HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢١٢٧

حدثنا يحيى بن يحيى. قال: قرأت على مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، عَامَ حَجَّ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعَرٍ كَانَتْ فِي يَدِ حَرَسِيٍّ. يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ! أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ. وَيَقُولُ (إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُمْ).
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج6 ص167
ج ٣ ص ١٦٧٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن النسائي, صحيح البخاري وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٥٠٥
[٦١٣] و(قُصَّةُ الشَّعْر) ؛ شعر مقدم الرأس، وقيل: شعر الناصية، وقيل: شعرٌ مقصوص، و(الحَرَسِيُّ) كالشرطي، و(كُبَّةً مِنْ شَعَرِ)؛ أي: مجموع من شَعْرٍ. وفي هذه الأحاديث دلالة أن الكلب لا يجوز اقتناؤه إلا للصيد أو ماشية، وفي التصوير التعرض في التشبه بالخالق. قال أهل اللغة: الوَسْم: الكيُّ، وفي الحديث بيان فضيلة الوجه على سائر أعضاء البدن، و(الجَاعِرَتَانِ) : ما عن يمين الذَّنَب وعن شِماله.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٥ ص٢٣٩
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا من أفراد المصنف - ﵀ -. (المسألة الثانية) في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ٥٥٦٥] (٢١٢٦)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٣/ ١٣٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٢٩٦ و٣٨٧)، و(الحارث بن أبي أسامة) في «مسنده» (٢/ ٦١٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٢/ ٤٢٦)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٥٦٦] (٢١٢٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، عَامَ حَجَّ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَر، وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعَرٍ، كَانَتْ فِي يَدِ حَرَسِيٍّ، يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِه، وَيَقُولُ: «إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُمْ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١٣. ٢ - (مُعَاوِيَة بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) صخر بن حرب الأمويّ الخليفة، أبو عبد الرحمن الصحابيّ الشهير، مات - ﵁ - في رجب سنة ستين، وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في «الصلاة» ٨/ ٨٥٨. والباقون تقدّموا قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وصحابيّه أحد الخلفاء - ﵃ -. شرح الحديث: (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) في رواية معمر، عن الزهريّ: «حدّثني حميد بن عبد الرحمن»، أخرجه أحمد، وفي رواية يونس، عن الزهريّ: «أنبأنا حميد»، أخرجه الترمذيّ، وقد أخرج مسلم بعد هذا روايتي معمر ويونس، لكن أحال بهما على رواية مالك، وأخرجه الطبراني من طريق النعمان بن راشد، عن الزهريّ، فقال: «عن السائب بن يزيد»، بدل «حميد بن عبد الرحمن»، وحميد هو المحفوظ، أفاده في «الفتح» . (أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ) - ﵄ - (عَامَ حَجَّ) منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ «سَمِع»، وكان ذلك في آخر قدْمة قَدِمها، سنة إحدى وخمسين من الهجرة، وهي آخر حَخة حجها في خلافته - ﵁ - ، وقوله: (وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ) النبويّ، جملة في محلّ نصب على الحال، وكذا قوله: (وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعَرٍ) القصة - بضم القاف، وتشديد الصاد المهملة -: الْخُصْلة من الشعر، وقال الأصمعيّ وغيره: هي شعر مقدَّم الرأس المقبل على الجبهة، وقيل: شعر الناصية، وفي رواية سعيد بن المسيِّب الآتية: «كُبّةً من شعر». (كَانَتْ) الْقُصّة (فِي يَدِ حَرَسِيٍّ) لم يُعرف اسمه، وهو - بفتح الحاء، والراء، وبالسين المهملات -: نسبة إلى الْحَرَس، وهم خَدَم الأمير الذين يحرسونه، ويقال للواحد: حَرَسيّ؛ لأنه اسم جنس. وعند الطبرانيّ من طريق عروة، عن معاوية من الزيادة: «قال: وجدت هذه عند أهلي، وزعموا أن النساء يزدنه في شعورهن»، وهذا يدلّ على أنه لم يكن يُعرف ذلك في النساء قبل ذلك، وفي رواية سعيد بن المسيِّب الآتية: «ما كنت أرى يَفعل ذلك إلا اليهود». (يَقُولُ) معاوية - ﵁ -: (يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟) قال النوويّ - ﵀ -: هذا السؤال للإنكار عليهم بإهمالهم إنكار هذا المنكر، وغفلتهم عن تغييره، وفي حديث معاوية هذا اعتناء الخلفاء، وسائر ولاة الأمور بإنكار المنكر، وإشاعة إزالته، وتوبيخ من أهمل إنكاره، ممن توجه ذلك عليه. انتهى . وقال القاضي عياض - ﵀ -: قوله: «أين علماؤكم؟» قيل: استعانة بهم على التعريف بهذا المنكر وتغييره، والإنكار عليهم إن كانوا لم ينكروه، وهذا أظهرُ بقصده على مساق كلامه. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟» فيه إشارة إلى قلة العلماء يومئذ بالمدينة، ويَحْتَمِل أنه أراد بذلك: إحضارهم ليستعين بهم على ما أراد من إنكار ذلك، أو لينكِر عليهم سكوتهم عن إنكارهم هذا الفعل قبل ذلك. انتهى . وقال في «الفتح» في موضع آخر: قوله: «أين علماؤكم؟» فيه إشارة إلى أن العلماء إذ ذاك فيهم كانوا قد قَلُّوا، وهو كذلك؛ لأن غالب الصحابة كانوا يومئذ قد ماتوا، وكأنه رأى جهال عوامهم صنعوا ذلك، فأراد أن يذكّر علماءهم، وينبههم بما تركوه من إنكار ذلك، ويَحْتَمِل أن يكون ترك من بقي من الصحابة، ومن أكابر التابعين إذ ذاك الإنكار، إما لاعتقاد عدم التحريم، ممن بلغه الخبر، فحَمَله على كراهة التنزيه، أو كان يخشى من سطوة الأمراء في ذلك الزمان على من يستبد بالإنكار؛ لئلا يُنسب إلى الإعتراض على أولي الأمر، أو كانوا ممن لم يبلغهم الخبر أصلًا، أو بلغ بعضهم لكن لم يتذكروه حتى ذكَّرهم به معاوية، فكل هذه أعذار ممكنة لمن كان موجودًا إذ ذاك من العلماء، وأما من حضر خطبة معاوية، وخاطبهم بقوله: «أين علماؤكم؟» فلعل ذلك كان في خطبة غير الجمعة، ولم يتفق أن يحضره إلا من ليس من أهل العلم، فقال: «أين علماؤكم؟»؛ لأن الخطاب بالإنكار لا يتوجه إلا على من عَلِم الحكم، وأقرّه. انتهى . وتعقّب العينيّ قول الحافظ: «فيه إشارة إلى قلة العلماء … إلخ»، فقال: فيه بُعد يستبعده من له اطلاع في التاريخ، وكانت المدينة دار العلم، ومعدن الشريعة، وإليها يهرع الناس في أمر دينهم. [فإن قلت]: إذا كان الأمر كذلك كيف لم يغيّر أهلها هذا المنكر؟. [قلت]: لا يخلو زمان من ارتكاب المعاصي، وقد كان في وقت رسول الله - ﷺ - مَن شرب الخمر، وسَرَق، وزنى، إلا أنه كان شاذًّا نادرًا، فلا يحل لمسلم أن يقول: إنه - ﷺ - لم يغيِّر المنكر، فكذلك أمرُ القُصّة بالمدينة كان شاذًّا، ولا يجوز أن يقال: إن أهلها جَهِلوا النهي عنها؛ لأن حديث لعن الواصلة حديث مدنيّ معروف عندهم، مستفيض. انتهى كلام العينيّ - ﵀ - ، وهو بحثٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقول معاوية - ﵁ -: «يا أهل المدينة» أين علماؤكم؟ «هذا من معاوية - ﵁ - علي جهة التذكير لأهل المدينة بما يعلمونه، واستعانة على ما رام تغييره من ذلك، لا على جهة أن يُعْلِمهم بما لم يعلموا، فإنَّهم أعلم الناس بأحاديث النبيّ - ﷺ -، لا سيما في ذلك العصر. ويَحْتَمِل أن يكون ذلك فيه؛ لأنَّ عوام أهل المدينة أول من أحدث الزور، كما قال في الرواية الأخرى:»إنكم قد أحدثتم زِيَّ سَوْء«؛ يعني: الزور، فنادى أهل العلم ليوافقوه على ما سمعه من النبيّ - ﷺ - من النهي عن ذلك، فينزجر من أحْدَث ذلك من العوام. وقد فسَّر معاوية الزور المنهي عنه في هذا الحديث بالخِرَق التي يُكْثِر النساء بها شعورهن بقوله:»ألا وهذا الزور«، وزاده قتادة وضوحًا. و«الزور» في غير هذا الحديث: قول الباطل، والشهادة بالكذب. وأصل التزوير: التمويه بما ليس بصحيح. وهذا الحديث حجَّة واضحة على إبطال قول من قصر التحريم على وصل الشعر، كما تقدَّم. وهذا يدلّ: على اعتبار أقوال أهل المدينة عندهم، وأنها مرجع يُعتمد عليه في الأحكام. وهو من حجج مالك على أن إجماع أهل المدينة حجَّة، وقد حققنا ذلك في الأصول. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - . (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ)؛ أي: ينهى النساء عن استعمال مثل هذه القُصّة في وَصْل شعورهنّ بها، وقال في «العمدة»: وأشار به إلى قُصّة الشعر التي تناولها من يد حَرَسيّ، وبمثلها كانت النساء يوصلن شعورهن. انتهى . (وَيَقُولُ) - ﷺ - («إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُمْ») فيه إشارة إلى أن الوصل كان محرَّمًا على بني إسرائيل، فعوقبوا باستعماله، وهلكوا بسببه، وقوله: «حين اتخذ هذه» إشارة أيضًا إلى القُصّة المذكورة، وأراد به الوصل، قاله في «العمدة» . وقال عياض - ﵀ -: قوله: «إنما هلكت بنو إسرائيل … إلخ» قيل: يَحْتَمِل أنه كان محرَّمًا عليهم، فعوقبوا باستعماله، وهلكوا بسببه، وقيل: يَحْتَمِل أن الهلاك كان به وبغيره، مما ارتكبوه من المعاصي، فعند ظهور ذلك فيهم هلكوا، وفيه معاقبة العامّة بظهور المنكر. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «إنما هلكت بنو إسرائيل … إلخ» يظهر منه: أن ذلك كان محرَّمًا عليهم، وأن نساءهم ارتكبوا ذلك المحرَّم، فأقرَّهن على ذلك رجالهم، فاستوجب الكل العقوبة بذلك، وبما ارتكبوه من العظائم. انتهى . وفي رواية معمر الآتية: لا إنما عُذّب بنو إسرائيل»، ووقع في رواية سعيد بن المسيِّب الآتية:«إن رسول الله بلغه، فسماه الزور»وفي رواية قتادة، عن سعيد الآتية أيضًا:«نَهَى عن الزور - وفي آخره - ألا وهذا الزور»، قال قتادة: يعني ما تُكْثر به النساء أشعارهنّ من الْخِرَق. وهذا الحديث حجة للجمهور في مَنْع وَصْل الشعر بشيء آخر، سواء كان شعرًا، أم لا، ويؤيده حديث جابر الماضي بلفظ:«زَجَرَ رسول الله - ﷺ - أن تصل المرأة بشعرها شيئًا»، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة في شرح حديث أسماء - ﵂ -، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ٥٥٦٦ و٥٥٦٧ و٥٥٦٨ و٥٥٦٩] (٢١٢٧)، و(البخاريّ) في«الأنبياء»(٣٤٦٨ و٣٤٨٨) و«اللباس»(٥٩٣٢ و٥٩٣٨)، و(أبو داود) في«الترجّل»(٤١٦٧)، و(الترمذيّ) في«الأدب»(٢٧٨١)، و(النسائيّ) في«الزينة»(٨/ ١٨٦ - ١٨٧) و«الكبرى»(٥/ ٤٢٠)، و(مالك) في«الموطّأ»(٢/ ٩٤٧)، و(عبد الرزّاق) في«مصنّفه»(٣/ ١٤٢)، و(أحمد) في«مسنده»(٤/ ٨٧ - ٨٨ و٩١ و١٠١)، و(الحميديّ) في«مسنده»(٦٠٠)، و(ابن خزيمة) في«صحيحه»(٣/ ٢٨٦)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٥٥١٠ و٥٥١١ و٥٥١٢)، و(الطبرانيّ) في«الكبير»(١٩/ ٧٤٠ و٧٤١ و٧٤٣ و٧٤٤ و٧٤٦ و٧٤٧)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٢/ ٤٢٦)، و(البغويّ) في«شرح السُّنَّة» (٣١٩٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه قيام الأئمة بالنهي عن المنكر، والتعريف به على المنبر، ولا سيّما إذا رآه مشتهرًا. ٢ - (ومنها): بيان تحريم وصل الشعر بغيره. ٣ - (ومنها): معاقبة العامّة بفشوّ المنكر بين أظهرهم. ٤ - (ومنها): ما قاله عياض: فيه حجة على من ذهب إلى جواز إلقاء الشعر والجمّة على الرأس، وخصّ النهي بالوصل، وقد تقدّم؛ لأن الْقُصّة مما توضع، وليست موصولةً . ٥ - (ومنها): ما قاله أبو عمر بن عبد البرّ - ﵀ -: فيه الاعتبار، والحكم بالقياس؛ لخوف معاوية على هذه الأمة الهلاك؛ كبني إسرائيل، فإن مَن فعل مثله استحقه، أو يعفو الله، ووجوب اجتناب عَمَل هلك به قوم، قال: ويَحْتَمِل أن القُصّة لم تَفْشُ فيهم حتى أعلنوا بالكبائر، فكأن القُصّة علامة لا تكاد تظهر إلا في أهل الفسق، لا أنها فِعلة يستحق فاعلها الهلاك بها، دون أن يجامعها غيرها. ويَحْتَمِل أن بني إسرائيل نُهُوا تحريمًا عن ذلك، فاتخذوه استخفافًا، فهلكوا. قال: والذي منعوا منه جاء عن نبيّنا - ﷺ - مثله، كما في «الصحيحين، عن أبي هريرة وغيره، مرفوعًا:»لَعَن اللهُ الواصلة، والمستوصلة، والواشمة، والمستوشمة«. انتهى ملخصًا. ٦ - (ومنها): ما في هذا الحديث دليل على أن شعر بني آدم طاهر، ألا ترى إلى تناول معاوية، وهو في الخطبة قُصّة الشعر، وعلى هذا أكثر العلماء، وقد كان الشافعيّ - ﵁ - يقول: إن شعر بني آدم نجس؛ لقوله - ﷺ -:«ما قُطِع من حيّ فهو ميت»، ثم رجع عن ذلك لهذا الحديث، وأشباهه، ولإجماعهم على الصوف من الحيّ أنه طاهر، وأما الصوف من الميتة فمختلَف فيه، قاله ابن عبد البرّ - ﵀ - . ٧ - (ومنها): إباحة الكلام في الخطبة بالمواعظ، والسنن، وما أشبه ذلك، ولا خلاف بين العلماء في ذلك، واختلفوا في سائر الكلام في الخطبة للمأموم والإمام، نحو تشميت العاطس، وردّ السلام، وقد تقدّم تحقيق ذلك في محلّه، ولله والحمد والمنّة. ٨ - (ومنها): ما قاله عياض أيضًا: احتجّ به من قال بإبطال الحجة بإجماع أهل المدينة وعملهم على المالكيّة، قال: ولا حجة له في هذا؛ إذ لم يثبت أن هذا كان شائعًا بالمدينة، وغير منكَر بها، وإنما تناوله معاوية - ﵁ - من يد حَرَسيّ وجدها على امرأة، ولم تَسْلَم المدينة، ولا غيرها في وقت من مذنب، ولا مرتكب للمعاصي بمشيئة الله تعالى في زمن النبيّ - ﷺ -، وبعده، وليس في قوله: «أين علماؤكم؟» ما يدلّ أنهم جَهِلوه، أو رأوه ولم ينكروه، والحجة بعمل أهل المدينة أشهر على التحقيق فيما نقلوه النقل المستفيض، وتداوله عملهم خلفًا عن سلف إلى زمان النبيّ - ﷺ -؛ كالأذان، والصاع، ونحو ذلك، وهذا مما وافق عليه المخالِف حين بُيِّن له، ورجع أبو يوسف حين مناظرته لمالك في المسألة، واختلفوا فيما أجمعوا عليه من جهة الاجتهاد، واختَلَف فيه تأويل شيوخنا على مذهب مالك، فذهب قدماء أصحابه العراقيين أنه ليس بحجة، ولا هو مراد مالك، ومذهب بعض المدنيين والمتأخّرين من العراقيين والمغاربة من أصحابه أنه حجة، وذهب الكثير من أئفة الأصوليين إلى أنه ترجيح للآثار التي اختَلَفت، وكلّ هذا غير موجود في مسألتنا. انتهى، كلام القاضي عياض - ﵀ - . وقال ابن عبد البرّ - ﵀ -: احتج بهذا الحديث مَن زعم أن عمل أهل المدينة لا حجة فيه، وقال: ألا ترى أن معاوية - ﵁ - يقول: «أين علماؤكم؟» يريد: أين علماؤكم عن تغيير مثل هذا، والحفظ له، والعمل به، ونَشْره؟ يريد أن المدينة قد يظهر فيها، ويُعمل بين ظهراني أهلها بما ليس بسُنَّة، وإنما هو بدعة، واحتجّ قائل هذا القول برواية مالك، عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه، وكان من كبار التابعين، أنه قال: ما أعرف شيئًا مما أدركت الناس عليه إلا النداء بالصلاة. وقد حَكَى إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك أنه سئل عما يصنع أهل المدينة ومكة من إخراج إمائهم عُراة، مُتَّزرات، وأبدانهن ظاهرة، وصدورهنّ، وعما يَصنعِ تجارهم من عَرْض جواريهم للبيع على تلك الحال، فكرهه كراهية شديدة، ونهَى عنه، وقال: ليس ذلك من أَمْر من مضى، من أهل الفقه، والخير، ولا أمْر من يُفتي من أهل الفقه والخير، وإنما هو مِنْ عَمَلِ من لا وَرَع له من الناس. وقال أنس بن عياض: سمعت هشام بن عروة يقول: لمّا اتخذ عروة قصره بالعقيق عُوتب في ذلك، وقيل له: جفوت عن مسجد رسول الله - ﷺ -، فقال: إني رأيت مساجدكم لاهية، وأسواقكم لاغية، والفاحشة في فِجاجكم عالية، فكان فيما هنالك عما أنتم فيه عافية، ثم قال: ومن بقي إنما بقي شامتٌ بنكبة، أو حاسد على نعمة، قالوا: فهذا عروة يخبر عن المدينة بما ذكرنا، فكيف يُحتج بشيء من عمل أهلها، لا دليل عليه؟ قال ابن عبد البرّ: والذي أقول به أن مالكًا - ﵀ - إنما يحتج في «الموطأ» وغيره بعمل أهل المدينة، يريد بذلك عمل العلماء، والخيار، والفضلاء، لا عمل العامة السوداء. انتهى كلام ابن عبد البرّ - ﵀ - ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصّل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٥٦٧] (…) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح) وَحَدَّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ: «إِنَّمَا عُذِّبَ بَنُو إِسْرَائِيلَ»). رجال هذا الإسناد: تسعة: وكلهم تقدّموا قريبًا. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة عن الزهري ساقها النسائيّ - ﵀ - في «سننه»، فقال: (٩٣٦٧) - أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا سفيان، عن الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، قال: سمعت معاوية، وهو على المنبر بالمدينة، وأخرج من كُمّه قُصّة من شعر، فقال: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن مثل هذه، وقال: «إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ نساؤهم مثل هذا». انتهى . ورواية يونس عن الزهريّ ساقها الترمذيّ - ﵀ - في «جامعه»، فقال: (٢٧٨١) - حدّثنا سُويد، أخبرنا عبد الله، أخبرنا يونس، عن الزهريّ، أخبرنا حميد بن عبد الرحمن، أنه سمع معاوية بالمدينة يخطب، يقول: أين علماؤكم يا أهل المدينة؟ إني سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن هذه القُصّة، ويقول: «إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم»، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن معاوية. انتهى . ورواية معمر عن الزهريّ ساقها أحمد - ﵀ - في «مسنده»، فقال: (١٦٩١١) - حدّثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهريّ، عن حميد بن عبد الرحمن أنه رأى معاوية، يخطب على المنبر، وفي يده قُصّة من شعر، قال: سمعته يقول: أين علماؤكم يا أهل المدينة؛ سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن مثل هذا، وقال: «إنما عُذِّب بنو إسرائيل حين اتخذت هذه نساؤهم». انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٥٦٨] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: قَدِمَ مُعَاوِيةُ الْمَدِينَةَ، فَخَطَبَنَا، وَأَخْرَجَ كُبَّةً مِنْ شَعَرٍ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ أَحَدًا يَفْعَلُهُ إِلَّا الْيَهُودَ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَلَغَهُ، فَسَمَّاهُ الزُّورَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧١. والباقون كلّهم ذُكروا في الباب. وقوله: (وَأَخْرَجَ كُبَّةً مِنْ شَعَرٍ) - بضم الكاف، وتشديد الباء - هي شعر مكفوف بعضه على بعض، قاله النوويّ - ﵀ - . وقوله: (فَسَمَّاهُ الزورَ)؛ أي: الكذب، والتزيين بالباطل، ولا شك أن وَصْل الشعر منه، وفيه طهارة شعر الآدمي، وقال ابن الأثير - ﵀ -: الزور الكذب، والباطل، والتهمة، ومنه سُمّي شاهد الزور، وسَمَّى النبيّ - ﷺ - الوصل زورًا؛ لأنه كذب، وتغيير خلق الله تعالى، ذكره في «العمدة» . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٥٦٩] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: أَخْبَرَنَا مُعَاذٌ - وَهُوَ ابْنُ هِشَام - حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّب، أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ: إنَّكُمْ قَدْ أَحْدَثْتُمْ زِيَّ سَوْءٍ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ الزُّور، قَالَ: وَجَاءَ رَجُلٌ بِعَصًا عَلَى رَأْسِهَا خِرْقَةٌ، قَالَ مُعَاوَيةُ: ألَا وَهَذَا الزُّورُ، قَالَ قتَادَةُ: يَعْني مَا يُكَثِّرُ بِهِ النِّسَاءُ أَشْعَارَهُنَّ مِنَ الْخِرَقِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلّهم تقدّموا قريبًا. وقوله: (أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ: إِنَّكُمْ قَدْ أَحْدَثْتُمْ زِيَّ سَوْءٍ)؛ أي: زيًّا قبيحًا، وإضافة «زيّ» إلى «سَوْء» - بفتح السين - من إضافة الموصوف إلى الصفة، وقال المرتضى في «شرح القاموس»: «الزيّ» بالكسر: الهيئة، واللباس، وأصله زِوْيٌ، قاله الجوهريّ، وقال الفراء: الزيُّ: الهيئة والمنظر، وقُرئ: ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤] بالراء، والزاي، وجمعه: أزياء، وقال الليث: تَزَيَّى الرجل بزيّ حسنٍ، ومنه قول المتنبي [من الطويل]: وَقَدْ يَتَزَيَّى بِالْهَوَى غَيْرُ أَهْلِهِ … وَيَسْتَصْحِبُ الإِنْسَانُ مَنْ لَا يُلَائِمُهْ وقد اعترض تلميذه ابن جني عليه، وقال له: هل تعرفه في شعر، أو كتاب في اللغة؟ فقال: لا، فقال: كيف أقدمت عليه؟ قال: لأنه جرى عليه الاستعمال، فقال: أرى الصواب: يتزوَّى، من زُوِيت لي الأرض. انتهى . [فائدة]: قال في «القاموس»، و«شرحه»: يقال: لا خيرَ في قولِ السَّوءِ بالفتح، والضمّ، إِذا فتحتَ السين فمعناه: لا خَيْرَ في قولٍ قَبيح، وإذا ضممتَ السِّين فمعناه: لا خَيْرَ في أن تقولَ سُوءًا؛ أي: لا تقل سُوءًا، وقرئ قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨] بالوجهين: الفتح، والضمّ، قال الفرَّاء: هو مثل قولك: رجلُ السَّوْء، والسَّوْءُ بالفتح في القراءة أَكثرُ، وقلَّما تقولُ العربُ: دائرة السُّوءِ بالضَّمِّ، وقال الزجَّاج في قوله تعالى: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ٦] كانوا ظنُّوا أَنْ لن يعودَ الرسولُ، والمؤمنون إلى أَهليهم، فجعلَ اللهُ دائرة السَّوْءِ عليهم، قال: ومن قرأَ ظنَّ السُّوءِ فهو جائزٌ، قال: ولا أعلم أَحدًا قرأَ بها، إِلَّا أَنَّها قد رُوِيتْ، قال الأَزهريُّ: قولُه: لا أَعلم أحدًا إلى آخره وَهَمٌ، قرأَ ابنُ كثيرٍ، وأَبو عمرٍو: ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ بضم السِّين، ممدودًا في «سورة بَراءة»، و«سورة الفتح»، وقرأَ سائرُ القُرَّاء: السَّوْءِ بفتح السين في السُّورتين، قال: وتعجَّبتُ أَن يذهَبَ على مِثْلِ الزجَّاج قِراءةُ القارِئَيْنِ الجليلين: ابنِ كثيرٍ، وأبي عمرٍو، وقال أَبو منصور: أَمَّا قوله: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ١٢] فلم يُقرا إِلّا بالفتح، قال: ولا يجوز فيه ضمّ السين، وقد قرأَ ابنُ كثير، وأبو عمرو: ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ بضم السِّين ممدودًا في السُّورتين، وقرأَ سائر القُرَّاء بالفتح فيهما، وقال الفرَّاء - ﵀ - في «سورة براءة» في قوله تعالى: ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨] قال: قراءة القُرَّاءِ بنصب السَّوْء، وأَراد بالسَّوْء المصدَرَ، ومن رفع السِّين جعله اسمًا، قال: ولا يجوز ضمُّ السِّين في قوله: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ [مريم: ٢٨]، ولا في قوله: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾؛ لأنَّه ضدّ لقولهم: هذا رجلُ صدقٍ، وثوبُ صدقٍ، وليس للسَّوْءِ هنا معنًى في بلاءٍ، ولا عذابٍ، فيُضَمّ، وقرئ قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾؛ أَي: الهزيمَة، والشَّرّ، والبلاء، والعذاب، والرَّدى، والفَساد، وكذا في قوله تعالى: ﴿أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان: ٤٠] بالوجهين، أَو أَنَّ المضموم هو الضَّرَرُ، وسوءُ الحال، والسَّوْءُ المفتوح من المَسَاءة مثل الفَساد، والرَّدى، والنَّار، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ [الروم: ١٠] قيل: هي جهنم - أَعاذنا الله منها - في قراءةٍ؛ أَي: عند بعض القُرَّاء، والمشهور: السُّوأَى كما يأتي، ورجلٌ سَوْءٍ بالفتح؛ أَي: يعملُ عملَ سَوْءٍ، وإذا عرَّفته وصفتَ به تقول: هذا رجلُ سَوْءٍ - بالإضافة - وتُدخل عليه الألف واللام فتقول: هذا رجلُ السَّوْءِ. قال الفرزدق [من الطويل]: وَكُنْتَ كذِئْبِ السَّوْءِ لَمَّا رَأَى دَمًا … بِصَاحِبِهِ يَوْمًا أَحَالَ عَلَى الدَّمِ بالفتح، والإضافة، لفٌّ ونشرٌ مرتَّب، قال الأَخفش: ولا يقال: الرَّجلُ السَّوْءُ، ويقال: الحقُّ اليَقينُ، وحقُّ اليقين، جميعًا؛ لأَنَّ السَّوْءَ ليس بالرجل، واليقينُ هو الحقُّ، قال: ولا يقال: هذا رجلُ السُّوءِ بالضَّمِّ، قال ابن بَرِّيّ: وقد أَجاز الأَخفشُ أن يُقال: رجلُ السَّوْء، ورجلُ سَوْءٍ بفتح السين فيهما، ولم يُجِز رجلُ السُّوءِ بضم السِّين؛ لأَنَّ السُّوءَ اسمٌ للضُّرِّ، وسُوءِ الحال، وإِنَّما يُضاف إلى المصدر الذي هو فعله، كما يقال: رجلُ الضَّرب، والطَّعن، فيقومُ مقامَ قولك: رجلٌ ضرَّابٌ، وطعَّانٌ، فلهذا جاز أَن يقال: رَجلُ السَّوْءِ بالفتح، ولم يَجُزْ أَنَّ يقال: هذا رجلُ السُّوءِ بالضَّمِّ، وتقول في النَّكرة: رجلُ سَوْءٍ، وإذا عرَّفت قلت: هذا الرجلُ السَّوْءُ، ولم تُضِف، وتقول: هذا عملُ سَوْءٍ، ولا تقل: السَّوْءِ؛ لأنَّ السَّوْءَ يكون نعتًا للرجل، ولا يكون السَّوْءُ نعتًا للعمل؛ لأنَّ الفعل من الرجل، وليس الفعل من السَّوْء، كما تقول: قوْلُ صدقٍ، والقولُ الصِّدقُ، ورجلُ صدق، ولا تقول: رجلُ الصِّدق؛ لأنَّ الرجل ليس من الصِّدقِ. انتهى . وقوله: (وَجَاءَ رَجُلٌ بِعَصًا عَلَى رَأْسِهَا خِرْقَةٌ) لم يُعرف الرجل. وقوله: (قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي مَا يُكَثرُ بِهِ النِّسَاءُ أَشْعَارَهُنَّ مِنَ الْخِرَقِ) - بكسر الخاء المعجمة، وفتح الراء -: جمع خِرْقة - بكسر، ففتح -، مثل سِدْرَةٍ وسِدَرٍ، وهي القطعة من الثوب، قال في «الفتح»: يستفاد من هذه الزيادة في رواية قتادة مَنْع تكثير شعر الرأس بالْخِرَق، كما لو كانت المرأة مثلًا قد تمزق شعرها، فتضع عِوَضه خِرَقًا تُوهم أنها شعر. انتهى، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (٢٥)

١. راجع: «زوائد الهيثميّ» ٢/ ٦١٨.

٢. «الفتح» ١٣/ ٤٤٩، كتاب «اللباس» رقم (٥٩٣٢).

٣. «الفتح» ٨/ ١٢٥، كتاب «أحاديث الأنبياء» رقم (٣٤٨٨).

٤. «الْخُصْلة» بالضمّ: الشعر المجتمِع، قاله في «القاموس».

٥. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٠٨.

٦. «إكمال المعلم» ٦/ ٦٥٨.

٧. «الفتح» ١٣/ ٤٤٩ - ٤٥٠، كتاب «اللباس» رقم (٥٩٣٢).

٨. «الفتح» ٨/ ١٢٦ - ١٢٧، كتاب «أحاديث الأنبياء» رقم (٣٤٦٨).

٩. «عمدة القاري» ٢٢/ ٦٣.

١٠. «المفهم» ٥/ ٤٤٨.

١١. «عمدة القاري»٢٢/ ٦٤.

١٢. «عمدة القاري»٢٢/ ٦٤.

١٣. «إكمال المعلم»٦/ ٦٥٨.

١٤. «المفهم»٥/ ٤٤٨.

١٥. «إكمال المعلم» ٦/ ٦٥٨.

١٦. «التمهيد لابن عبد البر» ٧/ ٢٢٠.

١٧. «إكمال المعلم» ٦/ ٦٥٨.

١٨. «التمهيد لابن عبد البرّ» ٧/ ٢٢١ - ٢٢٢.

١٩. «السنن الكبرى» للنسائيّ ٥/ ٤٢٠.

٢٠. «جامع الترمذيّ» ٥/ ١٠٤.

٢١. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٤/ ٩٥.

٢٢. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٠٨.

٢٣. «عمدة القاري» ٢٢/ ٦٦.

٢٤. «تاج العروس» ١/ ٨٤٢٢ - ٨٤٢٣.

٢٥. «تاج العروس من جواهر القاموس» ١/ ١٣٩ - ١٤٠.