّ بنشاط. وقوله: «فَعَرَّسْنَا»: بتشديد الراء، من التعريس، وهو نزول المسافر آخر الليل؛ للاستراحة قليلًا، ثم يرتحل، قال أبو زيد: وقالوا: عَرّسَ القومُ في المنزل تعريسًا: إذا نزلوا، أي وقت كان من ليل أو نهار . (ثُمَّ شَنَّ الْغَارَةَ)؛ أي: فرّقها، وقيل: صَبّها عليهم صبًّا، كما يقال: شنّ الماء؛ أي: صبّه . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: شَنَنتُ الغارة شَنًّا، من باب قتل: فرّقتها، والمراد: الخيل المغيرة، وأشننتها - بالألف - لغة حكاها في «الْمُجْمَل». انتهى . و«الغارة»: اسمٌ مِن أغار على القوم إغارةً: إذا دَفَع عليهم الخيلَ، كاستغار، وأغار الفرس: اشتَدّ عَدْوُهُ في الغارة وغيرها، أفاده المجد - ﵀ - . وقال أيضًا: شَنّ الغارةَ عليهم: صَبَّها من كل وجه، كأشنّها. انتهى . وفي رواية ابن حبّان: «فلما صلينا الصبح أمرنا أبو بكر بشنّ الغارة، فقتلنا على الماء من قتلنا». (فَوَرَدَ الْمَاءَ، فَقَتَلَ مَنْ قتَلَ عَلَيْهِ)؛ أي: قتل أبو بكر - ﵁ - بعض من وجده من مشركي فزارة على ذلك الماء، (وَسَبَى)؛ أي: أسر بعضهم، يقال: سَبَى العدوَّ سَبْيًا، وسِبَاءً: إذا أسره، كاستباه، فهو سَبِيّ، وهي سبيّة أيضًا، والجمع: سبايا . (وَأَنظُرُ)؛ أي: نظرت، وإنما عبّر بصيغة المضارع؛ لاستحضار الواقعة حال الكلام، (إِلَى عُنُقٍ مِنَ النَّاسِ) قال المجد - ﵀ -: «الْعُنُق» بالضمّ، وبضمّتين، وكأمير، وصُرَد: الْجِيدُ، ويؤنّث، جمعه أعناق، والجماعة من الناس، والرؤساءُ، ومن الْكَرِشِ: أسفلها، والْخُبْز: القطعة منه، ومنه حديث: «المؤذّنون أطول الناس أعناقًا»؛ أي: أكثرهم أعمالًا، أو رُؤَسَاءُ؛ لأنهم يوصفون بطول العنق، ورُوي بكسر الهمزة؛ أي: إسراعًا إلى الجنّة، وفيه أقوال أُخَر. انتهى . والمراد بالعنق هنا: الجماعة، والله تعالى أعلم. وقوله: (فِيهِمُ الذَّرَارِيُّ) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي: والحال أن في جملة الْعُنُق: الذراريّ، وهو بالفتح: جمع ذُرّيّة، قال المجد - ﵀ -: الذّرّيّة - بالضمّ - وُيكسر: وَلَد الرجل، جمعه الذّرّيّات، والذَّرَاري، والنساء، للواحد، والجمع. انتهى . وقال عياض: الذراري كلمة تُطلق عند العرب على الأطفال والنساء. انتهى . (فَخَشِيتُ) بكسر الشين المعجمة، (أَنْ يَسْبِقُونِي إِلَى الْجَبَل، فَرَمَيْتُ بِسَهْمٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْجَبَلِ)؛ أي: ليمنعهم من الصعود فيه، (فَلَمَّا رَأَوُا السَّهْمَ وَقَفُوا)؛ أي: توقّفوا عن الصعود في الجبل خوفًا من أن يُصيبهم بسهامه، وفي التنزيل: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾. (فَجِئْتُ بِهِمْ) عطف على مقدّر؛ أي: فأسَرْتهم، وجئت بهم، وقوله: (أَسُوقُهُمْ) جملة حاليّة، وكذا قوله: (وَفيهِمُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ، عَلَيْهَا قِشْعٌ) بقاف، ثم شين معجمة، ثم عين مهملة، وفي القاف لغتان: الفتح، والكسر، وهما مشهورتان، وفسّره في الكتاب بالنِّطَع، وهو صحيح، قاله النوويّ . وقال القاضي عياض - ﵀ -: قوله: «قشع» رويناه بالفتح عن الأسديّ، وبالكسر عن الصدفيّ، وبالكسر ذكرها الهرويّ، وبالوجهين ذكرها الخطّابيّ، وفسّره في الحديث بالنطع، وهو صحيح، وقشعت الشيء: إذا قشرته. انتهى . وقوله: (مِنْ أَدَمٍ) بيان لـ «القشع»، وهو بفتحتين: جمع أَدِيم، وهو الجلد المدبوغ، ويُجمع أيضًا على أُدُم بضمّتين، وهو القياس، مثلُ بَرِيد وبُرُد . (قَالَ) الراوي، ولم يتبيّن لي من هو؟، والله تعالى أعلم. (الْقِشْعُ: النِّطَعُ) قال الفيّوميّ - ﵀ -: «النِّطع»: المتّخذ من الأديم، معروف، وفيه أربع لغات: فتح النون، وكسرها، ومع كلّ واحد فتح الطاء، وسكونها، والجمع: أنطاع، ونُطُوع. انتهى . وقال المجد - ﵀ -: «النّطع»: بالكسر، وبالفتح، وبالتحريك، وكَعِنَبٍ: بِساطٌ من الأديم، جمعه أنطاعٌ، ونُطُوع. انتهى . (مَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا مِنْ أَحْسَنِ الْعَرَب، فَسُقْتُهُمْ حَتَّى أَتَيْتُ بِهِمْ أبا بَكْرٍ) - ﵁ - (فَنَفَّلَنِي)؛ أي: أعطانيها نافلةً؛ أي: زيادة على ما أعطاني مع الجيش من الغنيمة؛ لِمَا رأى من بلائه، وغَنَائه. (أَبُو بَكْرٍ) - ﵁ - (ابْنَتَهَا) فيه جواز التنفيل، وقد يحتج به من يقول: التنفيل من أصل الغنيمة، وقد يجيب عنه الآخرون بأنه حَسَبَ قيمتها؛ لِيُعَوِّضَ أهلَ الخمس عن حصتهم. (فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا) كناية عن عدم الجماع، وفيه استحباب الكناية عن الجماع بما يُفهِمه. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «وما كشفت لها ثوبًا»: يعني: أنه توقف عن الاستمتاع بها، ينتظر براءتها، أو إسلامها، وسيأتي في «النكاح» قول الحسن: إن عادة الصحابة - ﵁ - كانت إذا سَبَوُا المرأة لم يقربوها حتى تُسلم، وتطّهر. انتهى . (فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي السُّوق، فَقَالَ: «يَا سَلَمَةُ هَبْ لِي الْمَرْأَةَ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، وَاللهِ لَقَدْ أَعْجَبَتْنِي، وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا، ثُمَّ لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنَ الْغَدِ فِي السُّوق، فَقَالَ لِي: «يَا سَلَمَةُ هَبْ لِي الْمَرْأةَ لِلَّهِ أَبُوكَ») قال أبو البقاء: هو في حكم القَسَم، وقال بعضهم: هي كلمة مدح تعتاد العرب الثناء بها، مثل قولهم: لله درّك، فإن الإضافة إلى العظيم تشريف، فإذا وُجد من الولد ما يُحْمَد، يقال: لله أبوك، حيث أتى بمثلك. (فَقُلْتُ: هِيَ لَكَ يَا رَسُولَ الله، فَوَاللهِ مَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا، فَبَعَثَ بِهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ، فَفَدَى بِهَا)؛ أي: استنقذ بتلك المرأة (نَاسًا) اسم وُضع للجمع، كالقوم، والرهط، وواحده إنسان من غير لفظه، وهو مشتقّ من ناس ينوس: إذا تدلّى وتحرّك. (مِنَ الْمُسْلِمِينَ، كَانُوا أسِرُوا بِمَكَّةَ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: أَسَرهم المشركون من أهل مكة، ولفظ ابن حبّان: «فبعث رسول الله - ﷺ - إلى أهل مكة، وفي أيديهم أسرى من المسلمين، ففداهم بتلك المرأة، فكّهم بها» . قال القرطبيّ - ﵀ -: وقوله: «فبعث بها رسول الله - ﷺ - إلى أهل مكة، ففدى بها ناسًا من المسلمين» فيه حجَّة على أبي حنيفة، حيث لم يُجِز للإمام المفاداة، ولا الفداء بالأسير، وعند مالك: أن الإمام مخيَّر في الأسارى بين خمس خصال: القتل، والاسترقاق، والمنّ، والفداء، والاستبقاء، وذلك هو الصحيح، بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، ولأن النبيّ - ﷺ - فعل كل ذلك، فكان الأسارى مخصوصين من حكم الغنيمة بالتخيير. انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ٤٥٦٣] (١٧٥٥)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٢٦٩٧)، و(ابن ماجه) في «الجهاد» (٢٨٤٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٤٦ و٥١)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٦٢٣٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٨٦٠)، و(أبو عوا نة) في «مسنده» (٤/ ٢٤٣)، و(الرويانيّ) في «مسنده» (٢/ ٢٥١ - ٢٥٢)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (٢/ ١١٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ١٢٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): جواز المفاداة، وجواز فداء الرجال بالنساء الكافرات، وقد تقدّم أنه - ﷺ - فادى بالرجل الذي أظهر الإسلام، ولم يقبله منه برجلين من أصحابه، قاله عياض - ﵀ - . ٢ - (ومنها): جواز التفريق بين الأم وولدها البالغ، خلافًا لمن قال: لا يفرّق بينهما أبدًا؛ لأنه لم يُذكر في هذا الحديث أنه لَمّا نفلها إياه جمع بينها وبين أمها، قال النوويّ: ولا خلاف في جوازه عندنا . ٣ - (ومنها): جواز استيهاب الإمام أهل جيشه بعضَ ما غَنِموه؛ ليفادي به مسلمًا، أو يصرفه في مصالح المسلمين، أو يتألّف به مَن في تألفه مصلحة، كما فعل - ﷺ - هنا، وفي غنائم حنين، قال عياض: وإنه ليس من باب الرجوع في الهبة؛ إذ لم يهبه ما له، ولا استرجعه أيضًا لنفسه. انتهى . ٤ - (ومنها): جواز قول الإنسان للآخر: لله أبوك، ولله دَرّك، وقد سبق تفسير معناه واضحًا في أول الكتاب، في «كتاب الإيمان» في شرح حديث حذيفة - ﵁ - في الفتنة التي تموج موج البحر. ٥ - (ومنها): استحباب التنويه بأهل الفضل، ومعرفة حقّ من فيه فضلٌ وغَنَاءٌ. ٦ - (ومنها): أنه يجوز للإمام في الكافر إذا أُسر أن يقتله، أو يُبقيه للجزية، وله أن يمنّ عليه، أو يفادي، قاله المازريّ، وقال عياض: وممن قال بجواز المنّ والفداء: مالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبو ثور، وكافّة العلماء، وأجازوا هذا بالمال، وبالأسرى، وقال أبو حنيفة مرّةً: لا يُفادي، ولا يمنّ جملةً، وقال مرّةً: لا باس بفدائهم بالمسلمين، وهو قول محمد، وأبي يوسف. انتهى .
مصادر المؤلف (٢٦)

١. «المفهم» ٣/ ٥٤٦.

٢. «الفتح» ٧/ ٣٠٠.

٣. «اللباب في تهذيب الأنساب» ٢/ ٤٢٩.

٤. «الطبقات الكبرى» لابن سعد ٢/ ١١٧.

٥. «إكمال المعلم» ٦/ ٧٢.

٦. راجع: «المصباح المنير» ٢/ ٤٠٢.

٧. «إكمال المعلم» ٦/ ٧٢.

٨. «المصباح المنير» ١/ ٣٢٤.

٩. راجع: «القاموس المحيط» ص ٩٦٥.

١٠. «القاموس» ص ٧١٣.

١١. «القاموس» ص ٥٩٢.

١٢. «القاموس المحيط» ص ٩١٩.

١٣. «القاموس» ص ٤٦٧.

١٤. «إكمال المعلم» ٦/ ٧٢.

١٥. «شرح النوويّ» ١٢/ ٦٨.

١٦. «إكمال المعلم» ٦/ ٧٢.

١٧. «المصباح» ١/ ٩.

١٨. «المصباح» ٢/ ٦١١.

١٩. «القاموس» ص ١٢٩٣.

٢٠. «المفهم» ٣/ ٥٥٤.

٢١. «صحيح ابن حبّان» ١١/ ٢٠٠ - ٢٠١.

٢٢. «المفهم» ٣/ ٥٥٥.

٢٣. «إكمال المعلم» ٦/ ٧٣.

٢٤. «شرح النوويّ» ١٢/ ٦٩.

٢٥. «إكمال المعلم» ٦/ ٧٣.

٢٦. «إكمال المعلم» ٦/ ٧٢ - ٧٣.