HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٣١٤

حدثنا عمرو الناقد. حدثنا سفتان بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرٍ. أحدهما يزيد على الآخر. ح وحدثناابن أَبِي عُمَرَ (وَاللَّفْظُ لَهُ) قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ سُفْيَانُ: وَسَمِعْتُ أَيْضًا عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ يُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ. قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ. وَزَادَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ الْبَحْرَيْنِ لَقَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» وَقَالَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا. فَقُبِضَ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ. فَقَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ بَعْدَهُ. فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: مَنْ كَانَتْ لَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِ. فَقُمْتُ فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا» فَحَثَى أَبُو بَكْرٍ مَرَّةً. ثُمَّ قَالَ لِي: عُدَّهَا. فَعَدَدْتُهَا فإذا هي خمسمائة. فقال خذ مثليها.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص75
ج ٤ ص ١٨٠٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٣٧ ص٤٥١
سُوِّي على صفوان، ذكره في «الإصابة» . (قَالَ ابْنُ شِهَاب) بالسند السابق، فهو موصول، وليس معلّقًا. (حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، أنَّ صَفْوَانَ) بن أميّة (قَالَ: وَاللهِ لَقَدْ أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ -ﷺ- مَا أَعْطَانِي) من تلك النِّعم (وَإِنَّهُ) جملة حاليّة؛ أي: والحال أنه -ﷺ- (لأَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيَّ) حيث يدعو إلى التوحيد المنافي لِمَا هم عليه من الشرك، (فَمَا بَرِحَ) بكسر الراء، من باب تَعِبَ؛ أي: فما زال (يُعْطِيني، حَتَّى إِنَّهُ لأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ) فيه مشروعيّة إعطاء المؤلّفة قلوبهم حتى يتمكّن الإيمان في قلوبهم، وقد تقدّم ما قاله النوويّ في ذلك في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث صفوان بن أُميّة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ٦٠٠٤] (٢٣١٣)، و(الترمذيّ) في «الزكاة» (٦٦٦)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٤٠١ و٦/ ٤٦٥)، و(الطبريّ) في «تفسيره» (١٠/ ١٦٢)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٨/ ٥١)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٧/ ١٩)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٠٠٥] (٢٣١٤) - (حَدَّثنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، أنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ (ح) وَحَدَّثنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرٍ، أَحَدُهُمَا يَزِيدُ عَلَى الآخَرِ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ -وَاللَّفْظُ لَهُ- قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، قَالَ سُفْيَانُ: وَسَمِعْتُ أَيْضًا عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ، يُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، وَزَادَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ الْبَحْرَيْنِ، لَقَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا»، وَقَالَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا، فَقُبِضَ النَّبِيُّ -ﷺ- قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ، فَقَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ بَعْدَهُ، فَأمَرَ مُنَادِيًا، فَنَادَى: مَنْ كَانَتْ لَهُ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- عِدَةٌ، أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِ، فَقُلْتُ، فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا»، فَحَثَى أَبُو بَكْرٍ مَرَّةً، ثُمَّ قَالَ لِي: عُدَّهَا، فَعَدَدْتُهَا، فَإِذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ، فَقَالَ: خُذْ مِثْلَيْهَا). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (إِسْحَاقُ) بن راهويه تقدّم قبل أربعة أبواب. ٢ - (عَمْرُو) بن دينار المكيّ، أبو محمد الأثرم الجمحيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في «الإيمان» ٢١/ ١٨٤. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ) بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٤] مات سنة بضع عشرة ومائة (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٦١. ٤ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذه الأسانيد: أنها من رباعيّات المصنّف -﵀- بالنسبة للأول، والثاني، والرابع، وهي (٤٦٧ و٤٦٨ و٤٦٩) من رباعيّات الكتاب، وأما الثالث، والخامس فمن خماسيّاته، والحاصل أن للمصنّف في هذا الحديث خمسةَ أسانيد، ثلاثة منها رباعيّات، واثنان خماسيّات، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: قال مسلم -﵀-: (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ) البغداديّ، قال: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن) محمد (بْنِ الْمُنْكَدِرِ، أنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) -﵄-، وكتابة (ح) تدلّ على التحويل من سند إلى سند آخر، وتُقرأ كما كُتبت، ويُستمرّ في قراءة ما بعدها، قال: (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن راهويه، وهو شيخ ثان لمسلم، قال: (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَن) محمد (بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ) -﵁-، (وَعَنْ عَمْرٍو) عطف على قوله: «عن ابن المنكدر»، فهو شيخ ثان لسفَيان بن عُيينة، وهو عمرو بن دينار الْجُمحيّ المكيّ، (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ) بن الحسين المعروف بالباقر (عَنْ جَابِرٍ) -﵁-، وقوله: (أَحَدُهُمَا يَزِيدُ عَلَى الآخَرِ)؛ يعني: أن أحد الشيخين: محمد بن المنكدر، وعمرو بن دينار يزيد في روايته على رواية الآخر، وقوله بعد حاء التحويل أيضًا: (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو شيخ ثالث لمسلم، وهو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، ثم المكيّ، وقوله: (وَاللَّفْظُ لَهُ)؛ يعني: أن لفظ الحديث الآتي لابن أبي عمر، وأما عمرو الناقد، وإسحاق بن راهويه، فروياه بالمعنى. (قَالَ) ابن أبي عمر (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة (سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) -﵄-، وقوله: (قَالَ سُفْيَانُ) بن عيينة، فهو طريق خامس للمصنّف عن ابن أبي عمر، عن سفيان (وَسَمِعْتُ أَيْضًا)؛ أي: كما سمعت محمد بن المنكدر، (عَمْرَو بْنَ دِينَارِ، يُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ) الباقر أنه (قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) -﵄- (وَزَادَ أَحَدُهُمَا)؛ أي: أحد الشيخين: محمد بن المنكدر، وعمرو بن دينار (عَلَى الآخَرِ، قَالَ) جابر -﵁- (قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ الْبَحْرَيْنِ) بصيغة تثنية البحر، وهو البلد المعروف، قال الفيّوميّ -﵀-: البَحْرَانِ على لفظ التثنية: موضع بين البصرة وعُمَان، وهو من بلاد نجد، وُيعرب إعراب المثنى، ويجوز أن تُجعل النون محل الإعراب، مع لزوم الياء مطلقًا، وهي لغة مشهورة، واقتصر عليها الأزهريّ؛ لأنه صار عَلَمًا مفردَ الدلالة، فأشبه المفردات، والنسبة إليه بَحْرَانِيٌّ. انتهى . وكان رسول الله -ﷺ- هو صَالَحَ أهل البحرين، وأمّر عليهم العلاء بن الحضرميّ، وبعث إليهم أبا عبيدة بن الجرّاح يأتي بجزيتها، فقدم أبو عبيدة بمال كثير، إلى آخر ما يأتي من تمام القصّة في «كتاب الرقاق» -إن شاء الله تعالى- ثم بعد ذلك وعد -ﷺ- جابرًا أنه لو جاءنا مال البحرين. وقال في «الفتح»: قوله: «لو جاءنا مال البحرين» سيأتي ذلك في أول «باب الجزية» -يعني: عند البخاريّ- من حديث عمرو بن عوف، وأنه من الجزية، لكن فيهْ «فَقَدِم أبو عبيدة بمال من البحرين»، فيُحْمَل على أن الذي وعد به النبيّ -ﷺ- جابرًا كان بعد السنة التي قَدِم فيها أبو عبيدة بالمال، وظهر بذلك جهة المال المذكور، وأنه من الجزية، فأغنى ذلك عن قول ابن بطال: يَحْتَمِل أن يكون من الخمس، أو من الفيء. انتهى . (لَقَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا«، وَقَالَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا)؛ أي: أشار النبيّ -ﷺ- عند قوله:»هكذا … إلخ»، ففيه إطلاق القول على الفعل، وهو جائز شائع. (فَقُبِضَ النَّبِيُّ -ﷺ-) ببناء الفعل للمفعول، أي: تُوُفّي (قَبْلَ أَنْ يَجيءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ، فَقَدِمَ) بكسر الدال مبنيًّا للفاعل، أي: قَدِم ذلك المال (عَلَى أَبِي بَكْرِ) الصدّيق -﵁- في خلافته، (بَعْدَهُ)؛ أي: بعد وفاة النبيّ -ﷺ-، (فَأَمَرَ) أبو بكر -﵁- (مُنَادِيًا) لم يُسمّ، وقال الحافظ: لم أقف على اسمه، ويَحْتَمِل أن يكون بلالًا. انتهى. (فَنَادَى) ذلك المنادي قائلًا (مَنْ كَانَتْ لَهُ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- عِدَةٌ) بكسر العين المهملة، وتخفيف الدال بمعنى الوعد، (أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِ)؛ أي: لِيَسْتَوْفِيَ عدته، أو دينه، قال جابر: (فَقُمْتُ، فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «لَوْ قَدْ جَاءَنَا مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا»، فَحَثَى أَبُو بَكْرٍ مَرَّةً)؛ أي: حثية واحدة، وإنما لم يطالبه أبو بكر ببيّنة؛ لأنه لم يَدّع أن له دَينًا في ذمة النبيّ -ﷺ-، مع أن له حقًّا في بيت المال الموكولِ الأمرُ فيه إلى اجتهاد الإمام. ووقع في رواية للبخاريّ: «فأتيت أبا بكر، فسألت، فلم يعطني، ثم أتيته، فلم يعطني، ثم أتيته الثالثة، فقلت: سألتك فلم تعطني، ثم سألتك فلم تعطني، ثم سألتك فلم تعطني، فإما أن تعطيني، وإما أن تبخل عني، قال: قلتَ: تبخل عني؟ ما منعتك من مرة، إلا وأنا أريد أن أعطيك … فحثا لي حثيةً …» الحديث. قال في «الفتح»: وإنما أخَّر أبو بكر إعطاء جابر حتى قال له ما قال، إمّا لأمر أهمّ من ذلك، أو خشية أن يَحمله ذلك على الحرص على الطلب، أو لئلا يكثر الطالبون لمثل ذلك، ولم يُرِد به المنع على الإطلاق، ولهذا قال: «ما من مرّة إلا وأنا أريد أن أعطيك». (ثُمَّ قَالَ لِي عُدَّهَا، فَعَدَدْتُهَا، فَإِذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ) «إذا» هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأني كونها خمسمائة، (فَقَالَ) أبو بكر -﵁- (خُذْ مِثْلَيْهَا)؛ أي: حتى تكمل لك الحثيات الثلاث التي وعدك النبيّ -ﷺ-، وفي رواية للبخاريّ: «فحثا لي ثلاثًا، وجعل سفيان يحثو بكفّيه جميعًا»، قال في «الفتح»: قوله: «وجعل سفيان يحثو بكفيه» يقتضي أن الحثية ما يؤخذ باليدين جميعًا، والذي قاله أهل اللغة أن الحثية ما يملأ الكفّ، والحفنة ما يملأ الكفين، نَعَم ذكر أبو عبيد الهرويّ أن الحثية والحفنة بمعنىً، وهذا الحديث شاهد لذلك. انتهى . وقال النوويّ -﵀-: قوله: «فقال: خذ مثليها»؛ يعني: خذ معها مثليها، فيكون الجميع ألفًا وخمسمائة؛ لأن له ثلاث حثيات، وإنما حثى له أبو بكر بيده؛ لأنه خليفة رسول الله -ﷺ-، فيده قائمة مقام يده، وكان له ثلاث حثيات بيد رسول الله -ﷺ-، وفيه إنجاز العِدَة، قال الشافعيّ، والجمهور: إنجازها، والوفاء بها مستحبّ، لا واجب، وأوجبه الحسن، وبعض المالكية. انتهى . [تنبيه]: وقع لأبي جحيفة -﵁- مثل ما وقع لجابر -﵁-، فقد أخرج الترمذيّ في «جامعه» من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي جحيفة قال: رأيت رسول الله -ﷺ- أبيض، قد شاب، وكان الحسن بن عليّ يُشبهه، وأمر لنا بثلاثة عشر قَلُوصًا، فذهبنا نقبضها، فأتانا موته، فلم يُعطونا شيئًا، فلما قام أبو بكر قال: من كانت له عند رسول الله -ﷺ- عِدَةٌ فليجئ، فقمت إليه، فأخبرته، فأمر لنا بها. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ٦٠٠٥ و٦٠٠٦] (٢٣١٤)، و(البخاريّ) في «الكفالة» (٢٢٩٦) و«الهبة» (٢٥٩٨) و«الشهادات» (٢٦٨٣)، و«فرض الخمس» (٣١٣٧)، و«الجزية» (٣١٦٤) و«المغازي» (٤٣٨٣) و(الترمذيّ) في «الأدب» (٢٨٢٦)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٤/ ٧٨)، و(أحمد) في «مسنده» (٣/ ٣٠٧)، و(ابن سعد) في «الطبقات» (٢/ ٣١٨)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٤/ ١٠٩)، و(ابن عساكر) في «تاريخ دمشق» (٤/ ٢٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان سخاء النبيّ -ﷺ- حيث وعد جابرًا -﵁- أن يحثو له بيديه ثلاث حثيات. ٢ - (ومنها): ما قال المهلّب -﵀-: إنجاز الوعد مأمور به، مندوب إليه عند الجميع، وليس بفرض؛ لاتفاقهم على أن الموعود لا يضارب بما وُعِد به مع الغرماء. انتهى. وتعقّبه في «الفتح» بأنَّ نَقْل الإجماع في ذلك مردود، فإن الخلاف مشهور، لكن القائل به قليل، وقال ابن عبد البرّ، وابن العربيّ: أجلّ من قال به عمر بن عبد العزيز، وعن بعض المالكية إن ارتبط الوعد بسببٍ وجب الوفاء به، وإلا فلا، فمن قال لآخر: تزوَّجْ، ولك كذا، فتزوَّجَ لذلك، وجب الوفاء به، وخَرَّج بعضهم الخلاف على أن الهبة هل تُملك بالقبض، أو قبله؟ قال الحافظ: وقرأت بخط أبي: في إشكالات على الأذكار للنوويّ، ولم يذكر جوابًا عن الآية -يعني: قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٣]، وحديث: «آيةُ المنافق ثلاث …»-، قال: والدلالة للوجوب منها قويّة، فكيف حملوه على كراهة التنزيه؟ مع الوعيد الشديد، ويُنظر هل يمكن أن يقال: يحرم الإخلاف، ولا يجب الوفاء؟ أي: يأثم بالإخلاف، وإن كان لا يلزم بوفاء ذلك. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: القول بوجوب الوفاء بالوعد هو الأقوى دليلًا، فتبصّر، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): ما قال ابن عبد البرّ -﵀-: وفي هذا من الفقه أن العِدَة واجب الوفاء بها وجوبَ سُنَّة، وذلك من أخلاق أهل الإيمان، قال: وإنما قلنا: إن ذلك ليس بواجب فرضًا لإجماع الجميع من الفقهاء على أن مَن وُعِد بمال ما، كان لم يضرب به مع الغرماء، كذلك قلنا: إيجاب الوفاء به حَسَن في المروءة، ولا يقضى به، ولا أعلم خلافًا أن ذلك مستحسن، يستحق صاحبه الحمد والشكر والمدح على الوفاء به، ويستحق على الخُلف في ذلك الذم، وقد أثنى الله على من صَدَق وعده، ووفى بنذره، وكفى بهذا مدحًا، وبما خالفه ذمًّا. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد علمت فيما مضى أن دعوى الإجماع باطلة، فقد ثبت عن عمر بن عبد العزيز القول بوجوب الوفاء، وكذا نُقل عن الحسن البصريّ، والأدلّة واضحة في الوجوب، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى وليّ التوفيق. ٤ - (ومنها): ما قال ابن عبد البرّ أيضًا: ولمّا كان هذا من مكارم الأخلاق، وكان رسول الله -ﷺ- أَولى الناس بها، وأنذرهم إليها، وكان أبو بكر -﵁- خليفته، أَدَّى ذلك عنه، وقام مقامه من الموضع الذي كان رسول الله -ﷺ- يقيمها منه، ولذلك لم يسأل أبو بكر الصدّيقُ البينةَ على ما ادعاه على رسول الله -ﷺ- من العِدَة؛ لأن تلك العدة لم تكن شيئًا ادّعاه جابر في ذمة رسول الله، وإنما ادعى شيئًا في بيت المال وإنما ذلك موكول إلى اجتهاد الإمام. انتهى كلام ابن عبد البرّ -﵀-. وقال في «الفتح»: لمّا قام أبو بكر -﵁- مقام النبيّ -ﷺ- تكفل بما كان عليه من واجب، أو تطوع، فلما التزم ذلك لزمه أن يُوفّي جميع ما عليه من دَيْن، أو عِدةٍ، وكان -ﷺ- يحب الوفاء بالوعد، فنفّذ أبو بكر ذلك، وقد عَدّ بعض الشافعية من خصائصه -ﷺ- موجوب الوفاء بالوعد أخذًا من هذا الحديث، ولا دلالة في سياقه على الخصوصية، ولا على الوجوب. انتهى . وقال ابن بطال -﵀-: لمّا كان النبيّ -ﷺ- أَولى الناس بمكارم الأخلاق أَدَّى أبو بكر -﵁- مواعيده عنه، ولم يسأل جابرًا البينةَ على ما ادّعاه؛ لأنه لم يَدَّع شيئًا في ذمة النبيّ -ﷺ-، وإنما ادَّعَى شيئًا في بيت المال، وذلك موكول إلى اجتهاد الإمام. انتهى . ٥ - (ومنها): أن فيه قبولَ خبر الواحد العدل من الصحابة، ولو جَرّ ذلك نفعًا لنفسه، لأن أبا بكر لم يلتمس من جابر شاهدًا على صحة دعواه، ويَحْتَمِل أن يكون أبو بكر عَلِمَ بذلك، فقضى له بعلمه، فيُسْتَدَلّ به على جواز مثل ذلك للحاكم، قاله في «الفتح» . ٦ - (ومنها): ما قال القرطبيّ -﵀-: قوله -ﷺ-: «لأعطيناك هكذا، وهكذا، وهكذا، وقال بيديه جميعًا»؛ هذا يدلّ على سخاوة نفس النبيّ -ﷺ- بالمال، وأنه ما كان لنفسه به تعلُّق، فإنَّه كان لا يعدُّه بعدد، ولا يقدره بمقدار، لا عند أخذه، ولا عند بذله، وهذا منه -ﷺ- كان وعدًا لجابر -﵁-، وكان المعلوم من خُلُقه الوفاء بالوعد، ولذلك نفّذه له أبو بكر -﵁- بعد موت النبيّ -ﷺ-، وهكذا كان خُلُق أبي بكر، وخُلُق الخلفاء الأربعة -﵃-، ألا ترى أبا بكر كيف نفّذ عِدَة رسول الله -ﷺ- لجابر بقول جابر، ثم إنه دفعها له على نحو ما قال من غير تقدير؟! وأخبارهم في ذلك معروفة، وأحوالهم موصوفة، وكفى بذلك ما سار مسير المَثَل الذي لم يزل يجري على قول عليّ -﵁-: يا صفراء، ويا بيضاء غُرِّي غَيْري . انتهى، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٦٠٠٦] (…) (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ -ﷺ- جَاءَ أَبَا بَكْرٍ مَالٌ مِنْ قِبَلِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى النَّبِي -ﷺ- دَيْنٌ، أَوْ كَانَتْ لَهُ قِبَلَهُ عِدَةٌ، فَلْيَأْتِنَا. بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ) السمين البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ قد يخطئ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في «الإيمان» ٦٥/ ٣٦٩. ٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، وكان يدلِّس، ويرسل (ت ١٥٠) أو بعدها، وقد جاز السبعين، وقيل: جاز المائة، ولم يثبت (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٩. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (قَالَ: وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ) فاعل «قال» ضمير ابن جُريج، فله إسنادان: أحدهما: عمرو بن دينار، عن محمد بن عليّ، عن جابر -﵁-، والثاني: محمد بن المنكدر، عن جابر -﵁-، وهذا أعلى مما قبله. وقوله: (مِنْ قِبَلِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ)، واسم أبيه عبد الله بن عمّار، وكان حليف بني أميّة، صحابيّ شهير، عَمِل على البحرين للنبيّ -ﷺ-، وأبي بكر، وعمر -﵄-، مات -﵁- سنة أربع عشرة، وقيل: بعد ذلك. وذكر ابن سعد أن النبيّ -ﷺ- بعد قسمة الغنائم بالجعرانة أرسل العلاء إلى المنذر بن ساوى عامل البحرين يدعوه إلى الإسلام، فأسلم، وصالح مجوس تلك البلاد على الجزية، والعلاء بن الحضرميّ صحابي شهير، واسم الحضرمي: عبد الله بن مالك بن ربيعة، وكان من أهل حضرموت، فقَدِم مكة، فحالف بها بني مخزوم، وقيل: كان اسم الحضرمي في الجاهلية زهرمز، وذكر عمر بن شَبّة في «كتاب مكة»، عن أبي غسان عن عبد العزيز بن عمران، أن كسرى لما أغار بنو تميم وبنو شيبان على ماله، أرسل إليهم عسكرًا، عليهم زهرمز، فكانت وقعة ذي قار، فقتلوا الفرس، وأسروا أميرهم، فاشتراه صخر بن رزين الديليّ، فسرقه منه رجل من حضرموت، فتبعه صخر حتى افتداه منه، فقَدِم به مكة، وكان صنّاعًا، فعُتق، وأقام بمكة، ووُلد له أولاد نجباء، وتزوج أبو سفيان ابنته الصعبة، فصارت دعواهم في آل حرب، ثم تزوجها عبيد الله بن عثمان، والد طلحة أحد العشرة، فولدت له طلحة، قال: وقال غير عبد العزيز: إن كلثوم بن رزين، أو أخاه الأسود خرج تاجرًا، فرأى بحضرموت عبدًا فارسيًّا نجّارًا، يقال له زهرمز، فقدم به مكة، ثم اشتراه من مولاه، وكان حميريًّا يكنى أبا رفاعة، فأقام بمكة، فصار يقال له: الحضرميّ حتى غلب على اسمه، فجاور أبا سفيان، وانقطع إليه، وكان آل رزين حلفاء لحرب بن أمية، وأسلم العلاء قديمًا، ذكره في «الفتح» ، وقد تقدّمت ترجمته في «الحج» ٧٨/ ٣٢٩٨. وقوله: (قِبَلَهُ عِدَةٌ) بكسر القاف، وفتح الموحّدة، أي: جهته، و«الْعِدَة» بكسر، ففتح: الوعد. وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ)؛ يعني: أن حديث ابن جريج عن عمرو بن دينار، ومحمد بن المنكدر نحو حديث سفيان بن عيينة عنهما، كما سبق قبله. [تنبيه]: رواية ابن جُريج، عن عمرو بن دينار ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٢٥٣٧) - حدّثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، عن محمد بن عليّ، عن جابر بن عبد الله -﵄-، قال: لمّا مات النبيّ -ﷺ- جاء أبا بكر مالٌ من قِبَل العلاء بن الحضرميّ، فقال أبو بكر: من كان له على النبيّ -ﷺ- دَينٌ، أو كانت له قِبَله عِدةٌ، فليأتنا، قال جابر: فقلت: وعدني رسول الله -ﷺ- أن يُعطيني هكذا، وهكذا، وهكذا، فبسط يديه ثلاث مرات، قال جابر: فعَدّ في يدي خمسمائة، ثم خمسمائة، ثم خمسمائة. انتهى . وأما رواية ابن جُريج عن محمد بن المنكدر، عن جابر -﵁-، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
مصادر المؤلف (١٤)

١. »الإصابة في تمييز الصحابة«٣/ ٤٣٣ - ٤٣٤.

٢. «المصباح المنير» ١/ ٣٦.

٣. «الفتح» ٧/ ٤١٤.

٤. «الفتح» ٧/ ٤١٥.

٥. «شرح النوويّ» ١٥/ ٧٤.

٦. «جامع الترمذيّ» ٥/ ١٢٨.

٧. «الاستذكار» ٥/ ١٥٩.

٨. «الاستذكار» ٥/ ١٦٠.

٩. «الفتح» ٦/ ٨٠ - ٨١ كتاب «الكفالة» رقم (٢٢٩٦).

١٠. «الفتح» ٦/ ٥٦٠، كتاب «الشهادات» رقم (٢٦٨٣).

١١. «الفتح» ٦/ ٨٠ - ٨١ كتاب «الكفالة» رقم (٢٢٩٦).

١٢. «المفهم» ٦/ ١٠٦ - ١٠٧.

١٣. «الفتح» ٦/ ٢٦٢.

١٤. «صحيح البخاريّ» ٢/ ٩٥٣.