HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٥٧

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وإسحاق بن إبراهيم (واللفظ لابن أبي شيبة) (قال إسحاق: أَخْبَرَنَا. وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عُمَرَ. قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ. مِمَّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ. فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً. فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ. وَمَا بَقِيَ يَجْعَلُهُ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ. عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص151
ج ٣ ص ١٣٧٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٠ ص٥١٦
في قسمة الخمس على ستة، ولولا ما استُدِلّ به لمالك من عمل الخلفاء على خلاف ظاهرها، لكان الأَولى التمسُك بظاهرها، لكنهم - ﵃ - هم أعرف بالمقال، وأقعد بالحال، لا سيما مع تكرار هذا الحكم عليهم، وكثرته فيهم، فإنهم لم يزالوا آخذين للمغانم، قاسمين لها طوال مدتهم؛ إذ هي عيشتهم، ومنها رزقهم، وبها قام أمرهم؛ فكيف يخفى عليهم أمرها، أو يشِذّ عنهم حكم من أحكامها؛ هذا ما لا يظنُّه بهم من يعرفهم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ما دلّ عليه ظاهر الآية هو الصحيح، وسيأتي تحقيقه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٤٥٦٤] (١٧٥٦)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٣٠٣٦)، و(صحيفة همّام بن منبّه) (١/ ٦٤)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٦/ ١٠٤)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣١٧)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٢٤٤)، و(أبو عبيد) في «الأموال» (١/ ٧١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ٣١٨)، وفوائد الحديث تأتي قريبًا، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٥٦٥] (١٧٥٧) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ أبِي شَيْبَةَ - قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِه، مِمَّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ، وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - خَاصَّةً، فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَمَا بَقِيَ يَجْعَلُهُ في الْكُرَاع، وَالسِّلَاح، عُدَّةً في سَبِيلِ اللهِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزبرقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوق يَهِم [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٩. ٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين. ٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم وقريبًا. ٥ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم أيضًا قريبًا. ٦ - (عَمْرُو) بن دينار، تقدّم أيضًا قريبًا. ٧ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل بابين. ٨ - (مَالِكُ بْنُ أَوْسِ) بن الْحَدَثَان النصريّ، أبو محمد المدنيّ، له رؤية [٢] ت (١ أو ٩٢) (ع) تقدم في «البيوع» ٣٦/ ٤٠٥٢. ٩ - (عُمَرُ) بن الخطّاب بن نُفيل العدويّ، أبو حفص، أمير المؤمنين، استُشهد في ذي الحجة سنة (٢٣) - ﵁ - (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٩. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرِو) بن دينار (عَنِ الزُّهْرِيِّ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في كثير من النسخ، أو أكثرها: «عن عمرو، عن الزهريّ، عن مالك - بن أوس»، وكذا ذكره خلف الواسطيّ في «الأطراف»، وغيره، وهو الصواب، وسقط في كثير من النسخ ذِكر الزهريّ من الإسناد، فقال: «عن عمرو، عن مالك بن أوس»، وهذا غَلَط من بعض الناقلين عن مسلم قطعًا؛ لأنه قد قال في الإسناد الثاني: «عن الزهريّ بهذا الإسناد»، فدَلَّ - على أنه قد ذكره في الإسناد الأول، فالصواب إثباته. انتهى، وهو بحثٌ مفيدٌ. (عَنْ مَالِكِ بْن أَوْسٍ) بن الْحَدَثان - بفتحات (عَنْ عُمَرَ) بن الخطّاب - ﵁ -، أنه (قَالَ: كَانَتْ أمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ) هم: قبيلة من يهود خيبر من ولد هارون - ﵇ -، دخلوا في العرب على نسبهم، (مِمَّا أفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ)؛ أي: ردّها الله - ﷿ - إليه - ﷺ -، وكانت في مُلكه بعد أن خرجت عنه بوضع يد الكفرة عليها ظلمًا وعدوانًا، كما دلّ عليه التعبير بالفيء الذي هو: عَوْد الظلّ إلى الناحية التي كان ابتدأ منها، ومعنى ذلك - كما قال بعضهم - أنّ هذا المال الذي استولى عليه الكفّار كان حقيقًا بأن يكون له - ﷺ -؛ لأن الله تعالى خلق الناس لعبادته، وخلق ما خلق لهم ليتوصّلوا به إلى طاعته، فهو جدير بأن يكون للمطيعين، وهو - ﷺ - رأسهم ورئيسهم، وبه أطاع من أطاع، فكان أحقّ به. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: وهذا يدلّ على أن الأموال إنما كانت للمسلمين بالأصالة، ثم صارت للكفار بغير الوجوه الشرعية، فكأنهم لم يملكوا ملكًا صحيحًا، لا سيما إذا تنزلنا على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، ومع ذلك فلهم شُبهة المُلك؛ إذ قد أضاف الله إليهم أموالًا؛ كما أضاف إليهم أولادًا، فقال: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٥٥]، وقد اتفق المسلمون على أن الكافر إذا أسلم وبيده مال غير متعيّن للمسلمين كان له، لا ينتزعه أحدٌ منه بوجه من الوجوه، وسيأتي للمسألة مزيد بيان. انتهى . (مِمَّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ)؛ أي: لم يُسرع، ولم يُجْرِ؛ أي: بلا حرب، وفي «المصباح»: وَجَفَ الفرس والبعير وَجِيفًا: عَدَا، وأوجفته بالألف: أعديته، وهو الْعَنَقُ في السير، وقولهم: ما حصل بإيجاف؛ أي: بإعمال الخيل، والركاب في تحصيله. انتهى . (بِخَيْلٍ، وَلَا رِكَابٍ) هي ما يُركب من الإبل، غلب ذلك عليها من بين المركوبات، قال الفيّومي: الرِّكاب بالكسر: الْمَطِيّ، الواحدة راحلة، من غير لفظها. انتهى . (فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - خَاصَّةً) قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا الحديث حجَّة لمالك على أن الفيء لا يُقْسَم، وإنما هو موكول لاجتهاد الإمام، والخلاف الذي ذكرناه في الخُمس هو الخلاف هنا، فمالك لا يقسمه، وأبو حنيفة يقسمه أثلاثًا، والشافعيّ أخماسًا. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: هذا الحديث يؤيّد مذهب الجمهور أنه لا خَمْس في الفيء، كما سبق، وقد ذكرنا أن الشافعيّ أوجبه، ومذهب الشافعيّ أن النبيّ - ﷺ - كان له من الفيء أربعة أخماسه، وخُمس خُمس الباقي، فكان له أحد وعشرون سهمًا من خمسة وعشرين، والأربعة الباقية لذوي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، ويُتَأَوَّلُ هذا الحديث على هذا، فنقول: قوله: «كانت أموال بني النضير»؛ أي: معظمها. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى كون مذهب الجمهور أرجح في هذه المسألة؛ لقوّة حجته، كما اعترف به النوويّ - ﵀ - في كلامه السابق، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم. (فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ)؛ أي: يعطيهم قُوْت سَنَتهم، كما في البخاري: «أنه - ﷺ - كان يبيع نخل بني النضير، ويحبس لأهله قوت سنتهم»، وأما لنفسه فما روي عنه - ﷺ - أنه ادَّخَرَ، ولا احتكر؛ وإنما كان يفعل ذلك لأهله قيامًا لهم بحقوقهم، ودفعًا لمطالبتهم، ومع ذلك فكان أهله يتصدقن، وقلّما يُمسكن شيئًا، ولذلك ما قد كان النبيّ - ﷺ - ربما ينزل به الضيف، فيطلب له شيئًا في بيوت أزواجه، فلا يوجد عندهنّ شيء . وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: «ينفق على أهله نفقة سنة»؛ أي: يَعْزِل لهم نفقة سنة، ولكنه كان ينفقه قبل انقضاء السنة في وجوه الخير، فلا تتم عليه السنة، ولهذا توفي - ﵀ - ودرعه مرهونة على شعير؛ استدانةً لأهله، ولم يَشْبَع ثلاثة أيام تباعًا، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بكثرة جوعه - ﵀ -، وجوع عياله. انتهى . قال القرطبيّ - ﵀ -: وفيه: ما يدلّ على جواز ادّخار قوت العيال سنة، ولا خلاف فيه إذا كان من غلَّة المدخِر، وأما إذا اشتراه من السُّوق، فأجازه قوم، ومنعه آخرون، إذا أضرّ بالناس، وهو مذهب مالك في الاحتكار مطلقًا. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: وفي هذا الحديث جواز ادّخار قوت سنة، وجواز الادّخار للعيال، وأن هذا لا يقدح في التوكل، وأجمع العلماء على جواز الاذخار فيما يستغلّه الإنسان من قريته، كما جرى للنبيّ - ﷺ -، وأما إذا أراد أن يشتري من السوق، ويدّخره لقوت عياله، فإن كان في وقت ضيق الطعام لم يَجُز، بل يشتري ما لا يضيق على المسلمين، كقوت أيام، أو شهر، وإن كان في وقت سَعة اشترى قوت سنة، وأكثر. هكذا نقل القاضي هذا التفصيل عن أكثر العلماء، وعن قوم إباحته مطلقًا. انتهى . (وَمَا بَقِيَ)؛ أي: الذي فضل عن نفقة أهله (يَجْعَلُهُ) وفي بعض النسخ: «جعله» (فِي الْكُرَاعِ) - بضمّ الكاف، وتخفيف الراء، آخره عين مهملة - بوزن غُرَابٍ: جماعة الخيل خاصّةً، قاله الفيّويّ. (وَالسِّلَاحِ) بالكسر، تقدّم تفسيره قبلَ باب. (عُدَّهً) بضمّ العين، وتشديد الدال المهملتين؛ أي: استعدادًا، وتأهّبًا، قال الفيّوميّ - ﵀ -: الْعُدّة بالضمّ: الاستعداد، والتأهّب، والْعُدّة: ما أعددته من مال، أو سلاح، أو غير ذلك، والجمع: عُدَدٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَفٍ، وأعددته إعدادًا: هيّأته، وأحضرته. انتهى . وقوله: (فِي سَبِيلِ اللهِ) متعلّق بـ «عُدّةً»،؛ أي: لأجل إعلاء كلمة الله - ﷿ -، والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي تمام البحث فيه في الحديث الثالث - إن شاء الله تعالى -. وبالسند المتّصل إلى المؤلف: - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٥٦٦] (…) - (حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قبل باب. والباقون ذُكروا في السندين السابقين. [تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ هذه ساقها النسائيّ - ﵀ - في «الكبرى»، فقال: (٩١٨٧) - أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن، قال: نا سفيان، عن معمر، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس، قال: سمعت عمر قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله - ﷺ -، مما لم يُوجِف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكان رسول الله - ﷺ - يَعْزِل نفقة أهله سنةً، ثم يجعل ما بقي في الكراع، والسلاح، في سبيل الله. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٥٦٧] (…) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ مَالِك بْنَ أَوْسٍ حَدَّثَهُ، قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب، فَجِئْتُهُ حِينَ تَعَالَى النَّهَارُ. قَالَ: فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِهِ جَالِسًا عَلَى سَرِيرٍ، مُفْضِيًا إِلَى رِمَالِه، مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَقَالَ لِي: يَا مَالُ، إِنَّهُ قَدْ دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْ قَوْمِكَ، وَقَدْ أَمَرْتُ فِيهِمْ بِرَضْخٍ، فَخُذْهُ، فَاقْسِمْهُ بَينهُمْ. قَالَ: قُلْتُ: لَوْ أَمَرْتَ بِهَذا غَيْرِي، قَالَ: خُذْهُ يَا مَالُ ، قالَ: فَجَاءَ يَرْفَا، فَقَالَ: هَلْ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي عُثْمَانَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْر، وَسَعْدٍ؟ فَقَالَا عُمَرُ: نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَدَخَلُوا، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي عَبَّاسٍ، وَعَلِيٍّ، قَالَ: نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمَا ، فَقَالَ عَبَّاسٌ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا الْكَاذِبِ الآثِمِ الْغَادِرِ الْخَائِن، فَقَالَ الْقَوْمُ: أَجَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَاقْضِ بَيْنَهُمْ، وَأَرِحْهُمْ، فَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ: يُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا قَدَّمُوهُمْ لِذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: اتَّئِدَا ، أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ»؟، قَالُوا، نَعَمْ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَى الْعَبَّاس، وَعَلِيٍّ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ الَّذِي بِإذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، أَتَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة»؟، قَالَا: نَعَمْ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ اللهَ جَلَّ وَعَزَّ كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ - ﷺ - بِخَاصَّةٍ، لَمْ يُخَصِّصْ بِهَا أَحَدًا غَيْرَهُ، قَالَ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ مَا أَدْرِي هَلْ قَرَأَ الآيةَ الَّتِي قَبْلَهَا أَمْ لَا؟ قَالَ: فَقَسَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَكُمْ أَمْوَالَ بَني النَّضِير، فَوَاللهِ مَا اسْتَأْثَرَ عَلَيْكُمْ، وَلَا أَخَذَهَا دُونَكُمْ، حَتَّى بَقِيَ هَذَا الْمَالُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَأْخُذُ مِنْهُ نَفَقَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ أُسْوَةَ الْمَال، ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ الَّذِي بِإذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، أتعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، ثُمَّ نَشَدَ عَبَّاسًا وَعَلِيًّا بِمِثْلِ مَا نَشَدَ بهِ الْقَوْمَ: أتعْلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ، قَالَ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا وَليُّ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَجِئْتُمَا، تَطْلُبُ مِيرَاثَكَ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ، وَيَطْلُبُ هَذَا مِيرَاثَ امْرَأَتِهِ مِنْ أَبِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ»، فَرَأَيْتُمَاهُ كَاذِبًا،، آثِمًا، غَادِرًا، خَائِنًا، وَاللهُ يَعْلَمُ إنَّهُ لَصَادِقٌ، بَارٌّ، رَاشِدٌ، تَابعٌ لِلْحَقِّ، ثُمَّ تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ، وَأَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَوَلِيُّ أَبِي بَكْرٍ، فَرَأَيتُمَانِي كَاذِبًا، آثِمًا، غَادِرًا، خَائِنًا، وَاللهُ يَعْلَمُ إِنِّي لَصَادِقٌ، بَارٌّ، رَاشِدٌ، تَابعٌ لِلْحَقّ، فَوَليتُهَا، ثُمَّ جِئْتَنِي أَنْتَ وَهَذَا، وَأَنْتُمَا جَمِيعٌ، وَأَمْرُكُمَا وَاحِدٌ، فَقُلْتُمَا: ادْفَعْهَا اِلَيْنَا، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتُمْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا، عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللهِ أَنْ تَعْمَلَا فِيهَا بِالَّذِي كَانَ يَعْمَلُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَأخَذْتُمَاهَا بِذَلِكَ، قَالَ: أكَذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ، قَالَ: ثُمَّ جِئْتُمَانِي لأَقْضِيَ بَيْنَكُمَا، وَلَا وَاللهِ لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، حَتى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا، فَرُدَّاهَا إِلَيَّ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ) أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ جليلٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م د س) تقدم في «الإيمان» ٤٧/ ٢٩٧. ٢ - (جُوَيْرِيَةُ) بن أسماء بن عُبيد الضُّبَعيّ البصريّ، صدوقٌ [٧] (ت ١٧٣) (خ م د س ق) تقدم في «الإيمان» ٧٣/ ٣٩٠. ٣ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه عمر - ﵁ - أحد الخلفاء الأربعة الراشدين، والعشرة المبشّرين بالجنّة، جمّ المناقب - ﵁ -، وفيه ما ذكره الحافظ - ﵀ - في «الفتح»: حيث قال: وفي هذا الإسناد لطيفة من علوم الحديث، مما لم يذكره ابن الصلاح، وهي تشابه الطرفين، مثاله ما وقع هنا: ابن شهاب عن مالك، وعنه مالك، الأعلى ابنُ أوس، والأدنى ابن أنس. انتهى . شرح الحديث: (عَنْ مَالِكٍ)؛ أي: ابن أنس، قال في «الفتح»: وهذا الحديث مما رواه مالك خارج «الموطأ». انتهى . (عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ مَالِكَ بْنَ أَوْسٍ) بن الْحَدَثَان - بفتح المهملتين، والمثلثة - وهو نَصْريّ - بالنون المفتوحة، والصاد المهملة الساكنة - وأبوه صحابيّ، وأما هو فقد ذُكِر في الصحابة، وقال ابن أبي حاتم وغيره: لا تصح له صحبة، وحَكَى ابن أبي خيثمة، عن مصعب، أو غيره أنه رَكِبَ الخيل في الجاهلية، قال الحافظ: فعلى هذا لعله لم يدخل المدينة إلا بعد موت النبيّ - ﷺ -، كما وقع لقيس بن أبي حازم، دخل أبوه، وصَحِبَ، وتأخر هو، مع إمكان ذلك، وقد تشارك أيضًا في أنه قيل في كل منهما: إنه أخذ عن العشرة، وليس لمالك بن أوس هذا في البخاريّ سوى هذا الحديث، وآخر في «البيوع». قال الجامع عفا الله عنه: وليس لمالك بن أوس في «صحيح مسلم» أيضًا إلا حديثان، هذا، وأعاده بعد، وحديث [٣٥/ ٤٠٤٠] (١٥٨٦) «الورق بالذهب ربًا إلا هاء وهاء …» الحديث، تقدّم في «البيوع»، وهذان الحديثان هما اللذان أشار إليهما الحافظ في كلامه المذكور. والحاصل أنه ليس له في هذين الكتابين إلا هذان الحديثان، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وفي رواية البخاريّ: عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس: «- وكان محمد بن جُبير ذَكَرَ لي ذِكرًا من حديثه ذلك، فانطلقتُ حتى أدخل على مالك بن أوس، فسألته عن ذلك الحديث …» الحديث. قوله: «وكان محمد بن جبير»؛ أي: ابن مُطْعِم، قد ذَكَرَ لي ذِكْرًا من حديثه ذلك؛ أي: الآتي ذكره. وقوله: «فانطلقت حتى أدخل» كذا فيه بصيغة المضارعة في موضع الماضي في الموضعين، وهي مبالغة لإرادة استحضار صورة الحال، ويجوز رفع «أدخل» على أن «حتى» عاطفة؛ أي: انطلقت فدخلت، والنصب على أنها بمعنى «إلى أن». وفي صنيع ابن شهاب هذا أصل في طلب علوّ الإسناد؛ لأنه لم يقتنع - بالحديث عنه حتى دخل عليه، ليشافهه به، وفيه حرص ابن شهاب على طلب الحديث، وتحصيله، أفاده في «لفتح» . [تنبيه]: ظن قوم أن الزهريّ تفرد برواية هذا الحديث، فقال أبو عليّ الكرابيسيّ: أنكره قوم، وقالوا: هذا من مستنكَر ما رواه ابن شهاب، قال: فإن كانوا عَلِمُوا أنه ليس بفرد فهيهات، وإن لم يَعْلَمُوا فهو جهل، فقد رواه عن مالك بن أوس عكرمة بن خالد، وأيوب بن خالد، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وغيرهم. انتهى . (حَدَّثَهُ)؛ أي: حدّث الزهريَّ، وقوله: (قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ) تفسير للحديث الذي حدّثه، (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) - ﵁ -، قال الحافظ - ﵀ -: لم أقف على اسم الرسول، ويَحْتَمِل أن يكون هو يرفا الحاجب الآتي ذكره. انتهى. (فَجِئْتُهُ حِينَ تَعَالَى النَّهَارُ)؛ أي: ارتفع، ولفظ البخاريّ: «حين متع النهار» - بفتح الميم، والمثناة الخفيفة، بعدها مهملة -؛ أي: علا، وامتدّ، وقيل: هو ما قبل الزوال، ووقع في رواية يونس، عن ابن شهاب، عند عمر بن شَبّة: «بعدما ارتفع النهار». وفي رواية البخاريّ: «فقال مالك: بينما أنا جالس في أهلي حين متَعَ النهار، إذا رسول عمر بن الخطاب يأتيني، فقال: أجب أمير المؤمنين، فانطلقت معه، حتى أدخل على عمر، فإذا هو جالس على رمال سرير، ليس بينه وبينه فراش …» الحديث. (قَالَ) مالك بن أوس (فَوَجَدْتُهُ)؛ أي: عمرَ - ﵁ - (فِي بَيْتِهِ جَالِسًا عَلَى سَرِيرٍ، مُفْضِيًا) اسم فاعل، من أفضى إلى الشيء: إذا وصل إليه، (إِلَى رِمَالِهِ) بكسر الراء، وقد تُضَمّ، وهو ما يُنسج من سَعَف النخل، وأغرب الداوديّ، فقال: هو السرير الذي يُعْمَل من الجريد ، والمعنى: أنه ليس تحته فراش، والإفضاء إلى الشيء لا يكون بحائل، وإنما قال هذا؛ لأن العادة أن يكون فوق الرمال فراش، أو غيره. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «مفضيًا إلى رماله»؛ أي: لم يكن بينه وبين الحصير حائل يقيه آثار عيدانه، ورُمال الحصير: ما يؤثّر في جنب المضطجع عليه، ورَمَلْتُ الحصير: نسجته، وقد تقدَّم. انتهى . (مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ) بكسر الواو: هي الْمِخَدّة، جمعها وِسَادات، ووسائد، والْوِسَادُ بغير هاء: كلُّ ما يُتَوَسّد به، من قُماشٍ، وترابٍ، وغير ذلك، وجَمْعُه وُسُدٌ، مثلُ كتاب وكُتُبٍ، ويقال: الوِسَادُ لغة في الوِسادةً . وقوله: (مِنْ أَدَم) بيان لـ «وساد»، وهو: بفتحتين، أو بضمّتين: جمع أديم، وهو الجلد المدبوغ، كما تقدّم قريبًا. (فَقَالَ لِي: يَا مَالُ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في جميع النسخ: «يا مال»، وهو ترخيم مالك، بحذف الكاف، ويجوز كسر اللام، وضمّها، وجهان مشهوران لأهل العربيّة، فمَن كَسَرها تركها على ما كانت عليه، ومن ضمّها جعله اسمًا مستقلّا. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «ويجوز كسر اللام … إلخ» أشار إلى هذا ابن مالك - ﵀ - في «الخلاصة» حيث قال: تَرْخِيمًا احْذِفْ آخِرَ الْمُنَادَى … كَـ «يَا سُعَا» فِيمَنْ دَعَا «سُعَادَى» ثم إن كسر لامه هو الأصل، ويُسمّى «لغة من ينتظر»، وضمّها على أنه صار اسمًا مستقلًا، فيُعرب إعراب المنادى المفرد، ويُسمّى «لغة من لا ينتظر»، وإلى هذا أشار ابن مالك - ﵀ - أيضًا في «الخلاصة» حيث قال: وَإِنْ نَوَيْتَ بَعْدَ حَذْفِ مَا حُذِفْ … فَالْبَاقِيَ اسْتَعْمِلْ بِمَا فِيهِ أُلِفْ وَاجْعَلْهُ إِنْ لَمْ تَنْوِ مَحْذُوفًا كَمَا … لَوْ كَانَ بِالآخِرِ وَضْعًا تُمِّمَا فَقُلْ عَلَى الأَوَّلِ فِي «ثَمُودَ» «يَا … ثَمُو» و«يَا ثَمِي» عَلَى الثَّانِي بِيَا وَالْتَزِمِ الأَوَّلَ فِي كَـ «مَسْلِمَهْ» … وَجَوِّزِ الْوَجْهَيْنِ فِي كَـ «مَسْلَمَهْ» (إِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الضمير الذي تُفسّره جملة بعده، كما قال ابن مالك - ﵀ - في «الكافية»: وَمُضْمَرُ الشَّأنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا … بِجُمْلَةٍ كَـ «إِنَّهُ زيدٌ سَرَى» (قَدْ دَفَّ أَهْلُ أَبْيَاتٍ)؛ أي: ورد جماعة بأهليهم شيئًا بعد شيء، يسيرون قليلًا قليلًا، والدَّفِيف: السَّيْر الليِّن، وكأنهم كانوا قد أصابهم جَدْب في بلادهم، فانتجعوا المدينة، وفي رواية البخاريّ: «إنه قَدِم علينا من قومك أهل أبيات». وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «دَفّ أهل أبيات»: أي: نزلوا بهم مسرعين، محتاجين، وأصله من الدَّفيف، وهو: السَّير السَّريع، وكأن الذي تنزلُ به فاقةٌ يسرع المشي لتنجلي عنه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: تفسير الدّفيف بالسير السريع مخالِف لِمَا في «القاموس»، و«المصباح»، فعندهما أنه السير الليّن، والمشي الخفيف، فتنبّه. وقوله: (مِنْ قَوْمِكَ)؛ أي: من بني نَصْر بن معاوية بن بكر بن هوازن، (وَقَدْ أَمَرْتُ فِيهِمْ بِرَضْخٍ) - بفتح الراء، وسكون الضاد المعجمة، بعدها خاء معجمة -؛ أي: عطيّة غير كثيرة، ولا مقدّرة، (فَخُذْهُ، فَاقْسِمْهُ بَيْنَهُمْ. قَالَ) مالك (قُلْتُ: لَوْ أَمَرْتَ بِهَذَا غَيْرِي) جواب «لو» محذوف؛ أي: لكان خيرًا، أو هي للتمنّي، لا تحتاج إلى جواب؛ أي: أتمنى أن تأمر بها غيري، وإنما قال مالك هذا تحرجًا من قبول الأمانة، ولم يبيِّن ما جرى له فيه؛ اكتفاءً بقرينة الحال، والظاهر أنه قبضه؛ لعزم عمر عليه ثاني مرة، قاله في «الفتح» . (قَالَ) عمر - ﵁ - (خُذْهُ يَا مَالُ) وفي بعض النسخ: «خذ يا مال» بحذف الضمير. (قَالَ) مالك (فَجَاءَ يَرْفَا) حاجب عمر - ﵁ -، وفي رواية البخاريّ: «أتاه حاجبه يرفا»، وهو بفتح التحتانية، وسكون الراء، بعدها فاء، مشبعة، بغير همز، وقد تُهْمَز، قال الحافظ: وهي روايتنا من طريق أبي ذرّ، و«يرفا» هذا كان من موالي عمر - ﵁ -، أدرك الجاهلية، ولا تُعرف له صحبة، وقد حَجَّ مع عمر في خلافة أبي بكر - ﵄ -، وله ذكر في حديث ابن عمر قال: «قال عمر - لمولى له يقال له: يرفا -: إذا جاء طعام يزيد بن أبي سفيان، فأعلمني»، فذكر قصّةً. ورَوَى سعيد بن منصور، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن يرفا، قال: قال لي عمر: إني أنزلت نفسي من مال المسلمين منزلة مال اليتيم. وهذا يُشْعِر بأنه عاش إلى خلافة معاوية. انتهى . (فَقَالَ: هَلْ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي عُثْمَانَ) بن عفّان (وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ) بن العوّام (وَسَعْدٍ؟) ابن أبي وقّاص - ﵃ -، قال القرطبيّ - ﵀ -: في الكلام حذفٌ، تقديره: هل لك إذن في هؤلاء؟ . وقال الحافظ - ﵀ -: ولم أَرَ في شيء من طُرُقه زيادة على الأربعة المذكوربن، إلا في رواية للنسائيّ، وعُمر بن شَبَّة، من طريق عمرو بن دينار، عن ابن شهاب، وزاد فيها: «وطلحة بن عبيد الله»، وكذا في رواية الإماميّ، عن ابن شهاب عند عمر بن شَبّة أيضًا، وكذا أخرجه أبو داود، من طريق أبي الْبَخْتَرِيّ، عن رجل لم يسمّه، قال: «دخل العباس، وعليّ»، فذكر القصّة بطولها، وفيها ذَكر طلحة، لكن لم يَذكر عثمان. انتهى . (فَقَالَ عُمَرُ) - ﵁ - (نَعَمْ)؛ أي: ائذن لهم في الدخول، (فَأَذِنَ) يرفا (لَهُمْ) في الدخول (فَدَخَلُوا) وفي رواية للبخاريّ: «فأدخلهم»، (ثُمَّ جَاء) يرفا (فَقَالَ) لعمر - ﵁ - (هَلْ لَكَ دي عَبَّاسٍ، وَعَلِيٍّ؟) - ﵄ -، زاد في رواية للبخاريّ: «يستأذنان»، (قَالَ) عمر - ﵁ - (نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمَا) زاد في بعض النسخ: «فدخلا»، (فَقَالَ عَبَّاسٌ) وفي بعض النسخ: «فقال العبّاس»: (يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا الْكَاذِبِ الآثِمِ الْغَادِرِ الْخَائِنِ) قال القرطبيّ - ﵀ -: قول العبَّاس - ﵁ - هذا قول لم يُرِدْ به ظاهره؛ لأن عليًّا - ﵁ - منزَّه عن ذلك كله، مبرأ عنه قطعًا، ولو أراد ظاهره لكان محرَّمًا، ولاستحال على عمر، وعثمان، وعبد الرحمن، والزبير، وسعد - ﵃ -، وهم المشهود لهم بالقيام بالحق، وعدم المبالاة بمن يخالفهم فيه، فكيف يجوز عليهم الإقرار على المنكر؟! هذا ما لا يصح؛ وإنما هذا قول أخرجه من العبَّاس الغضب، وصولة سلطنة العمومة، فإن العمّ صِنْو الأب، ولا شك أن الأب إذا أطلق هذه الألفاط على ولده؛ إنما يُحْمَل ذلك منه على أنه قَصَد الإغلاظ، والرَّدع مبالغةَ في تاديبه، لا أنَّه موصوفٌ بتلك الأمور، ثم انضاف إلى هذا: أنهم في مُحَاجّة ولاية دينية، فكأن العباس يعتقد: أن مخالفته فيها لا تجوز، وأن المخالفة فيها تؤدي إلى أن يَتصف المخالف بتلك الأمور، فأطلقها ببوادر الغضب على هذه الأوجه، ولمّا علم الحاضرون ذلك لم يُنكروه، والله تعالى أعلم. وهذا التأويل أشبه ما ذُكلر في ذلك، وإلا فتَطريق الغلط لبعض النقلة لهذه القصة فيه بُعْد لِحِفْظهم، وشُهرتهم، والذي اضطرنا إلى تقدير أحد الأمرين ما نعلمه من أحوال تلك الجماعة، ومن عظيم منازلهم في الدِّين، والورع، والفضل، كيف لا، وهم من هم - ﵃ -، وحشرنا في زمرتهم. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - ، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وقال النوويّ - ﵀ -: قال جماعة من العلماء: معناه: هذا الكاذب إن لم يُنْصِف، فحُذف الجواب. وقال القاضي عياض: قال المازريّ: هذا اللفظ الذي وقع لا يليق ظاهره بالعباس، وَحَاشَ لعليّ أن يكون فيه بعض هذه الأوصاف، فضلًا عن كلها، ولسنا نقطع بالعصمة إلا للنبيّ - ﷺ -، ولمن شَهِدَ له بها، لكنا مأمورون بحسن الظنّ بالصحابة - ﵃ - أجمعين، ونَفْي كلِّ رَذِيلة عنهم، وإذا انسدّت طُرُق تأويلها نسبنا الكذب إلى رُواتها، قال: وَقد حَمَل هذا المعنى بعض الناس على أن أزال هذا اللفظ من نسخته؛ تورّعًا عن إثبات مثل هذا، ولعله حَمَل الوهم على رُواته. قال المازريّ: وإذا كان هذا اللفظ لا بُدّ من إثباته، ولم نُضِف الوهم إلى رُواته، فأجْود ما حُمِل عليه أنه صدر من العباس على جهة الإدلال على ابن أخيه؛ لأنه بمنزلة ابنه، وقال ما لا يعتقده، وما يعلم براءة ذمة ابن أخيه منه، ولعلّه قصد بذلك رَدْعه عما يعتقد أنه مُخطئ فيه، وأن هذه الأوصاف يتصف بها لو كان يفعل ما يفعله عن قصد، وأن عليّا كان لا يراها إلا موجبة لذلك في اعتقاده، وهذا كما يقول المالكيّ: شارب النبيذ ناقص الدين، والحنفيّ يعتقد أنه ليس بناقص، فكل واحد محقّ في اعتقاده، ولا بُدّ من هذا التأويل؛ لأن هذه القضيّة جرت في مجلس فيه عمر - ﵁ -، وهو الخليفة، وعثمان، وسعد، وزبير، وعبد الرحمن - ﵃ -، ولم يُنكر أحد منهم هذا الكلام، مع تشددهم في إنكار المنكَر، وما ذلك إلا لأنهم فَهِموا بقرينة الحال أنه تكلم بما لا يعتقد ظاهره مبالغة في الزجر. قال المازريّ: وكذلك قول عمر - ﵁ -: «إنكما جئتما أبا بكر، فرأيتماه كاذبًا، آثمًا، غادرًا، خائنًا»، وكذلك ذكر عن نفسه أنهما رأياه كذلك، وتأويل هذا على نحو ما سبق، وهو أن المراد أنكما تعتقدان أن الواجب أن نفعل في هذه القضية خلاف ما فعلته أنا وأبو بكر، فنحن على مقتضى رأيكما لو أتينا ما أتينا، ونحن معتقدان ما تعتقدانه، لَكُنّا بهذه الأوصاف، أو يكون معناه: أن الإمام إنما يخالَف إذا كان على هذه الأوصاف، ويُتَّهَم في قضاياه، فكان مخالفتكما لنا تُشعر من رآها أنكما تعتقدان ذلك فينا، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي أوّل به المازريّ قول العبّاس في عليّ - ﵄ -: «اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن» بأنه من باب الإدلال على ابن أخيه، لا بأس به، لكن عندي أحسن منه ما أشار إليه القرطبيّ - ﵀ - في كلامه السابق، وهو أن يُحمَل على أن هذا مما صدر منه حال غلبة الغضب، والإنسان يتكلّم في حال الغضب بمثل هذا، ويُعذر؛ لغلبة الغضب عليه، كما يُعذر في حالة السكر، فقد قال حمزة - ﵁ - للنبيّ - ﷺ - لَمّا لامه فيما فعل في شَارِفَي عليّ - ﵁ -: «هل أنتم إلا عبيد لأبي؟»، فعَذَره - ﷺ -؛ لِسُكْره، ورجع القهقرى، والقصّة مشهورة في «الصحيح» وغيره. والحاصل: أن ما يصدر في حال غلبة الغضب من الكلام القبيح، ومن سبّ الخصم بعضهم لبعض، يُتسامح فيه، ويُعذرون به، ولهذا سكت عمر، والحاضرون عنده، ولم يُنكروه؛ لِمَا ذكرناه، فتأمّل، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقال في «الفتح» عند شرح قوله: «استبّا»: قال ابن التين: معنى قوله في هذه الرواية: «اسْتَبّا»؛ أي: نَسَب كل واحد منهما الآخر إلى أنه ظلمه، وقد صَرّح بذلك في هذه الرواية بقوله: «اقض بيني وبين هذا الظالم»، قال: ولم يُرِد أنه يظلم الناس، وإنما أراد ما تأوّله في خصوص هذه القصة، ولم يَرِد أن عليًّا سَبّ العباس بغير ذلك؛ لأنه صنو أبيه، ولا أن العباس سب عليًّا بغير ذلك؛ لأنه يعرف فضله، وسابقته. وقال المازريّ: هذا اللفظ لا يليق بالعباس، وحاشا عليًّا من ذلك، فهو سهو من الرواة، وإن كان لا بُدّ من صحته فليؤَوَّل بأن العباس تكلم بما لا يعتقد ظاهره؛ مبالغةً في الزجر، ورَدْعًا لِمَا يعتقد أنه مخطئ فيه، ولهذا لم يُنكره عليه أحد من الصحابة، لا الخليفة، ولا غيره، مع تشددهم في إنكار المنكر، وما ذاك إلا أنهم فَهِموا بقرينة الحال أنه لا يريد به الحقيقة. انتهى. قال الحافظ: ولم أَقِف في شيء من طرق هذه القصة على كلام لعليّ في ذلك، وإن كان المفهوم من قوله: «استَبّا» بالتثنية أن يكون وقع منه في حقّ العباس كلام. وقال غيره: حاشا عليّا أن يكون ظالِمًا، والعباس أن يكون ظالِمًا بنسبة الظلم إلى عليّ، وليس بظالم. وقيل: في الكلام حذف، تقديره؛ أي: هذا الظالم إن لم يُنْصِف، أو التقدير: هذا كالظالم، وقيل: هي كلمة تقال في الغضب، لا يراد بها حقيقتها، وقيل: لَمّا كان الظلم يُفَسّر بأنه وضع الشيء في غير موضعه، تناول الذنب الكبير والصغير، وتناول الخصلة المباحة التي لا تليق عُرفًا، فيُحْمَل الإطلاق على الأخيرة، والله أعلم. انتهى . (فَقَالَ الْقَوْمُ)؛ أي: الحاضرون عند عمر، وهم: عثمان، ومن ذُكر معه - ﵃ -، وقال في «الفتح»: ورأيت في رواية معمر، عن الزهريّ في «مسند ابن أبي عمر»: «فقال الزبير بن العوّام:»اقض بينهما«، فأفادت تعيين من باشر سؤال عمر في ذلك. انتهى . (أَجَلْ) كنَعَم وزنًا ومعنًى، (يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَاقْضِ بَيْنَهُمْ، وَأَرِحْهُمْ) هذا يدلّ على أن الخصام طال بينهما، بحيث عرفه هؤلاء الحاضرون عند عمر - ﵁ -، وإليه يشير قوله: (فَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ: يُخَيَّلُ إِلَيَّ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: أظنّ، وأتوهّم (أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا قَدَّمُوهُمْ لِذَلِكَ)؛ يعني: أن العبّاس، وعليًّا، ومن معهما قدّموا عثمان، ومن معه إلى عمر؛ ليُكلّموه في أن يقضي بينهما قضاءً مبرمًا، يفصل النزاع بينهما. (فَقَالَ عُمَرُ) - ﵁ - (اتَّئِدَا) بالتثنية خطابًا لعبّاس وعليّ - ﵄ -؛ أي: اصبرا، وتمهّلا، وفي بعض النسخ: «اتّئدوا» بالجمع خطابًا لهما، وللحاضرين. (أَنْشُدُكُمْ)؛ أي: أسالكم رافعًا نشيدتي؛ أي: صوتي، وقال القرطبيّ: أي: أقسم بالله، يُخاطب الحاضرين، (بِاللهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، أتعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَة»؟) قال القرطبيّ - ﵀ -: جميع الرواة لهذه اللفظة في «الصحيحين»، وفي غيرهما، يقولون: «لا نورث» - بالنون - وهي نون جماعة الأنبياء، كما قال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث». و«صدقة»: مرفوع على أنه: خبر المبتدأ الذي هو: «ما تركنا»، والكلام جملتان: الأولى: فعلية، والثانية: اسمية، لا خلاف بين المحدثين في هذا، وقد صحَّفه بعض الشيعة، فقال: «لا يورث - بالياء - ما تركنا صدقةً» - بالنصب - وجعل الكلام جملة واحدة، على أن يجعل «ما» مفعولًا لِمَا لم يُسم فاعله، و«صدقة» يُنصب على الحال، ويكون معنى الكلام: إن ما يتركه صدقة لا يورث، وإنما فعلوا هذا، واقتحموا هذا المحرَّم؛ لِمَا يلزمهم على رواية الجمهور من إفساد قولهم، ومذهبهم، أنهم يقولون: إن النبيّ - ﷺ -: يورث كما يورث غيره، متمسكين بعموم آية المواريث، معرضين عمَّا كان معلومًا عند الصحابة من الحديث الذي يدل على خصوصية النبيّ - ﷺ - بأنه لا يورث. وقد حَكَى الخطابي حكاية تدلّ على صحة مذهب أهل السُّنة، وعلى بطلان مذهب أهل البدع، حُكي عن ابن الأعرابي: أن أبا العبَّاس السفاح قام في أول مقام قامه خطيبًا في قرية تسمى العباسية بالأنبار، فحمد الله، وأثنى عليه، فلما جاء عند الفراغ، قام إليه رجلٌ، وفي عنقه المصحف، فقال: يا أمير المؤمنين! أُذَكِّرك الله الذي ذَكرته ألا قضيت لي على خصمي بما في كتاب الله، فقال: ومن خصمك؟ قال: أبو بكر الذي منع فاطمة فَدَك، فقال: هل كان بعده أحد؟ قال: نعم. قال: ومن؟ قال: عمر، قال: فأقام على ظلمكم؟ قال: نعم، قال: فهل كان بعده أحد؟ قال: نعم، قال: فمن؟ قال: عثمان، قال: فأقام على ظلمكم؟ قال: نعم، قال: فهل كان بعده أحد؟ قال: نعم. قال: فمن؟ قال: علي بن أبي طالب، قال: فأقام على ظلمكم؟ قال: فأسكت الرجل، وجعل يلتفت يمينًا وشمالًا يطلب مخلصًا، فقال أبو العباس: والله الذي لا إله إلا هو لولا أنه أول مقام قمته، ولم أكن تقدمت إليك، لأخذت الذي فيه عيناك، اجلس، ثم أخذ في خطبته. وحاصل هذه الحكاية: أن الخلفاء - ﵃ - عَلِموا وتحققوا صحَّة قول النبيّ - ﷺ -: «لا نورث، ما تركنا صدقة»، وعَمِلوا على ذلك إلى أن انقرضت أزمانهم الكريمة بلا خلاف في ذلك. فأما طلب فاطمة - ﵂ - ميراثها من أبيها من أبي بكر، فكان ذلك قبل أن تسمع فاطمة الحديث الذي دلَّ على خصوص النبي - ﷺ - بذلك، وكانت متمسِّكة بما في كتاب الله من ذلك، فلما أخبرها أبو بكر بالحديث توقفت عن ذلك، ولم تعد عليه بطلب، وأما منازعة عليّ والعباس، فلم تكن في أصل الميراث، ولا طلبا أن يتملكا ما ترك النبيّ - ﷺ - من أموال بني النضير؛ لأربعة أوجه: أحدها: أنهما قد كانا، ترافعا لأبي بكر في ذلك، فمنعهما أبو بكر مستدلًّا بالحديث الذي تقدَّم، فلما سمعاه أذعنا، وسكتا، وسلَّما، إلى أن توفي أبو بكر، وولي عمر، فجاءاه، فسألاه أن يوليَهُما على النظر فيها، والعمل بأحكامها، وأخْذها من وجوهها، وصرْفها في مواضعها، فدفعها إليهما على ذلك، وعلى أن لا ينفرد أحدهما عن الآخر بعمل حتى يستشيره، ويكون معه فيه، فعملا كذلك إلى أن شقّ عليهما العمل فيها مجتمعين، فإنهما كانا بحيث لا يقدر أحدهما أن يستقلّ بأدنى عمل حتى يحضر الآخر، ويساعده، فلما شقّ عليهما ذلك، جاءا إلى عمر - ﵁ - مرَّة ثانية، وهي هذه الكرّة التي ذُكرت هنا، يطلبان منه أن يقسمها بينهما، حتى يستقل كل واحد منهما بالنظر فيما يكون في يديه منها، فأبى عليهما عمر - ﵁ - ذلك، وخاف إن فعل ذلك أن يَظُنّ ظانٌّ أن ذلك قسمة ميراث النبيّ - ﷺ -، فيعتقد بطلان قوله: «لا نورث»، لا سيما لو قسمها نصفين، فإن ذلك كان يكون موافقًا لسُنَّة القسم في المواريث؛ فإن من ترك بنتًا، وعمًا، كان المال بينهما نصفين: للبنت النصف بالفرض، وللعم النصف بالتعصيب، فمنع ذلك عمر حسمًا للذريعة، وخوفًا من ذهاب حكم قوله: «لا نورث». والوجه الثاني: أن عليًّا - ﵁ - لمّا ولي الخلافة لم يغيّرها عما عُمل فيها في عهد أبي بكر، وعمر، وعثمان، ولم يتعرض لتملّكها، ولا لقسمة شيء منها، بل كان يصرفها في الوجوه التي كان مَنْ قبله يصرفها فيها، ثم كانت بيد حسن بن عليّ، ثم بيد حسين بن عليّ، ثم بيد علي بن الحسين، ثم بيد الحسين بن الحسن، ثم بيد زيد بن الحسن، ثم بيد عبد الله بن الحسن، ثم تولاها بنو العباس على ما ذكره أبو بكر الْبَرْقانيّ في «صحيحه». وهؤلاء كبراء أهل البيت - ﵃ -، وهم معتمَد الشيعة وأئمتهم، لم يُرو عن واحد منهم: أنه تملّكها، ولا ورثها، ولا وُرثتْ عنه، فلو كان ما يقوله الشيعة حقًّا لأخذها عليّ، أو أحدٌ من أهل بيته لَمَا ظَفِروا بها. والوجه الثالث: اعتراف عليّ والعبَّاس بصحة قوله - ﷺ -: «لا نورث، ما تركنا صدقة»، وبعلم ذلك حين سألهما عن علم ذلك، ثم إنهما أذعنا، وسلَّما، ولم يبديا - ولا أحد منهما - في ذلك اعتراضًا، ولا مَدْفعًا، ولا يحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول: إنهما اتقيا على أنفسهما، لِمَا يُعلم من صلابتهما في الدين، وقوّتهما فيه، ولمَا يُعلم من عدل عمر، وأيضًا: فإن المحل محل مناظرة، ومباحثة عن حكم مال من الأموال، ليس فيه ما يفضي إلى شيء مما يقوله أهل الهذيان من الشيعة. ثم الذي يقطع دابر العناد ما ذكرناه من تمكّن عليّ وأهل بيته من الميراث، ولم يأخذوه، كما قلناه. والوجه الرابع: نصّ قول عمر - ﵁ - هنا، وحكايته عنهما في آخر الحديث، حيث قال لهما: «ثم جئتني أنت وهذا، وأنتما جميع، وأمركما واحد، فقلتم: ادفعها إلينا، فقلت: إن شئتم دفعتها إليكما، على أن عليكما عهد لله أن تعملا فيها بالذي كان يعمل رسول الله - ﷺ -، فأخذتماها بذلك، قال: أكذلك؟ قالا: نعم»، هذه نصوص منهم على صحة ما ذكرناه. وإنما طوَّلنا الكلام في هذا الموضع لاستشكال كثير من الناس لهذا الحديث، وللآتي بعده، ولخوض الشيعة في هذا الموضع، ولتقوّلهم فيه بالعظائم على الخلفاء البررة الحنفاء - ﵃ -. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - بطوله، وهو تحقيق نفيسٌ، وبحثٌ أنيس، والله تعالى أعلم. (قَالُوا: نَعَمْ)؛ أي: نعلم ذلك، (ثُمَّ أَقْبَلَ) عمر - ﵁ - (عَلَى الْعَبَّاس، وَعَلِيٍّ) - ﵄ - (فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، أَتعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ؟»، فَالَا: نَعَمْ)؛ أي: نعلم ذلك، (فَقَالَ عُمَرُ) - ﵁ - (إِنَّ اللهَ جَلَّ وَعَزَّ كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ - ﷺ - بِخَاصَّةٍ، لَمْ يُخَصِّصْ بِهَا أَحَدًا غَيْرَهُ) ذكر القاضي عياض - ﵀ - في معنى كلام عمر - ﵁ - هذا احتمالين: أحدهما: تحليل الغنيمة له ولأمته، والثاني: تخصيصه بالفيء، إما كلِّه، أو بعضه، كما سبق من اختلاف العلماء، قال: وهذا الثاني أظهر؛ لاستشهاد عمر - ﵁ - عليه بالآية. انتهى . وقال الأبيّ في «شرحه»: قيل: إباحة الغنائم له ولأمته، أو كونها له خاصّةً، أو تخصيصه بما أفاء الله عليه، إما بمِلكه كلّه، كما قال الأكثر، أو بمِلكه التصرّف والحكم فيه، كما قال الجمهور؛ أي: جعل حُكم ذلك له، يحكم فيه يما يراه، وهذا أظهر الوجوه؛ لاستشهاد عمر - ﵁ - عليه بالآية. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: يعني بذلك أن الله تعالى أحلّ له الصفيّة وطيّبه له، ولم يحل ذلك لأحد من الأنبياء قبله كما قال في الغنيمة: «احلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي»، وليس معنى ذلك أن عمر كان يعتقد أن الله خصّ الرسول - ﷺ - بهذا الفيء المعين، فيصرفه حيث شاء، فتكون وجه الخصوصية أنه لا يُخمسه، ولا يَقسمه، بخلاف غيره من الفيء، فإنه يقسم عند الشافعية على خمسة، وعند الحنفية على ثلاثة، وعند مالك يقسم على الاجتهاد؛ لأنا نقول ذلك فاسدٌ من وجهين: أحدهما: أن الآية التي استدلّ بها عمر على خصوصية النبيّ - ﷺ - بذلك مصرّحة بالقسم، فإنه قال فيها: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧]، وحينئذٍ كانت تكون الآية مصرّحة بنقيض مقصوده. والوجه الثاني: أن عمر المصرّح بالخصوصية حكم في كل فيء بالقسمة، ولمّا قرأ عمر هذه الآية إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] قال: أرى هذه الآية قد استوعبت الناس كلهم، حتى الراعي بعدل، ونص بعدم الخصوصية في الآية، فوَجْهُ الخصوصية التي ذكر ما قلناه، والله أعلم. وقد ذكرنا في كتاب الزكاةِ: الفقير، والمسكين، وابن السبيل، فأما ذوو القربى فهم قرابة النبيّ - ﷺ - واختُلف فيمن هم؟ فالجمهور على أنهم بنو هاشم وبنو المطلب، وذهب بعض السلف إلى أنهم قريش، ثم هل يستحقه الفقراء منهم خاصة دون الأغنياء، أم جميعهم؛ ثم هل يقسم بينهم على السواء، أم على حكم قسمة المواريث؟ ومذهب الشافعيّ أنه حقّ لهم فيستوي فيه صغيرهم وكبيرهم، غنيهم وفقيرهم، لذَكَرِهم سهمان، وللأنثى سهم، ومذهب عليّ: قسمته على ما يؤدي إليه اجتهاد الإمام. انتهى . وقال في «الفتح» عند قوله: «إن الله قد خَصّ رسوله - ﷺ - في هذا الفيء بشيء»: في رواية مسلم: «بخاصّة لم يخصص بها غيره»، وفي رواية عمرو بن دينار، عن ابن شهاب في «التفسير»: «كانت أموال بني النضير، مما أفاء الله على رسوله، فكانت له خاصّةً، وكان ينفق على أهله منها نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عُدّةً في سبيل الله»، وفي رواية سفيان، عن معمر، عن الزهري عند البخاريّ في «النفقات»: «كان النبيّ - ﷺ - يبيع نخل بني النضير، ويحبس لأهله قوت سنتهم»؛ أي: ثمر النخل، وفي رواية أبي داود، من طريق أسامة بن زيد، عن ابن شهاب: «كانت لرسول الله - ﷺ - ثلاث صَفَايا: بنو النضير، وخيبر، وفَدَك، فأما بنو النضير فكانت حُبْسًا لنوائبه، وأما فَدَك فكانت حُبْسًا لأبناء السبيل، وأما خيبر فجزأها بين المسلمين، ثم قسم جزءًا لنفقة أهله، وما فضل منه جعله في فقراء المهاجرين». ولا تعارض بينهما؛ لاحتمال أن يُقسَم في فقراء المهاجرين، وفي مُشْتَرى السلاح والكراع، وذلك مفسِّر لرواية معمر عند مسلم: «ويجعل ما بَقِيَ منه مَجْعَل مال الله»، وزاد أبو داود في رواية أبي الْبَخْتَري المذكورة: «وكان ينفق على أهله، ويتصدق بفضله». وهذا لا يعارض حديث عائشة - ﵂ -: أنه - ﷺ - تُوُفّي ودرعه مرهونة على شعير»؛ لأنه يُجمع بينهما بأنه كان يدّخر لأهله قوت سنتهم، ثم في طول السنة يَحتاج لمن يَطْرُقه إلى إخراج شيء منه، فيُخرجه، فيحتاج إلى أن يُعَوِّض من يأخذ منها عِوَضه، فلذلك استدان. انتهى ما في«الفتح»، وهو بحث مفيد جدًّا، والله تعالى أعلم. (قَالَ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾)، وقوله: (مَا أَدْرِي هَلْ قَرَأَ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَهَا أَمْ لَا؟) هذا تردّد من بعض الرواة: هل قرأ عمر - ﵁ - الآية السابقة مع هذه، أم لم يقرأها؟، وقد ثبت في رواية البخاريّ أنه قرأها، ونضه:«ثم قرأ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿قَدِيرٌ﴾ »، قال في«العمدة»: وتمام الآية: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦]؛ أي: وما رَدّ الله على رسوله - ﷺ -، ورجع إليه، ومنه فيء الظل، والفيء كالعَوْد، والرجوع يُستعمل بمعنى المصير، وإن لم يتقدم ذلك. وقوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ﴾ من الإيجاف، من الوَجِيف، وهو السير السريع، والمعنى: إنما جعل الله تعالى لرسوله - ﷺ - من أموال بني النضير شيئًا لم تُحَصِّلوه بالقتال والغلبة، ولكن سَلّط الله رسوله - ﷺ - عليهم، وعلى أموالهم، كما كان يسلط رسله على أعدائهم، فالأمر فيه مُفَوَّض إليه، يضعه حيث يشاء، وهو معنى قوله: «فكانت هذه خالصة لرسول الله - ﷺ -، ولا حقّ لأحد فيها، فكان يأخذ منها نفقته، ونفقة أهله، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين». انتهى . (قَالَ: فَقَسَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَكُمْ أَمْوَالَ بَنِي النَّضِير، فَوَاللهِ مَا اسْتَأْثَرَ عَلَيْكُمْ)؛ أي: ما اختصّ رسول الله - ﷺ - بها نفسه، وإنما أنفقها عليكم (وَلَا أخَذَهَا دُونَكُمْ، حَتَّى بَقِيَ هَذَا الْمَالُ)؛ أي: المال الذي وقعت فيه الخصومة بين العبّاس وعليّ - ﵄ -، وفي رواية للبخاريّ: «قال عمر: فإني أحدّثكم عن هذا الأمر، إن الله قد خصّ رسوله - ﷺ - في هذا الفيء بشيء لم يُعطه أحدًا غيره، ثم قرأ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦]، فكانت هذه خالصة لرسول الله - ﷺ -، ووالله ما احتازها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، قد أعطاكموها، وبثّها فيكم، حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله - ﷺ - يُنفق على أهله نفقة سنتهم …» الحديث. (فَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَأْخُذُ مِنْهُ نَفَقَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ أُسْوَةَ الْمَالِ) بضمّ الهمزة، وكسرها؛ أي: تابعًا للمال المعذ لمصالح المسلمين، وفي رواية معمر التالية: «ثم يجعل ما بقي منه مَجْعل مال الله - ﷿ -». (ثُمَّ قَالَ) عمر - ﵁ - لعثمان، وعبد الرحمن، والزبير وسعد - ﵁ - (أَنْشُدُكُمْ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، مضارع نَشَدَ ثلاثيًّا، من باب نصر، يقال: نشدتك اللهَ، وبالله أنشُدُك: ذَكَّرتك به، واستعطفتك، أو سألتك مُقسِمًا عليك ، وهذا المعنى الأخير هو المناسب هنا، (بِاللهِ الَّذِي بإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، أتعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، ثُمَّ نَشَدَ عَبَّاسًا وَعَلِيًّا) - ﵄ - (بِمِثْلِ مَا نَشَدَ بِهِ الْقَوْمَ، أتعْلَمَانِ ذَلِكَ؟ قَالَا: نَعَمْ، قَالَ) عمر - ﵁ - (فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وفي رواية للبخاريّ: «ثم تَوَفَّى الله نبيّه - ﷺ -، فقال أبو بكر: أنا وفي رسول الله - ﷺ - …»، (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق - ﵁ - (أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَجِئْتُمَا، تَطْلُبُ مِيرَاثَكَ) يريد العبّاس - ﵁ -، (مِنَ ابْنِ أَخِيكَ) يريد النبيّ - ﷺ -، (وَيَطْلُبُ هَذَا) يريد عليًّا - ﵁ -، (مِيرَاثَ امْرَأَتِهِ) فاطمة - ﵄ - (مِنْ أَبِيهَا) - ﷺ -، (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) - ﵁ - (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «ما) نافية؛ أي: لا، (نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا)»ما«اسم موصول مبتدأ، والعائد محذوف، وقوله: (صَدَقَةٌ») خبر المبتدإ؛ أي: المال الذي تركناه بعد موتنا يكون صدقة على المحتاجين، (فَرَأَيْتُمَاهُ كَاذِبًا، آثِمًا، غَادِرًا، خَائِنًا)، وفي رواية عقيل: وأنتما حينئذ - وأقبل على عليّ وعباس - تزعمان أن أبا بكر كذا وكذا«، وفي رواية شعيب:»كما تقولان«، قال في»الفتح«: وكأن الزهريّ كان يحدث به تارةً، فيصرّح، وتارةً، فيكني، وكذلك مالك، وقد حُذف ذلك في رواية بشر بن عمر عنه، عند الإسماعيليّ، وغيره، وهو نظير ما سبق من قول العباس لعليّ - ﵄ -، وهذه الزيادة من رواية عمر عن أبي بكر، حُذفت من رواية إسحاق الْفَرْويّ شيخ البخاريّ. وقد ثبت أيضًا في رواية بشر بن عمر عنه عند أصحاب«السنن»، والإسماعيليّ، وعَمرو بن مرزوق، وسعيد بن داود، كلاهما عند الدارقطنيّ، عن مالك، على ما قال جويرية، عن مالك، واجتماع هؤلاء عن مالك يدلّ على أنهم حفظوه. وهذا القدر المحذوف من رواية إسحاق ثبت من روايته في موضع آخر من الحديث، لكن جعل القصّة فيه لعُمر، حيث قال:«جئتني يا عباس تسألني نصيبك من ابن أخيك»، وفيه:«فقلت لكما: إن رسول الله - ﷺ - قال: لا نورث»، فاشتمل هذا الفصل على مخالفة إسحاق لبقية الرواة عن مالك، في كونهم جعلوا القصّة عند أبي بكر، وجعلوا الحديث المرفوع من حديث أبي بكر، من رواية عمر عنه، وإسحاق الفَرْويّ جعل القصّة عند عمر، وجعل الحديث المرفوع من روايته، عن النبيّ - ﷺ - بغير واسطة أبي بكر. وقد وقع في رواية شعيب، عن ابن شهاب نظير ما وقع في رواية إسحاق الْفَرْويّ سواءً، وكذلك وقع في رواية يونس، عن ابن شهاب، عند عُمر بن شَبّة. وأما رواية عُقيل عند البخاريّ في «الفرائض» فاقتصر فيها على أن القصة وقعت عند عمر بغير ذكر الحديث المرفوع أصلًا، قال الحافظ: وهذا يُشعر بأن لسياق إسحاق الْفَرْويّ أصلًا، فلعل القصتين محفوظتان، واقتصر بعض الرواة على ما لم يذكره الآخر، ولم يتعرض أحد من الشراح لبيان ذلك. وفي ذلك إشكال شديد، وهو أن أصل القصة صريح في أن العباس وعليًّا - ﵄ - قد عَلِما بأنه - ﷺ - قال: «لا نورث»، فإن كانا سمعاه من النبيّ - ﷺ -، فكيف يطلبانه من أبي بكر؟، وإن كانا إنما سمعاه من أبي بكر، أو في زمنه، بحيث أفاد عندهما العلم بذلك، فكيف يطلبانه بعد ذلك من عمر؟. قال الحافظ: والذي يظهر - والله أعلم - حَمْلُ الأمر في ذلك كما سيأتي في الحديث الآتي في حقّ فاطمة - ﵁ -، وأن كلًّا من عليّ، وفاطمة، والعباس - ﵃ - اعتقد أن عموم قوله: «لا نورث» مخصوص ببعض ما يَخْلُفُه دون بعض، ولذلك نَسَب عمر إلى عليّ وعباس أنهما كانا يعتقدان ظلم من خالفهما في ذلك. وأما مخاصمة عليّ وعباس بعد ذلك ثانيًا عند عمر، فقال إسماعيل القاضي - فيما رواه الدارقطنيّ من طريقه -: لم يكن في الميراث إنما تنازعا في ولاية الصدقة، وفي صرفها، كيف تُصْرَف؟ كذا قال، لكن في رواية النسائيّ، وعُمر بن شَبَّة من طريق أبي الْبَخْتَريّ ما يدلّ على أنهما أرادا أن يَقْسِم بينهما على سبيل الميراث، ولفظه في آخره: «ثم جئتماني الآن تختصمان، يقول هذا: أريد نصيبي من ابن أخي، ويقول هذا: أريد نصيبي من امرأتي، والله لا أقضي بينكما إلا بذلك»؛ أي: إلا بما تقدَّم من تسليمها لهما على سبيل الولاية. وكذا وقع عند النسائيّ من طريق عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس نحوه، وفي «السنن» لأبي داود وغيره: أرادا أن عمر يقسمها لينفرد كل منهما بنظر ما يتولاه، فامتنع عمر من ذلك، وأراد أن لا يقع عليها اسم قَسْم، ولذلك أقسم على ذلك، وعلى هذا اقتصر أكثر الشُّرّاح، واستحسنوه، وفيه من النظر ما تقدم. وأعجب من ذلك جَزْم ابن الجوزيّ، ثم الشيخ محيي الدين بأن عليًّا وعباسًا لم يطلبا من عمر إلا ذلك، مع أن السياق صريح في أنهما جاءاه مرتين في طلب شيء واحد، لكن العذر لابن الجوزيّ والنوويّ أنهما شرحا اللفظ الوارد في مسلم دون اللفظ الوارد في البخاريّ، والله أعلم. وأما قول عمر: «جئتني يا عباس تسألني نصيبك من ابن أخيك»، فإنما عبَّر بذلك لبيان قسمة الميراث، كيف يُقْسَم أن لو كان هناك ميراث؟ لا أنه أراد الغض منهما بهذا الكلام. وزاد الإمامي عن ابن شهاب عند عُمر بن شَبّة في آخره: (فأَصْلِحا أمركما، وإلا لم يُرجع والله إليكما، فقاما، وتركا الخصومة، وأُمضيت صدقةً»، وزاد شعيب في آخره:«قال ابن شهاب: فحَدَّثت به عروة، فقال: صدق مالك بن أوس، أنا سمعت عائثة تقول، فذكر حديثًا، قال: وكانت هذه الصدقة بيد عليّ منعها عبّاسًا، فغلبه عليها، ثم كانت بيد الحسن، ثم بيد الحسين، ثم بيد عليّ بن الحسين، والحسن بن الحسن، ثم بيد زيد بن الحسن، وهي صدقة رسول الله - ﷺ - حقًّا». ورَوَى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهرفي مثله، وزاد في آخره:«قال معمر: ثم كانت بيد عبد الله بن حسن، حتى ولي هؤلاء - يعني: بني العباس - فقبضوها»، وزاد إسماعيل القاضي:«أن إعراض العباس عنها كان في خلافة عثمان»، قال عمر بن شبة: سمعت أبا غسان - هو محمد بن يحيى المدني - يقول:«إن الصدقة المذكورة اليوم بيد الخليفة يَكْتب في عَهْده يولِّي عليها مِنْ قِبَله مَن يقبضها، ويفرّقها في أهل الحاجة، من أهل المدينة». قال الحافظ: كان ذلك على رأس المائتين، ثم تغيّرت الأمور، والله المستعان. انتهى . وقد استشكل الكرمانيّ - ﷿ -، فقال: إن كان الدفع إليهما صوابًا، فلِمَ لم يدفعه عمر - ﵁ - في أول الحال؛ وإلا فلم دفعه في الآخر؟ وأجاب بأنه مَنَعهما أوّلًا على الوجه الذي كانا يطلبانه من التملك، وثانيًا أعطاهما على وجه التصرف فيها، كما تصرف رسول الله - ﷺ - وصاحباه: أبو بكر وعمر - ﵄ -. وقال الخطابيّ هذه القصة مُشكِلة جدًّا، وذلك أنهما إذا كانا قد أخذا هذه الصدقة من عمر على الشريطة التي شَرَطها عليهم، وقد اعترفا بأنه قال - ﷺ -:«ما تركنا صدقةٌ»، وقد شهد المهاجرون بذلك، فما الذي بدا لهما بعدُ حتى تخاصما؟ والمعنى في ذلك أنه كان يَشُقّ عليهما الشركة، فطلبا أن يُقْسَم بينهما؛ ليستبدّ كل واحد منهما بالتدبير، والتصرف فيما يصير إليه، فمنعهما عمر - ﵁ - القَسْم؛ لئلا يجري عليها اسم المُلك؛ لأن القسمة إنما تقع في الأموال، ويتطاول الزمان، فتُظَنّ به الملكية، وقال أبو داود: ولمّا صارت الخلافة إلى عليّ - ﵁ - لم يغيرها عن كونها صدقة. انتهى . (وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُ)؛ أي: إن أبا بكر - ﵁ -، و«إنه» بكسر الهمزة؛ لدخول اللام في خبرها، كما قال في «الخلاصة»: وَبَعْدَ ذَاتِ الْكَسْرِ تَصْحَبُ الْخَبَرْ … لَامُ ابْتِدَاءٍ نَحْوُ «إِنِّي لَوَزَرْ» (لَصَادِقٌ) فيما قاله، (بَارٌّ) بتشديد الراء: اسم فاعل من برّ، يقال: بَرَّ الرجلُ يَبَرّ بِرًّا، وزانُ عَلِمَ يَعْلَمُ عِلْمًا، فهو بَرّ بالفتح، وبارّ أيضًا؛ أي: صادقٌ، أو تقيّ، وهو خلاف الفاجر، وجمع الأول أَبْرَاز، وجمع الثاني: بَرَرَ»، مثلُ كافر وكَفَرَةٌ، ومنه قولهم للمؤذّن:«صدقتَ، وبَرَرتَ»؛ أي: صدقت في دعواك إلى الطاعات، وصِرْت بارًّا، دعاء له بذلك، ودعاءٌ له بالقبول، والأصل: بَرّ عملك، وبَرِرْتُ والدي أبرّه برًّا، وبُرُورًا: أحسنتُ الطاعة إليه، ورَفقتُ به، وتحرّيتُ محابّه، وتوقّيتُ مكارهه، قاله الفيّوميّ . (رَاشِدٌ) اسم فاعل، من رَشَدَ رَشَدًا، من باب تَعِبَ، ورَشَد يرشُد، من باب نصر، والاسم: الرَّشَادُ، من الرشد، وهو الصلاح، وهو خلاف الغيّ والضلال، وهو إصابة الحقّ ، وقوله: (تَابعٌ لِلْحَقِّ) مؤكّد لما سبق، (ثُمَّ تُوُفِّيَ) بالبناء للمفعول؛ أي: مات (أَبُو بَكْرٍ) - ﵁ - (وَأَنَا وَليُّ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَوَليُّ أَبِي بَكْرٍ) - ﵁ -، وفي رواية البخاريّ: «ثم تَوَفَّى اللهُ أبا بكر، فكنت أنا وليّ أبي بكر»، (فَرَأَيْتُمَانِي كَاذِبًا، آثِمًا، غَادِرًا، خَائِنًا، وَاللهُ يَعْلَمُ إِنِّي) بكسر الهمزة على ما تقدّم توجيهه، (لَصَادِقٌ، بَارّ، رَاشِدٌ، تَابعٌ لِلْحَقّ، فَوَليتُهَا) بفتح الواو، وكسر اللام، من باب وَرَثَ؛ أي: صرت واليًا عليها، ومتصرّفًا فيها، ويَحْتَمل أن يكون بتشديد اللام، مبنيًّا للمفعول. (ثُمَّ جِئْتَنِي أَنْتَ) يريد عبّاسًا، (وَهَذَا) يريد عليًّا، وقوله: (وَأنتُمَا جَمِيعٌ) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي: والحال أنكما مجتمعان، لا اختلاف بينكما، فقوله: (وَأَمْرُكُمَا وَاحِدٌ) بمعناه، ومؤكّد له، (فَقُلْتُمَا: ادْفَعْهَا اِلَيْنَا، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتُمْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُمَا، عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللهِ) بنصب «عهدَ» على أنه اسم «أنّ» مؤخّرًا، وخبرها الجارّ والمجرور قبله؛ أي: على أن ميثاق الله عليكما، (أنْ تَعْمَلَا فِيهَا) «أن» مصدريّة، والمصدر المؤوّل مجرور بحرف جرّ مقدّر؛ أي: على العمل، (بالَّذِي)؛ أي: بالعمل الذي (كَانَ يَعْمَلُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: به، فحذف العائد، (فَأَخَذْتُمَاهَا بِذَلِكَ)؛ أي: بالعهد المذكور. (قَالَ) عمر - ﵁ - (أَكَذَلِكَ؟)؛ أي: هل الأمر كما ذكرت لكما؟، (قَالَا)؛ أي: عبّاس وعليّ - ﵄ - (نَعَمْ) الأمر كما ذكرت، (قَالَ) عمر - ﵁ - (ثُمَّ جِئْتُمَانِي)؛ أي: الآن (لأَقضِيَ بَيْنَكُمَا)؛ أي: بغير ما ذُكر، وهو أن يقسمه بينهما، ويُعيّن لكلّ واحد منهما نصيبًا معيّنًا يقوم فيه وحده بلا مناعة أحد، (وَلَا وَاللهِ لَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا) «لا» الثانية مؤكّدة للأولى، وتوسّط بينهما القسم، (بِغَيْرِ ذَلِكَ)؛ أي: بغير ما سبق بيانه؛ يعني: بأن يَقسم توليته بينهما بما يوهم أنه قسم الأرض بينهما تمليكًا، قال أبو داود - ﵀ - في «سُننه» بعد روايته هذا الحديث: «إنما سألاه أن يكون يصيّره بينهما نصفين، لا أنهما جَهِلا أن النبيّ - ﷺ - قال: لا نورث، ما تركنا صدقة، فإنهما كانا لا يطلبان إلا الصواب، فقال عمر: لا أُوقع عليه اسم القسم، أَدَعُهُ على ما هو عليه». انتهى . (حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ)؛ يعني: أن هذا الحكم لا يتغيّر أبدًا؛ لأنه مبنيّ على ما سَنَّه رسول الله - ﷺ -، ولا نَسْخ بعده، (فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهَا)؛ أي: عن القيام بهذه الصدقات حقّ القيام (فَرُدَّاهَا إِلَيَّ)؛ أي: حتى أقوم بها مثلما قمت بها سابقًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطّاب - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٤٥٦٥ و٤٥٦٦ و٤٥٦٧ و٤٥٦٨] (١٧٥٧)، و(البخاريّ) في «الجهاد» (٢٩٠٤) و«فرض الخمس» (٣٠٩٤) و«المغازي» (٤٠٣٣) و«التفسير» (٤٨٨٥) و«النفقات» (٥٣٥٧) و«الفرائض» (٥٣٥٨) و(٦٧٢٨) و«الاعتصام» (٧٣٠٥)، و(أبو داود) في «الجهاد» (٢٩٦٣ و٢٩٦٥)، و(الترمذيّ) في «السير» (١٦١٠)، و(النسائيّ) في «قسم الفيء» (٧/ ١٣٦ - ١٣٧) و«الكبرى» (٣/ ٤٩ و٤/ ٦٤ - ٦٥)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٩٧٧٢)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٢٢)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٢٥ و٤٨ و١٦٢ و١٦٤ و١٧٩ و١٩١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٦٠٨)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٢٤٥ و٢٤٦ و٢٤٨)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ٢٧٦)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢ و٣ و٤)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (٢/ ٣١٤)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٢/ ٤ و٥ و٣/ ٢٨ و٣٠٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ٢٩٧ - ٢٩٨)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٢٧٣٨) وفي «التفسير» (٤/ ٤١٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الأنبياء لا يورثون، قال العلماء: والحكمة في أنهم لا يورثون أنه لا يؤمَن أن يكون في الورثة من يتمنّى موتهم، فيهلك، ولئلا يُظنّ بهم الرغبة في الدنيا، وأنهم إنما يجمعون المال لوارثيهم، فيهلك الظانّ، وينفر الناس عنهم . ٢ - (ومنها): أنه ينبغي أن يُوَلَّى أمرَ كل قبيلة سيدُهم، وتُفوَّض إليه مصلحتهم؛ لأنه أعرف بهم، وأرفق بهم، وأبعد من أن يَأْنَفُوا من الانقياد له، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]. ٣ - (ومنها): جواز مناداة الرجل الشريف الكبير باسمه، وبالترخيم حيث لم يُرَد بذلك تنقيصه. ٤ - (ومنها): جواز استعمال الترخيم، ولا عار على المنادَى بذلك، ولا نقيصة. ٥ - (ومنها): استعفاء الشخص من الولاية، وسؤاله الإمام ذلك بالرفق؛ لِعِظم مسؤوليّتها. ٦ - (ومنها): جواز احتجاب المتولي في وقت الحاجة؛ لطعامه، أو وضوئه، أو نحو ذلك. ٧ - (ومنها): جواز قبول خبر الواحد. ٨ - (ومنها): استشهاد الإمام على ما يقوله بحضرة الخصمين العدولَ؛ لتقوى حجته في إقامة الحقّ، وقمع الخصم. ٩ - (ومنها): جواز الجلوس بين يدي الإمام، والشفاعة عنده في إنفاذ الحكم، وتبيين الحاكم وجه حكمه. ١٠ - (ومنها): إقامة الإمام من ينظر على الوقف نيابة عنه، والتشريك بين الاثنين في ذلك، ويؤخذ منه جواز أكثر منهما بحسب المصلحة. ١١ - (ومنها): جواز ادّخار القوت لسنة؛ خلافًا لقول من أنكره من متشددي المتزهدين، وأن ذلك لا ينافي التوكل. ١٢ - (ومنها): جواز اتخاذ العَقار، واستغلال منفعته، ويؤخذ منه جواز اتخاذ غير ذلك من الأموال التي يحصل بها النماء والمنفعة، من زراعة، وتجارة، وغير ذلك. ١٣ - (ومنها): أن الإمام إذا قام عنده الدليل صار إليه، وقضى بمقتضاه، ولم يَحْتَج إلى أخذه من غيره. ١٤ - (ومنها): أنه يؤخذ منه جواز حكم الحاكم بعلمه. ١٥ - (ومنها): أن الأتباع إذا رأوا من الكبير انقباضًا لم يفاتحوه، حتى يفاتحهم بالكلام. ١٦ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن النبيّ - ﷺ - كان لا يملك شيئًا من الفيء، ولا خمس الغنيمة إلا قدر حاجته، وحاجة من يمونه، وما زاد على ذلك كان له فيه التصرف بالقسم، والعطية. وقال آخرون: لم يجعل الله لنبيّه - ﷺ - مُلك رقبة ما غَنِمه، وإنما مَلَّكه منافعه، وجعل له منه قدر حاجته، وكذلك القائم بالأمر بعده. وقال ابن الباقلاني في الردّ على من زعم أن النبيّ - ﷺ - يورث: احتجوا بعموم قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] قال: أما من أنكر العموم، فلا استغراق عنده لكل من مات أنه يورث، وأما من أثبته فلا يُسَلِّم دخول النبيّ - ﷺ - في ذلك، ولو سُلِّم دخوله لوجب تخصيصه؛ لصحة الخبر، وخبر الآحاد يخصِّص، وإن كان لا يَنسخ، فكيف بالخبر إذا جاء مثل مجيء هذا الخبر، وهو: «لا نورث»؟ انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قول الباقلّانيّ: «وإن كان لا يَنسخ» فيه أن الحقّ جواز نسخ الكتاب بخبر الواحد، راجع ما كتبته على «الكوكب الساطع» في الأصول (ص ٢٣٢ - ٢٣٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى قوله - ﷺ -: «إنا لا نورث ما تركناه، فهو صدقة»: ذهب قوم من أهل البصرة منهم ابن علية إلى أن هذا مما خُصّ به نبينا - ﷺ - زيادة في فضله، كما خُصّ بما خُصّ به من نكاح فوق الأربع بالموهوبة من غير صداق، إلى أشياء خصه الله بها؛ زيادةً في فضائله - ﷺ -. وذهب آخرون إلى أن ذلك للأنبياء كلهم، لا يورثون، وما تركوا فهو صدقة. واحتجوا بما أخرجه الدارقطنيّ عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحدثان، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: حدّثنا أبو بكر، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «إنا معشر الأنبياء ما تركنا فهو صدقة». وبما أخرجه ابن عبد البرّ قال: حدّثنا سعيد بن نصر، قال: حدّثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدّثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدّثنا الحميديّ، قال: حدّثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة، بعد نفقة نسائي، ومؤنة عامِلِي». ورواه مالك في «الموطأ» عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يقتسم ورثتي دنانير، ما تركت بعد نفقة نسائي، ومؤنة عاملي، فهو صدقة». قال أبو عمر: هكذا قال يحيى: «دنانير»، وغيره من رواة «الموطأ» يقولون: «لا يقتسم ورثتي دينارًا». قال: فعلى هذين القولين جماعة علماء السلف، إلا الروافض، وهم لا يُعَدُّون خلافًا؛ لشذوذهم فيما ذهبوا إليه في هذا الباب عن سبيل المؤمنين، ولا حجة لهم في قول الله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦]، وقوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦]؛ لأن سليمان إنما ورث من داود النبوة، والعلم، والحكمة، كذلك قال جماعة العلماء بتأويل القرآن، وكذلك قالوا في قوله تعالى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾، إلا الحسن، فإنه قال: يرثني مالًا، ويرث من آل يعقوب النبوة، والحكمة. وكيف يسوغ لمسلم أن يظن أن أبا بكر - ﵁ - منع فاطمة ميراثها من أبيها؟ ومعلوم عند جماعة العلماء أن أبا بكر - ﵁ - كان يعطي الأحمر والأسود، ويسوي بين الناس في العطاء، ولم يستأثر لنفسه بشيء، ويستحيل في العقل أن يمنع فاطمة، ويردّه على سائر المسلمين، وقد أمر بنيه أن يردّوا ما زاد في ماله منذ وَلي أمر المسلمين إلى بيت المال، وقال: إنما كان لنا من أموالهم ما لَبِسنا على ظهورنا، وما أكلنا من طعامهم. ورَوَى أبو ضمرة أنس بن عياض، عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أن أبا بكر لمّا حضرته الوفاة قال لعائشة: ليس عند آل أبي بكر شيء غير هذه اللِّقْحة، والغلام الصغير، كان يعمل سيوف المسلمين، ويخدُمنا، فإذا مت فادفعيه إلى عمر، فلما مات دفعته إلى عمر، فقال عمر: رحم الله أبا بكر لقد أتعب مَن بعده. قال أبو عمر: لم ير أبو بكر مما يخلفه رسول الله - ﷺ - من بني النضير، وفدك، وسهمه بخيبر، وغير ذلك مما أفاء الله عليه، إلا أن يليه بما كان رسول الله - ﷺ - عليه، فيُنفق منه على عيال رسول الله - ﷺ -، ويأخذ منه لهم كل عام قوت العام، ويجعل ما فَضَل في الكراع والسلاح، كما كان رسول الله - ﷺ - يفعل. وفي هذه الولاية تخاصَم إليه عليّ والعباس ليليها كل واحد منهما بما كان رسول الله - ﷺ - يليها به. ورَوَى حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن أبي بكر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا نورث»، ولكنى أعول من كان رسول الله - ﷺ - يعول، وأُنفق على ما كان رسول الله - ﷺ - ينفق. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر من مجموع الأدلّة أن قوله - ﷺ -: «لا نورث» عامّ يعمّه وغيره من الأنبياء، فهذا هو الصحيح، وما استدلّ به الآخرون من قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ ونحوه، فهو وراثة النبوّة والعلم، لا وراثة المال، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في مصرف الفيء: ذهب مالك - ﵀ - إلى أن الفيء والخمس سواءٌ، يُجعلان في بيت المال، ويُعطي الإمام أقارب النبيّ - ﷺ - بحسب اجتهاده. وذهب الجمهور إلى الفرق بين خُمس الغنيمة، وبين الفيء، فقالوا: الخُمس موضوع فيما عيّنه الله فيه من الأصناف المسمَّين في آية الخمس، من «سورة الأنفال»، لا يُتَعدَّى به إلى غيرهم، وأما الفيء فهو الذي يرجع النظر في مصرفه إلى رأي الإمام، بحسب المصلحة. وانفرد الشافعيّ - كما قال ابن المنذر وغيره - بأن الفيء يخمس، وأن أربعة أخماسه للنبيّ - ﷺ - وله خمس الخمس، كما في الغنيمة، وأربعة أخماس الخمس لمستحق نظيرها من الغنيمة. وقال الجمهور: مصرف الفيء كله إلى رسول الله - ﷺ -، واحتجوا بقول عمر - ﵁ -: «فكانت هذه لرسول الله - ﷺ - خاصّةً»، وتأول الشافعيّ قول عمر - ﵁ - المذكور بأنه يريد الأخماس الأربعة . وقال الإمام ابن القيّم - ﵀ - في «الهدي»: وقد اختلف الفقهاء في الفيء، هل كان ملكًا لرسول الله - ﷺ -، يتصرّف فيه كيف يشاء، أو لم يكن ملكًا له؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره. والذي تدلّ عليه سُنَنه، وهديه أنه كان يتصرّف فيه بالأمر، فيضعه حيث أمره الله، ويَقسمه على من أُمر بقسمته عليهم، فلم يكن يتصرّف فيه تصرّف المالك بشهوته، وإرادته، يُعطي من أحبّ، ويمنع من أحبّ، وإنما كان يتصرّف فيه تصرّف العبد المأمور، يُنقذ ما أمره به سيّده ومولاه، فيُعطي من أُمر بإعطائه، ويمنع من أُمر بمنعه، وقد صَزَحَ رسول الله - ﷺ - بهذا، فقال: «والله إني لا أعطي أحدًا، ولا أمنعه، إنما أنا قاسم أضع حيث أُمرت»، فكان عطاؤه ومَنْعه وقَسْمه بمجرّد الأمر، فإن الله سبحانه خئره بين أن يكون عبدًا رسولًا، وبين أن يكون مَلِكًا رسولًا، فاختار أن يكون عبدًا رسولًا. والفرق بينهما أن العبد الرسول لا يتصرّف إلا بأمر سيّده ومُرسله، والملِك الرسول له أن يُعطي من يشاء، وَيمنع من يشاء، كما قال تعالى للملك الرسول سليمان - ﵇ -: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩)﴾ [ص: ٣٩]؛ أي: أعط من شئت، وامنع من شئت، لا نُحاسبك، وهذه المرتبة التي عُرِضت على نبيّنا - ﷺ -، فرغِب عنها إلى ما هو أعلى منها، وهي مرتبة العبوديّة المحضة التي تصرّف صاحبها فيها مقصور على أمر السيّد في كلّ دقيق وجليل. والمقصود أن تصرّفه في الفيء بهذه المثابة، فهو ملك يُخالف حكم غيره من المالكين، ولهذا كان يُنفق مما أفاء الله عليه، مما لم يوجِف المسلمون عليه بِخَيْل، ولا رِكاب على نفسه، وأهله نفقة سنتهم، ويجعل الباقي في الكُرَاع والسلاح، عُدَّةً في سبيل الله - ﷿ -، وهذا النوع من الأموال هو السهم الذي وقع فيه بعده فيه من النزاع ما وقع إلى اليوم. فأما الزكوات، والغنائم، وقسمة المواريث، فإنها مُعيَّنَةٌ لأهلها، لا يَشرَكهم غيرهم فيها، فلم يُشكل على ولاة الأمر بعده من أمرها ما أشكل عليهم من الفيء، ولم يقع فيها من النزاع ما وقع فيه، ولولا إشكالُ أَمْره عليهم، لَمَا طَلَبت فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - ميراثها مِن تَرِكَته، وظنّت أنه يورث عنه ما كان مُلكًا له كسائر المالكين، وخفي عليها - ﵂ - حقيقة الملك الذي ليس مما يورث عنه، بل هو صدقةٌ بعده، ولَمّا عَلِم ذلك خليفته الراشد البارّ الصّدّيق، ومن بعده من الخلفاء الراشدين، لم يجعلوا ما خلفه من الفيء ميراثًا يُقسم بين ورثته، بل دفعوه إلى عليّ والعبّاس، يعملان فيه عملَ رسول الله - ﷺ -، حتى تنازعا فيه، وترافعا إلى أبي بكر الصّدّيق وعمر - ﵃ -، ولم يَقسِم أحدٌ منهما ذلك ميراثًا، ولا مكّنا منه عبّاسًا وعليًّا، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآيات [الحشر: ٧ - ١٠]، فأخبر سبحانه أن ما أفاء الله على رسوله - ﷺ - بجملته لمن ذُكر في هذه الآيات، ولم يخصّ منه خمسه بالمذكورين، بل عمّم، وأطلق، واستوعب، ويُصرف على المصارف الخاصّة، وهم أهل الخمس، ثم على المصارف العامّة، وهم المهاجرون والأنصار، وأتباعهم إلى يوم الدين، فالذي عمِل به هو، وخلفاؤه الراشدون هو المراد من هذه الآيات، ولذلك قال عمر بن الخطّاب - ﵁ - فيما رواه أحمد - ﵀ - وغيره عنه: «ما أحد أحقّ بهذا المال من أحد، وما أنا أحقّ به من أحد، والله ما من المسلمين أحدٌ إلا وله في هذا المال نصيبٌ، إلا عبد مملوك، ولكنّا على منازلنا من كتاب الله، وقَسْمِنا من رسول الله - ﷺ -، فالرجل وبلاؤه في الإسلام، والرجل وقِدَمه في الإسلام، والرجل وغَنَاؤه في الإسلام، والرجل وحاجته، ووالله لئن بقِيتُ لهم ليأتينّ الراعي بجبل صنعاء حظّه من هذا المال، وهو يرعى مكانه». فهؤلاء المسمّون في آية الفيء هم المسمّون في آية الخمس؛ لأنهم المستحقّون لجملة الفيء، وأهل الخمس لهم استحقاقان: استحقاقٌ خاصّ من الخمس، واستحقاق عامّ من جملة الفيء، فإنهم داخلون في النصيبين، وكما أن قسمته من جملة الفيء بين من جُعل له ليس قسمةَ الأملاك التي يشترك فيها المالكون؛ كقسمة المواريث، والوصايا، والأملاك المطلقة، بل بحسب الحاجة، والنفع، والغناء في الإسلام، والبلاء فيه، فكذلك قسمة الخمس في أهله، فإن مخرجهما واحد في كتاب الله، والتنصيص على الأصناف الخمسة يُفيد تحقيق إدخالهم، وأنهم لا يخرجون من الفيء بحال، وأن الخمس لا يعدوهم إلى غيرهم؛ كأصناف الزكاة لا تعدوهم إلى غيرهم، كما أن الفيء العامّ في آية الحشر للمذكورين فيها، لا يتعدّاهم إلى غيرهم، ولهذا أفتى أئمة الإسلام؛ كمالك، وأحمد، وغيرهما أن الرافضة لا حقّ لهم في الفيء؛ لأنهم ليسوا من المهاجرين، ولا من الأنصار، ولا من الذين جاؤوا من بعدهم يقولون: ربّنا اغفر لنا، ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، وهذا مذهب أهل المدينة، واختيار شيخ الإسلام ابن تيميّة، وعليه يدلّ القرآن، وفِعلُ رسول الله - ﷺ -، وخلفائه الراشدين. وقد اختلف الناس في آية الزكاة، وآية الخمس، فقال الشافعيّ: تجب قسمة الزكاة والخمس على الأصناف كفها، ويُعطي من كلّ صنف من يُطلق عليه اسم الجمع. وقال مالك، وأهل المدينة: بل يُعطي في الأصناف المذكورة فيهما، ولا يعدوهم إلى غيرهم، ولا تجب قسمة الزكاة، ولا الفيء في جميعهم. وقال أحمد، وأبو حنيفة بقول مالك رحمهم الله تعالى في آية الزكاة، وبقول الشافعيّ رحمه الله تعالى في آية الخمس. ومن تأمّل النصوص، وعَمَلَ رسول الله - ﷺ -، وخلفائه، وجده يدلّ على قول أهل المدينة، فإن الله - ﷾ -، جعل أهل الخمس هم أهل الفيء، وعيّنهم اهتمامًا بشأنهم، وتقديمًا لهم، ولَمّا كانت الغنائم خاصّةً بأهلها، لا يَشْرَكُهم فيها سواهم، نصّ على خمسها لأهل الخمس، ولمّا كان الفيء لا يختصّ بأحد، دون أحد، جعل جملته لهم، وللمهاجرين والأنصار، وتابعيهم، فسوّى بين الخمس، وبين الفيء في المصرف، وكان رسول الله - ﷺ - يَصرِف سهم الله، وسهمه في مصالح الإسلام، وأربعة أخماس الخمس في أهلها، مقدّمًا الأهمّ، فالأهمّ، والأحوج، فالأحوج، فيُزوّج منه عزّابهم، وَيقضي منه ديونهم، ويُعين ذا الحاجة منهم، ويُعطي عَزَبهم حظًّا، ومتزوّجهم حظّين، ولم يكن هو، ولا أحدٌ من خلفائه يجمعون اليتامى، والمساكين، وأبناء السبيل، وذوي القربى، ويقسمون أربعة أخماس الفيء بينهم على السويّة، ولا على التفضيل، كما لم يكونوا يفعلون ذلك في الزكاة، فهذا هديه، وسيرته - ﷺ -، وهو فصل الخطاب، ومحض الصواب. انتهى كلام العلامة ابن القيّم - ﵀ - . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه ابن القيّم - ﵀ - تحقيقٌ حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال أبو عبد الله القرطبيّ - ﵀ - في «تفسيره»: لم يختلف العلماء أن قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] ليس على عمومه، وأنه يدخله التخصيص، فمما خصّصوه بإجماع أن قالوا: سلب المقتول لقاتله، إذا نادى به الإمام، وكذلك الأسارى، الخيرة فيهم إلى الإمام بلا خلاف. ومما خُصّ منه أيضًاا لأرض، والمعنى: ما غنِمتم من ذهب وفضّة، وسائر الأمتعة، والسبي. وأما الأرض فغير داخلة في عموم هذه الآية؛ لما روى أبو داود عن عمر بن الخطّاب - ﵁ - أنه قال: لولا آخر الناس ما فتحت قريةً إلا قسمتها كما قسم رسول الله - ﷺ - خيبر. ومما يُصحّح هذا المذهب ما رواه مسلم في «صحيحه» عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -، قال: «منَعَت العراق قفيزها، ودرهمها، ومَنَعت الشام مُدّها، ودينارها» الحديث. قال الطحاويّ: «منعت» بمعنى ستمنع، فدلّ ذلك على أنها لا تكون للغانمين؛ لأن ما ملكه الغانمون لا يكون فيه قفيزٌ، ولا درهم، ولو كانت الأرض تُقسم ما بقي لمن جاء بعد الغانمين شيء، والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] بالعطف على قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ [الحشر: ٨]. قال: وإنما يُقسم ما يُنقل من موضع إلى موضع. وقال الشافعيّ: كلّ ما حصل من الغنائم من أهل الحرب من شيء، قلّ، أو كثر من دار، أو أرض، أو متاع، أو غير ذلك، قُسم، إلا الرجال البالغين، فإن الإمام فيهم مخيّرٌ أن يمُنّ، أو يقتُل، أو يسبي، وسبيل ما أُخذ منهم، وسُبي سبيل الغنيمة، واحتجّ بعموم الآية، قال: والأرض مغنومة، لا مَحالةَ، فوجب أن تُقسم كسائر الغنائم، وقد قسم رسول الله - ﷺ - ما افتتح عَنْوةَ من خيبر. قالوا: ولو جاز أن يُدّعى الخصوص في الأرض جاز أن يُدّعى في غير الأرض، فيبطل حكم الآية. وأما آية الحشر، فلا حجة فيها؛ لأن ذلك إنما هو في الفيء، لا في الغنيمة، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] استئناف كلام بالدعاء لمن سبقهم بالإيمان، لا لغير ذلك. قالوا: وليس يخلو فعل عمر في توقيفه الأرض من أحد وجهين: إما أن تكون غنيمة استطاب أنْفُس أهلها، وطابت بذلك، فوقفها، وكذلك روى جرير أن عمر استطاب أنفس أهلها. وكذلك صنع رسول الله - ﷺ - في سبي هَوَازن لَمّا أتوه استطاب أنفس أصحابه عما كان في أيديهم. وإما أن يكون ما وقفه عمر فيئًا، فلم يحتج إلى مُراضاة أحد. وذهب الكوفيّون إلى تخيير الإمام في قسمها، أو إقرارها، وتوظيف الخراج عليها، وتصير مُلكًا لهم كأرض الصلح. قال أبو العبّاس القرطبيّ: وكأنّ هذا جَمْعٌ بين الدليلين، ووسطٌ بين المذهبين، وهو الذي فهمه عمر - ﵁ - قطعًا، ولذلك قال: «لولا آخر الناس»، فلم يُخبر بنسخ فعل النبيّ - ﷺ -، ولا بتخصيصه بهم، غير أن الكوفيين زادوا على ما فعل عمر، فإنه إنما وقفها على مصالح المسلمين، ولم يملّكها لأهل الصلح، وهم قالوا: للإمام أن يملّكها لأهل الصلح. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح هو القول بأن الرأي للإمام في قسم الأراضي، أو توقيفها، كما فعل عمر - ﵁ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في كيفيّة قسم الخمس: اختلفوا في ذلك على ستّة أقوال: [الأول]: ذهبت طائفة إلى أنه يقسم الخمس على ستة، فيُجعل سدسه للكعبة، وهو الذي لله سبحانه. والثاني: لرسول الله - ﷺ -. والثالث: لذوي القربى. والرابع: لليتامى. والخامس: للمساكين. والسادس: لابن السبيل. وقال بعض أصحاب هذا القول: يردّ السهم الذي لله على ذوي الحاجة. [القول الثاني]: قال أبو العالية، والربيع: تقسم الغنيمة على خمسة، فيُعزل منها سهم واحد، وتقسم الأربعة على الناس، ثم يضرب الإمام بيده على السهم الذي عزله، فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة، ثم يقسم بقيّة السهم الذي عزله على خمسة: سهم للنبيّ - ﷺ -، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. [القول الثالث]: قال المنهال بن عمرو: سألت عبد الله بن محمد بن عليّ، وعليّ بن الحسين، عن الخمس؟ فقالا: هو لنا، قلت لعليّ: إن الله تعالى يقول: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]، فقالا: أيتامنا، ومساكيننا. [القول الرابع]: قال الشافعيّ: يقسم على خمسة، ورأى أن سهم الله ورسوله واحدٌ، وأنه يُصرف في مصالح المسلمين، والأربعة الأخماس على الأربعة الأصناف المذكورين في الآية. [الخامس]: قال أبو حنيفة: يقسم على ثلاثة: اليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وارتفع عنده حكم قرابة رسول الله - ﷺ - بموته، كما ارتفع حكم سهمه، قالوا: ويبدأ من الخمس بإصلاح القناطر، وبناء المساجد، وأرزاق القضاة والجند. وروي نحو هذا عن الشافعيّ أيضًا. [السادس]: قال مالكٌ: هو موكولٌ إلى نظر الإمام واجتهاده، فيأخذ منه من غير تقدير، ويُعطي منه القرابة باجتهاده، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين، وبه قال الخلفاء الأربعة، وبه عملوا، وعليه يدلّ قوله - ﷺ -: «ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم»، فإنه لم يَقسمه أخماسًا، ولا أثلاثًا، وإنما ذكر في الآية من ذكر على وجه التنبيه عليهم؛ لأنهم من أهمّ من يُدفع إليه. قال الزجّاج محتجّا لمالك: قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥]، وللرجل جائز بالإجماع أن يُنفق في غير هذه الأصناف إذا رأى ذلك. وقد تقدّم عند النسائيّ، قول عطاء: خمس الله، وخمس رسوله واحد، كان رسول الله - ﷺ - يَحمل منه، ويُعطي منه، وبضعه حيث شاء، ويصنع به ما شاء. ذكر هذا كلّه القرطبيّ في «تفسيره» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي هو ما ذهب إليه الإمام مالك - ﵀ -؛ لأنه الذي كان هدي النبيّ - ﷺ -، وسيرته عليه، واقتدى به في ذلك الخلفاء الراشدون، كما تقدّم في كلام ابن القيّم - ﵀ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٥٦٨] (…) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَان، قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ حَضَرَ أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْ قَوْمِكَ. بِنَحْوِ حَدِيثِ مَالِكٍ، غَيْرَ أَنَّ فِيهِ: فَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ مِنْهُ سَنَةً، وَرُبَّمَا قَالَ مَعْمَرٌ: يَحْبِسُ قُوتَ أَهْلِهِ مِنْهُ سَنَةً، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ مِنْهُ مَجْعَلَ مَالِ اللهِ - ﷿ -). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر الكسّيّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِ مَالِكٍ)؛ يعني: أنَّ حديث معمر عن الزهريّ، نحو حديث مالك عنه؛ يعني: المذكور قبله. [تنبيه]: رواية معمر عن الزهريّ هذه ساقها البيهقيّ في «الكبرى»، فقال: (١٢٥٠٩) - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكريّ ببغداد، أنا إسماعيل بن محمد الصفّار، ثنا أحمد بن منصور الرماديّ، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهريّ، عن مالك بن أوس بن الْحَدَثان، قال: جاءني رسول عمر - ﵁ -، فأتيته، فقال: إنه قد حضر في المدينة أهل أبيات من قومك، وقد أمرنا لهم برَضَخ فخذه، فاقسمه، فقلت: يا أمير المؤمنين مُرْ به غيري، قال: اقبضه أيها المرء، قال: فبينا أنا على ذلك، دخل عليه مولاه يَرْفَأ، فقال: هذا عثمان، وعبد الرحمن، والزبير، وسعد، ولا أدري أذكر طلحة أم لا؟ يستأذنون عليك، قال: ائذن لهم، ثم مكث ساعة، فقال: هذا العباس، وعليّ - ﵄ - يستأذنان عليك، قال: فَأَذِن لهما، فدخلا، قال: فقال العباس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا، قال: فقال القوم: اقض بينهما، وأَرِحْ كل واحد منهما من صاحبه، فإنهما قد طالت خصومتهما، قال: وهما حينئذ يختصمان فيما أفاء الله على رسوله، من أموال بني النضير، قال القوم: أجل اقض بينهما، وأرح كل واحد منهما من صاحبه، قال: فقال عمر - ﵁ -: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماوات والأرض، أتعلمون أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا نورث، ما تركنا صدقةٌ»؟ فقال القوم: نعم، قد قال ذلك، ثم أقبل عليهما، فقالا مثل ذلك، فقال عمر - ﵁ -: إني سأخبركم عن هذا المال، إن الله خَصّ نبيّه - ﷺ - بشيء لم يُعْطِه غيره، قال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ الآية، قال: والله ما حازها رسول الله - ﷺ - دونكم، ولا استأثرها عليكم، لقد قسمها فيكم، وبَثّها فيكم، حتى بقي هذا المال، وكان ينفق على أهله منه سنته، - وربما قال معمر -: يحبس قوت أهله منه سنة، ثم يجعل ما بقي منه مَجْعَل مال الله - ﷿ -، فلما تُوُفّي رسول الله - ﷺ - قال أبو بكر: أنا وليّ رسول الله - ﷺ -، أعمل فيها بما كان يعمل، ثم أقبل على عليّ والعباس - ﵄ -، ثم قال: وأنتما تزعمان أنه فيها ظالم، والله يعلم أنه فيها صادقٌ بارّ، تابعٌ للحقّ، ثم وَليتُها بعد أبي بكر - ﵁ - سنتين من إمارتي، ففعلت فيها بما عمل رسول الله - ﷺ -، وأبو بكر، وأنتما تزعمان أني فيها ظالم، والله يعلم أني فيها صادقٌ، بارّ تابع للحقّ، ثم جاءني هذا - يعني: العباس - ﵁ - يسألني ميراثه من ابن أخيه، وجاءني هذا - يريد عليًّا - ﵁ - يسألني ميراث امرأته من أبيها، فقلت لكما: إن رسول الله - ﷺ - قال: «لا نورث، ما تركناه صدقة»، ثم بدا لي أن أدفعها إليكما، فأخذت عليكما عهد الله وميثاقه، أن تعملا فيها بما عَمِل فيها رسول الله - ﷺ -، وأبو بكر بعده، وأنا ما وليتها، فقلتما: ادفعها إلينا على ذلك، فتريدان مني قضاء غير هذا، والذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي بينكما فيها بقضاء غير هذا، إن كنتما عجزتما عنها، فادفعاها إليّ، قال: فغلبه
مصادر المؤلف (٥٤)

١. «المفهم» ٣/ ٥٥٥ - ٥٥٧.

٢. وفي نسخة: «وما بقي جعله».

٣. راجع: «حاشية الجمل على الجلالين» في تفسير «سورة الحشر» ٤/ ٣١٢.

٤. «المفهم» ٣/ ٥٥٧.

٥. «المصباح المنير» ٢/ ٦٤٩.

٦. «المصباح المنير» ١/ ٢٣٦.

٧. «المفهم» ٣/ ٥٥٧.

٨. «شرح النوويّ» ١٢/ ٧٠.

٩. «المفهم» ٣/ ٥٥٨.

١٠. «شرح النوويّ» ١٢/ ٧٠.

١١. «المفهم» ٣/ ٥٥٨.

١٢. «شرح النوويّ» ١٢/ ٧٠ - ٧١.

١٣. «المصباح المنير» ٢/ ٣٩٦.

١٤. «السنن الكبرى» للنسائيّ ٥/ ٣٧٧.

١٥. وفي نسخة: «خذ يا مال».

١٦. وفي نسخة: «فأذن لهما، فدخلا، فقال».

١٧. وفي نسخة: «فقال العبّاس».

١٨. وفي نسخة: وفي «اتّئدوا، أنشدكم».

١٩. بضمّ الضاد المعجمة، وفتح الموحّدة.

٢٠. «الفتح» ٧/ ٣٥٥، كتاب «فرض الخمس» رقم (٣٠٩٤).

٢١. «الفتح» ٧/ ٣٥٥.

٢٢. «الفتح» ٧/ ٣٥٥.

٢٣. «الفتح» ٧/ ٣٥٥ - ٣٥٦، كتاب «فرض الخمس» رقم (٣٠٩٤).

٢٤. «الفتح» ٧/ ٣٥٦.

٢٥. «المفهم» ٣/ ٥٦٠.

٢٦. «المصباح المنير» ٢/ ٦٥٨.

٢٧. «شرح النوويّ» ١٢/ ٧١.

٢٨. «المفهم» ٣/ ٥٦٠.

٢٩. «الفتح» ٧/ ٣٥٦، كتاب «فرض الخمس» رقم (٣٠٩٤).

٣٠. «الفتح» ٧/ ٣٥٦، كتاب «فرض الخمس» رقم (٣٠٩٤).

٣١. «المفهم» ٣/ ٥٦٠.

٣٢. «الفتح» ٧/ ٣٥٧، كتاب «فرض الخمس» رقم (٣٠٩٤).

٣٣. «المفهم» ٣/ ٥٦١.

٣٤. «شرح النوويّ» ١٢/ ٧٢ - ٧٣.

٣٥. «الفتح» ١٧/ ١٧٩ - ١٨٠، كتاب «الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة» رقم (٧٣٠٥).

٣٦. «الفتح» ٧/ ٣٥٨، كتاب «فرض الخمس» رقم (٣٠٩٤).

٣٧. «إكمال المعلم» ٦/ ٨٢، و«شرح النوويّ» ١٢/ ٧٥ - ٧٧.

٣٨. «شرح الأبيّ» ٥/ ٧٥.

٣٩. «المفهم» ٣/ ٨٩/١١، وهذا البحث لا يوجد في بعض نسخ «المفهم»، فتنبّه.

٤٠. «الفتح»٧/ ٣٥٨ - ٣٥٩، كتاب«فرض الخمس» رقم (٣٠٩٤).

٤١. «عمدة القاري» ١٥/ ٢٥.

٤٢. «المصباح المنير» ٢/ ٦٠٥.

٤٣. «الفتح»٧/ ٣٦٠ - ٣٦١، كتاب«فرض الخمس»رقم (٣٠٩٤).

٤٤. «عمدة القاري» ١٥/ ٢٥.

٤٥. «المصباح المنير» ١/ ٤٣.

٤٦. راجع: «المصباح المنير»١/ ٢٢٧.

٤٧. «سنن أبي داود» ٣/ ١٣٩.

٤٨. «شرح النوويّ» ١٢/ ٧٤.

٤٩. «الفتح» ٧/ ٣٥٩ - ٣٦٠، كتاب «فرض الخمس» رقم (٣٠٩٤).

٥٠. «الاستذكار» ٨/ ٥٩٠ - ٥٩٢.

٥١. «الفتح» ٧/ ٣٦١، كتاب «فرض الخمس» رقم (٣٠٩٤).

٥٢. «زاد المعاد في هدي خير العباد» ٥/ ٨٣ - ٨٧.

٥٣. «الجامع لأحكام القرآن» ٨/ ٤ - ٥.

٥٤. يقال: رَضَخت له رَضْخًا، من باب نفع، ورَضِيخًا: أعطيته شيئًا ليس بالكثير، والمالُ رَضْخٌ؛ تسميةً بالمصدر، أو فَعْلٌ بمعنى مفعول، مثلُ ضَرْبِ الأمير، وعنده رَضْخ من خير: أي شيء منه، قاله في «المصباح» ١/ ٢٢٨ - ٢٢٩.