HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٧٥٩

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. أَخْبَرَنَا حُجَيْنٌ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. مما أفاء عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَفَدَكٍ. وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمْسِ خَيْبَرَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ. إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ (ﷺ) فِي هَذَا الْمَالِ). وَإِنِّي وَاللَّهِ! لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رسول الله ﷺ، عن حَالِهَا الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا، فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَلَأَعْمَلَنَّ فِيهَا، بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ شَيْئًا. فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ. قَالَ: فَهَجَرَتْهُ. فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ. وَعَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِتَّةَ أَشْهُرٍ. فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَيْلًا. وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ. وَصَلَّى عَلَيْهَا عَلِيٌّ. وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ النَّاسِ وِجْهَةٌ، حَيَاةَ فَاطِمَةَ. فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيٌّ وُجُوهَ النَّاسِ. فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ وَمُبَايَعَتَهُ. وَلَمْ يَكُنْ بَايَعَ تِلْكَ الْأَشْهُرَ. فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ: أن ائتنا. ولا يأتنا معك أحد (كرهية مَحْضَرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) فَقَالَ عُمَرُ، لِأَبِي بَكْرٍ: وَاللَّهِ! لَا تَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَاهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي. إِنِّي، وَاللَّهِ! لَآتِيَنَّهُمْ. فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ. فَتَشَهَّدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا، يَا أَبَا بَكْرٍ! فَضِيلَتَكَ وَمَا أَعْطَاكَ اللَّهُ. وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكَ. وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالْأَمْرِ. وكنا نَرَى لَنَا حَقًّا لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُ أَبَا بَكْرٍ حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ. فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَقَرَابَةُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي. وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأموال، فإني لم آل فيها عَنِ الْحَقِّ. وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ. فَقَالَ عَلِيٌّ لِأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةُ لِلْبَيْعَةِ. فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ صَلَاةَ الظُّهْرِ. رَقِيَ عَلَى الْمِنْبَرِ. فَتَشَهَّدَ. وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ وَتَخَلُّفَهُ عَنِ الْبَيْعَةِ. وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْهِ. ثُمَّ اسْتَغْفَرَ. وَتَشَهَّدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ. وَأَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ. وَلَا إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ. وَلَكِنَّا كُنَّا نَرَى لَنَا فِي الْأَمْرِ نَصِيبًا. فَاسْتُبِدَّ عَلَيْنَا بِهِ. فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا. فَسُرَّ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ. وَقَالُوا: أَصَبْتَ. فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى علي قريبا، حين راجع الأمر المعروف.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج5 ص153
ج ٣ ص ١٣٨٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن النسائي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٠ ص٥٥٨
وهب، عن مالك: حدّثني ابن شهاب، وفي «الموطأ» للدارقطنيّ من طريق القعنبيّ: «يسألنه ثمنهن»، وكذا أخرجه من طريق جويرية بن أسماء، عن مالك، وفي «الموطأ» أيضًا: «أرسلن عثمان بن عفان إلى أبي بكر الصديق - وفيه -: فقالت لهنّ عائشة - وفيه -: ما تركنا فهو صدقة»، وظاهر سياقه أنه من مسند عائشة - ﵂ -، وقد رواه إسحاق بن محمد الفَرْويّ، عن مالك، بهذا السند، عن عائشة، عن أبي بكر الصديق، أورده الدارقطنيّ في «الغرائب»، وأشار إلى أنه تفرد بزيادة أبي بكر في سنده، وهذا يوافق رواية معمر، عن ابن شهاب، فإن فيه عن عائشة: أن أبا بكر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول، فذكره، فَيَحْتَمِل أن تكون عائشة سمعته من النبيّ - ﷺ - كما سمعه أبوها، ويَحْتَمِل أن تكون إنما سمعته من أبيها، عن النبيّ - ﷺ -، فأرسلته عن النبيّ - ﷺ - لَمّا طالب الأزواج ذلك، والله أعلم. انتهى . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٤٥٦٩] (١٧٥٨)، و(البخاريّ) في «المغازي» (٤٠٣٤)، و«الفرائض» (٦٧٣٠)، و(أبو داود) في «الخراج» (٢٩٧٦ و٢٩٧٧)، و(مالك) في «الموطإ» (٢/ ٩٩٣)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٩٧٧٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ١٤٥ و٢٦٢)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (٢/ ٣٤١)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (٢/ ٣١٤)، و(أبو عوانة) (٤/ ٢٥٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٦١١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ٣٠٢)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٣٨٣٩)، وفوائده تقدّمت في الباب الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٥٧٠] (١٧٥٩) - (حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، أَخْبَرَنَا حُجَيْنٌ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَاب، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيق، تَسْأَلَهُ مِيرَاثَهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِمَّا أفَاءَ اللهُ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَة، وَفَدَكٍ، وَمَا بَقِيَ مِنْ خُمْسِ خَيْبَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَة، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ في فِي هَذَا الْمَالِ»، وَإِنِّي وَاللهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَلأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ شَيْئًا، فَوَجَدَتْ فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ. قَالَ: فَهَجَرَتْهُ، فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ، وَعَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبِ لَيْلًا، وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهَا أَبَا بَكْرٍ، وَصَلّى عَلَيْهَا عَلِيُّ، وَكَانَ لِعَلِيٍّ مِنَ الئاسِ وِجْهَةٌ حَيَاةَ فَاطِمَةَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ اسْتَنْكَرَ عَلِيُّ وُجُوهَ النَّاس، فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ، وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ بَايَعَ تِلْكَ الأَشْهُرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنِ ائْتِنَا، وَلَا يَأْتِنَا مَعَكَ أَحَدٌ - كَرَاهِيَةَ مَحْضَرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - فَقَالَ عُمَرُ لأَبِي بَكْرٍ: وَاللهِ لَا تَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَسَاهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي؛ إِنِّي وَاللهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ، فَتَشَهَّدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِب، ثُمَّ قَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَضِيلَتَكَ، وَمَا أَعْطَاكَ اللهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكَ خَيْرًا سَاقَهُ اللهُ إِلَيْكَ، وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالأَمْر، وَكُنَّا نَحْنُ نَرَى لَنَا حَقًّا لِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُ أَبَا بَكْرٍ حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَحَبُّ إِلَئَ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي، وَأمّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَمْوَال، فَإِنِّي لَمْ آلُ فِيهِ عَنِ الْحَقّ، وَلَمْ أَترُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ، فَقَالَ عَلِيّ لأَبِي بَكْرٍ: مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةُ لِلْبَيْعَة، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ صَلَاةَ الظُّهْرِ رَقيَ عَلَى الْمِنْبَر، فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ، وَتَخَلُّفَهُ عَنِ الْبَيْعَة، وَعُذْرَهُ بِالَّذِي اعْتَذَرَ إِلَيْه، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ، وَتَشَهَّدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ، وَأَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلَا إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللهُ بِه، وَلَكِنَّا كُنَّا نَرَى لَنَا فِي الأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتُبِدَّ عَلَيْنَا بِه، فَوَجَدْنَا فِي أنفُسِنَا، فَسُرَّ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: أَصَبْتَ، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ قَرِيبًا حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ الْمَعْرُوفَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (حُجَيْنُ) بن المثنّى اليماميّ، أبو عُمير سكن بغداد، وولي قضاء خراسان، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٥) (خ م د ت س) تقدم في «الإيمان» ٨١/ ٤٣٧. ٣ - (لَيْثُ) بن سعد، تقدّم قبل بابين. ٤ - (عُقَيْلُ) بن خالد، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٥ - (أَبُو بكر الصّدّيقُ) عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرّة التيميّ، ابن أبي قحافة، خليفة رسول الله - ﷺ -، مات في جمادى الأولى سنة (١٣)، وله (٦٣) سنة (ع) تقدم في «الإيمان» ٨/ ١٣٣. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن فيه رواية صحابيّة، عن صحابيّ هو أبوها، وتابعيّ، عن تابعيّ، وهو عن خالته، وفيه أبو بكر الصدّيق أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، بل هو أفضلهم على الإطلاق، وفيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠)، وفيه أحد الفقهاء السبعة: عروة. شرح الحديث: (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر، عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ - (أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) - ﵂ - (أَرْسَلَتْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) - ﵁ -، وفي رواية معمر الآتية: «أن فاطمة، والعبّاس أتيا أبا بكر، يلتمسان ميراثهما من رسول الله - ﷺ -، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك، وسهمه من خيبر …» الحديث. (تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا) جملة في محلّ نصب على الحال، وقوله: (مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) متعلّق بـ «ميراثها»، وقوله: (مِمَّا أفَاءَ اللهُ عَلَيْهِ) متعلّق بحال مقدّر؛ أي: حال كون ذلك الميراث من جملة ما ردّ الله تعالى على النبيّ - ﷺ - من أموال الكفّار، (بِالْمَدِينَةِ) النبويّة، قال في «الفتح»: وأما صدقته بالمدينة: فرَوَى أبو داود، من طريق معمر، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبيّ - ﷺ -، فذكر قصة بني النضير، فقال في آخره: وكانت نخل بني النضير لرسول الله - ﷺ - خاصّةً، أعطاها إياه، فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ [الحشر: ٦] قال: فأعطى أكثرها للمهاجرين، وبقي منها صدقة رسول الله - ﷺ - التي في أيدي بني فاطمة. ورَوَى عُمر بن شَبّة، من طريق أبي عون، عن الزهريّ، قال: كانت صدقة النبيّ - ﷺ - بالمدينة أموالًا لِمُخَيْريق - بالمعجمة، والقاف، مصغرًا - وكان يهوديًّا، من بقايا بني قَينُقاع نازلًا ببني النضير، فأسلم وشَهِدَ أُحُدًا، فقُتِل به، فقال النبيّ - ﷺ -: «مُخَيْريقٌ سابقُ يهود»، وأوصى مخيريق بأمواله للنبيّ - ﷺ -. ومن طريق الواقديّ بسنده عن عبد الله بن كعب، قال: قال مخيريق: إن أُصِبتُ فأموالي لمحمد - ﷺ - يضعها حيث أراه الله، فهي عامّة صدقة رسول الله - ﷺ -، قال: وكانت أموال مخيريق في بني النضير. انتهى . (٧٨٥٥) - مخيريق النَّضْري الإسرائيليّ، من بني النضير، ذكر الواقديّ أنه أسلم، واستُشهد بأُحد، وقال الواقديّ، والبلاذريّ، ويقال: إنه من بني قينقاع، ويقال: من بني القطيون، كان عالِمًا، وكان أوصى بأمواله للنبيّ - ﷺ -، وهي: سبع حوائط: الميثب، والصائفة، والدلال، وحسنى، وبرقة، والأعواف، ومشربة أم إبراهيم، فجعلها النبيّ - ﷺ - صدقةً. أخرج عمر بن شبة في «أخبار المدينة» بسنده عن ابن شهاب، قال: كانت صدقات رسول الله - ﷺ - أموالًا لمخيريق، فأوصى بها لرسول الله - ﷺ -، وشَهِد أُحدًا، فقُتل بها، فقال رسول الله - ﷺ -: «مخيريق سابق يهود، وسلمان سابق فارس، وبلال سابق الحبشة»، قال عبد العزيز: وبلغني أنه كان من بقايا بني قينقاع، وأخرج الزبير بن بكار في «أخبار المدينة» بسنده عن عثمان بن كعب بن محمد بن كعب: أن صدقات رسول الله - ﷺ - كانت أموالًا لمخيريق اليهوديّ، فلما خرج النبيّ - ﷺ - إلى أُحد قال لليهود: ألا تنصرون محمدًا، والله إنكم لتعلمون أن نصرته حقّ عليكم، فقالوا: اليوم يوم السبت، فقال: لا سبت، وأخذ سيفه، ومضى إلى النبيّ - ﷺ -، فقاتل، حتى أثبتته الجراحة، فلما حضره الموت، قال: أموالي إلى محمد، يضعها حيث شاء، وذكر قصة وصيته بأمواله، وسمّاها، لكن قال: الميثر بدل الميثب، والمعوان عوض الأعواف، وزاد مشربة أم إبراهيم الذي يقال له: مهروز. انتهى. (وَفَدَكٍ) بفتح الفاء، والدال المهملة، آخره كاف: بلدة بينها وبين مدينة النبيّ - ﷺ - ثلاث مراحل، وكان من شأنها ما ذكر أصحاب المغازي قاطبةً: أن أهل فدك كانوا من يهود، فلما فُتِحَت خيبر أرسل أهل فدك يطلبون من النبيّ - ﷺ - الأمان على أن يتركوا البلد، ويرحلوا، وروى أبو داود من طريق ابن إسحاق، عن الزهري وغيره، قالوا: بقيت بقية من خيبر تحصّنوا، فسألوا النبيّ - ﷺ - أن يَحْقِن دماءهم، ويُسَيِّرهم، فَفَعَل، فسمع بذلك أهل فدك، فنزلوا على مثل ذلك، وكانت لرسول الله - ﷺ - خاصّةً. لأبي داود أيضًا من طريق معمر، عن ابن شهاب: «صالَحَ النبيّ - ﷺ - أهل فدك، وقُرًى سمّاها، وهو يحاصر قومًا آخرين؛ يعني: بقية أهل خيبر. انتهى . (وَمَا بَقِيَ)؛ أي: بعد قسمة الغنائم على أهلها، (مِنْ خُمْسِ خَيْبَرَ)، وفي رواية معمر المذكورة:«وسهمه من خيبر»، وقد روى أبو داود بإسناد صحيح إلى سهل بن أبي خيثمة قال:«قسم رسول الله - ﷺ - خيبر نصفين: نصفها لنوائبه، وحاجته، ونصفها بين المسلمين، قسمها بينهم على ثمانية عشر سهمًا»، ورواه بمعناه من طرق أخرى عن بشير بن يسار مرسلًا، ليس فيه سهل. انتهى. قال في«الفتح»: وهذا يؤيّد ما تقدّم أنها لم تَطلب من جميع ما خلّف، وإنما طلبت شيئًا مخصوصًا. (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ)، وفي رواية معمر المذكورة:«فقال لهما أبو بكر: إني سمعت رسول الله - ﷺ -»، قال في«الفتح»: وهو يردّ تأويل الداوديّ الشارح في قوله: إن فاطمة حملت كلام أبي بكر على أنه لم يسمع ذلك من رسول الله - ﷺ -، وإنما سمعه من غيره. انتهى . («لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ) قال السنديّ - ﵀ - في »شرح النسائيّ«: قوله: »لا نورث«؛ أي: نحن، يريد معاشر الأنبياء، وهذا الخبر قد رواه غير أبي بكر أيضًا، وتكفي رواية أبي بكر لوجوب العمل به، ولا يَرِدُ أن خبر الآحاد كيف يُخَصِّص عموم القرآن؛ لأن ذلك بالنظر إلى من بلغه الحديث بواسطة، وأما من أخذه بلا واسطة، فالحديث بالنظر إليه كالقرآن في وجوب العمل، فيصحّ به التخصيص، على أن كثيرًا من العلماء جوّز التخصيص بأخبار الآحاد، فلا غبار أصلًا. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أن القول بجواز التخصيص بخبر الآحاد هو الصواب، وهو قول الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة، فيما حكاه ابن الحاجب، وقد أُجيب عن قول المانعين بأنه إن جاز يلزم ترك القطعيّ بالظنّي، بأن محل التخصيص دلالة العامّ، وهي ظنيّة، والعمل بالظنَّين أولى من إلغاء أحدهما، وإلى الأقوال في مسألة نسخ الكتاب بالسُّنَّة وعكسه أشار في «الكوكب الساطع» حيث قال: وَجَازَ أَنْ يُخَصَّ فِي الصَّوَابِ … سُنَّتُهُ بِهَا وَبِالْكِتَابِ وَهْوَ بِهِ وَخَبَرِ التَّوَاتُرِ … وَخَبَرِ الْوَاحِدِ عِنْدَ الأَكْثَرِ وَقِيلَ إِنْ خُصَّ بِقَاطِعٍ جَلِي … وَعَكْسُهُ وَقِيلَ بِالْمُنْفَصِلِ انظر ما كتبته على هذه الأبيات في «الجليس الصالح النافع، شرح الكوكب الساطع» (ص ١٩٤ - ١٩٦). [تنبيه]: قال «الفتح»: وأما ما اشتهر في كتب أهل الأصول وغيرهم بلفظ: «نحن معاشر الأنبياء، لا نورث»، فقد أنكره جماعة من الأئمة، وهو كذلك بالنسبة لخصوص لفظ «نحن»، لكن أخرجه النسائيّ من طريق ابن عيينة، عن أبي الزناد، بلفظ: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث …» الحديث أخرجه عن محمد بن منصور، عن ابن عيينة، عن الزهريّ، وهو كذلك في «مسند الحميديّ»، عن ابن عيينة، وهو من أتقن أصحاب ابن عيينة فيه، وأورده الهيثم بن كُليب في «مسنده» من حديث أبي بكر الصديق - ﵁ - باللفظ المذكور، وأخرجه الطبرانيّ في «الأوسط» بنحو اللفظ المذكور، وأخرجه الدارقطنيّ في «العلل» من رواية أم هانئ، عن فاطمة - ﵍ - عن أبي بكر الصديق - ﵁ - بلفظ: «إن الأنبياء لا يورثون». انتهى . (إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمَّدٍ - ﷺ -) قال القرطبيّ - ﵀ -: يعني: بـ «آل محمد» نساءه، كما قال في الحديث الآخر: «ما تركت بعد نفقة نسائي». انتهى. (فِي هَذَا الْمَالِ») وفي رواية للبخاريّ:«إنما يأكل آل محمد من هذا المال»، قال في«الفتح»: كذا وقع، وظاهره الحصر، وأنهم لا ياكلون إلا من هذا المال، وليس ذلك مرادًا، وإنما المراد العكس، وتوجيهه أن«من»للتبعيض، والتقدير: إنما يأكل آل محمد - ﷺ - بعض هذا المال؛ يعني: بقدر حاجتهم، وبقيّته للمصالح. انتهى . (وَإِنِّي وَاللهِ لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ صَدَقَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَنْ حَالِهَا الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَلأَعْمَلَنَّ فِيهَا بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) قال في«الفتح»: وهذا تمسَّك به من قال: إن سهم النبيّ - ﷺ - يصرفه الخليفة بعده لمن كان النبيّ - ﷺ - يصرفه له، وما بقي منه يُصرف في المصالح، وعن الشافعيّ: يُصرف في المصالح، وفي وجه: هو للإمام، وقال مالك، والثوريّ: يجتهد فيه الإمام، وقال أحمد: يُصرف في الخيل والسلاح، وقال ابن جرير: يُرَدّ إلى الأربعة، قال ابن المنذر: كان أحقّ الناس بهذا القول من يوجب قَسْمَ الزكاة بين جميع الأصناف، فإن فُقِد صِنْفٌ ردّ على الباقين - يعني: الشافعيّ - وقال أبو حنيفة: يُرَدّ مع سهم ذوي القربى إلى الثلاثة، وقيل: يردّ خمس الخمس من الغنيمة إلى الغانمين، ومن الفيء إلى المصالح. انتهى . (فَأَبَى أَبُو بَكْر أَنْ يَدْفَعَ إِلَى فَاطِمَةَ شَيْئًا، فَوَجَدَتْ)؛ أي: غضبت (فَاطِمَةُ عَلَى أَبِي بَكْم فِي ذَلُك)؛ أي: بسبب ذلك، فـ «في» سببيّة. (قَالَ: فَهَجَرَتْهُ، فَلَمْ تُكَلِّمْهُ حَتَّى تُوُفِّيَتْ) بالبناء للمفعول؛ أي: ماتت، وفي رواية معمر: «فهجرته فاطمة، فلم تكلّمه حتى ماتت»، ووقع عند عُمر بن شَبّة من وجه آخر عن معمر: «فلم تكلمه في ذلك المال»، وكذا نَقَل الترمذيّ عن بعض مشايخه أن معنى قول فاطمة لأبي بكر وعمر: «لا أكلمكما»؛ أي: في هذا الميراث. وتعقبه الشاشيّ بأن قرينة قوله: «غَضِبت» تدل على أنها امتنعت من الكلام جملة، وهذا صريح الهجر. وأما ما أخرجه أحمد، وأبو داود، من طريق أبي الطفيل، قال: «أرسلت فاطمة إلى أبي بكر: أنت وَرِثت رسولَ الله - ﷺ - أم أهله؟ قال: لا، بل أهله، قالت: فأين سهم رسول الله - ﷺ -؟، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:»إن الله إذا أطعم نبيًّا طعمة، ثم قبضه، جعلها للذي يقوم من بعده، فرأيت أن أردّه على المسلمين، قالت: فأنت وما سمعته«. فلا يعارض ما في«الصحيح»من صريح الهجران، ولا يدلّ على الرضا بذلك، ثم مع ذلك ففيه لفظة منكرة، وهي قول أبي بكر:«بل أهله»، فإنه معارض للحديث الصحيح أن النبيّ - ﷺ - لا يورث. نعم، رَوَى البيهقيّ، من طريق الشعبيّ، أن أبا بكر عاد فاطمة، فقال لها عليّ: هذا أبو بكر يستأذن عليك، قالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم، فأذِنَتْ له، فدخل عليها، فترضّاها حتى رضيت، وهو وإن كان مرسلًا، فإسناده إلى الشعبيّ صحيح، وبه يزول الإشكال في جواز تمادي فاطمة - ﵍ - على هجر أبي بكر - ﵁ -. وقد قال بعض الأئمة: إنما كانت هجرتها انقباضًا عن لقائه، والاجتماع به، وليس ذلك من الهجران المحرَّم؛ لأن شرطه أن يلتقيا، فيُعْرِض هذا وهذا، وكأن فاطمة - ﵍ - لمّا خرجت غضبى من عند أبي بكر تمادت في اشتغالها بحزنها، ثم بمرضها، وأما سبب غضبها مع احتجاج أبي بكر بالحديث المذكور، فلاعتقادها تأويل الحديث على خلاف ما تمسَّك به أبو بكر، وكأنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله: «لا نورث»، ورأت أن منافع ما خلّفه من أرض، وعقار، لا يمتنع أن تورث عنه، وتمسَّك أبو بكر بالعموم، واختلفا في أمر مُحْتَمِل للتأويل، فلمّا صَمَّم على ذلك انقطعت عن الاجتماع به لذلك، فإن ثبت حديث الشعبيّ أزال الإشكال، وأَخْلِقْ بالأمر أن يكون كذلك؛ لِمَا عُلِم من وفور عقلها، ودينها - ﵍ -. وقد وقع في حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، عند الترمذيّ: «جاءت فاطمة إلى أبي بكر، فقالت: من يرثك؟ قال: أهلي، وولدي، قالت: فما لي لا أرث أبي؟ قال أبو بكر: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:«لا نورث»، ولكني أعول من كان رسول الله - ﷺ - يعوله« . (وَعَاشَتْ) فاطمة - ﵂ - (بَعْدَ) وفاة (رَسُولِ اللهِ - ﷺ - سِتَّةَ أَشْهُرٍ)، والصحيح أنها توفّيت لثلاث مضين من شهر رمضان، سنة إحدى عشرة من الهجرة، قاله النوويّ . وقال في «الفتح»: قوله: «ستة أشهر» هذا هو الصحيح في بقائها بعده - ﷺ -، ورَوَى ابن سعد من وجهين: أنها عاشت بعده ثلاثة أشهر، ونُقِل عن الواقديّ، وأن ستة أشهر هو الثَّبْتُ، وقيل: عاشت بعده سبعين يومًا، وقيل: ثمانية أشهر، وقيل: شهرين، جاء ذلك عن عائشة - ﵂ - أيضًا. قال الحافظ - ﵀ -: وأشار البيهقيّ إلى أن في قوله: «وعاشت … إلخ» إدراجًا، وذلك أنه وقع عند مسلم من طريق أخرى، عن الزهريّ، فذكر الحديث، وقال في آخره: قلت للزهري: كم عاشت فاطمة بعده؟ قال: ستة أشهر، وعزا هذه الرواية لمسلم، ولم يقع عند مسلم هكذا، بل فيه كما عند البخاريّ موصولًا، والله أعلم. انتهى . (فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيُّ بْنُ أبِي طَالِبٍ) - ﵂ - (لَيْلًا) قال النوويّ - ﵀ -: فيه جواز الدفن ليلًا، وهو مُجْمَع عليه، لكن النهار أفضل إذا لم يكن عذر. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: ودفْنُ عليّ لفاطمة - ﵂ - ليلًا يَحْتَمِل أن يكون ذلك مبالغةً في صيانتها، وكونُهُ لم يُؤذِن أبا بكر بها؛ لعله إنما لم يفعل ذلك؛ لأن غيرَه قد كفاه ذلك، أو خاف أن يكون ذلك من باب النعي المنهيّ عنه، وليس في الخبر ما يدلّ على أن أبا بكر لم يعلم بموتها، ولا صلَّى عليها، ولا شاهد جنازتها، بل اللائق بهم، المناسب لأحوالهم حضور جنازتها، واغتنام بركتها، ولا تسمع أكاذيب الرَّافضة المُبْطِلين، الضالين، المُضلِّين. انتهى . (وَلَمْ يُؤْذِنْ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإيذان، وهو الإعلام؛ أي: لم يُعْلِم (بِهَا)؛ أي: بموتها، (أَبَا بَكْرٍ) الصدّيق - ﵁ -، قال في «الفتح»: ورَوَى ابن سعد من طريق عمرة بنت عبد الرحمن، أن العباس صلّى عليها، ومن عدّة طرق أنها دُفنت ليلًا، وكان ذلك بوصية منها؛ لإرادة الزيادة في التستر، ولعله لم يُعْلِم أبا بكر بموتها؛ لأنه ظنّ أن ذلك لا يخفى عنه، وليس في الخبر ما يدلّ على أن أبا بكر لم يَعلم بموتها، ولا صلى عليها. وأما الحديث الذي أخرجه مسلم، والنسائيّ، وأبو داود، من حديث جابر - ﵁ - في النهي عن الدفن ليلًا، فهو محمول على حال الاختيار؛ لأن في بعضه إلا أن يَضطَرّ إنسان إلى ذلك. انتهى . (وَصَلَّى عَلَيْهَا عَلِيٌّ) - ﵁ - (وَكَانَ لِعَلِيٍّ) - ﵁ - (مِنَ النَّاسِ وِجْهَة حَيَاةَ فَاطِمَةَ) - ﵂ -؛ أي: كان الناس يحترمونه إكرامًا لفاطمة - ﵂ -، فلما ماتت، واستمرّ على عدم الحضور عند أبي بكر - ﵁ - قَصَر الناس عن ذلك الاحترام؛ لإرادة دخوله فيما دخل فيه الناس، ولذلك قالت عائشة - ﵂ - في آخر الحديث: «لَمّا جاء، وبايع كان الناس قريبًا إليه، حين راجع الأمر بالمعروف»، وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلّف عن أبي بكر في مدّة حياة فاطمة - ﵂ -؛ لِشُغْله بها، وتمريضها، وتسليتها عما هي فيه من الحزن على أبيها - ﷺ -، ولأنها لمّا غَضِبت من ردّ أبي بكر عليها، فيما سألته من الميراث، رأى عليّ - ﵁ - أن يوافقها في الانقطاع عنه. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «وكان لعليّ من الناس وجهة حياة فاطمة»؛ أي: جاه واحترام، فكان الناس يحترمون عليًّا في حياتها كرامة لها؛ لأنها بضعة من رسول الله - ﷺ -، وهو مباشر لها، فلمّا ماتت وهو لم يبايع أبا بكر، انصرف الناس عن ذلك الاحترام؛ ليدخل فيما دخل فيه الناس، ولا يفرّق جماعتهم، ألا ترى أنه لما بايع أبا بكر أقبل الناس عليه بكل إكرام وإعظام؟!. انتهى . (فَلَمَّا تُوُفِّيَتِ) فاطمة - ﵂ - (اسْتَنْكَرَ) بالبناء للفاعل، بمعنى أنكر، قال المجد - ﵀ -: نَكِرَ فلانٌ الأمرَ، كفَرِحَ نَكَرًا، محرّكةً، ونُكْرًا، ونُكورًا، بضمّهما، ونَكِيرًا، وأنكره، واستنكره، وتناكره: جَهِلَهُ. انتهى . وقوله: (عَلِيٌّ) مرفوع على الفاعليّة، وقوله: (وُجُوهَ النَّاسِ) منصوب على المفعوليّة. (فَالْتَمَسَ مُصَالَحَةَ أَبِي بَكْرٍ، وَمُبَايَعَتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ بَايَعَ تِلْكَ الأَشْهُرَ)؛ أي: الستّة التي عاشتها فاطمة - ﵂ - بعد رسول الله - ﷺ -، قال القرطبيّ - ﵀ -: ولا يُظن بعليّ - ﵁ - أنه خالف الناس في البيعة، لكنه تأخر عن الناس لمانع منعه، وهو الموجدة التي وجدها، حيث استُبِدَّ بمثل هذا الأمر العظيم، ولم ينتظر مع أنه كان أحقّ الناس بحضوره، ومَشُورته، لكن العذر للمبايعين لأبي بكر على ذلك الاستعجالِ مخافةَ ثوران فتنة بين المهاجرين والأنصار، كما هو معروف في حديث السقيفة، فسابقوا الفتنة، فلم يتأتَّ لهم انتظاره لذلك، وقد جرى بينهما في هذا المجلس من المحاورة والمكالمة، والإنصاف ما يدلّ على معرفة بعضهم بفضل بعض، وأن قلوبهم متفقة على احترام بعضهم لبعض، ومحبة بعضهم لبعضٍ، ما يَشْرَق به الرافضيّ اللعين، وتُشْرِقُ به قلوبُ أهل الدِّين. انتهى . قال المازريّ: العذر لعليّ - ﵁ - في تخلفه مع ما اعتذر هو به أنه يكفي في بيعة الإمام أن يقع من أهل الحلّ والعقد، ولا يجب الاستيعاب، ولا يلزم كلَّ أحد أن يحضر عنده، ويضع يده في يده، بل يكفي التزام طاعته، والانقياد له بأن لا يخالفه، ولا يَشُقّ العصا عليه، وهذا كان حالَ عليّ - ﵁ - لم يقع منه إلا التأخر عن الحضور عند أبي بكر . (فَأَرْسَلَ) عليّ - ﵁ - (إِلَى أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق - ﵁ - (أَنِ ائْتِنَا، وَلَا يَأْتِنَا مَعَكَ أَحَدٌ - كَرَاهِيَةَ مَحْضَرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) - ﵁ -، والسبب في ذلك ما أَلِفُوه من قوة عمر - ﵁ -، وصلابته في القول والفعل، وكان أبو بكر - ﵁ - رقيقًا ليّنًا، فكأنهم خَشُوا من حضور عمر كثرة المعاتبة التي قد تفضي إلى خلاف ما قصدوه من المصافاة. وقال النوويّ - ﵀ -: إنما كرهوا محضر عمر - ﵁ - لِمَا عَلِموا من شدّته، وصَدْعه بما يظهر له، فخافوا أن ينتصر لأبي بكر - ﵁ -، فيتكلم بكلام يوحش قلوبهم على أبي بكر، وكانت قلوبهم قد طابت عليه، وانشرحت له، فخافوا أن يكون حضور عمر سببًا لتغيّرها. انتهى . (فَقَالَ عُمَرُ لأَبِي بَكْرٍ) - ﵁ - (وَاللهِ لَا تَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَحْدَكَ)؛ أي: لئلا يتركوا من تعظيمك ما يجب لك، وقال النوويّ - ﵀ -: معنى قول عمر - ﵁ -: لا تدخل عليهم وحدك: أنه خاف أن يُغلظوا عليه في المعاتبة، ويحملهم على الإكثار من ذلك لينُ أبي بكر، وصبره عن الجواب عن نفسه، وربما رأى من كلامهم ما غيَّر قلبه، فيترتب على ذلك مفسدة خاصّة، أو عامة، وإذا حضر عمر امتنعوا من ذلك. انتهى . (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) - ﵁ - (وَمَا عَسَاهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِي؟) قال ابن مالك - ﵀ -: في هذا شاهدٌ على صحة تضمين بعض الأفعال معنى فعل آخر، وإجرائه مُجراه في التعدية، فإن «عسيت» في هذا الكلام بمعنى حَسِبت، وأجريت مُجراها، فنصبت ضمير الغائبين على أنه مفعول ثان، وكان حقّه أن يكون عاريًا من «أَنْ»، لكن جيء بها؛ لئلا تخرج «عسى» عن مقتضاها بالكلية، وأيضًا فإن «أَنْ» قد تسدّ بصلتها مسدّ مفعولي حَسِبت، فلا يستبعد مجيئها بعد المفعول الأول بدلًا منه، قال: ويجوز جعل «ما عسيتهم» حرف خطاب، والهاء والميم اسم عسى، والتقدير: ما عساهم أن يفعلوا بي؟ وهو وجهٌ حسنٌ. انتهى . (إِنِّي وَاللهِ لآتِيَنَّهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ) - ﵁ -، قال النوويّ - ﵀ -: أما كون عمر - ﵁ - حَلَفَ ألا يدخل عليهم أبو بكر وحده، فحَنّثه أبو بكر - ﵁ -، ودخل وحده، ففيه دليل على أن إبرار القسم إنما يؤمر به الإنسان إذا أمكن احتماله بلا مشقة، ولا تكون فيه مفسدة، وعلى هذا يُحْمَل الأمر بإبرار القسم في الحديث . (فَتَشَهَّدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) - ﵁ - (ثُمَّ قَالَ: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَضِيلَتَكَ، وَمَا أَعْطَاكَ اللهُ، وَلَمْ نَنْفَسْ عَلَيْكً خَيْرًا سَاقَهُ اللهُ إِلَيْكَ) - بفتح الفاء من «ننفس» -؛ أي: لم نحسُدك على الخلافة، يقال: نَفِست - بكسر الفاء - أنفس - بالفتح، من باب تعب - نَفَاسَةً، وقال المجد - ﵀ -: ونَفِسَ به، كفَرِحَ: ضَنَّ، وعليه بخير: حَسَدَ، ونَفَس عليه الشيءَ نَفَاسَةً: لم يره أهلًا له. انتهى . (وَلَكِنَّكَ اسْتَبْدَدْتَ عَلَيْنَا بِالأَمْرِ)، و«استبددت» بِدالَيْن، كذا هو في الرواية، قال في «الفتح»: وفي رواية غير أبي ذرّ: «واستبدت» بدال واحدة، وهو بمعناه، وأُسقطت الثانية تخفيفًا؛ كقوله: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥]، أصله: ظللتم؛ أي: لم تشاورنا، والمراد بالأمر: الخلافة. (وَكُنَّا نَحْنُ نَرَى) بضمّ النون، ويجوز فتحها؛ أي: نظنّ (لَنَا حَقًّا لِقَرَابَتِنَا)؛ أي: لأجل قرابتنا (مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -)، وفي رواية البخاريّ: «وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله - ﷺ - نصيبًا»؛ أي: حظًّا لنا في هذا الأمر. (فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُ أَبَا بَكْرٍ حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَا أَبِي بَكْرٍ)؛ أي: لم يزل عليّ - ﵁ - يذكر رسول الله - ﷺ - حتى فاضت عينا أبي بكر - ﵁ - من الرقة، قال المازريّ: ولعل عليًّا أشار إلى أن أبا بكر استبدّ عليه بأمور عظام، كان مِثْله عليه أن يُحضره فيها، ويشاوره، أو أنه أشار إلى أنه لم يستشره في عقد الخلافة له، أوّلًا، والعذر لأبي بكر - ﵁ - أنه خَشِيَ من التأخر عن البيعة الاختلافَ لِمَا كان وقع من الأنصار، كما هو مشهور في حديث السقيفة، فلم ينتظروه. (فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ) - ﵁ - (قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي) إنما قال أبو بكر - ﵁ - هذا معتذرًا عن منعه القسمة، وأنه لا يلزم منها أن لا يصلهم ببرّه من جهة أخرى، ومحصّل كلامه أن قرابة الشخص مقدّمة في برّه إلا إن عارضهم في ذلك من هو أرجح منهم، قاله في «الفتح» . (وَأَمَّا الَّذِي شَجَرَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ)؛ أي: وقع من الاختلاف والتنازع (مِنْ هَذِهِ الأَمْوَالِ)؛ أي: التي تركها النبيّ - ﷺ - من أرض خيبر وغيرها، (فَإِنِّي لَمْ آلُ)؛ أي: لم أُقصِّر (فِيهِ عَنِ الْحَقِّ، وَلَمْ أَتْرُكْ أَمْرًا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَصْنَعُهُ فِيهَا إِلَّا صَنَعْتُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لأَبِي بَكْرٍ) - ﵁ - (مَوْعِدُكَ الْعَشِيَّةُ) بالرفع مبتدأ وخبره، ويجوز النصب على الظرفيّة، ويتعلّق بخبر محذوف؛ أي: كائن العشيّة، والعشيّ، والعشيّة: من زوال الشمس، ومنه الحديث: «صلى إحدى صلاتي العشيّ: إما الظهر، وإما العصر»، والله تعالى أعلم. (لِلْبَيْعَة، فَلَمَّا صَلَّى أَبُو بَكْرٍ) - ﵁ - (صَلَاةَ الظُّهْرِ رَقِيَ عَلَى الْمِنْبَرِ) - بكسر القاف، بعدها تحتانية - أي: علا، وحَكَى ابن التين أنه رآه في نسخة بفتح القاف، بعدها ألف، وهو تحريف، قاله في «الفتح» . وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: «رقِيَ على المنبر»: هو بكسر القاف، يقال: رَقِيَ يَرْقَى، كعَلِم يَعْلَم. انتهى. (فَتَشَهَّدَ، وَذَكَرَ شَأْنَ عَلِيٍّ، وَتَخَلُّفَهُ عَنِ الْبَيْعَة، وَعُذْرَهُ) - بضم العين، وإسكان الذال؛ عطفًا على مفعول «وذَكَرَ»، (بِالَّذِي اعْتَذَرَ اِلَيْه، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ، وَتَشَهَّدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَعَظَّمَ حَقَّ أَبِي بَكْرٍ) زاد في رواية معمر المذكورة: «وذَكَر فضيلته، وسابقيّته، ثم مضى إلى أبي بكر، فبايعه»، (وَأَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى الَّذِي صَنَعَ نَفَاسَةً)؛ أي: حسدًا (عَلَى أَبِي بَكْر، وَلَا إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللهُ بِه، وَلَكنَّا كُنَّا نَرَى) بالضمّ، أو الفتح، (لَنَا فِي الأَمْرِ نَصِيبًا، فَاسْتُبِدَّ عَلَيْنَا بِهِ) ببناء الفعل للمفعول، و«علينا» هو النائب عن الفاعل، ويَحْتَمل أن يكون بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير أبي بكر - ﵁ -. (فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا)؛ أي: غضبنا عليه بسبب ذلك، (فَسُرَّ) بالبناء للمفعول، (بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ، وَقَالُوا: أَصَبْتَ)؛ أي: وُفّقت للصواب، (فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عَلِيٍّ) - ﵁ - (قَرِيبًا)؛ أي: كان وُدّهم له قريبًا، (حِينَ رَاجَعَ الأَمْرَ الْمَعْرُوفَ)؛ أي: من الدخول فيما دخل فيه الناس. قال النوويّ - ﵀ -: أما تأخر عليّ - ﵁ - عن البيعة فقد ذكره عليّ - ﵁ - في هذا الحديث، واعتذر إلى أبي بكر - ﵁ -، ومع هذا فتأخره ليس بقادح في البيعة، ولا فيه، أما البيعة فقد اتَّفَق العلماء على أنه لا يُشترط لصحتها مبايعة كلّ الناس، ولا كلّ أهل الحلّ والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسَّر إجماعهم من العلماء، والرؤساء، ووجوه الناس، وأما عدم القدح فيه، فلأنه لا يجب على كلّ واحد أن يأتي إلى الإمام، فيضع يده في يده، ويبايعه، وإنما يلزمه إذا عَقَد أهلُ الحلّ والعقد للإمام الانقيادُ له، وأن لا يُظهِر خلافًا، ولا يَشُقّ عصًا، وهكذا كان شأن عليّ - ﵁ - في تلك المدّة التي قبل بيعته، فإنه لم يُظهر على أبي بكر خلافًا، ولا شقّ العصا، ولكنه تأخَّر عن الحضور عنده؛ للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة، وانبرامها متوقفًا على حضوره، فلم يجب عليه الحضور لذلك، ولا لغيره، فلمّا لم يجب لم يحضر، وما نُقِل عنه قدح في البيعة، ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عَتْبٌ، فتأخر حضوره إلى أن زال العتب، وكان سبب العتب أنه مع وَجَاهته، وفضيلته في نفسه في كل شيء، وقُرْبه من النبيّ - ﷺ -، وغير ذلك رأى أنه لا يُستَبَدّ بأمر إلا بمشورته وحضوره، وكان عذر أبي بكر، وعمر، وسائر الصحابة - ﵃ - واضحًا؛ لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع، تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبيّ - ﷺ - حتى عقدوا البيعة؛ لكونها كانت أهمّ الأمور، كيلا يقع نزاع في مدفنه، أو كَفَنه، أو غُسْله، أو الصلاة عليه، أو غير ذلك، وليس لهم من يَفْصِل الأمور، فرأوا تقدّم البيعة أهمّ الأشياء، والله أعلم. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: من تأمل ما دار بين أبي بكر وعليّ - ﵄ - من المعاتبة، ومن الاعتذار، وما تضمَّن ذلك من الإنصاف، عَرَف أن بعضهم كان يعترف بفضل الآخر، وأن قلوبهم كانت متفقة على الاحترام والمحبة، وإن كان الطبع البشريّ قد يغلب أحيانًا، لكن الديانة تردّ ذلك، والله الموفق. وقد تمسَّك الرافضة بتأخر عليّ عن بيعة أبي بكر - ﵁ - إلى أن ماتت فاطمة - ﵂ -، وهذيانهم في ذلك مشهور، وفي هذا الحديث ما يدفع في حجتهم، وقد صحح ابن حبان وغيره من حديث أبي سعيد الخدريّ وغيره: أن عليًّا بايع أبا بكر في أول الأمر، وأما ما وقع في مسلم عن الزهريّ أن رجلًا قال له: لم يبايع عليّ أبا بكر حتى ماتت فاطمة، قال: لا، ولا أحد من بني هاشم، فقد ضعّفه البيهقيّ بأن الزهريّ لم يُسنده، وأن الرواية الموصولة عن أبي سعيد أصحّ. وجَمَع غيره بأنه بايعه بيعة ثانيةً مؤكدةً للأولى؛ لإزالة ما كان وقع بسبب الميراث، كما تقدم، وعلى هذا فيُحْمَل قول الزهريّ: «لم يبايعه عليّ في تلك الأيام» على إرادة الملازمة له، والحضور عنده، وما أشبه ذلك، فإن في انقطاع مِثله عن مِثله ما يوهم من لا يعرف باطن الأمر أنه بسبب عدم الرضا بخلافته، فأَطلق من أَطلق ذلك، وبسبب ذلك أظهر عليّ المبايعة التي بعد موت فاطمة - ﵍ - لإزالة هذه الشبهة، قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن القول الأخير، وهو أن مبايعة عليّ لأبي بكر - ﵁ - في هذه القصّة بيعة ثانية مؤكّدة للأُولى، لا أنها هي الأُولى هو الأظهر، لِمَا لا يخفى عن من تأمله بالإمعان والإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٤٥٧٠ و٤٥٧١ و٤٥٧٢] (١٧٥٩)، و(البخاريّ) في «فرض الخمس» (٣٠٩٢ و٣٠٩٣) و«فضائل الصحابة» (٣٧١١ و٣٧١٢) و«المغازي» (٤٠٣٦ و٤٢٤٠ و٤٢٤١) و«الفرائض» (٦٧٢٥ و٦٧٢٦)، و(أبو داود) في «الخراج» (٢٩٦٨ و٢٩٦٩ و٢٩٧٠)، و(النسائيّ) في «كتاب قسم الفيء» (٧/ ١٣٢) و«الكبرى» (٣/ ٤٦)، و(مالك) في «الموطّأ» (١٨٧٥)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٩٧٧٤)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٤ و٦ - ٧ و٩ - ١٠)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٨٢٣ و٦٦٠٧)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٤٣)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (٢/ ٣١٥)، و(المروزيّ) في «مسند أبي بكر» (٣٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٤/ ٢٥٣)، و(الطبرانيّ) في «مسند الشاميين» (٤/ ١٩٨)، و(الطحاويّ) في «شرح معاني الآثار» (٢/ ٤)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (١/ ٢٧٦)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٦/ ٣٠٠ - ٣٠١ و٧/ ٦٥)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٢٧٤١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الأنبياء لا يورَثون، قال في «الفتح»: قال ابن بطال وغيره: ووجه ذلك - والله أعلم - أن الله بعثهم مبلِّغين رسالته، وأمَرهم أن لا يأخذوا على ذلك أجرًا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقال نوح، وهود، وغيرهما نحو ذلك، فكانت الحكمة في أن لا يورثوا؛ لئلا يُظَنّ أنهم جمعوا المال لوارثهم. قال: وقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦] حَمَله أهل العلم بالتأويل على العلم والحكمة، وكذا قول زكريا: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي﴾ [مريم: ٥ - ٦]. وقد حَكَى ابن عبد البر - ﵀ - أن للعلماء في ذلك قولين، وأن الأكثرين على أن الأنبياء لا يورثون، وذَكَرَ أن ممن قال بذلك من الفقهاء: إبراهيم بن إسماعيل ابن علية، ونقله عن الحسن البصريّ عياض في «شرح مسلم»، وأخرج الطبريّ من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، في قوله تعالى حكاية عن زكريا: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾ [مريم: ٥] قال: العصبة، ومن قوله: ﴿يَرِثُنِي﴾ قال: يرث مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة. ومن طريق قتادة، عن الحسن نحوه، لكن لم يذكر المال، ومن طريق مبارك بن فَضَالة، عن الحسن رفعه مرسلًا: «رَحِمَ اللهُ أخي زكريا ما كان عليه من يرث ماله». قال الحافظ - ﵀ -: وعلى تقدير تسليم القول المذكور، فلا مُعارض من القرآن لقول نبينا - ﷺ -: «لا نورث، ما تركنا صدقة»، فيكون ذلك من خصائصه - ﷺ - التي أُكرم بها، بل قول عمر: «يريد نفسه» يؤيّد اختصاصه بذلك. وأما عموم قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية [النساء: ١١]، فأجيب عنها بأنها عامّة فيمن ترك شيئًا كان يملكه، وإذا ثبت أنه وقفه قبل موته، فلم يخلُف ما يورث عنه، فلم يورث، وعلى تقدير أنه خَلَّف شيئًا مما كان يملكه، فدخوله في الخطاب قابل للتخصيص؛ لِمَا عُرِف من كثرة خصائصه - ﷺ -، وقد اشتَهَرَ عنه أنه لا يورث، فظهر تخصيصه بذلك دون الناس. وقيل: الحكمة في كونه لا يورث: حسم المادّة في تمني الوارث موت المورِّث، من أجل المال، وقيل: لكون النبيّ كالأب لأمته، فيكون ميراثه للجميع، وهذا معنى الصدقة العامّة. انتهى . ٢ - (ومنها): ما قاله ابن الْمُنَيِّر - ﵀ - في «الحاشية»: يستفاد من الحديث أن من قال: داري صدقةٌ، لا تورث أنَّها تكون حَبْسًا، ولا يحتاج إلى التصريح بالوقف، أو الحبس، قال الحافظ: وهو حسن، لكن هل يكون ذلك صريحًا، أو كناية يحتاج إلى نية؟. انتهى . ٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ - ﵀ - عند قوله: «مما أفاء الله عليه بالمدينة، وفَدَك»: كانت الأراضي التي تصدق بها رسول الله - ﷺ - صارت إليه بثلاثة طرق: [أحدها]: ما وَصّى له به عند موته مُخَيْريق اليهوديّ لَمّا أسلم يوم أُحد، وكانت سبعة حوائط في بني النضير، وما أعطاه الأنصار من أراضيهم. [والثاني]: حقه من الفيء من سائر أرض بني النضير، حين أجلاهم، وكذلك نصف أرض فدك، صالح أهلها على النصف بعد حنين، وكذلك ثلث أرض وادي القري، صالح عليه يهود، وكذلك حصنان من حصون خيبر: الوَطِيح، والسُّلالم، فَتَح أحدهما صلحًا، وأجلى أهلها. [والثالث]: سهمه من خمس خيبر، وما افتتح منه عنوة، وهو حصن الكتيبة، خرج كله في خمس الغنيمة منها، وأقسم الناس سائرها؛ حكاه أبو الفضل عياض. فهذه الأراضي التي وصلت إلى رسول الله - ﷺ -، كان يأخذ منها حاجة عياله، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين، وهي التي تصدَّق بها، حيث قال: «ما تركت بعد نفقة نسائي، ومؤنة عاملي فهو صدقة»، فلما مات عمل فيه أبو بكر - ﵁ - كذلك، ثم عمر، ثم عثمان، غير أنه يُروى: أن عثمان أقطع مروان فدك، وهو مما نُقم على عثمان، قال الخطابيّ: لعل عثمان تأوّل قول رسول الله - ﷺ -: «إذا أطعم الله نبيًّا طُعمةً فهي للذي يقوم من بعده» ، فلما استغنى عثمان عنها بماله، جعلها لأقربائه. قال القرطبيّ - ﵀ -: وأولى من هذا أن يقال: لعل عثمان - ﵁ - دفعها له على جهة المساقاة، وخَفِي وجه ذلك على الراوي، فقال: أقطع، والله تعالى أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا التأويل الذي ذكره القرطبيّ - ﵀ - فيما عمل به عثمان - ﵁ - هو المتعيّن؛ تحسينًا للطن به - ﵁ -، فتنبّه، ولا تنغرّ بما يُثيره المنحرفون، والله تعالى المستعان. ٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ - ﵀ - أيضًا عند قوله: «فوَجَدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته … إلخ»: لا يُظَنّ بفاطمة - ﵂ - أنَّها اتَّهَمَت أبا بكر فيما ذكره عن رسول الله - ﷺ -، لكنها عَظُم عليها ترك العمل بالقاعدة الكلية، المقررة بالميراث، المنصوصة في القرآن، وجوّزت السهو والغلط على أبي بكر، ثم إنها لَمْ تلتق بأبي بكر لِشُغلها بمصيبتها برسول الله - ﷺ -، ولملازمتها بيتها، فعبَّر الراوي عن ذلك بالهجران، وإلا فقد قال رسول الله - ﷺ -: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث»، وهي أعلم الناس بما يَحِلّ من ذلك ويَحْرُم، وأبعد الناس عن مخالفة رسول الله - ﷺ -، كيف لا يكون كذلك وهي بضعة من رسول الله - ﷺ -، وسيدة نساء أهل الجَنَّة؟. انتهى . ٥ - (ومنها): في هذا الحديث بيان صحة خلافة أبي بكر وانعقاد الإجماع عليها. ٦ - (ومنها): أن في قوله: «فلما صلّى أبو بكر - ﵁ - صلاة الظهر … إلخ» ما يدلّ على أنَّ العشيّة من بعد الزوال، كما جاء في الحديث الآخر: «صلى إحدى صلاتي العشيّ: إما الظهر، وإما العصر»، أفاده القاضي عياض - ﵀ - . ٧ - (ومنها): أن بيعة الأئمة يجب أن تكون بمحضر من الملأ والجمع، ولا يُستَتَر بها، وأن التزامها واجب لجميع الناس، وإن لَمْ يبايعه كلّ أحد؛ لأنَّ المعتبَر مبايعة أهل الحلّ والعقد، وأما سائر الناس، فالواجب عليهم طاعته، ونُصرته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٥٧١] (…) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ فَاطِمَةَ، وَالْعَبَّاسَ، أَتَيَا أَبَا بَكْرٍ، يَلْتَمِسَانِ مِيرَاثَهُمَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَهُمَا حِينَئِذٍ يَطْلُبَانِ أَرْضَهُ مِنْ فَدَكٍ، وَسَهْمَهُ مِنْ خَيْبَرَ، فَقَالَ لَهُمَا أَبُو بَكْرٍ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ثُمَّ قَامَ عَلِيُّ، فَعَظَّمَ مِنْ حَقِّ أَبِي بَكْرٍ، وَذَكَرَ فَضِيلَتَهُ، وَسَابِقَتَهُ، ثُمَّ مَضَى إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَبَايَعَهُ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَى عَلِي، فَقَالُوا: أَصَبْتَ، وَأَحْسَنْتَ، فَكَانَ النَّاسُ قَرِيبًا إِلَى عَلِيٍّ حِينَ قَارَبَ الأَمْرَ الْمَعْرُوفَ). رجال هذا الإسناد: تسعة: وكلّهم ذُكروا في الباب وقبله. وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل «ساق» ضمير معمر. وقوله: (فَكَانَ النَّاسُ قَرِيبًا) إنما أفرد قريبًا؛ لأنه يجوز أن يُستعمل بلفظ المفرد للواحد، والمثنّى، والجمع، والمذكّر، والمؤنّث، قال الفيّوميّ - ﵀ -: قال أبو عمرو بن العلاء: لِلقَرِيبِ في اللغة معنيان: [أحَدُهُما]: قَرِيبُ قُرْبٍ، فيستوي فيه المذكر، والمؤنث، يقال: زيد قريب منك، وهند قَرِيبٌ منك؛ لأنه من قُرْب المكان والمسافة، فكأنه قيل: هند موضعها قَرِيبٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. [والثاني]: قَرِيبٌ قرابة، فيطابَقُ، فيقال: هند قَرِيَبةٌ، وهما قَرِيبَتَانِ. وقال الخليل: القَرِيبُ، والبعيد يستوي فيهما المذكر، والمؤنث، والجمع. وقال ابن الأنباريّ: قَرِيبٌ مُذكَّر، مُوَحَّد، تقول: هند قَرِيبٌ، والهندات قَرِيِبٌ؛ لأنَّ المعنى: الهندات مكان قَرِيبٌ ، وكذلك بعيدٌ ويجوز أن يقال: قَرِيبَةٌ، وبعيدة؛ لأنك تبنيهما على قَرُبتْ، وبَعُدت، وقال في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: لا يجوز حمل التذكير على معنى: إن فضل الله؛ لأنه صرف اللفظ عن ظاهره، بل لأنَّ اللفظ وُضع للتذكير، والتوحيد، وحَمَله الأخفش على التأويل، فقال: المعنى: إنَّ نَظَر الله. انتهى . [تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ هذه ساقها أبو عوانة - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (٦٦٧٩) - حدّثنا محمد بن يحيى، قثنا عبد الرزاق، وحدّثنا محمد بن عليّ الصنعانيّ، قال: أنبأ عبد الرزاق، قال أنبأ معمر (ح) وحدّثنا الدَّبَرِيّ، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة - ﵂ - أن فاطمة والعباس - ﵄ - أتيا أبا بكر - ﵁ - يلتمسان ميراثهما من رسول الله - ﷺ -، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك، وسهمه من خيبر، فقال لهما أبو بكر: إني سمعت رسول الله - ﷺ - ثم يقول: «لا نورث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد - ﷺ - من هذا المال»، وإني والله لا أدع أمرًا رأيت رسول الله - ﷺ - يصنعه فيه إلَّا صنعته، قال: فهَجَرته فاطمة، فلم تكلمه في ذلك حتى ماتت، فدفنها عليّ - ﵁ - ليلًا، ولم يُؤْذِن بها أبا بكر، قالت عائشة: وكان لعليّ من الناس وجهٌ حياةَ فاطمة، فلما تُوُفِّيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن عليّ، فمكثت فاطمة ستة أشهر بعد النبيّ - ﷺ -، ثم توفيت - قال رجل للزهريّ: فلم يبايعه عليّ ستة أشهر؟ قال: ولا أحد من بني هاشم، حتى بايعه عليّ - فلما رأى عليّ انصراف وجوه الناس عنه، ضَرَعَ إلى مصالحة أبي بكر، فأرسل عليّ إلى أبي بكر أن ائتنا، ولا تأتنا معك بأحد، وكَرِه أن يأتيه عمر؛ لِمَا عَلِم من شدّته، فقال عمر: لا تأتيهم وحدك، فقال أبو بكر: والله لآتينهم، وما عسى أن يصنعوا بي؟ فانطَلَق أبو بكر، فدخل على عليّ، وقد جَمَع بني هاشم عنده، فقام عليّ، فحَمِد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثمَّ قال: أما بعدُ فإنه لَمْ يمنعنا أن نبايعك يا أبا بكر إنكارًا لفضيلتك، ولا نَفَاسَةً عليك لخير ساقه الله إليك، ولكنا كنا نُرَى أن لنا في هذا الأمر حقًّا، فاستبددتم به علينا، ثم قال: ثم ذكر قرابتهم من رسول الله - ﷺ -، وحقهم، فلم يزل عليّ يذكر ذلك حتى بكى أبو بكر، فلما سكت عليّ تشهّد أبو بكر، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فوالله لقرابة رسول الله - ﷺ - أحبَّ إليّ أن أصل من قرابتي، وإني والله ما أَلَوْتُ في هذه الأموال التي كانت بيني وبينكم على الخير، ولكني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا نورث، ما تركنا صدقةٌ، إنما يأكل آل محمد من هذا المال»، وإني والله لا أدع أمرًا رأيت رسول الله - ﷺ - يصنعه فيه إلَّا صنعته، إن شاء الله، قال عليّ: موعدك العشية للبيعة، فلما صلى أبو بكر الظهر أقبل على الناس بوجهه، ثم عَذَرَ عليًّا ببعض ما اعتذر به، ثم قام عليّ، فعَظَّم من حقّ أبي بكر، وذكر من فضيلته، وسابقته، ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه، فأقبل الناس إلى عليّ، فقالوا: أصبت، وأحسنت، قالت عائشة: فكان الناس قريبًا إلى عليّ، حين راجع الأمر، وقال أحدهما: قارب الأمر والمعروف. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٤٥٧٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ - حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْر، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - سَأَلتْ أَبَا بَكْرٍ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَقْسِمَ لَهَا مِيرَاثَهَا، مِمَّا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْه، فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ»، قَالَ: وَعَاشَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَتْ فَاطِمَةُ تَسْأَلُ أَبَا بَكْرٍ نَصِيبَهَا مِمَّا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ خَيْبَرَ، وَفَدَكٍ، وَصَدَقَتِهِ بِالْمَدِينَةِ ، فَأَبَى أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهَا ذَلِكَ، وَقَالَ: لَسْتُ تَارِكًا شَيْئًا كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَعْمَلُ بِهِ إِلَّا عَمِلْتُ بِه، إِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ، فَأَمَّا صَدَقَتُهُ بِالْمَدِينَة، فَدَفَعَهَا عُمَرُ إِلَى عَلِيٍّ، وَعَبَّاسٍ، فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا عَلِيٌّ، وَأَمَّا خَيْبَرُ، وَفَدَكُ، فَأَمْسَكَهُمَا عُمَرُ، وَقَالَ: هُمَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - كَانَتَا لِحُقُوقِهِ الَّتِي تَعْرُوهُ، وَنَوَائِبِه، وَأَمْرُهُمَا إِلَى مَنْ وَلِيَ الأَمْرَ، قَالَ: فَهُمَا عَلَى ذَلِكَ إِلَى الْيَوْمِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٥. ٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. ٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدني، نزيل بغداد، ثقةٌ، تُكُلّم فيه بلا قادح [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في (الإيمان) ٩/ ١٤١. ٤ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة، تقدَّم قبل باب. ٥ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) تقدَّم قريبًا. ٦ - (صَالِحُ) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد (١٣٠) أو (١٤٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ٩/ ١٤١. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ - ﵀ - في «تقييده»: قال مسلم: حدّثنا زهير، وحسن الحلوانيّ، قالا: نا يعقوب بنْ إبراهيم، نا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة، أن عائشة أخبرته أن فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - سألت أبا بكر الصدّيق … الحديث. هكذا إسناده عند أبي أحمد - أي: بدون ذكر «وحدّثنا ابن نُمير» كما هنا في المطبوع -. وفي نسخة أبي العلاء بن ماهان: حدّثنا ابن نُمير، نا يعقوب بن إبراهيم، وخرّجه أبو مسعود الدمشقيّ عن مسلم، فقال: حدّثنا زهير بن حرب، وحسن الحلوانيّ، ومحمد بن عبد الله بن نمير، ثلاثتهم عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد بذلك. قال أبو عليّ: وأكثر ما يجيء مسلم بنسخة صالح بن كيسان هذه عن زهير بن حرب، وحسن الحلوانيّ جميعًا عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، فالله أعلم. انتهى . وقوله: (أَنْ أَزِيغَ)؛ أي: أميل عن الحقّ، يقال: زاغت الشمس تزيغ زيغًا: مالت، وزاغ الشيء كذلك، ويزوغ زَوْغًا لغةٌ، وأزاغه إزاغةً في التعدّي، قاله الفيّوميّ ، فأفاد أن فيه لغتين، زاغ يزيغ، كباع يبيع، وزاغ يزوغ؛ كقال يقول. وقوله: (فَأَمَّا صَدَقَتُهُ بِالْمَدِينَة، فَدَفَعَهَا عُمَرُ إِلَى عَلِيٍّ، وَعَبَّاسٍ) تقدّمت قصّة دَفْعه إليهما في حديث أول الباب. وقوله: (فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا عَلِيٌّ) زاد البخاريّ: «فكانت بيده، ثم كانت بيد حسين بن عليّ، ثم بيد عليّ بن حسين، وحسن بن حسن، كلاهما كانا يتداولانها، ثم بيد زيد، وهي صدقة رسول الله - ﷺ - حقًّا». وقال أبو بكر الخوارزميّ البرقانيّ بعد قوله:«ثم بيد عليّ بن حسين، ثم بيد الحسن بن الحسن، ثم بيد زيد بن الحسن - قال معمر -: ثم بيد عبد الله بن الحسن»: ثم وليها بنو العباس. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله:«فغلبه عليّ عليها»؛ يعني: على الولاية عليها، والقيام بها، وكأن العبّاس رأى عليًّا أقوى عليها، وأضلع بها، فلم يعرض له بسببها، فعبّر الراوي عن هذا بالغلبة، قال: وفيه بُعد. انتهى . وقوله: (وَأَمَّا خَيْبَرُ)؛ أي: الذي كان يخصّ النبيّ - ﷺ - منها. وقوله: (فَأَمْسَكَهُمَا عُمَرُ)؛ أي: لَمْ يدفعها لغيره، وبَيَّن سبب ذلك بقوله:«هما صدقة رسول الله - ﷺ - … إلخ»، قال في«الفتح»: وقد ظهر بهذا أن صدقة النبيّ - ﷺ - بما كان من بني النضير، وأما سهمه من خيبر وفدك فكان حكمه إلى من يقوم بالأمر بعده، وكان أبو بكر - ﵁ - يُقَدِّم نفقة نساء النبيّ - ﷺ - وغيرها، مما كان يصرفه، فيصرفه من خيبر، وفدك، وما فضل من ذلك جعله في المصالح، وعمل عمر - ﵁ - بعده بذلك، فلما كان عثمان تصرّف في فدك بحسب ما رآه، فرَوَى أبو داود، من طريق مغيرة بن مِقْسَم، قال: جَمَعَ عمر بن عبد العزيز بني مروان، فقال: إن رسول الله - ﷺ - كان ينفق من فدك علي بني هاشم، ويزوّج أَيِّمهم، وأن فاطمة سألته أن يجعلها لها، فأبي، وكانت كذلك في حياة النبيّ - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر، ثم أقطعها مروان؛ يعني: في أيام عثمان. قال الخطابيّ: إنما أقطع عثمان فدك لمروان؛ لأنه تأول أن الذي يختص بالنبيّ - ﷺ - يكون للخليفة بعده، فاستغنى عثمان عنها بأمواله، فوصل بها بعض قرابته. ويشهد لصنيع أبي بكر حديث أبي هريرة - ﵁ - المرفوع الآتي بعد هذا بلفظ: «ما تركت بعد نفقة نسائي، ومؤنة عاملي، فهو صدقة»، فقد عَمِل أبو بكر وعمر بتفصيل ذلك بالدليل الذي قام لهما. انتهى .
مصادر المؤلف (٤٦)

١. «الفتح» ١٥/ ٤٢٧ - ٤٢٨، كتاب «الفرائض» رقم (٦٧٣٠).

٢. مخيريق هذا له ترجمة في «الإصابة في تمييز الصحابة» ٦/ ٥٧، ودونك ملخّصها:

٣. «الفتح» ٧/ ٣٥٣، كتاب «فرض الخمس» رقم (٣٠٩٤).

٤. «الفتح» ٧/ ٣٥٢ - ٣٥٣.

٥. «الفتح» ٧/ ٣٥١ «فرض الخمس» رقم (٣٠٩٢).

٦. «شرح السنديّ على النسائيّ» ٧/ ١٣٢.

٧. «الفتح» ١٥/ ٤٢٦، كتاب «الفرائض» رقم (٦٧٣٠).

٨. «المفهم» ٣/ ٥٦٨.

٩. «الفتح» ١٥/ ٤٢٤، كتاب «الفرائض» (٦٧٢٦).

١٠. «الفتح» (٧٣٥٣).

١١. «الفتح» ٧/ ٣٥١ - ٣٥٢.

١٢. «شرح النوويّ» ١٢/ ٧٧.

١٣. «الفتح» ٩/ ٣٤٢، كتاب «المغازي» رقم (٤٢٤٠).

١٤. «شرح النوويّ» ١٢/ ٧٧.

١٥. «المفهم» ٣/ ٥٦٩.

١٦. «الفتح» ٩/ ٣٤٢، كتاب «المغازي» رقم (٤٢٤٠).

١٧. «المفهم» ٣/ ٥٦٩.

١٨. «القاموس المحيط» ص ١٣١٤.

١٩. «المفهم» ٣/ ٥٧٠ - ٥٧١.

٢٠. «الفتح» ٩/ ٣٤٢.

٢١. «شرح النوويّ» ١٢/ ٧٨.

٢٢. «شرح النوويّ» ١٢/ ٧٨.

٢٣. راجع: «الفتح» ٩/ ٣٤٣.

٢٤. «شرح النوويّ» ١٢/ ٧٨ - ٧٩.

٢٥. «القاموس المحيط» ص ١٣٠٤.

٢٦. «الفتح» ٩/ ٩٥، كتاب «المغازي» رقم (٤٠٣٥).

٢٧. «الفتح» ٩/ ٣٤٣.

٢٨. «شرح النوويّ» ١٢/ ٧٧ - ٧٨.

٢٩. «الفتح» ٩/ ٣٤٤، كتاب «المغازي» رقم (٤٢٤٠).

٣٠. «الفتح» ١٥/ ٤٢٦ - ٤٢٧، كتاب «الفرائض» رقم (٦٧٢٩).

٣١. «الفتح» ١٥/ ٤٢٦ - ٤٢٧، كتاب «الفرائض» رقم (٦٧٢٩).

٣٢. رواه البيهقيّ في«السنن الكبرى»٦/ ٣٠١ - ٣٠٣.

٣٣. «المفهم»٣/ ٥٦٧ - ٥٦٨.

٣٤. «المفهم»٣/ ٥٦٨ - ٥٦٩.

٣٥. «إكمال المعلم» ٦/ ٨٥.

٣٦. وفي نسخة: «فكانوا قريبًا».

٣٧. هكذا النسخة «لأنَّ المعنى: الهندات مكان قريب»، ولعل الأَولى: «مكان الهندات قريبٌ»، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.

٣٨. «المصباح المنير» ٢/ ٤٩٥ - ٤٩٦.

٣٩. مسند أبي عوانة ٤/ ٢٥١ - ٢٥٢.

٤٠. وفي نسخة: «بعد وفاة رسول الله - ﷺ -».

٤١. وفي نسخة: «ومن صدقته بالمدينة».

٤٢. تقييد المهمل«٣/ ٨٧٦ - ٨٧٧.

٤٣. «المصباح المنير»١/ ٢٦١.

٤٤. راجع: «مشارق الأنوار» ٢/ ٤٠٤.

٤٥. «المفهم» ٣/ ٥٧١.

٤٦. «الفتح» ٧/ ٣٥٤، كتاب «فرض الخمس» رقم (٣٠٩٢).