HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٠٤٥

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جعفر. حدثنا شعبة. قال: سمعت جبلة ابن سُحَيْمٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنَا التَّمْرَ. قَالَ وَقَدْ كَانَ أَصَابَ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ جَهْدٌ. وَكُنَّا نَأْكُلُ فَيَمُرُّ عَلَيْنَا ابْنُ عُمَرَ وَنَحْنُ نَأْكُلُ. فَيَقُولُ: لَا تُقَارِنُوا. فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْإِقْرَانِ. إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ. قَالَ شُعْبَةُ: لَا أُرَى هَذِهِ الْكَلِمَةَ إِلَّا مِنْ كَلِمَةِ ابن عمر. يعني الاستئذان.
ج ٣ ص ١٦١٧

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٤ ص٣٣٠
وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقوله: «أكلًا ذريعًا»؛ أي: كثيرًا، و«حثيثًا»؛ أي: مستعجِلًا، وحاصلهما أنَّه كان يأكل أكلًا لا تصنُّع فيه، ولا رياء، ولا كِبْر؛ فإذا احتاج إلى الإكثار أكل، وإذا حفزه أمرٌ استعجل، لكنه ما كان يخرج عن أدب، ولا يفعل شيئًا غير مستحسَن - ﷺ -. انتهى ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٣) - (بابُ نَهْيِ الآكِلِ مَعَ جَمَاعَةٍ عَنْ قِرَانِ تَمْرَتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا، فِي لُقْمَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ أَصْحَابِهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٣٢٢] (٢٠٤٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ جَبَلَةَ بْنَ سُحَيْمٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنَا التَّمْرَ. قَالَ: وَقَدْ كَانَ أَصَابَ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ جُهْدٌ، وَكُنَّا نأْكُلُ، فَيَمُرُّ عَلَيْنَا ابْنُ عُمَرَ، وَنَحْنُ نَأْكُلُ، فَيَقُولُ: لَا تُقَارِنُوا، فَإنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ الإِقْرَانِ، إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ، قَالَ شُعْبَةُ: لَا أُرَى هَذِهِ الْكَلِمَةَ إِلَّا مِنْ كَلِمَةِ ابْنِ عُمَرَ، يَعْنِي الاِسْتِئْذَانَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ) - بمهملتين، مصغّرًا - الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٢٥) (ع) تقدم في «الصيام» ٢/ ٢٥٠٩. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب - ﵄ -، تقدّم قريبًا. والباقون تقدّموا قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، كما مرّ غير مرّة، وفيه ابن عمر - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وأنه مسلسل بالتحديث والسماع. شرح الحديث: عَن جَبَلَةَ - بفتحتين - ابْنَ سُحَيْمٍ - بمهملتين مصغّرًا - ليس له في «الصحيحين» عن غير ابن عمر، وله في «صحيح مسلم» سبعة أحاديث بالمكرّر، وأربعة بدون المكرّر، وله في «صحيح البخاريّ» سبعة أحاديث، وقد تقدم بيانها في «الصيام» ٢/ ٢٥٠٩. (قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) عبد الله - ﵄ -، تقدّمت ترجمته في «الطهارة» ١٦/ ٦١٠، وذلك في أيام خلافته. (يَرْزُقُنَا التَّمْرَ)؛ أي: يعطينا التمر رزقًا، وهو القَدْر الذي يُصرف لهم في كل سنة من مال الخراج وغيره بدل النقد تمرًا؛ لقلة النقد إذ ذاك، بسبب المجاعة التي حصلت. (قَالَ) جبلة (وَقَدْ كَانَ أَصَابَ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ جُهْدٌ) بضمّ الجيم، وفتحها؛ أي: قلّة، وحاجةٌ، ومشقّة، وقال ابن الأثير - ﵀ -: الجهد بالضمّ: الوُسع والطاقة، وبالفتح: المشقّة، وقيل: المبالغة والغاية، وقيل: هما لغتان في الوُسع والطاقة، فأما في المشقّة والغاية فالفتح لا غير. انتهى . وقال الفيّوميّ - ﵀ -: الجُهْدُ بالضمّ في الحجاز، وبالفتح في غيرهم: الوسع والطاقة، وقيل: المضموم: الطاقة، والمفتوح: المشقة، والجَهْدُ بالفتح لا غير: النهاية والغاية، وهو مصدر من جَهَدَ في الأمر جَهْدًا، من باب نَفَعَ: إذا طلب حتى بلغ غايته في الطلب، وجَهَدَهُ الأمرُ والمرضُ جَهْدًا أيضًا: إذا بلغ منه المشقة، ومنه جَهْدُ البَلاءِ، ويقال: جَهَدْتُ فلانًا جَهْدًا: إذا بلغت مشقته، وجَهَدْتُ الدابة، وأَجْهَدْتُهَا: حَمَلت عليها في السير فوق طاقتها، وجَهَدْتُ اللبنَ جَهْدًا: مزجته بالماء، ومَخَضْتُهُ حتى استخرجت زُبْده، فصار حُلْوًا لذيذًا. انتهى . (وَكُنَّا نَأْكُلُ، فَيَمُرُّ عَلَيْنَا) عبد الله (بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب - ﵄ -، (وَنَحْنُ نَأْكُلُ) جملة حاليّة من «علينا»، (فَيَقُولُ) ابن عمر (لَا) ناهية، ولذا جزم بها قوله: (تُقَارِنُوا) وفي رواية للبخاريّ: «لا تقرنُوا»؛ أي: لا تجمعوا بين اثنين من التمر، (فَإنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ الإِقْرَانِ) قال الحافظ: كذا لأكثر الرواة، وقد أوضحت في «كتاب الحج» أن اللغة الفصحى بغير ألف، وقد أخرجه أبو داود الطيالسيّ بلفظ: «القِران»، وكذلك قال أحمد، عن حجاج بن محمد، عن شعبة، وقال عن محمد بن جعفر، عن شعبة: «الإقران». قال القرطبيّ: ووقع عند جميع رواة مسلم: «الإقران»، وفي ترجمة أبي داود: «باب الإقران في التمر»، وليست هذه اللفظة معروفة، وأقرن من الرباعيّ، وقرن من الثلاثيّ، وهو الصواب، قال الفراء: قرن بين الحج والعمرة، ولا يقال: أقرن، وإنما يقال: أقرن إذا قوي عليه، وأطاقه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣]، قال: لكن جاء في اللغة: أقرن الدمُ في العِرْق؛ أي: كَثُر، فيَحْتَمِل أن يُحْمَل الإقران المذكور في الحديث على ذلك، فيكون معناه: أنه نهى عن الإكثار من أكل التمر إذا كان مع غيره، ويرجع معناه إلى القران المذكور في الرواية الأخرى. قال الحافظ: لكن يصير أعمّ منه، والحقّ أن هذه اللفظة من اختلاف الرواة، وقد ميَّز أحمد بين من رواه بلفظ أقرن، وبلفظ قَرَن من أصحاب شعبة، وكذا قال الطيالسيّ عن شعبة: القِران، ووقع في رواية الشيبانيّ: الإقران، وفي رواية مسعر: القِران. انتهى . (إِلَّا أنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ)؛ أي: فإذا أَذِن له في ذلك جاز، والمراد بالأخ: رفيقه الذي اشترك معه في ذلك التمر. (قَالَ شُعْبَةُ: لَا أُرَى) بالبناء للمفعول؛ أي: لا أظنّ (هَذِهِ الْكَلِمَةَ إِلَّا مِنْ كَلِمَةِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (يَعْنِي الاِسْتِئْذَانَ)؛ يعني: أن قوله: «إلا أن يستأذن. . . إلخ» ليست مرفوعة إلى النبيّ - ﷺ -، وإنما هي من قول ابن عمر - ﵄ - موقوفة عليه. وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: «قال شعبة: لا أُرَى هذه الكلمة إلا من كلمة ابن عمر»؛ يعني: بالكلمة الكلام، وهذا شائع معروف، وهذا الذي قاله شعبة لا يؤثّر في رفع الاستئذان إلى رسول الله - ﷺ -؛ لأنه نفاه بظنّ وحُسبان، وقد أثبته سفيان في الرواية الثانية، فثبت. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «قال شعبة. . . إلخ» موصول بالسند الذي قبله، وقد أخرجه أبو داود الطيالسيّ في «مسنده» عن شعبة مُدرجًا، وكذا فعل أبو الوليد في رواية للبخاريّ، وللإسماعيليّ، وأصله لمسلم في الرواية التالية كذلك عن معاذ بن معاذ، وكذا أخرجه أحمد، عن يزيد، وبهز، وغيرهما، عن شعبة، وتابع آدم على فصل الموقوف من المرفوع شَبابة بن سَوّار، عن شعبة، أخرجه الخطيب من طريقه، مثل ما ساقه آدم إلى قوله: الإقران، «قال ابن عمر: إلا أن يستأذن الرجل منكم أخاه»، وكذا قال عاصم بن عليّ، عن شعبة: «أُرَى الإذن من قول ابن عمر»، أخرجه الخطيب، وقد فصله أيضًا عن شعبة سعيد بن عامر الضبعيّ، فقال في روايته: «قال شعبة: إلا أن يستأذن أحدكم أخاه»، هو من قول ابن عمر، أخرجه الخطيب أيضًا، إلا أن سعيدًا أخطأ في اسم التابعىّ، فقال: «عن شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر»، والمحفوظ: جَبَلة بن سُحيم، كما قال الجماعة. والحاصل أن أصحاب شعبة اختلفوا، فأكثرهم رواه عنه مُدرجًا، وطائفة منهم رووا عنه التردد في كون هذه الزيادة مرفوعة أو موقوفة، وشَبابة فصل عنه، وآدم جزم عنه بأن الزيادة من قول ابن عمر، وتابعه سعيد بن عامر إلا أنه خالف في التابعيّ، فلمّا اختلفوا على شعبة، وتعارَض جَزْمه وتردده، وكان الذي رووا عنه التردد أكثر نَظَرنا فيمن رواه غيره من التابعين، فرأيناه قد ورد عن سفيان الثوريّ، وأبي إسحاق الشيبانيّ، ومسعر، وزيد بن أبي أنيسة. فأما الثوريّ: فروايته عند البخاريّ في «الشركة»، ولفظه: «نَهَى أن يَقْرُن الرجل بين التمرتين جميعًا حتى يستأذن أصحابه»، وهذا ظاهره الرفع، مع احتمال الإدراج. وأما رواية الشيبانيّ: فاخرجها أحمد، وأبو داود، بلفظ: «نَهَى رسول الله -ﷺ- عن الإقران إلا أن تستأذن أصحابك»، والقول فيها كالقول في رواية الثوريّ. وأما رواية زيد بن أبي أُنيسة، فأخرجها ابن حبّان في النوع الثامن والخمسين من القسم الثاني من «صحيحه» بلفظ: «من أكل مع قوم من تمر، فلا يَقْرُن، فإن أراد أن يفعل ذلك فليستأذنهم، فإن أذنوا فليفعل»، وهذا أظهر في الرفع، مع احتمال الإدراج أيضًا. ثم نظرنا فيمن رواه عن النبيّ -ﷺ- غير ابن عمر، فوجدناه عن أبي هريرة، وسياقه يقتضي أن الأمر بالاستئذان مرفوع، وذلك أن إسحاق في «مسنده»، ومن طريقه ابن حبان أخرجا من طريق الشعبيّ، عن أبي هريرة، قال: «كنت في أصحاب الصفّة، فَبَعث إلينا رسول اللهﷺ- تَمْر عَجْوة، فكُبّت بيننا، فجعلنا نأكل الثنتين من الجوع، فجعل أصحابنا إذا قَرَن أحدهم قال لصاحبه: إني قد قرنت، فاقرنوا»، وهذا الفعل منهم في زمن النبيّ -ﷺ- دالّ على أنه كان مشروعًا لهم، معروفًا، وقول الصحابيّ: كنا نفعل في زمن النبيّ -ﷺ- كذا له حكم الرفع عند الجمهور. وأصرح منه ما أخرجه البزار من هذا الوجه، ولفظه: «قَسَم رسول الله -ﷺ- تمرًا بين أصحابه، فكان بعضهم يَقْرُن، فنَهَى رسول الله -ﷺ- أن يقرن إلا بأذن أصحابه». قال الحافظ ﵀: فالذي ترجح عندي أن لا إدراج فيه، وقد اعتَمَد البخاريّ هذه الزيادة، وترجم عليها في «كتاب المظالم»، وفي «الشركة»، ولا يلزم من كون ابن عمر ذكر الإذن مرّةً غير مرفوع أن لا يكون مستنده فيه الرفع، وقد ورد أنه استُفتي في ذلك فأفتى، والمفتي قد لا يَنشط في فتواه إلى بيان المستند. فأخرج النسائيّ من طريق مِسعر، عن صِلَة، قال: سئل ابنُ عمر عن قران التمر، قال: لا تَقْرُن إلا أن تستأذن أصحابك، فيُحْمَل على أنه لمّا حدّث بالقصة ذكرها كلها مرفوعة، ولمّا استُفْتِي أفتى بالحكم الذي حفظه على وقفه، ولم يصرح حينئذ برفعه. انتهى كلام الحافظ ﵀. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ في هذا الحديث تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، وخلاصته أنهم اختلفوا في رفع الاستئذان ووقفه، ولكن الراجح رَفْعه؛ كما رجحه البخاريّ ﵀ في «صحيحه»، حيث ترجم عليه في كتابين منه، فدلّ على أن من روى الوقف عن ابن عمر -﵄- نقل فتواه، وأن من روى الرفع نقل روايته، فلا تنافي بين الرواية والفتوى كما هو مشهور بين العلماء المحققين، فتأمل بالإمعان، والله تعالى أعلم بالصواب. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵁-، هذا متفق عليه. (المسألة الثانية) من تخريجه: أخرجه المصنف هنا [٥٣٢٢ و٥٣٢٣ و٥٣٢٤] (٢٠٤٥)، والبخاري في «صحيحه» (٢٤٥٥ و٢٤٨٩ و٢٤٩٠ و٥٤٤٦)، و(أبو داود) في «سننه» (٣٨٣٤)، و(الترمذي) في «جامعه» (١٨١٤)، و(النسائي) في «الكبرى» (٦٧٢٨ و٦٧٢٩)، و(ابن ماجه) في «سننه» (٣٣٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٧ و٤٤ و٤٦ و٦٠ و٧٤ و٨١ و١٠٣ و١٣١). (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن الإقران في التمر ونحوه. ٢ - (ومنها): حرص الشريعة على ابعاد الظلم عن المجتمع، ومراعاة حقوق الناس. ٣ - (ومنها): جواز الإقران إن أذن الرفقاء؛ لأن النهي كان لحقّهم، فإذا سمحوا جاز الإقران. والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حُكم القِران بين التمر ونحوه: قال في «الفتح»: وقد اختُلِف في حكم المسألة، قال النوويّ: اختلفوا في هذا النهي، هل هو على التحريم، أو الكراهة؟ والصواب التفصيل، فإن كان الطعام مشتركًا بينهم، فالقران حرام، إلا برضاهم، ويحصل بتصريحهم، أو بما يقوم مقامه من قرينة حال، بحيث يغلب على الظنّ ذلك، فإن كان الطعام لغيرهم حَرُم، وإن كان لأحدهم، وأَذِن لهم في الأكل اشتُرِط رضاه، ويحرم لغيره، ويجوز له هو إلا أنه يُستحب أن يستأذن الآكلين معه، وحَسَنٌ للمضيف أن لا يقرن؛ ليساوي ضيفه، إلا إن كان الشيء كثيرًا يفضل عنهم، مع أن الأدب في الأكل مطلقًا تركُ ما يقتضي الشَّرَه، إلا أن يكون مستعجلًا يريد الإسراع لشغل آخر. وذكر الخطابيّ أن شرط هذا الاستئذان إنما كان في زمنهم، حيث كانوا في قلة من الشيء، فأما اليوم مع اتساع الحال، فلا يُحتاج إلى استئذان. وتعقبه النوويّ بأن الصواب التفصيل؛ لأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، كيف وهو غير ثابت. قال الحافظ: حديث أبي هريرة الذي قدّمته يرشد إليه، وهو قويّ، وقصة ابن الزبير في حديث الباب كذلك. وقال ابن الأثير في «النهاية»: إنما وقع النهي عن القران؛ لأن فيه شَرَهًا، وذلك يُزري بصاحبه، أو لأن فيه غَبْنًا برفيقه، وقيل: إنما نُهِي عنه لِمَا كانوا فيه من شدة العيش، وقلة الشيء، وكانوا مع ذلك يواسون من القليل، وإذا اجتمعوا ربما آثر بعضهم بعضًا، وقد يكون فيهم من اشتدّ جوعه، حتى يحمله ذلك على القرن بين التمرتين، أو تعظيم اللقمة، فأرشدهم إلى الاستئذان في ذلك؛ تطييبًا لنفوس الباقين، وأما قِصّة جَبَلة بن سُحيم فظاهرها أنها من أجل الغبن، ولكون مُلْكهم فيه سواء، ورُوي نحوه عن أبي هريرة في أصحاب الصفّة. انتهى. وقد أخرج ابن شاهين في «الناسخ والمنسوخ»، وهو في «مسند البزار» من طريق ابن بُريدة، عن أبيه، رفعه: «كنت نهيتكم عن القران في التمر، وإن الله وسّع عليكم، فاقرنوا»، فلعل النووي أشار إلى هذا الحديث، فإن في إسناده ضعفًا، قال الحازميّ: حديث النهي أصحّ، وأشهر، إلا أن الخطب فيه يسير؛ لأنه ليس من باب العبادات، وإنما هو من قبيل المصالح الدنيوية، فيُكتَفَى فيه بمثل ذلك، ويعضده إجماع الأمة على جواز ذلك، كذا قال، ومراده بالجواز في حال كون الشخص مالكًا لذلك المأكول، ولو بطريق الإذن له فيه، كما قرره النوويّ، وإلا فلم يُجِز أحد من العلماء أن يستأثر أحد بمال غيره بغير إذنه، حتى لو قامت قرينة تدلّ على أن الذي وضع الطعام بين الضيفان لا يرضيه استئثار بعضهم على بعض حَرُم الاستئثار جزمًا، وإنما تقع المكارمة في ذلك إذا قامت قرينة الرضا. وذكر أبو موسى المدينيّ في «ذيل الغريبين» عن عائشة، وجابر استقباح القِران لِمَا فيه من الشَّرَه والطمع المُزري بصاحبه، وقال مالك: ليس بجميل أن يأكل أكثر من رفقته. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما تقدّم عن النوويّ من التفصيل هو الأرجح؛ لوضوح حجته، وحاصله: أنه إن كان الطعام مشتركًا بينهم، فالقران حرام، إلا برضاهم، ويحصل بتصريحهم، أو بما يقوم مقامه من قرينة حال إلى آخر كلامه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: في معنى التمر: الرطب، وكذا الزبيب، والعنب، ونحوهما؛ لوضوح العلة الجامعة، قال القرطبيّ: حَمَل أهل الظاهر هذا النهي على التحريم، وهو سهوٌ منهم، وجهلٌ بمساق الحديث، وبالمعنى، وحَمَله الجمهور على حال المشاركة في الأكل، والاجتماع عليه، بدليل فهم ابن عمر راويه، وهو أفهم للمقال، وأقعد بالحال. قال الجامع عفا الله عنه: قول القرطبيّ: «سهو، وجهل» مما لا ينبغي أن يصدر من مثله؛ لأن الظاهريّة ما ذهبوا إلى التحريم إلا لظاهر النهي، وهو يتقضي التحريم إلا لصارف، فهل عند القرطبيّ نصّ صارف عن التحريم؟، كلّا، وبالجملة: إن القول بالتحريم على التفصيل السابق هو الحقّ، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه آخر]: اختَلَف العلماء فيمن يوضع الطعام بين يديه: متى يملكه؟ فقيل: بالوضع، وقيل: بالرفع إلى فيه، وقيل غير ذلك، فعلى الأول فمُلكهم فيه سواءٌ، فلا يجوز أن يَقْرُن إلا بإذن الباقين، وعلى الثانيِ يجوز أن يقرُن، لكن التفصيل الذي تقدم هو الذي تقتضيه القواعد الفقهية، نَعَم ما يوضع بين يدي الضِّيفان، وكذلك النِّثار في الأعراس سبيله في العُرف سبيل المكارمة، لا التشاحّ؛ لاختلاف الناس في مقدار الأكل، وفي الاحتياج إلى التناول من الشيء، ولو حُمل الأمر على تساوي السُّهْمان بينهم لضاق الأمر على الواضع، والموضوع له، وَلَمَا ساغ لمن لا يكفيه اليسير أن يتناول أكثر من نصيب من يشبعه اليسير، ولَمّا لم يتشاحّ الناس في ذلك، وجرى عملهم على المسامحة فيه عُرف أن الأمر في ذلك ليس على الإطلاق في كل حالة، قاله في «الفتح» ، وهو بحث جيّد، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٣٢٣] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَيْسَ: فِي حَدِيثهِمَا قَوْلُ شُعْبَةَ، وَلَا قَوْلُهُ: وَقَدْ كَانَ أَصَابَ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ جَهْدٌ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العَنْبريّ البصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) تقدّم قبل باب. ٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) تقدّم قريبًا. و«شعبة» ذُكر قبله. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ) الضمير لمعاذ بن معاذ، وعبد الرحمن بن مهديّ. [تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ، عن شعبة هذه ساقها الخطيب البغداديّ في «الفصل للوصل المدرج»، فقال: أخبرنا ابن غالب، قال: قرئ على أبي بكر الإسماعيليّ، وأنا أسمع: أخبركم يحيى بن محمد بن البختريّ، نا عبيد الله بن معاذ، نا أبي، نا شعبة، عن جَبَلة بن سُحيم قال: كنا بالمدينة في بعث أهل العراق، فأصابتنا سَنَة، وكان ابن الزبير يرزقنا التمر، فكان ابن عمر يمرّ بنا، فيقول: لا تقارنوا، «فإن رسول الله -ﷺ- نَهَى عن القران، إلا أن يستأذن الرجل أخاه». انتهى . وأما رواية عبد الرحمن بن مهديّ عن شعبة، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٣٢٤] (…) - (حَدَّثَنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ يَقْرِنَ الرَّجُلُ بَيْنَ التمْرَتَيْنِ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب وقبله، و«عبد الرحمن» هو: ابن مهديّ. وقوله: (نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- أَنْ يَقْرِنَ الرَّجُلُ)؛ أي: يجمع، وهو بضم الراء، وكسرها، لغتان . قال القرطبيّ ﵀: قد علل الجمهور النهي عن القران بعلتين: إحداهما: أن ذلك يدلّ على كثرة الشَّرَه، والنَّهم، وبهذا علَّلته عائشة -﵄- حيث قالت: إنها نَذَالة . وثانيتهما: إيثار الإنسان نفسه بأكثر من حقّه على مشاركه، وحكمهم في ذلك التساوي. انتهى . وقوله: (حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ) قال الخطابيّ: إن ذلك النهي إنما كان في زمنهم؛ لِمَا كانوا عليه من الضيق والمواساة، فأمَّا اليوم فلا يحتاجون إلى الاستئمار. وتعقّبه القرطبيّ، فقال: وهذا فيه نظر، وذلك أن الطعام إذا قُدِّم إلى قوم فقد تشاركوا فيه، وإذا كان كذلك، فليأكل كل واحد منهم على الوجه المعتاد، على ما تقتضيه المروءة، والنَّصَفَة من غير أن يقصد اغتنام زيادة على الآخر، فإنْ فعل، وكان الطعام شَرِكَةً بحُكم المُلك؛ فقد أخذ ما ليس له، وإن كان إنما قدَّمه لهم غيرهم، فقد اختَلَف العلماء فيما يملكون منه، فإنَّ قلنا: إنهم يملكونه بوضعه بين أيديهم؛ فكالأول، وإن قلنا: إنهم إنما يملك كل واحد منهم ما رفع إلى فيه؛ فهذا سوء أدب، وشَرَه، ودناءة، فعلى الوجه الأول يكون محرَّمًا، وعلى الثاني مكروهًا؛ لأنَّه يناقض مكارم الأخلاق، والله تعالى أعلم. انتهى . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، والمسائل المتعلّقة به قبل حديث، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (١٢)

١. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٥/ ٣١٦.

٢. «النهاية في غريب الحديث والأثر» ص ١٧٥.

٣. «المصباح المنير» ١/ ١١٢.

٤. «الفتح» ١٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠، كتاب «الأطعمة» رقم (٥٣٩٨).

٥. «شرح النوويّ» ١٣/ ٢٢٩.

٦. «الفتح» ١٢/ ٣٧١ - ٣٧٢، كتاب «الأطعمة» رقم (٥٣٩٨).

٧. «الفتح» ١٢/ ٣٧٣، كتاب «الأطعمة» رقم (٥٣٩٨).

٨. «الفصل للوصل المدرج» ١/ ١٣٢.

٩. «شرح النوويّ» ١٣/ ٢٢٩.

١٠. يقال: نَذُلَ بالضمّ نَذَالةً: سَقَطَ في دِيْن، أو حَسَب، فهو نَذْلٌ، ونذيل؛ أي: خسيس. «المصباح» ٢/ ٥٩٩.

١١. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٥/ ٣١٩.

١٢. «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» ٥/ ٣١٩.