HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ١٩٥٢

حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى. قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ. نَأْكُلُ الْجَرَادَ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص70
ج ٣ ص ١٥٤٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٣ ص٢٦٣
المالكية اشتراط تذكيته، واختلفوا في صفتها، فقيل: بقطع رأسه، وقيل: إن وقع في قِدْر، أو نار حَلّ، وقال ابن وهب: أخذُهُ ذكاته، ووافق مُطَرّف منهم الجمهور، في أنه لا يفتقر إلى ذكاته؛ لحديث ابن عمر: «أُحِلّت لنا ميتتان، ودمان: السمك، والجراد، والكبد، والطحال»، أخرجه أحمد، والدارقطنيّ مرفوعًا، وقال: إن الموقوف أصح، ورجّح البيهقيّ أيضًا الموقوف، إلا أنه قال: إن له حكمَ الرفع. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٠٣٧] (١٩٥٢) - (حَدَّثَنَا أبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - سَبْعَ غَزَوَاتٍ، نَأْكُلُ الْجَرَادَ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين، تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (أَبُو يَعْفُور) - بفتح التحتانيّة، وسكون المهملة، وضمّ الفاء - اسمه: وَقْدَان - بفتح الواو، وسكون القاف - العبديّ الكوفيّ، مشهور بكنيته، وهو الأكبر، ويقال: اسمه واقد، ثقة [٤] تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٥/ ١١٩٩. وقال في «الفتح»: «أبو يعفور» - بفتح التحتانية، وسكون المهملة، وضم الفاء - هو العبديّ، واسمه وقدان، وقيل: واقد، وقال مسلم: اسمه واقد، ولقبه وقدان، وهو الأكبر، وأبو يعفور الأصغر: اسمه عبد الرحمن بن عُبيد، وكلاهما ثقة، من أهل الكوفة، وليس للأكبر في البخاري، سوى هذا الحديث، وآخر تقدم في «الصلاة»، في أبواب الركوع، من صفة الصلاة، وقد ذكرت كلام النووي فيه، وجَزْمه بأنه الأصغر، وأن الصواب أنه الأكبر، وبذلك جزم الكلاباذي، وغيره، والنووي تَبِع في ذلك ابن العربي، وغيره، والذي يُرجّح كلام الكلاباذي، جَزْم الترمذي بعد تخريجه، بأن راوي حديث الجراد، هو الذي اسمه واقد، ويقال: وقدان، وهذا هو الأكبر، ويؤيده أيضًا: أن ابن أبي حاتم، جزم في ترجمة الأصغر، بأنه لم يسمع من عبد الله بن أبي أوفى. انتهى . ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى) علقمة بن خالد بن الحارث الأسلميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، شهد الْحُديبية، وعُمِّر بعد النبيّ - ﷺ - دهْرًا، ومات سنة (٨٧) وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة تقدم في «الصلاة» ٤١/ ١٠٧٢. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من رباعيّات المصنف، وهو (٣٥٩) من رباعيّات الكتاب، وأن صحابيّه ابن صحابيّ، ومن المعمّرين، وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة، كما أسلفته آنفًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ) - بفتح التحتانيّة، وسكون المهملة، وضمّ الفاء - تقدّم أنه الأكبر، واسمه واقد، أو وقدان الْعَبْديّ، وليس هو الأصغر عبد الرحمن بن عبيد بن نِسطاس، وإن زعم النووي ذلك، فهو غلط؛ لأن الأصغر لم يسمع من عبد الله بن أبي أوفى، كما قال ابن أبي حاتم، فتنبّه. (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى) واسمه خالد بن علقمة، وهو أيضًا صحابيّ، (قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - سَبْعَ غَزَوَاتٍ) وفي رواية ابن راهويه التالية: «ستّ»، وفي رواية ابن أبي عمر التالية أيضًا: «ستّ، أو سبع» بالشكّ، قال في «الفتح»: وهذا الشك في عدد الغزوات، من شعبة، وقد أخرجه مسلم، من رواية شعبة بالشك أيضًا، والنسائي من روايته بلفظ الستّ، من غير شك، والترمذيّ، من طريق غندر، عن شعبة، فقال: «غزوات»، ولم يذكر عددًا. وقال في «الفتح» أيضًا عند قول البخاريّ: «قال سفيان، وأبو عوانة، وإسرائيل عن أبي يعفور، عن ابن أبي أوفى: سبع غزوات» ما نصّه: قوله: «وقال سفيان» هو الثوريّ، وقد وصله الدارميّ عن محمد بن يوسف، وهو الفريابيّ، عن سفيان، وهو الثوريّ، ولفظه: «غزونا مع النبيّ - ﷺ - سبع غزوات، نأكل الجراد»، وكذا أخرجه الترمذيّ من وجه آخر عن الثوريّ، وأفاد أن سفيان بن عيينة روى هذا الحديث أيضًا عن أبي يعفور، لكن قال: «ست غزوات»، وكذا أخرجه أحمد بن حنبل، عن ابن عيينة جازمًا بالستّ، وقال الترمذيّ: كذا قال ابن عيينة: «ستّ»، وقال غيره: «سبع». قال الحافظ: ودلّت رواية شعبة على أن شيخهم كان يشكّ، فيُحْمَل على أنه جزم مرّةً بالسبع، ثم لمّا طرأ عليه الشك صار يجزم بالستّ؛ لأنه المتَيَقَّن، ويؤيِّد هذا الحمل أن سماع سفيان بن عيينة عنه متأخر دون الثوريّ، ومن ذكر معه، ولكن وقع عند ابن حبان من رواية أبي الوليد شيخ البخاريّ فيه: «سبعًا، أو ستًّا»، يشك شعبة. انتهى . [تنبيه]: وقع في «توضيح ابن مالك»: «سبع غزوات، أو ثماني»، وتكلم عليه، فقال: الأجود أن يقال: «سبع غزوات، أو ثمانيةً» بالتنوين؛ لأن لفظ «ثمان»، وإن كان كلفظ جَوَارٍ في أن ثالث حروفه ألف، بعدها حرفان، ثانيهما ياء، فهو يخالفه في أن جَواري جَمْع، وثمانية ليس بجمع، واللفظ بهما في الرفع والجر سواء، ولكن تنوين ثمان تنوين صرف، وتنوين جوار تنوين عوض، وإنما يفترق لفظ ثمان وجوار في النصب، فإنك تقول: رأيت جواريَ ثمانيًا، فتترك تنوين جواري؛ لأنه غير منصرف، وقد استُغني عن تنوين العوض بتكميل لفظه، وتُنَوِّن ثمانيًا؛ لأنه منصرف؛ لانتفاء الجمعيّة، ومع هذا ففي قوله: أو ثماني بلا تنوين بالنصب، واستمر يتكلم على ذلك، ثم قال: وفي ذِكره له بلا تنوين ثلاثة أوجه: أحدها، وهو أجودها: أن يكون أراد: أو ثماني غزوات، ثم حَذَفَ المضافَ إليه، وأبقى المضاف على ما كان عليه قبل الحذف، وحسّن الحذف دلالة ما تقدّم من مثل المحذوف، ومثله قول الشاعر [من الخفيف]: خَمْسُ ذَوْدٍ أَوْ سِتُّ عُوِّضَ مِنْهَا … مِائَةٌ غَيْرُ أَبْكُرٍ وَإِفَالِ وهذا من الاستدلال بالمتقدّم على المتأخّر، وهو في غير الإضافة كثيرٌ، كقوله تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٥]، والأصل: والحافظات فروجهن، والذاكرات الله كثيرًا. الوجه الثاني: أن تكون الإضافة غير مقصودة، وترك تنوين «ثمان» لمشابهته جواري لفظًا ومعنى، أما اللفظ فظاهر، وأما المعنى فلأن ثمانيًا، وإن لم يكن له واحد من لفظه، فإن مدلوله جمعٌ، وقد اعتُبر مجرّد الشبه اللفظيّ في سراويل، فأُجري مُجرى سرابيل، فلا يُستبعد إجراء ثمان مُجرى جوارٍ، ومن إجرائه مُجراه قول الشاعر: يَحْدُو ثَمَانِيَ مُولَعًا بِلِقَاحِهَا … حَتَّى هَمَمْنَ بِزَيْغَةِ الإِرْتَاجِ الوجه الثالث: أن يكون في اللفظ ثمانيًا بالنصب والتنوين، إلا أنه كُتب على لغة ربيعة، فإنهم يقفون على المنوّن المنصوب بالسكون، فلا يحتاج الكاتب على لغتهم إلى ألف؛ لأن من أثبتها في الكتابة لم يُراع إلا جانب الوقف، فإذا كان يحذفها في الوقف كما يحذفها في الوصل لزمه أن يحذفها خطًّا. انتهى كلام ابن مالك - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: إنما ذكرت كلام ابن مالك - ﵀ - هذا هنا لأهميّته؛ إذ فيه فائدة نحويّة عزيزة، وإلا فالحديث بلفظ «ثمان» لم يثبت، وإنما هو بلفظ «ستّ»، أو «سبع»، قال الحافظ - ﵀ - بعد ذكر كلام ابن مالك المذكور بالاختصار ما نصّه: ولم أره في شيء من طرق الحديث، لا في البخاريّ، ولا في غيره، بلفظ «ثمان»، فما أدري كيف وقع هذا؟. انتهى، والله تعالى أعلم. (نَأْكُلُ الْجَرَادَ) وفي رواية البخاريّ: «فكنّا نأكل معه الجراد»، فقال في «الفتح»: يَحْتَمِل أن يريد بالمعيّة مجرد الغزو، دون ما تَبِعه من أكْل الجراد. ويَحْتَمِل أن يريد: مع أكله، ويدلّ على الثاني، أنه وقع في رواية أبي نعيم في «الطب»: «ويأكل معنا». قال الحافظ - ﵀ -: وهذا إن صحّ، يردّ على الصيمري، من الشافعية، في زعمه أنه - ﷺ -، عافه كما عاف الضبّ، ثم وقفتُ على مستند الصيمريّ، وهو ما أخرجه أبو داود، من حديث سلمان - ﵁ -، سئل - ﷺ - عن الجراد؟، فقال: «لا آكله، ولا أحرمه»، والصواب مرسل، ولابن عدي في ترجمة ثابت بن زهير، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ -: أنه - ﷺ -، سئل عن الضب، فقال: «لا آكله، ولا أحرمه»، وسئل عن الجراد، فقال مثل ذلك، وهذا ليس ثابتًا؛ لأن ثابتًا، قال فيه النسائي: ليس بثقة. ونقل النوويّ الإجماع على حِلّ أكْل الجراد، لكن فصّل ابن العربيّ في «شرح الترمذيّ» بين جراد الحجاز، وجراد الأندلس، فقال في جراد الأندلس: لا يؤكل؛ لأنه ضرر محض، وهذا إن ثبت أنه يضرّ أكله، بأن يكون فيه سمّية تخصه، دون غيره من جراد البلاد، تعيّن استثناؤه. انتهى ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٥٠٣٧ و٥٠٣٨ و٥٠٣٩] (١٩٥٢)، و(البخاريّ) في «الذبائح والصيد» (٥٤٩٥)، (وأبو داود) في «الأطعمة» (٣٨١٢)، و(الترمذيّ) في «الأطعمة» (١٨٢١ و١٨٢٢)، و(النسائيّ) في «الصيد» (٧/ ٢١٠) و«الكبرى» (٣/ ١٦٦)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٨٧٦٢)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٨١٨)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٨/ ٣٢٥)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٧١٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ٣٥٣ و٣٥٨ و٣٨٠)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٩١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٥٢٥٧)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (٢/ ٣٥٠)، و(البزّار) في «مسنده» ٨/ ٢٦٨ و٢٦٩)، و(ابن الجارود) في «المنتقى» (٨٨٠)، و(أبو عوانة) في «مسنده» (٥/ ٤٥)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٢٥٧)، و(البغويّ) في «شرح السنّة» (٢٨٠٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم أكل الجراد: قال النوويّ - ﵀ -: أجمع المسلمون على إباحة أكل الجراد، ثم قال الشافعيّ، وأبو حنيفة، وأحمد، والجماهير: يحلّ، سواءٌ مات بذكاة، أو باصطياد مسلم، أو مجوسيّ، أو مات حَتْفَ أنفه، سواء قطع بعضه، أو أُحدث فيه سبب، وقال مالك في المشهور عنه، وأحمد في رواية: لا يحل، إلا إذا مات بسبب، بأن يقطع بعضه، أو يُسْلَق ، أو يُلقى في النار حيًّا، أو يشوى، فإن مات حتف أنفه، أو في وعاء لم يحلّ، والله أعلم. انتهى . وقال ابن قُدمة - ﵀ -: يباح أكل الجراد بإجماع أهل العلم، وقد قال عبد الله بن أبي أوفى: «غزونا مع رسول الله - ﷺ - سبع غزوات نأكل الجراد»، متّفقٌ عليه، ولا فرق بين أن يموت بسبب، أو بغير سبب في قول عامّة أهل العلم، منهم الشافعيّ، وأصحاب الحديث، وأصحاب الرأي، وابن المنذر، وعن أحمد: أنه إذا قتله البَرْد لم يؤكل، وعنه: لا يؤكل إذا مات بغير سبب، وهو قول مالك، ويُرْوَى أيضًا عن سعيد بن المسيِّب. قال: وحجة الأولين عموم قوله - ﷺ -: «أُحِلَّت لنا ميتتان، ودمان، فالميتتان: السمك، والجراد»، ولم يُفَصِّل، ولأنه تباح ميتته، فلم يعتبر له سبب، كالسمك، ولأنه لو افتقر إلى سبب لافتقر إلى ذَبْح، وذابح، وآلة، كبهيمة الأنعام. انتهى كلام ابن قدامة - ﵀ - بتغيير يسير . وقال القرطبيّ - ﵀ - في شرح قوله: «غزونا مع رسول الله - ﷺ - سبع غزوات نأكل الجراد» ما نصّه: ظاهره جواز أكل الجراد مطلقًا، ولم يُختلف في جواز أكل الجراد على الجملة، لكن اختُلف فيه؛ هل يحتاج إلى سبب يموت به أم لا يحتاج؟ فعامَّة الفقهاء على أنه لا يحتاج إلى ذلك، فيجوز أكل الميت منه، وإليه ذهب ابن عبد الحكم، ومطرِّف من أصحابنا - يعني: المالكيّة - وذهب مالك: إلى أنَّه لا بدَّ من سبب يموت به، كقَطْع رؤوسه، أو أرجله، أو أجنحته إذا مات من ذلك، أو يُشْوَى، أو يُسْلَق، وقال اللَّيث: يُكره أكل ميت الجراد إلا ما أُخذ حيًّا ثم مات، فإنّ أخْذَه ذكاته، وإليه ذهب سعيد بن المسيِّب، والجمهور؛ تمسُّكًا بظاهر حديث ابن أبي أوفى المتقدّم، وبما ذكره ابن المنذر: أن أزواج النبيّ - ﷺ - يتهادين الجراد فيما بينهن، وبما ذكره الدارقطني عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - قال: «أحل لنا ميتتان: الحوت والجراد، ودمان: الكبد والطحال»، على أنه لا يصحُّ لأنه من رواية عبد الله، وعبد الرحمن ابني زيد بن أسلم، ولا يُحتج بحديثهما، ومن الجمهور من رأى: أنها من صيد البحر، وعلى هذا فيجوز للمُحرِم صيدها، من غير جزاء، ويجوز أكل ما صاد المجوسي منه، وإليه ذهب النَّخعيّ، والشافعيّ، والنعمان، وأبو ثور. فأما مالك والليث فرأيا: أن الجراد من حيوان البرّ فميتته محرَّمة؛ لأنَّها داخلة في عموم قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية [المائدة: ٣]، ولم يصح عندهم: «أحلّت لنا ميتتان»، وقالا بموجب حديث ابن أبي أوفى، ولِمَا ذَكَره ابن المنذر بشرط الذكاة؛ إذ ليسا بنصَّين، وإذا كان كذلك فلا بُدَّ فيها من ذكاة إلا أن ذكاة كل شيء بحسب ما يتأتى فيه، فرأى مالك: أنه لا بدَّ من فعلٍ يُفعل فيها حتى تموت بسببه، ورأى اللَّيث: أنّ أخْذَها وتَرْكَها إلى أن تموت سببٌ يبيحها، ولم ير مالك ذلك لأنه لم يفعل فيها شيئًا، وقال أشهب: لا يؤكل الجراد إلا إذا قُطعت رؤوسه، أو يُطرح حيًّا في نار، أو ماء، فأما قَطْع أرجله، وأجنحته، فلا يكون ذلك ذكاة عنده؛ وإن مات بسببه، وعلى هذا: فلو سُلِقَ الحيُّ منه مع الميت فقال أشهب: يُطرح الجميع، وقال سحنون: يؤكل الأحياء، وتكون الموتى بمنزلة خشاش الأرض يموت في القِدْر. قلت: وهذا من سحنون مَيْل إلى أنه من الحيوان الذي ليس له نفسٌ سائلةٌ، ويلزم على هذا ألا ينجس بالموت، ولا ينجس ما مات فيه، وحينئذ يجوز أكله ميتًا، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن من ذَكَر مذاهب الأئمة، وأدلّتهم أن ما ذهب إليه جمهور العلماء من جواز أكل الجراد مطلقًا هو الحقّ؛ لقوة حجته، ووضوح أدلّته، والمخالفون له ليس لهم حجة معتبرة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٠٣٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ أَبُو بَكْرِ فِي رِوَايَتِهِ: سَبْعَ غَزَوَاتٍ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: سِتَ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: سِتَّ، أَوْ سَبْعَ) . رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم ذُكروا في الباب وقبله، سوى ابن عيينة، فتقدّم قبل بابين. [تنبيه]: رواية أبي بكر بن أبي شيبة عن ابن عيينة، ساقها هو في «مصنّفه»، فقال: (٢٤٥٦١) - حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا ابن عيينة، عن أبي يعفور، عن ابن أبي أوفى، قال: غَزَوتُ مع رسول الله - ﷺ - سبعَ غزوات، نأكل الجراد. انتهى . وأما روايتا إسحاق بن راهويه، وابن أبي عمر، كلاهما عن ابن عيينة، فلم أجد من ساقهما، فليُنظر، والله تعالى أعلم. [٥٠٣٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: سَبْعَ غَزَوَاتٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلهم ذُكروا في الباب، والباب الماضي، وابن أبي عديّ، هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ البصريّ. [تنبيه]: رواية محمد بن جعفر عن شعبة، ساقها الإمام أحمد في «مسنده»، فقال: (١٩١٧٣) - حدّثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي يعفور، قال: سأل شريكي وأنا معه، عبدَ الله بن أبي أوفى عن الجراد، فقال: لا بأس به، وقال: غزوت مع رسول الله - ﷺ - سبع غزوات، فكنا نأكله. انتهى . رواية ابن أبي عديّ عن شعبة لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٩) - (بَابُ إِبَاحَةِ الأَرْنَبِ) «الأرنب» بفتح الهمزة، وسكون الراء، وفتح النون: فَعْلَلٌ عند أكثر النحويين، وزعم الليث أن الألف زائدة، وهو حَيَوان يُشبه العَنَاقَ، قصير اليدين، طويل الرجلين، عكس الزرافة، يطأ الأرض على مؤخّر قوائمه، وهو اسم جنس للذكر، والأنثى، أو الأرنب للأنثى، والْخُزَز، كصُرَد للذكر. قاله المرتضى في «شرح القاموس» . وقال في «الفتح»: «الأرنب»: دُوَيّبة معروفة، تُشْبِه الْعَناق، لكن في رجليها طول، بخلاف يديها، والأرنب اسم جنس للذكر والأنثى، ويقال للذكر أيضًا: الْخُزَز، وزنُ عُمَر - بمعجمات - وللأنثى عِكْرِشة ، وللصغير خِرْنِق - بكسر المعجمة، وسكون الراء، وفتح النون، بعدها قاف - هذا هو المشهور، وقال الجاحظ: لا يقال: أرنب إلا للأنثى، ويقال: إن الأرنب شديدة الجبن، كثيرة الشَّبَق، وإنها تكون سنة ذكرًا، وسنةً أنثى، وإنها تحيض، ويقال: إنها تنام مفتوحة العين. انتهى .
مصادر المؤلف (١٧)

١. «الفتح» ١٢/ ٤٥٣ - ٤٥٤، كتاب «الذبائح» رقم (٥٤٩٥).

٢. «الفتح» ١٢/ ٤٥٤، كتاب «الذبائح» رقم (٥٤٩٥).

٣. «الفتح» ١٢/ ٤٥٤ - ٤٥٥ رقم (٥٤٩٥).

٤. الأبكُر: جمع بَكْر، الفتي من الإبل، والأفيل؛ كالفصيل وزنًا ومعنًى، والجمع إفال.

٥. «شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح» ص ٤٧ - ٤٩.

٦. «الفتح» ١٢/ ٤٥٥ رقم (٥٤٩٥).

٧. يقال: سلقت الشاة، من باب قتل: نحّيت شعرها بالماء الحميم.

٨. «شرح النوويّ» ١٣/ ١٠٣ - ١٠٤.

٩. «المغني» لابن قُدامة - ﵀ - ٩/ ٣١٥.

١٠. الحقّ أنه حديث صحيح، راجع: «السلسلة الصحيحة» للشيخ الألبانيّ - ﵀ - ٣/ ١١١.

١١. «المفهم» ٥/ ٢٣٧ - ٢٣٨.

١٢. وفي نسخة: «ستًا، أو سبعًا».

١٣. «مصنف ابن أبي شيبة» ٥/ ١٤٤.

١٤. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٤/ ٣٥٧.

١٥. راجع: «تاج العروس من جواهر القاموس» ١/ ٢٧٩.

١٦. في «القاموس»: الْعِكْرِشة بالكسر: الأرنبة الضخمة.

١٧. «الفتح» ١٢/ ٥١٩ - ٥٢٠، كتاب «الذبائح» رقم (٥٥٣٥).