HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢١٧٥

وحدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد (وتقاربا في اللفظ) قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحسين، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ. قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُعْتَكِفًا. فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا. فَحَدَّثْتُهُ. ثُمَّ قُمْتُ لِأَنْقَلِبَ. فَقَامَ مَعِيَ لِيَقْلِبَنِي. وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ. فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ ﷺ أَسْرَعَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «عَلَى رِسْلِكُمَا. إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ» فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ! يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ. وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا» أَوَ قَالَ«شَيْئًا».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص8
ج ٤ ص ١٧١٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٥ ص٦٠٠
وخلاصة الأمر أنه إذا أمكن إجراء النصوص على ظواهرها لا يُعدل عنها إلا بحجة، تصرفها عن ذلك، ولا حاجة، ولا دليل على ذلك هنا، فتأمّل بالإمعان، والله تعالى وليّ التوفيق. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٥٦٦٦] (٢١٧٤)، و(البخاريّ) في «الأدب المفرد» (١/ ٤٣٨)، و(أبو داود) في «السنّة» (٤٧١٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ١٢٥ و١٥٦ و٢٨٥)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (٦/ ١٨٦)، و(البيهقيّ) في «شُعب الإيمان» (٥/ ٣٢٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال: [٥٦٦٧] (٢١٧٥) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ - قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بنْتِ حُيَيٍّ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - مُعْتَكِفًا، فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا، فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ، فَقَامَ مَعِي؛ لِيَقْلِبَنِي، وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَار، فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيّ - ﷺ - أَسْرَعَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ»، فَقَالَا: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّم، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا»، أَو قَالَ: «شَيْئًا»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ) بن عليّ بن أبي طالب زين العابدين المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ فقيهٌ فاضلٌ مشهورٌ، قال ابن عيينة عن الزهريّ: ما رأيت قرشيًّا أفضل منه [٣] (ت ٩٣) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في «صلاة المسافرين وقصرها» ٣٠/ ١٨١٨. ٢ - (صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ) بن أخطب الإسرائيليّة، أم المؤمنين، تزوّجها النبيّ - ﷺ - بعد خيبر، وماتت سنة (٣٦)، وقيل: في ولاية معاوية، وهو الصحيح (ع) تقدمت في «الحج» ٦٥/ ٣٢٢٣. والباقون تقدّموا قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وأن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. شرح الحديث: (عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) - ﵄ - (عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ) - ﵂ -، وفي الرواية التالية: «عن الزهريّ، أخبرنا عليّ بن حسين، أن صفيّة زوج النبيّ - ﷺ - أخبرته»، وفي رواية ابن حبان من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهريّ، عن علي بن الحسين: «حدّثتني صفية»، وهي صفية بنت حُييّ - بمهملة، وتحتانية، مصغّرًا - ابن أخطب، كان أبوها رئيس خيبر، وكانت تُكْنَى أم يحيى. قال الحافظ - ﵀ -: وفي تصريح عليّ بن الحسين بأنها حدثته ردٌّ على من زعم أنها ماتت سنة ست وثلاثين، أو قبل ذلك؛ لأن عليًّا إنما وُلد بعد ذلك سنة أربعين، أو نحوها، والصحيح أنها ماتت سنة خمسين، وقيل: بعدها، وكان عليّ بن الحسين حين سمع منها صغيرًا، وقد اختَلَفت الرواة عن الزهريّ في وَصْل هذا الحديث، قال: واعتمد البخاريّ الطريق الموصولة، وحمَل الطريق المرسَلة على أنها عند عليّ عن صفية، فلم يجعلها علّةً للموصول. انتهى . (قَالَتْ) صفيّة - ﵂ - (كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - مُعْتَكِفًا) الاعتكاف لغةً: لزوم الشيء، وحَبْس النفس عليه، وشرعًا: الْمُقَام في المسجد من شخص مخصوص، على صفة مخصوصة، وليس بواجب إجماعًا إلا على مَن نَذَره، وكذا من شَرَع فيه، فقطعه عامدًا عند قوم . (فَأَتيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا) قال القرطبيّ - ﵀ -: فيه دليل على جواز زيارة المعتكف، والتحدُّث معه، غير أنه يُكره الإكثار من ذلك؛ لئلا يشتغل عما دخل إليه من التفرُّغ لعبادة الله تعالى، وعلى أنه: لا يكره له الخلوة مع أهله في المعتَكَف، ولا الحديث معها، وإنما الممنوع المباشرة، لكن هذا للأقوياء، وأما من يخاف على نفسه غلبة شهوة، فلا يجوز؛ لئلا يفسد اعتكافه، وقد كان كثير من الفضلاء يجتنبون دخول منازلهم في نهار رمضان مخافة الوقوع فيما يفسد الصوم، أو ينقص ثوابه. انتهى . (فَحَدَّثْتُهُ) وفي الرواية التالية: «جاءت إلى النبيّ - ﷺ - تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدَّثَتْ عنده ساعةً»، وفي رواية عند البخاريّ: «فتحدّثت عنده ساعةَ من العشاء»، (ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ)؛ أي: لأرجع إلى بيتي (فَقَامَ) - ﷺ - (مَعِي؛ لِيَقْلِبَنِي) بفتح حرف المضارعة، من باب ضرب؛ أي: لأجل أن يردّني إلى منزلي، فيه جواز تمشي المعتكف مع زوجته ما لم يخرج من المسجد، وليس في الحديث أنه خرج من المسجد، قاله النوويّ ﵀ . وقال القرطبيّ ﵀: وقولها: «ثم قمت لأنقلب»؛ أي: لأنصرف، «فقام ليقلبني»؛ أي: يصرفني، وهو مفتوح الياء ثلاثيًّا، وهذا يدلّ على أن للمعتكف أن ينصرف في المسجد، وإلى بابه إذا دعته إلى ذلك حاجة؛ غير أنه لا يخرج من بابه إلا للأمور الضرورية التي تقدَّم ذكرها، وقد روي في هذا الحديث: أنه إنما خرج معها إلى باب المسجد، وعلى هذا تأوَّله البخاريّ، ولم يختلف العلماء: أنه لا يفسد خروجه إلى باب المسجد، وإن اختلفوا في كراهة تصرُّفه فيه لغير ضرورة؛ كزيارة مريض، أو صلاة على جنازة، أو صعود إلى المنار للأذان، أو الجلوس إلى قومٍ ليصلح بينهم، فكره مالك كل ذلك في المشهور عنه. انتهى . ثم بيّن سبب قيامه - ﷺ - معها؛ ليقلبها بقوله: (وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) - ﵄ -، والمعنى: أنه - ﷺ - إنما قام معها؛ لِبُعد مسكنها من المسجد، وكان الوقت ليلًا، فخاف عليها أن تستوحش. وفي رواية للبخاريّ من طريق هشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهريّ: «كان النبيّ - ﷺ - في المسجد، وعنده أزواجه، فَرُحْنَ، وقال لصفية: لا تَعْجَلي، حتى أنصرف معك». قال الحافظ ﵀: والذي يظهر أن اختصاص صفية بذلك؛ لكون مجيئها تأخّر عن رُفقتها، فأمرها بتأخير التوجه ليحصل لها التساوي في مدّة جلوسهنّ عنده، أو أن بيوت رُفقتها كانت أقرب من منزلها، فخَشِي النبيّ - ﷺ - عليها، أو كان مشغولًا، فأمرها بالتأخر ليفرغ من شغله، ويُشَيِّعها. ورَوَى عبد الرزاق من طريق مروان بن سعيد بن المعلى: «أن النبيّ - ﷺ - كان معتكفًا في المسجد، فاجتمع إليه نساؤه، ثم تفرّقن، فقال لصفية: أَقْلِبك إلى بيتك، فذهب معها حتى أدخلها بيتها». وقوله أيضًا: (وَكَانَ مَسْكَنُهَا: فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ) بن حارثة حِبّ رسول الله - ﷺ -، وابن حِبّه - ﵄ - المتوفّى سنة (٥٤) تقدّمت ترجمته في «الإيمان» ٤٣/ ٢٨٤. والمراد: الدار التي صارت بعد ذلك لأسامة بن زيد؛ لأن أسامة - ﵁ - إذ ذاك لم يكن له دار مستقلّة، بحيث تسكن فيها صفية، وكانت بيوت أزواج النبيّ - ﷺ - حوالي أبواب المسجد، قاله في «الفتح» . (فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ) قال الحافظ ﵀: لم أقف على تسميتهما في شيء من كتب الحديث، إلا أن ابن العطار في «شرح العمدة» زعم أنهما أُسيد بن حُضير، وعباد بن بِشْر، ولم يذكو لذلك مستندًا. قال: ووقع في رواية سفيان عند البخاريّ: «فأبصره رجل من الأنصار» بالإفراد، وقال ابن التين: إنه وَهَمٌ، ثم قال: يَحْتَمِل تعدد القصّة. قال الحافظ: والأصل عدمه، بل هو محمول على أن أحدهما كان تبعًا للآخر، أو خص أحدهما بخطاب المشافهة، دون الآخر. ويَحْتَمِل أن يكون الزهريّ كان يشك فيه، فيقول تارةً: رجلٌ، وتارةً: رجلان، فقد رواه سعيد بن منصور، عن هشيم، عن الزهريّ: «لقيه رجل، أو رجلان» بالشكّ، وليس لقوله «رجل» مفهومٌ، نعم رواه مسلم من وجه آخر من حديث أنس - يعني: الحديث الذي قبل هذا - بالإفراد، ووَجْهه ما قدّمته من أن أحدهما كان تبعًا للآخر، فحيث أَفرد ذكر الأصل، وحيث ثَنَّى ذكر الصورة. انتهى. وقال القرطبيّ: وذكر في الرواية الأخرى: أنه كان رجلًا واحدًا؛ فيَحْتَمِل أن يكون هذا في مرتين، ويَحْتَمِل أن يكون النبيّ - ﷺ - أقبل على أحدهما بالقول بحضرة الآخر، فتصح نسبة القصَّة إليهما جمعًا وإفرادًا، والله تعالى أعلم. انتهى . وفي رواية البخاريّ من طريق شعيب، عن الزهريّ: «ثم قامت تنقلب، فقام النبيّ - ﷺ - معها يقلبها، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة، مَرّ رجلان من الأنصار، فسلّما على رسول الله - ﷺ -». (فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ - ﷺ - أَسْرَعَا)؛ أي: في المشي، وفي رواية معمر: «فنظرا إلى النبيّ - ﷺ -، ثم أجازا»؛ أي: مضيا، يقال: جاز، وأجاز بمعنًى، ويقال: جاز الموضع: إذا سار فيه، وأجازه: إذا قطعه، وخَلَّفه، وفي رواية ابن أبي عتيق: «ثم نَفَذَا»، وهو بالفاء، والذال المعجمة؛ أي: خَلَّفاه، وفي رواية عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهريّ، عند ابن حبان: «فلما رأياه استحييا، فرجعا»، فأفاد سبب رجوعهما، وكأنهما لو استمرّا ذاهبين إلى مقصدهما ما ردّهما، بل لَمّا رأى أنهما تركا مقصدهما، ورجعا ردّهما. (فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: «عَلَى رِسْلِكُمَا) - بكسر الراء، وفتحها لغتان ، والكسر أفصح وأشهر؛ أي: على هِينتكما في المشي، فليس هنا شيء تكرهانه، وفيه شيء محذوف، تقديره: امشيا على هينتكما، وفي رواية معمر:»فقال لهما النبيّ - ﷺ -: تعاليا«، وهو بفتح اللام، قال الداوديّ: أي قِفَا، وأنكره ابن التين، وقد أخرجه عن معناه بغير دليل، وفي رواية سفيان:»فلما أبصره دعاه، فقال: تعال«، ذكره في»الفتح«. وقال القرطبيّ ﵀: قوله:«على رسلكما»الرِّسل - بكسر الراء -: الرفق واللين، وليس فتح الراء فيه معروفًا، والرِّسل بالكسر أيضًا: اللَّبن، وقد أرسل القوم؛ أي: صار لهم اللبن في مواشيهم، والرَّسَل بفتح الراء والسين: القطيع من الخيل، والإبل، والغنم، وجَمْعه: أرسال، يقال: جاءت الخيل أرسالًا؛ أي: قطيعًا قطيعًا. انتهى . (إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ») وفي رواية سفيان: «هذه صفيّة». ووقع في مختصر القرطبيّ بلفظ: «إنما هي صفيّة»، فقال في «شرحه»: «إنما» هنا لتحقيق المتصل بها، وتمحيق المنفصل عنها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١]؛ أي: الإلهية متحققة له، منفيَّة عن غيره، فكأنه قال: هذه صفيَّة لا غيرها؛ حَسْمًا لذريعة التُّهم، وردًا لتسويل الشيطان، ووسوسته، كما قد نصَّ عليه، وإذا كان النبيّ - ﷺ - يتَّقي مواقع التهم مع قيام الأدلة القاطعة على عصمته كان غيره بذلك أَولى. انتهى . (فَقَالَا: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ) زاد في رواية البخاريّ: «وكَبُر عليهما»، وفي رواية له: «وكَبُر عليهما ما قال»، وفي رواية: «فكبُر عليهما ذلك»، وفي رواية: «فقال: يا رسول الله، هل نظنّ بك إلا خيرًا؟». وقال القرطبيّ ﵀: وقول الرجلين: «سبحان الله» معنى هذه الكلمة في أصلها: البراءة لله من السُّوء، لكنها قد كَثُر إطلاقها عند التعجب، والتفخيم، أو الإنكار، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، وكقوله - ﷺ -: «سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس»، ومثله كثير، وهذا الموضع منها، فكأنهما قالا: البراءة لله تعالى من أن يخلق في نفوسنا ظنَّ سَوْءٍ بنبيِّه - ﷺ -، ولذلك قال في الرواية الأخرى: «ومن كنت أظن به، فلم أكن أظن بك». انتهى . (قَالَ) - ﷺ -: («إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ) وفي رواية:»فقال: إني خِفْتُ أن تظنّا ظنًّا، إن الشيطان يجري … «إلى آخره، وفي رواية: وقوله:«ابن آدم»المراد جنس أولاد آدم، فيدخل فيه الرجال والنساء، كقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾، وقوله: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بلفظ المذكر، إلا أن العرف عمَّمه، فأدخل فيه النساء. (وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ)؛ أي: يرمي، ومنه القذف؛ أي: الرمي، والقذّافة: الآلة التي تَرمي الحجارة، قاله القرطبيّ . (فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا») بشين معجمة، وراء مشدّدة، قال القرطبيّ ﵀: والمراد بالشرُّ هنا هو الكفر الذي ذكرناه، وفي غير مسلم: «فتهلكا»؛ أي: بالكفر الذي يلزم عن ظنِّ السَّوء بالنبيّ - ﷺ -. انتهى . (أَو) للشكّ من الراوي (قَالَ) النبيّ - ﷺ -، أو أحد الرواة (شَيْئًا) بشين معجمة، ثم ياء تحتانيّة ساكنة،، وفي رواية: «سوءًا أو قال: شيئًا»، وفي رواية: «إني خِفت أن يُدخل عليكما شيئًا». قال في «الفتح»: والْمُحَصَّل من هذه الروايات أن النبيّ - ﷺ - لم ينسبهما إلى أنهما يظنّان به سوءًا؛ لِمَا تقرر عنده من صِدْق إيمانهما، ولكن خَشِي عليهما أن يُوسوس لهما الشيطان ذلك؛ لأنهما غير معصومين، فقد يُفضي بهما ذلك إلى الهلاك، فبادر إلى إعلامهما؛ حَسْمًا للمادّة، وتعليمًا لمن بعدهما إذا وقع له مثل ذلك، كما قاله الشافعيّ ﵀، فقد رَوَى الحاكم أن الشافعيّ كان في مجلس ابن عيينة، فسأله عن هذا الحديث، فقال الشافعيّ: إنما قال لهما ذلك؛ لأنه خاف عليهما الكفر إن ظنّا به التهمة، فبادر إلى إعلامهما؛ نصيحةً لهما قبل أن يقذف الشيطان في نفوسهما شيئًا يهلكان به. قال الحافظ: وغَفَل البزّار، فطَعَن في حديث صفية - ﵂ - هذا، واستبعد وقوعه، ولم يأت بطائل ، والله وليّ التوفيق. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث صفيّة بنت حييّ - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٥٦٦٧ و٥٦٦٨] (٢١٧٥)، و(البخاريّ) في «الاعتكاف» (٢٠٣٥ و٢٠٣٨ و٢٠٣٩) و«فرض الخمس» (٣١٠١) و«بدء الخلق» (٣٢٨١) و«الأدب» (٦٢١٩) و«الأحكام» (٧١٧١)، و(أبو داود) في «الصوم» (٢٤٧٠ و٢٤٧١) و«الأدب» (٤٩٩٤)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٢/ ٢٦٣)، و(ابن ماجه) في «الصيام» (١٧٧٩)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٨٠٦٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٣٣٧)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢/ ٢٧)، و(ابن راهويه) في «مسنده» (٤/ ٢٥٩)، و(عبد بن حُميد) في «مسنده» (١/ ٤٤٩)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٢٢٣٣ و٢٢٣٤)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣٦٧١)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٢٤/ ٧١)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٣/ ٣٩)، و(الطحاويّ) في «مشكل الآثار» (١٠٦ و١٠٧)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ٣٢١ و٣٢٤) و«شُعب الإيمان» (٥/ ٣٢٢)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٤٢٠٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب التحرّز من التعرض لسوء ظن الناس في الإنسان، وطلب السلامة، والاعتذار بالأعذار الصحيحة، وأنه متى فعل ما قد يُنكَر ظاهره، مما هو حقّ، وقد يَخْفَى أن يُبَيِّن حاله؛ ليدفع ظن السوء، قال ابن دقيق العيد ﵀: وهذا متأكّد في حق العلماء، ومن يقتدي به، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلًا يوجب سوء الظن بهم، وإن كان لهم فيه مَخْلَصٌ؛ لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم، ومن ثَمّ قال بعض العلماء: ينبغي للحاكم أن يبيِّن للمحكوم عليه وجه الحكم إذا كان خافيًا؛ نفيًا للتهمة، ومن هنا يظهر خطأ من يتظاهر بمظاهر السوء، ويعتذر بأنه يُجَرِّب = لأنه يؤدي إلى تصويب البزّار في الطعن في الحديث المتّفق عليه، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. بذلك على نفسه، وقد عظم البلاء بهذا الصنف، والله أعلم. انتهى . ٢ - (ومنها): بيان كمال شفقته - ﷺ - على أمته، ومراعاته لمصالحهم، وصيانة قلوبهم، وجوارحهم، كما قال الله ﷿ في حقّه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، فخاف - ﷺ - أن يُلْقِي الشيطانُ في قلوبهما، فيهلكا، فإنّ ظنّ السوء بالأنبياء كفر بالإجماع، والكبائر غير جائزة عليهم، قاله النوويّ ﵀ . ٣ - (ومنها): أن من ظنّ شيئًا من نحو هذا بالنبيّ - ﷺ - كفر. ٤ - (ومنها): الاستعداد للتحفظ من مكايد الشيطان، فإنه يجري من الإنسان مجرى الدم، فيتأهب الإنسان للاحتراز من وساوسه، وشرّه. ٥ - (ومنها): جواز زيارة المرأة لزوجها المعتكف في ليل، أو نهار، وأنه لا يضرّ اعتكافه، لكن يكره الإكثار من مجالستها، والاستلذاذ بحديثها؛ لئلا يكون ذريعةً إلى الوقاع، أو إلى القبلة، أو نحوها، مما يُفسد الاعتكاف. ٦ - (ومنها): جواز اشتغال المعتكف بالأمور المباحة، من تشييع زائره، والقيام معه، والحديث مع غيره، وإباحة خلوة المعتكف بالزوجة. ٧ - (ومنها): أن فيه إضافةَ بيوت أزواج النبيّ - ﷺ - إليهنّ، حيث قال في هذه الرواية: «وكان مسكنها في دار أسامة»، وقال في رواية البخاريّ: «حتى إذا بَلَغَتْ باب المسجد عند باب أم سلمة». ٨ - (ومنها): جواز خروج المرأة ليلًا لحاجة. ٩ - (ومنها): مشروعيّة قول: «سبحان الله» عند التعجب، وقد وقعت في الحديث لتعظيم الأمر، وتهويله، وللحياء من ذِكْره، كما في حديث أم سليم - ﵂ -. وقال النوويّ ﵀: فيه جواز التسبيح تعظيمًا للشيء، وتعجبًا منه، وقد كثر في الأحاديث، وجاء به القرآن في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦)﴾ [النور: ١٦] . ١٠ - (ومنها): أنه استُدِلّ به لأبي يوسف ومحمد في جواز تمادي المعتكف إذا خرج من مكان اعتكافه لحاجته، وأقام زمنًا يسيرًا زائدًا عن الحاجة، ما لم يستغرق أكثر اليوم. قال الحافظ: ولا دلالة فيه ؛ لأنه لم يثبت أن منزل صفية كان بينه وبين المسجد فاصل زائد، وقد حَدّ بعضهم اليسير بنصف يوم، وليس في الخبر ما يدلّ عليه. انتهى ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال: [٥٦٦٨] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَان، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - أَخْبَرَتْهُ، أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِه، فِي الْمَسْجِد، فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِر، مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، وَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقْلِبُهَا، ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَعْمَرٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ»، وَلَمْ يَقُلْ: «يَجْرِي»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْن عبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السمرقنديّ الحافظ، صاحب «المسند»، ثقةٌ متقنٌ فاضلٌ [١١] (ت ٢٥٥) وله (٧٤) سنةً (م د ت) تقدم في «المقدمة» ٥/ ٢٩. ٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الْبَهْرانيّ الْحِمْصيّ، ثقةٌ ثبتٌ، يقال: إن أكثر حديثه عن شُعيب مناولةٌ [١٠] (ت ٢٢٢) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٦. ٣ - (شُعَيْبُ) بن أبي حمزة دينار الأمويّ مولاهم، أبو بِشْر الْحِمصيّ، ثقةٌ عابدٌ، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهريّ [٧] (ت ١٦٢) أو بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٣/ ١٩٦. والباقون ذُكروا قبله، والسند مسلسل بالتحديث والإخبار من أوله إلى آخره. وقولها: (فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ) جمع آخرة، قال الفيّوميّ رحه الله: العَشَرَةُ بالهاء عدد للمذكر، يقال: عَشَرَةُ رِجَالٍ، وعَشَرَةُ أَيَّامٍ، والعَشْرُ بغير هاء عدد للمؤنث، يقال: عَشْرُ نِسْوَةٍ، وعَشْرُ لَيَالٍ، وفي التنزيل: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ [الفجر: ١، ٢]، والعامة تُذَكِّر العَشْرَ على معنى أنه جمع الأيام، فيقولون: العَشْرُ الأَوَّلُ، والعَشْرُ الأخير، وهو خطأ، فإنه تغيير المسموع، ولأن اللفظ العربيّ تناقلته الألسن اللُّكْنُ، وتلاعبت به أفواه النَّبَط، فحَرَّفوا بعضه، وبدّلوه، فلا يُتَمَسَّك بما خالف ما ضَبَطه الأئمة الثقات، ونطق به الكتاب العزيز، والسُّنَّة الصحيحة. والشهر ثلاث عشرات، فَالعَشْرُ الأُوَلُ: جمع أُوْلَى، والعَشْرُ الوُسَطُ: جمع وُسْطَى، والعَشْرُ الأُخَرُ: جمع أُخْرَى، والعَشْرُ الأَوَاخِرُ أيضًا: جمع آخرة، وهذا في غير التاريخ، وأما في التّاريخ فقد قالت العرب: سِرْنا عَشْرًا، والمراد عَشْرُ ليالٍ بأيامها، فغلّبوا المؤنث هنا على المذكر؛ لكثرة دور العدد على ألسنتها، ومنه قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ويقال: أحد عَشَر، وثلاثة عَشَرَ، إلى تسعة عَشَرَ، بفتح الشين، وسُكُونُها لغة، وقرأ بها أبو جعفر، والعِشْرُونَ: اسم موضوع لعدد معيَّن، ويستعمل في المذكّر والمؤنث بلفظ واحد، ويعرب بالواو، والياء، ويجوز إضافتها لمالكها، فتسقط النون؛ تشبيهًا بنون الجمع، فيقال: عَشْرُو زَيْدٍ، وعِشْرُوكَ، هكذا حكاه الكسائيّ عن بعض العرب، ومنع الأكثر إضافة العقود، وأجاز بعضهم إضافة العدد إلى غير التمييز. انتهى . وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَعْمَرٍ) فاعل «ذَكَر» ضمير شُعيب بن أبي حمزة. وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ … إلخ) الضمير يعود على شعيب أيضًا. وقوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ) تقدّم أن الصواب أنه على ظاهره، وأن الله تعالى أقدر الشيطان على ذلك، وقيل: هو على سبيل الاستعارة من كثرة إغوائه، وكأنه لا يفارقه كالدم، فاشتركا في شدّة الاتصال، وعدم المفارقة.
مصادر المؤلف (٢١)

١. «الفتح» ٥/ ٤٨٦، كتاب «الاعتكاف» رقم (٢٠٣٥).

٢. «الفتح» ٥/ ٤٧٥، كتاب «الاعتكاف» رقم (٢٠٢٥).

٣. «المفهم» ٥/ ٥٠٣ - ٥٠٤.

٤. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٥٧.

٥. «المفهم» ٥/ ٥٠٤.

٦. «الفتح» ٥/ ٤٧٥، كتاب «الاعتكاف» رقم (٢٠٢٥).

٧. «المفهم»٥/ ٥٠٦.

٨. هكذا قال الشرّاح، ولم يذكر في«القاموس»إلا الكسر، فليُحرّر.

٩. «الفتح»٥/ ٤٧٥، كتاب«الاعتكاف»رقم (٢٠٢٥).

١٠. «المفهم»٥/ ٥٠٤.

١١. «المفهم»٥/ ٥٠٤ - ٥٠٥.

١٢. «المفهم»٥/ ٥٠٥.«ما أقول لكما هذا أن تكونا تظنان شرًّا، ولكن قد علمت أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم».

١٣. «المفهم» ٥/ ٥٠٦.

١٤. «المفهم» ٥/ ٥٠٦.

١٥. اعترض العينيّ على الحافظ في اعتراضه على البزّار، ولكنه اعتراض غير مقبول؛ =

١٦. «الفتح» ٥/ ٤٨٩، كتاب «الاعتكاف» رقم (٢٠٣٥).

١٧. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٥٦.

١٨. «شرح النوويّ» ١٤/ ١٥٧.

١٩. انتقد العينيّ على الحافظ فيما نقله عن أبي يوسف ومحمد. انظر: «العمدة» ١١/ ١٥١.

٢٠. «الفتح» ٥/ ٤٨٩، كتاب «الاعتكاف» رقم (٢٠٣٥).

٢١. «المصباح المنير» ٢/ ٤١١.