HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦٧٣

حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هشام بن عروة، عن أبيه. سمعت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس. ولكن يقبض العلم بقبض العلماء. حتى إذا لم يترك عالما، اتخذ الناس رؤسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم. فضلوا وأضلوا».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص60
ج ٤ ص ٢٠٥٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٦١١
[٨٤٠] حديث: (إِنَّ الله لَا يَقبضُ العِلمَ) ، أخبر أن رفع العلم ذهابُ أهله، وفيه دلالة أن العلم سببٌ يُوصَل به إلى الهدى، وأن العلماء إذا ذهبوا ضلَّ العامة، وفيه حثٌّ على تعلُّم العلم حتى لا يَضلوا، وفيه تحذيرٌ للناس أن يتخذوا رؤساء جُهالا.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤١ ص٦٥١
ويقترب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج»، قالوا: الهرج ما هو يا رسول الله؟ قال:«القتل، القتل». انتهى . وأما رواية أبي يونس عن أبي هريرة - ﵁ - فلم أجد من ساقها، فليُنظَر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوَّل الكتاب قال: [٦٧٧٢] (٢٦٧٣) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ تقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ:«إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاس، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاء، حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا، اتَّخَذَ الئاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا، وَأَضَلُّوا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير نجن العوّام الأسديّ، ثقةٌ فقيهٌ ربّما دَلس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) وله سبع وثمانون سنةً (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة»حـ ١ ص ٣٥٠. ٢ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوام بن خُويلد الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ٩٤) على الصحيح، ومولده في أوائل خلافة عثمان (ع) تقدّم في«شرح المقدّمة» ص ٢ ص ٤٠٧. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) - ﵄ -، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وأنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وجرير فكوفيّ، ثم جزريّ، وفيه رواية الابن عن أبيه، وأن صحابيّه - ﵁ - أحد العبادلة الأربعة المجموعين في قولي: وَإِنْ تُرِدْ مَعْرِفَةَ الْعَبَادِلَهْ … فَابْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ عَمْرٍو عَادَلَهْ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ كَذَا ابْنُ عُمَرَا … وَغَلِّطَنْ مَنْ غَيْرَ هَذَا قَدْ يَرَى فَبَعْضُهُمْ نَجْلَ الزُّبَيْرِ تَرَكَا … وَنَجْلَ مَسْعُودٍ فَرِيقٌ أَشْرَكَا فَكُلُّ ذَا غَيْرُ صَحِيحٍ فَاتَّبِعْ … سَبِيلَ مَنْ حَقَّقَ نَقْلًا تَرْتَفِعْ وأنه ليس بينه وبين أبيه إلا إحدى عشرة سنة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير؛ أنه قال: (سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) رضي الله تعالى عنهما. [تنبيه]: قوله: «ابن العاص»: أكثر ما يأتي في كتب الحديث والفقه، ونحوهما بحذف الياء، وهي لغة، والفصيح الصحيح: «العاصي» بإثبات الياء، وكذلك شدّاد بن الهادي، وابن أبي الموالي، فالفصيح الصحيح في كل ذلك، وما أشبهه إثبات الياء، ولا اغترار بوجوده في كتب الحديث، أو أكثرها بحذفها. قاله النوويّ . وإلى القاعدة المذكورة أشار في «الخلاصة» حيث قال: وَحَذْفُ يَا الْمَنْقُوصِ ذِي التَّنْوِينِ مَا … لَمْ يُنْصَبَ أوْلَى مِنْ ثُبُوتٍ فَاعْلَمَا وَغَيْرُ ذِي التَّنْوِينِ بِالْعَكْسِ وَفِي … نَحْوِ «مُرٍ» لُزُومُ رَدِّ الْيَا اقتُفِي (يَقُولُ: «إِن اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ) جملة في محل رفع؛ لأنها خبر»إنّ«، (انْتِزَاعًا) يَحْتَمِل أن يكون نَصْبه على أنه مفعول مطلقٌ لـ»يَقبضُ«، مثلُ رجع القهقرى، وقعد جلوسًا، ويَحْتَمِل أن يكون مفعولًا مطلقًا مقدّمًا على فعله، وهو»ينتزعه«، والجملة حال من الضمير في»يقبضه«، ويَحْتَمِل أن يكون حالًا من»العلم«، بمعنى: مُنتَزعًا . والمراد بالعلم: هو العلم الشرعيّ الذي هو علم الكتاب والسُّنَّة؛ لأنه المراد عند الإطلاق، لا العلم الدنيويّ؛ لأن النبيّ - ﷺ - لم يُبعث من أجله، بدليل ما أخرجه مسلم ﵀ في«صحيحه»من حديث عائشة وأنس - ﵂ - أن النبي - ﷺ - مَرّ بقوم يُلَقِّحُون، فقال:«لو لم تفعلوا لَصَلَحَ»، قال:«فخرج شِيصًا ، فَمَرّ بهم»، فقال:«ما لنخلكم؟ »، قالوا: قلت: كذا وكذا، قال:«أنتم أعلم بأمر دنياكم». وأخرجه ابن ماجه في«كتاب الأحكام»(٢٤٦٢)، وأحمد في«مسنده»رقم (٢٣٧٧٣) من حديثهما بلفظ:«أَن النبي - ﷺ - سمع أصواتًا، فقال: ما هذا الصوتُ؟ »، قالوا: النخل يُؤبّرونها، فقال: لو لم يفعلوا لَصَلَح«، فلم يؤيّروا عامئذٍ، فصار شيصًا، فذكروا للنبي - ﷺ -، فقال: »إن كان شيئًا من أمر دنياكم فشأنُكُم به، وإن كان من أمور دينكم فإليّ«. وأخرجه أحمد في «مسنده» رقم (١٢٠٨٦) من حديث أنس - ﵁ - وحده، ولفظه: قال: سمع رسولُ الله - ﷺ - أصواتًا، فقال: «ما هذا؟»، قالوا: يُلَقِّحون النخل، فقال: «لو تركوه، فلم يُلَقِّحوه لصلح»، فتركوه، فلم يُلَقِّحوه، فخرج شِيصًا، فقال النبي - ﷺ -: «ما لكم؟»، قالوا: تركوه لَمّا قلت، فقال رسول الله - ﷺ -: «إذا كان شيء من أمر دنياكم، فأنتم أعلم به، فإذا كان من أمر دينكم فإليّ». (يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ)؛ أي: مَحْوًا من الصدور. قال ابن بطّال ﵀: معناه: إن الله لا ينزع العلم من العباد بعد أن يتفضّل به عليهم، ولا يسترجع ما وَهَبَ لهم من العلم المؤدّي إلى معرفته، وبَثّ شريعته، وإنما يكون انتزاعه بتضييعهم العلم، فلا يوجد من يَخلُف من مضى، فأنذر - ﷺ - بقبض الخير كله. وكان تحديث النبي - ﷺ - بذلك في حجة الوداع، كما رواه أحمد، والطبراني من حديث أبي أمامة - ﵁ -، قال: لمّا كان في حجة الوداع قال النبي - ﷺ -: «خُذُوا العلم قبل أن يُقبَض، أو يُرفع»، فقال أعرابي: كيف يُرفَع؟ فقال: «ألا إنّ ذَهَاب العلم ذَهابُ حَمَلته»، ثلاث مرات. وقال ابن الْمُنَيِّر: مَحْوُ العلم من الصدور جائز في القدرة، إلا أن هذا الحديث دَلّ على عدم وقوعه. انتهى. (وَلَكِنْ) للاستدراك، (يَقْبِضُ الْعِلْمَ) بكسر الموحّدة، من باب ضرب، والفعل مبنيّ للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى الله تعالى، وهو من قبيل إقامة الظاهر موضع المُضْمَر؛ لزيادة تعظيم المضمر؛ إذ مقتضى الظاهر أن يقال: «ولكن يقبضه»، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ [الإخلاص: ٢] بعد قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]. قاله العينيّ . (بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ)؛ أي: بسبب توفّيهم. (حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا) وفي رواية البخاريّ: «حَتّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا» -بضم أوله، وكسر القاف- من الإبقاء، والفاعل ضمير «الله تعالى»، و«عالمًا» منصوب على المفعوليّة؛ أي: لم يُبقِ الله عالمًا. وفي لفظ للبخاريّ: «حتى إذا لم يَبْقَ عالِمٌ»، وهو -بفتح أوله، وإسكان ثانية- من البقاء، و«عالم» مرفوع على الفاعليّة. [فإن قلت]: «إذا» للاستقبال، و«لم» لقلب المضارع ماضيًا، فكيف يَجتمعان؟. [أجيب]: بأنهما لمّا تعارضا تساقطا، فبقي على أصله، وهو المضارع، أو تعادلا، فيفيد الاستمرار. [فإن قلت]: إذا كانت «إذا» شرطيّة يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط، ومن وجود المشروط وجود الشرط، لكنه ليس كذلك هنا؛ لجواز حصول الاتخاذ مع وجود العالم. [أجيب]: بأن ذلك في الشُّرَط العقليّة، أما في غيرها فلا نُسلّم اطّراد هذه القاعدة، ثم الاستلزام إنما هو في موضع لم يكن للشَّرط فيه بدلٌ، فقد يكون لمشروط واحد شروط متعاقبة، كصحّة الصلاة بدون الوضوء عند التيمّم، أو المراد بالناس: جميعهم، فلا يصحّ أن الكلّ اتخذوا رؤوسًا جُهّالًا إلا عند عدم بقاء العالم مطلقًا، وذلك ظاهر. قاله في «العمدة» . (اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا) قال النووي ﵀: ضبطنا «رؤوسًا» -بضم الهمزة والتنوين- جمع رأس. قال في «الفتح»: وفي رواية أبي ذرّ أيضًا: «رؤساء» بفتح الهمزة، وفي آخره همزة أخرى مفتوحة، جَمْع رئيس، وكلاهما صحيح، والأول أشهر. (جُهَّالًا) -بضمّ الجيم، وتشديد الهاء-: جمع جاهل، صفة لـ «رؤوسًا». [فإن قلت]: المراد بالجهل هنا: الجهل البسيط، وهو عدم العلم بالشيء، لا مع اعتقاد العلم به، أم الجهل المركّب، وهو عدم العلم بالشيء مع اعتقاد العلم به؟. [أجيب]: بأن المراد: هو القَدْر المشترك بينهما المتناوِل لهما. [فإن قلت]: أهذا مختصّ بالمفتين، أم عامّ للقضاة الجاهلين؟. [أجيب]: بأنه عامّ؛ إذ الحكم بالشيء يستلزم الفتوى به. قاله في «العمدة» . وفيه التحذير عن اتخاذ الجهّال رؤوسًا. (فَسُئِلُوا) بضم السين المهملة؛ أي: سألهم السائلون، (فَأَفْتَوْا) بفتح الهمزة، والتاء؛ أي: بيّنوا الحكم للسائلين (بِغَيْرِ عِلْمٍ) وفي رواية أبي الأسود عند البخاريّ في «الاعتصام»: «فيُفتُون برأيهم». وفي هذا الحديث: الحثُّ على حفظ العلم، والتحذير من ترئيس الْجَهَلَة. وفيه أن الفتوى هي الرياسة الحقيقية، وذَمُّ من يُقْدِم عليها بغير علم. واستدل به الجمهور على القول بخلوّ الزمان عن مجتهد، ولله الأمر يفعل ما يشاء. (فَضَلُّوا)؛ أي: في أنفسهم، من الضلال، (وَأَضَلُّوا»)؛ أي: غيرهم ممن يقلّدهم رأيهم الفاسد، وهو من الإضلال. [فإن قلت]: الضلال متقدّم على الإفتاء، فما معنى الفاء؟. [أجيب]: بأن المجموع من الضلال والإضلال هو متعقّب على الإفتاء، وإن كان الجزء الأول مقدّمًا عليه؛ إذ الإضلال الذي بعد الإفتاء غير الضلال الذي قبله. [فإن قلت]: الإضلال ظاهر، وأما الضلال فإنما يلزم أن لو عَمِل بما أفتى، وقد لا يَعمَل به. [أجيب]: بأن إضلاله لغيره ضلال له، عَمِل بما أفتى أو لم يَعمَل. قاله في «العمدة» ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه. [تنبيه]: قال في «الفتح» ما حاصله: قال الدارقطنيّ: لم يرو عن مالك هذا الحديث في «الموطإ» إلا مَعْن بن عيسى، وراه أصحاب مالك، كابن وهب وغيره عن مالك خارج «الموطإ»، وأفاد ابن عبد البر أن سليمان بن يزيد رواه أيضًا في «الموطإ». والله أعلم. قال الحافظ: وقد اشتَهَر هذا الحديث من رواية هشام بن عروة، فوقع لنا من رواية أكثر من سبعين نفسًا عنه، من أهل الحرمين، والعراقين، والشام، وخُرَاسان، ومصر، وغيرها، ووافقه على روايته عن أبيه عروةَ: أبو الأسود المدني، وحديثه في «الصحيحين»، والزهريّ وحديثه في النسائيّ، ويحيى بن أبي كثير وحديثه في «صحيح أبي عوانة»، ووافق أباه على روايته عن عبد الله بن عمرو: عُمَر بن الحكم بن ثوبان، وحديثه في مسلم. انتهى . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٦٧٧٢ و٦٧٧٣ و٦٧٧٤ و٦٧٧٥] (٢٦٧٣)، و(البخاريّ) في «العلم» (١٠٠) و«الاعتصام» (٧٣٠٧) وفي «خلق أفعال العباد» (٤٧)، و(الترمذيّ) في «العلم» (٢٦٥٢)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥٩٠٧)، و(ابن ماجه) في «المقدّمة» (٥٢)، و(ابن المبارك) في «مسنده» (١/ ١٥)، و(معمر) في «جامعه» (١١/ ٢٥٦)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (١١/ ٢٥٦)، و(الطيالسيّ) في «مسنده» (٢٢٩٢)، و(الحميديّ) في «مسنده» (٥٨١)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٧/ ٥٠٥)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ١٦٢ و١٩٠ و٢٠٣)، و(الدارميّ) في «سننه» (٢٤٥)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٥٧١ و٦٧١٩ و٦٧٢٣)، و(الطبرانيّ) في «الأوسط» (١/ ٢١) و«الصغير» (١/ ٢٧٩)، و(ابن الجعد) في «مسنده» (١/ ٣٩٢)، و(البزّار) في «مسنده» (٦/ ٤٠٠ و٤٠٢)، و(القضاعيّ) فسي «مسند الشهاب» (٢/ ١٦٢)، و(ابن عبد البرّ) في «جامع بيان العلم وفضله» (١/ ١٤٨ - ١٤٩)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (١٤٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه الحثَّ على حفظ العلم والاشتغال به. ٢ - (ومنها): أن الفتوى هي الرئاسة الحقيقيّة، وذمّ من يُقْدِم عليها بغير علم. ٣ - (ومنها): التحذير عن اتّخاذ الْجُهّال رؤساء. ٤ - (ومنها): وجوب اجتناب الرأي والقياس، وهو محمول على الرأي المذموم، كما سيأتي بيانه في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-. ٥ - (ومنها): أن فيه دلالةً للقائلين بجواز خلوّ الزمان عن المجتهد، على ما هو مذهب الجمهور، خلافًا للحنابلة. ومسألة خلوّ الزمان عن المجتهد مشهورة في كتب الأصول، وحاصلها أن الجمهور يَرَوْن جوازه، وخالف في ذلك الحنابلة، وذهب العلامة ابن دقيق العيد إلى أنه لا يجوز ما لم تأت أشراط الساعة الكبرى، كطلوع الشمس من مغربها، فإذا أتت جاز الخلوّ عنه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله ابن دقيق العيد هو الأرجح؛ للحديث الآتي. ثم على القول بالجواز أنه لم يثبُت وقوعه، وقيل: يقع؛ لحديث «الصحيحين»: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقّ حتى يأتي أمر الله»؛ أي: الساعة، والمراد به: إتيان الأشراط المذكورة. ودليل الوقوع: حديث الباب المتّفق عليه، وحديث البخاريّ: «إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم، وَيثبُت الجهل»، والمراد برفع العلم: قَبْض أهله. قال الجامع: لا خلاف بين الأحاديث؛ إذ هي على معنى واحد، وهو أن المراد بالحديثين الأخيرين: عند قرب الساعة، فيكونان بمعنى الحديث الأول؛ أي: أن قبض العلم ورفعه يكون عند قرب الساعة بظهور أشراطها المذكورة، والله تعالى أعلم. وإلى ما ذُكر أشار السيوطيّ رحمه الله تعالى: جَازَ خُلُوُّ الْعَصْرِ عَنْ مُجْتَهِدِ … وَمُطْلَقًا يَمْنَعُ قَوْمُ أَحْمَدِ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ لَا إِنْ أَتَتِ … أَشْرَاطُهَا وَالْمُرْتَضَى لَمْ يَثْبُتِ وقال في «الفتح»: استُدِلّ بهذا الحديث على جواز خلو الزمان عن مجتهد، وهو قول الجمهور، خلافًا لأكثر الحنابلة وبعضٍ من غيرهم؛ لأنه صريح في رَفْع العلم بقبض العلماء، وفي ترئيس أهل الجهل، ومن لازِمه الحكم بالجهل، وإذا انتفى العلم، ومن يحكم به استلزم انتفاء الاجتهاد، والمجتهد. وعورض هذا بحديث: «لا تزال طائفة من أمتي، ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله»، وفي لفظ: «حتى تقوم الساعة، أو حتى يأتي أمر الله»، وفي رواية مسلم: «ظاهرين على الحقّ حتى يأتي أمر الله»، ولم يشك وهو المعتمَد. وأجيب أوّلًا بأنه ظاهر في عدم الخلوّ، لا في نفي الجواز، وثانيًا بأن الدليل للأول أظهر؛ للتصريح بقبض العلم تارةً، وبرفعه أخرى، بخلاف الثاني، وعلى تقدير التعارض فيبقى أن الأصل عدم المانع. قالوا: الاجتهاد فرض كفاية، فيستلزم انتفاؤه الاتفاق على الباطل. وأجيب بأن بقاء فرض الكفاية مشروط ببقاء العلماء، فأما إذا قام الدليل على انقراض العلماء فلا؛ لأن بفقدهم تنتفي القدرة، والتمكن من الاجتهاد، وإذا انتفى أن يكون مقدورًا لم يقع التكليف به، هكذا اقتصر عليه جماعة. قال: وقد تقدم -يعني: عند البخاريّ- في «باب تغيّر الزمان حتى تُعبد الأوثان»، في أواخر «كتاب الفتن» ما يشير إلى أن محل وجود ذلك عند فَقْد المسلمين بهبوب الريح التي تَهُبّ بعد نزول عيسى ﵇، فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من الإيمان إلا قبضته، ويبقى شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة، وهو بمعناه عند مسلم، كما بيّنته هناك، فلا يَرِدُ اتفاق المسلمين على تَرْك فرض الكفاية، والعمل بالجهل؛ لعدم وجودهم، وهو المعبَّر عنه بقوله: «حتى يأتي أمر الله»، وأما الرواية بلفظ: «حتى تقوم الساعة» فهي محمولة على إشرافها بوجود آخر أشراطها، ويؤيده ما أخرجه أحمد، وصححه الحاكم، عن حذيفة، رفعه: «يَدْرُس الإسلام كما يَدْرُس وشي الثوب»، إلى غير ذلك من الأحاديث. وجوّز الطبريّ أن يضمَر في كل من الحديثين المحلّ الذي تكون فيه تلك الطائفة، فالموصوفون بشرار الناس الذين يبقَون بعد أن تقبض الريح من تقبضه يكونون مثلًا ببعض البلاد، كالمشرق الذي هوأصل الفتن، والموصوفون بأنهم على الحقّ يكونون مثلًا ببعض البلاد، كبيت المقدس؛ لقوله في حديث معاذ: «إنهم بالشام»، وفي لفظ: «ببيت المقدس». قال الحافظ: وما قاله وإن كان محتمَلًا يردّه قوله في حديث أنس في «صحيح مسلم»: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله»، إلى غير ذلك من الأحاديث، والله أعلم. ويمكن أن تنزل هذه الأحاديث على الترتيب في الواقع، فيكون أولًا رفع العلم بقبض العلماء المجتهدين الاجتهاد المطلق، ثم المقيّد ثانيًا، فإذا لم يبق مجتهد استووا في التقليد، لكن ربما كان بعض المقلدين أقرب إلى بلوغ درجة الاجتهاد المقيّد من بعض، ولا سيما إن فرّعنا على جواز تجزيء الاجتهاد، ولكن لغلبة الجهل يقدّم أهل الجهل أمثالهم، وإليه الإشارة بقوله: «اتخذ الناس رؤساء جهالًا»، وهذا لا ينفي ترئيس بعض من لم يتصف بالجهل التامّ، كما لا يمتنع ترئيس من يُنسب إلى الجهل في الجملة في زمن أهل الاجتهاد. وقد أخرج ابن عبد البرّ في كتاب العلم، من طريق عبد الله بن وهب، سمعت خلاد بن سلمان الحضرميّ يقول: حدّثنا دَرّاج أبو السمح يقول: يأتي على الناس زمان يُسمّن الرجل راحلته حتى يسير عليها في الأمصار، يلتمس من يفتيه بسُنّة، قدعمل بها، فلا يجد إلا من يفتيه بالظنّ. فيُحمَل على أن المراد: الأغلب الأكثر في الحالين، وقد وُجد هذا مشاهدًا، ثم يجوز أن يقبض أهل تلك الصفة، ولا يبقى إلا المقلد الصِّرْف، وحينئذ يتصور خلو الزمان عن مجتهد، حتى في بعض الأبواب، بل في بعض المسائل، ولكن يبقى من له نسبة إلى العلم في الجملة، ثم يزداد حينئذ غلبة الجهل، وترئيس أهله، ثم يجوز أن يقبض أولئك، حتى لا يبقى منهم أحد، وذلك جدير بأن يكون عند خروج الدجال، أو بعد موت عيسى ﵇، وحينئذ يُتصوّر خلو الزمان عمن يُنسب إلى العلم أصلًا، ثم تَهُبّ الريح، فتقبض كل مؤمن، وهناك يتحقق خلوّ الأرض عن مسلم فضلًا عن عالم، فضلًا عن مجتهد، ويبقى شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة، والعلم عند الله تعالى. انتهى ما في «الفتح» ، وهو بحثٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم. ٦ - (ومنها): أن الداوديّ قال: هذا الحديث خرج مخرج العموم، والمراد به الخصوص؛ لقوله - ﷺ -: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقّ حتى يأتي أمر الله»، ويقال: هذا بعد إتيان أمر الله تعالى، إن لم يُفسّر إتيان الأمر بإتيان القيامة، أو عدم بقاء العلماء إنما هو في بعض المواضع كما في بيت المقدس مثلًا، إن فسَّرناه به، فيكون محمولًا على التخصيص جمعًا بين الأدلّة. ٧ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى: هذا الحديث بيّن كيفيةَ رفع العلم، وظهور الجهل، وهو نصّ في أن رفع العلم لا يكون بمحوه من الصدور، بل بموت العلماء، وبقاء الجهّال الذين يتعاطون مناصب العلماء في الفتيا والتعليم، يُفتون بالجهل، ويُعلّمونه، فينتشر الجهل، ويظهر، وقد ظهر ذلك، ووُجد على نحو ما أخبر - ﷺ -، فكان ذلك دليلًا من أدلّة نبوّته، وخصوصًا في هذه الأزمان، إذ قد وَليَ المدارس والفتيا كثيرٌ من الجهّال والصبيان، وحُرِمها أهل ذلك الشأن. انتهى ، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في تقسيم الرأي على ثلاثة أقسام: قال الإمام ابن القيّم ﵀ في كتابه النافع «إعلام الموقّعين عن ربّ العالمين»: الرأي ثلاثة أقسام: رأي باطل بلا ريب، ورأي صحيح، ورأي هو موضع الاشتباه، والأقسام الثلاثة قد أشار إليها السلف، فاستعملوا الرأي الصحيح، وعملوا به، وأفتَوْا به، وسوّغوا القول به، وذمّوا الباطل، ومنعوا من العمل والفتيا والقضاء به، وأطلقوا ألسنتهم بذمّه وذمّ أهله. والقسم الثالث سوّغوا العمل والفتيا والقضاء به عند الاضطرار إليه، حيث لا يُوجد منه بدٌّ، ولم يُلزموا أحدًا العمل به، ولم يُحرّموا مخالفته، ولا جعلوا مخالفه مخالفًا للدين، بل غايته أنهم خَيَّروا بين قبوله وردّه، فهو بمنزلة ما أُبيح للمضطرّ من الطعام والشراب الذي يَحرُم عند عدم الضرورة إليه، كما قال الإمام أحمد: سألت الشافعيّ عن القياس، فقال لي: عند الضرورة. وكان استعمالهم لهذا النوع بقَدْر الضرورة، لم يُفْرِطُوا فيه، ويُفَرّعوه، ويولّدوه، ويوسّعوه كما صنع المتأخّرون بحيث اعتاضوا به عن النصوص والآثار، وكان أسهل عليهم من حفظها، كما يوجد كثير من الناس يَضبط قواعد الإفتاء لصعوبة النقل عليه، وتعسّر حفظه، فلم يَتَعَدَّوا في استعماله قَدْر الضرورة، ولم يَبْغُوا العدول إليه مع تمكّنهم من النصوص والآثار، كما قال تعالى في المضطرّ إلى الطعام المحرّم: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]، فالباغي: الذي يبتغي الميتة مع قدرته على التوصّل إلى المذكّى، والعادي: الذي يتعدّى قدرَ الحاجة بأكملها. فالرأي الباطل أنواع: [أحدها]: الرأي المخالف للنّصّ، وهذا مما يُعلم بالاضطرار من دين الإسلام فساده وبطلانه، ولا تحلّ الفُتيا به ولا القضاء، وإن وقع فيه مَن وقع بنوع تأويل وتقليد. [النوع الثاني]: هو الكلام في الدِّين بالْخَرْص والظنّ، مع التفريط والتقصير في معرفة النصوص، وفهمِها، واستنباط الأحكام منها، فإن مَن جهلها، وقاس برأيه فيما سُئل عنه بغير علم، بل لمجرّد قَدْر جامع بين الشيئين أُلحق أحدهما بالآخر، أو لمجرّد قدر فارقٍ يراه بينهما يُفرّق بينهما في الحكم، من غير نظر إلى النصوص والآثار، فقد وقع في الرأي المذموم الباطل فضلّ وأضلّ. [النوع الثالث]: الرأي المتضمّن تعطيل أسماء الربّ وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهلُ البدع والضلال، من الْجَهْميّة، والمعتزلة، والقَدَريّة، ومن ضاهاهم، حيث استعمل أهله قياساتهم الفاسدة، وآراءهم الباطلة، وشُبَههم الداحضة في ردّ النصوص الصحيحة الصريحة، فردّوا لأجلها ألفاظ النصوص التي وجدوا السبيل إلى تكذيب رُواتها وتخطئتهم، ومعاني النصوص التي لم يجدوا إلى ردّ ألفاظها سبيلًا، فقابلوا النوع الأول بالتكذيب، والنوع الثاني بالتحريف والتأويل، فأنكروا لذلك رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، وأنكروا كلامه، وتكليمه لعباده، وأنكروا مُباينته للعالم، واستواءه على عرشه، وعُلُوّه على المخلوقات، وعموم قدرته على كل شيء، بل أخرجوا أفعال عباده من الملائكة والأنبياء والجنّ والإنس عن تعلّق قدرته ومشيئته وتكوينه لها، ونَفَوا لأجلها حقائق ما أخبر به ﷾ عن نفسه، وأخبر به رسوله - ﷺ - من صفات كماله، ونعوت جلاله، وحَرَّفوا لأجلها النصوص عن مواضعها، وأخرجوها عن معانيها وحقائقها بالرأي المجرّد الذي حقيقته أنه ذُبالة الأذهان، ونُخالة الأفكار، وعُفارة الآراء، ووساوس الصدور، فملؤوا به الأوراق سوادًا، والقلوب شكوكًا، والعالم فسادًا. وكلُّ من له مُسكة من عقل يَعلَم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استَحكَم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استَحكَم هلاكه، ولا أمّة إلا فسد أمرُها أتمّ فساد، فلا إله إلا الله كم نُفي بهذه الآراء من حقّ، وأُثبت بها من باطل، وأُميت بها من هُدى، وأُحيي بها من ضلالة؟ وكم هُدم بها من مَعْقِل الإيمان، وعُمِّر بها من دِين الشيطان؟ وأكثر أصحاب الجحيم هم أهل هذه الآراء الذين لا سَمْع لهم ولا عقل، بل هم شرّ من الْحُمُر، وهم الذين يقولون يوم القيامة: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَو نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]. [النوع الرابع]: الرأي الذي أُحدثت به البدع، وغُيّرت به السنن، وعَمَّ البلاء، وتربّى عليه الصغير، وهَرِمَ فيه الكبير. فهذه الأنواع الأربعة من الرأي الذي اتّفق سلف الأمة، وأئمتها على ذمّه، وإخراجه من الدِّين. [النوع الخامس]: ما ذكره أبو عمر بن عبد البرّ عن جمهور أهل العلم، أن الرأي المذموم في هذه الآثار عن النبيّ - ﷺ -، وعن أصحابه والتابعين - ﵃ - أنه القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظنون، والاشتغال بحفظ المعضلات والأغلوطات، وردّ الفروع والنوازل بعضها على بعض قياسًا، دون ردّها على أصولها، والنظر في عللها واعتبارها، فاستعمل فيها الرأي قبل أن ينزل، وفُرِّعت، وشُقِّقت قبل أن تقع، وتكلّم فيها قبل أن تكون بالرأي المضارع للظنّ، قالوا: وفي الاشتغال بهذا، والاستغراق فيه تعطيل السنن، والبعث على جهلها، وتَرْك الوقوف على ما يلزم الوقوف عليه منها، ومن كتاب الله ﷿ ومعانيه، واحتجّوا على ما ذهبوا إليه بأشياء . ثم ذكر من طريق أسد بن موسى، ثنا شريك، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عمر، قال: «لا تسألوا عما لم يكن، فإني سمعت عمر يَلعَن مَن يسأل عما لم يكن» . ثم ذكر من طريق أبي داود، ثنا إبراهيم بن موسى الرازيّ، ثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعيّ، عن عبد الله بن سعد، عن الصُّنابحيّ، عن معاوية أن النبيّ - ﷺ - «نهى عن الأُغلوطات» . وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعيّ بإسناده مثله، وقال: فسّره -يعني: صِعاب المسائل -. وقال الوليد بن مسلم عن الأوزاعيّ، عن عبد الله بن سعد، عن عبادة بن نُسيّ، عن الصنابحيّ، عن معاوية بن أبي سفيان أنهم ذكروا المسائل عنده، فقال: أما تعلمون أن رسول الله - ﷺ - نهى عن عُضَل المسائل؟ . واحتجّوا أيضًا بحديث سهل بن سعد - ﵄ - وغيره أن رسول الله - ﷺ - كره المسائل وعابَها . وأنه -ﷺ- قال: «إن الله ﷿ كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال» . وأخرج بسنده عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن مالك، عن الزهريّ، عن سهل بن سعد قال: «لعن رسول الله - ﷺ - المسائل وعابها» . وأخرج أيضًا عن الأوزاعيّ، عن عبدة بن أبي لبابة قال: «وددتُ أن أحظى من أهل الزمان أن لا أسألهم عن شيء، ولا يسألوني عن شيء، يتكاثرون بالمسائل كما يتكاثر أهل الدراهم بالدراهم» . وأخرج أيضًا عن إسماعيل بن عيّاش، ثنا شُرحبيل بن مسلم، أنه سمع الحجاج بن عامر الثُّماليّ -وكان من أصحاب رسول الله ﷺأن رسول الله - ﷺ - قال: «إياكم وكثرة السؤال» . قال: وفي سماع أشهب: سئل مالك عن قول رسول الله - ﷺ -: «أنهاكم عن قيل وقال، وكثرة السؤال»، فقال: أما كثرة السؤال فلا أدري أهو ما أنتم فيه مما أنهاكم عنه من كثرة المسائل؟ فقد كره رسول الله - ﷺ - المسائل وعابها، وقال الله ﷿: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، فلا أدري أهو هذا أم السؤال في مسألة الناس في الاستعطاف؟. واحتجّوا أيضًا بما رواه ابن شهاب، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، أنه سمع أباه يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «أعظم المسلمين في المسلمين جُرمًا من سأل عن شيء لم يُحرّم على المسلمين، فحرّم عليهم من أجل مسألته» . وقد جاء ذمّ الرأي في كلام السلف ﵏، فقد سئل الشعبيّ - وهو من كبار التابعين، وقد أدرك مائة وعشرين من الصحابة، وأخذ عن معظمهم - عن مسألة من النكاح، فقال للسائل: إن أخبرتك برأي، فبُلْ عليه. وعنه قال: ما جاءكم به هؤلاء من أصحاب رسول الله - ﷺ - فخذوه، وما كان من رأيهم فاطرحوه في الْحُشّ . وعن عمرو بن دينار، قال: قيل لجابر بن زيد: إنهم يكتبون ما يسمعون منك، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، يكتبونه وأنا أرجع عنه غدًا. وعن ابن عيينة قال: اجتهاد الرأي هو مشاورة أهل العلم، لا أن يقوله هو برأيه. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الناس: أنه لا رأي لأحد مع سنة سنّها رسول الله - ﷺ -. وعن أبي نضرة قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول للحسن البصريّ: بلغني أنك تفتي برأيك، فلا تُفت برأيك إلا أن يكون سنّة عن رسول الله - ﷺ -. وعن أبي وائل قال: إياك ومجالسة من يقول: أرأيت أرأيت. وعن ابن شهاب قال: دَعُوا السُّنَّة تمضي، لا تَعَرَّضُوا لها بالرأي. وعنه قال -وهو يذكر ما وقع فيه الناس من هذا الرأي، وتَرْكهم السنن-: إن اليهود والنصارى إنما انسلخوا من العلم الذي بأيديهم حين اتّبعوا الرأي، وأخذوا فيه. وسأل رجل سالم بن عبد الله بن عمر عن شيء، فقال: لم أسمع في هذا شيئًا، فقال له الرجل: فأخبرني -أصلحك الله- برأيك، فقال: لا، ثم أعاد عليه، فقال: إني أرضى برأيك، فقال سالم: إني لعلّي إن أخبرتك برأيي، ثم تذهب فأرى بعد ذلك رأيًا غيره، فلا أجدك. وقال البخاريّ: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسيّ، ثنا مالك بن أنس، قال: كان ربيعة يقول لابن شهاب: إن حالي ليس يُشبه حالك، أنا أقول برأيي، من شاء أخذه، وعمل به، ومن شاء تركه. وقال الفريابيّ: ثنا أحمد بن إبراهيم الدَّورقيّ قال: سمعت عبد الرحمن بن مهديّ يقول: سمعت حماد بن زيد يقول: قيل لأيوب السختيانيّ: ما لك لا تنظر في الرأي؟ فقال أيوب: قيل للحمار: ما لك لا تَجْتَرُّ؟ قال: أكره مَضْغ الباطل. وقال الفريابيّ: ثنا العباس بن الوليد بن مَزْيَد، أخبرني أبي قال: سمعت الأوزاعيّ يقول: عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال، وإن زخرفوا لك القول. وقال أبو زرعة: ثنا أبو مسهر، قال: كان سعيد بن عبد العزيز إذا سئل لا يُجيب حتى يقول: لا حول ولا قوّة إلا بالله، هذا الرأي، والرأي يُخطئ ويُصيب. وقد روى أبو يوسف والحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال: عِلمنا هذا رأي، وهوأحسن ما قَدَرنا عليه، ومن جاءنا بأحسن منه قبلناه منه. وقال الطحاويّ: ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، ثنا أشهب بن عبد العزيز، قال: كنت عند مالك، فسئل عن الْبَتّة، فأخذت ألواحي لأكتب ما قال، فقال لي مالك: لا تفعل، فعسى في العشيّ أقول: إنها واحدة. وقال معن بن عيسى القزّاز: سمعت مالكًا يقول: إنما أنا بشرٌ أُخطئ وأُصيب، فانظروا في قولي، فكلُّ ما وافق الكتاب والسُّنَّة فخذوا به، وما لم يوافق الكتاب والسُّنَّة فاتركوه. قال ابن القيّم ﵀: فرضي الله عن أئمة الإسلام، وجزاهم عن نصيحتهم خيرًا، ولقد امتثل وصيّتهم وسلك سبيلهم أهل العلم والدِّين من أتباعهم. وأما المتعصّبون فإنهم عكسوا القضيّة، ونظروا في السُّنَّة، فما وافق أقوالهم منها قبِلُوه، وما خالفها تحيّلوا في ردّه، أو ردّ دلالته، وإذا جاء نظير ذلك، أو أضعف منه سندًا ودلالةً، وكان يوافق قولهم قبِلوه، ولم يستجيزوا ردّه، واعترضوا به على منازِعهم، وأشاحوا، وقرّروا الاحتجاج بذلك السند ودلالته، فإذا جاء ذلك السند بعينه، أوأقوى منه، ودلالته كدلالة ذلك، أو أقوى منه في خلاف قولهم دفعوه، ولم يقبلوه. وقال بقيّ بن مخلد: ثنا سحنون والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك أنه كان يكثر أن يقول: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]. وقال القعنبيّ: دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه، فسلّمت عليه، ثم جلست، فرأيته يبكي، فقلت له: يا أبا عبد الله ما الذي يبكيك؟ فقال لي: يا ابن قعنب وما لي لا أبكي؟ ومن أحقّ بالبكاء منّي؟ والله لوددتُ أني ضُربت بكل مسألة أفتيت فيها بالرأي سَوْطًا، وقد كانت لي السعة فيما قد سُبقتُ إليه، وليتني لم أُفتِ بالرأي. وقال ابن أبي داود: ثنا أحمد بن سنان قال: سمعت الشافعيّ يقول: مَثلُ الذي ينظر في الرأي، ثم يتوب منه مثل المجنون الذي عُولج حتى برئ، فأُعقل ما يكون قد هاج به. وقال ابن أبي داود: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: لا تكاد ترى أحدًا نظر في الرأي إلا وفي قلبه دَغَل . وقال عبد الله بن أحمد أيضًا: سمعت أبي يقول: الحديث الضعيف أحبّ إليّ من الرأي، فقال عبد الله: سألت أبي عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيه إلا صاحب حديث لا يَعرِف صحيحه من سقيمه، وأصحاب رأي، فتنزل به النازلة، فقال أبي: يسأل أصحاب الحديث، ولا يسأل أصحاب الرأي، ضعيف الحديث أقوى من الرأي. قال ابن القيّم: وأصحاب أبي حنيفة ﵀ مُجمِعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أَولى من القياس والرأي، وعلى ذلك بَنَى مذهبه، كما قدّم حديث القهقهة مع ضَعفه على القياس والرأي، وقدّم حديث الوضوء بنبيذ التمر في السفر مع ضعفه على الرأي والقياس، ومنع قطع السارق بسرقة أقلّ من عشرة دراهم، والحديث فيه ضعيف، وجعل أكثر الحيض عشرة أيام، والحديث فيه ضعيف، وشَرَط في إقامة الجمعة المصرَ، والحديث فيه كذلك، وتَرَك القياس المحض في مسائل الآبار؛ لآثار فيها غير مرفوعة، فتقديم الحديث الضعيف، وآثار الصحابة على القياس والرأي قوله، وقول الإمام أحمد، وليس المراد بالحديث الضعيف في اصطلاح السلف هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين، بل ما يسمّيه المتأخّرون حسنًا قد يسميه المتقدّمون ضعيفًا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول ابن القيّم ﵀: إن مذهب أبي حنيفة تقديم الحديث الضعيف على القياس، ثم ذكر أمثلة على ذلك، محل نظر، فإنهم إذ قد فعلوا ذلك في الأمثلة المذكورة، فيا ليتهم وقفوا عليه، لكنهم يردّون الأحاديث الصحيحة بالقياس، كما فعلوا في حديث المصرّاة المتّفق عليه، وكالحديث المتفق عليه أيضًا: «لا صلاة إلا بأم القرآن»، وكحديث بيع العرايا، وكحديث تحريم الرجوع في الهبة إلا للوالد، وكحديث: «لا زكاة في حبّ ولا ثمر حتى يبلغ خمسة أوسق»، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة التي ردّوها بأنها تخالف القياس، وقد أجاد ابن القيّم حيث أورد نيّفًا وخمسين مثالًا لِمَا خالف فيه الحنفيّة وغيرهم الأحاديث الصحيحة، فراجعه تستفد ، وبالله تعالى التوفيق. وأيضًا قوله: وليس المراد بالحديث الضعيف هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين محل نظر، فإنه لا ينطبق على مذهب الحنفيّة، كما تشهد به الأحاديث التي أوردها ابن القيّم أمثلة لذلك، فإنها ضعيفة على اصطلاحهم، فتأملها بإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. قال: والمقصود أن السلف جميعهم على ذمّ الرأي والقياس المخالف للكتاب والسُّنَّة، وأنه لا يحلّ العمل به، لا فُتيا، ولا قضاءً، وأن الرأي الذي لا يُعلم مخالفته للكتاب والسُّنَّة ولا موافقته فغايته أن يسوغ العمل به عند الحاجة إليه، من غير إلزام، ولا إنكار على من خالفه. وأخرج الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ بسنده عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه قال [من الكامل]: دِينُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ آثَارُ … نِعْمَ الْمَطِيّةُ لِلْفَتَى الأَخْبَارُ لَا تُخْدَعَنَّ عَنِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ … فَالرَّأْيُ لَيْلٌ وَالْحَدِيثُ نَهَارُ وَلَرُبَّمَا جَهِلَ الْفَتَى طُرُقَ الْهُدَى … وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ لَهَا أَنْوَارُ ولبعض أهل العلم [من البسيط]: الْعِلْمُ قَالَ اللَّهُ قَالَ رَسُولُهُ … قَالَ الصَّحَابَةُ لَيْسَ خُلْفٌ فِيهِ مَا الْعِلْمُ نَصْبُكَ لِلْخِلَافِ سَفَاهَةً … بَيْنَ النُّصُوصِ وَبَيْنَ رَأْيِ سَفِيهِ كَلَّا وَلَا نَصْبُ الْخِلَافِ جَهَالَةً … بَيْنَ الرَّسُولِ وَبَيْنَ رَأْي فَقِيهِ كَلَّا وَلَا رَدُّ النُّصُوصِ تَعَمُّدًا … حَذَرًا مِنَ التَّجْسِيمِ وَالَتَّشْبِيهِ حَاشَا النُّصُوصَ مِنَ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ … مِنْ فِرْقَةِ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْوِيهِ قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت أنواع الرأي الباطل التي تقدّم بيانها في «التحفة المرضيّة»، فقلت: أَنْوَاعُ الرَّأْيِ الْبَاطِل أَحَدُهَا الرايُ الْمُخَالِفُ النُّصُوصْ … وَلَا نَرَى فَرِيقَهُ سِوَى اللُّصُوصْ بُطْلَانُهُ يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ … مِنْ دِينِ الإِسْلَامِ فَسِمْ بِفِرْيَةِ وَثَانِهَا الْكَلَامُ فِي الدِّينِ بِلَا … عِلْمٍ تَخَرُّصًا وَظَنًّا حُظِلَا مُقَصِّرًا فِي فَهْمِهِ النُّصُوصَا … مُسْتَعْمِلًا آرَاءَهُ خُصُوصَا ثَالِثُهَا الرَّأْيُ الَّذِي تَضَمَّنَا … تَعْطِيلَ أَسْمَاءِ الإِلَهِ عَلَنَا مُتَّبِعًا آرَاءَ أَهْلِ الْبِدَعِ … فِي رَدِّهِمْ نُصُوصَ شَرعٍ فَلْتَعِ فَقَابَلُوا النُّصُوصَ بِالتَّحْرِيفِ .. وَغَيَّرُوا الْمَعْنَى إِلَى السَّخِيفِ رَابِعُهَا الرَّأْيُ الَّذِي قَدْ أُحْدِثَتْ … الْبِدَعُ الَّتِي بِهِ قَدْ ثَبَتَتْ عَمَّ بِهِ الْبَلَا وَغُيِّرَ السُّنَنْ … جَنَّبَنَا إلَهُنَا كُلَّ الْفِتَنْ فَهَذِهِ الأَنْوَاعُ كُلُّهَا اتَّفَقْ … سَلَفُ الأمَّةِ بِذَمٍّ مَا أَحَقّ والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الخامسة): في بيان الرأي المحمود: (اعلم): أن الرأي المحمود أنواع: (الأول): رأي أفقه الأمة، وأبرّهم قلوبًا، وأعمقهم علمًا، وأقلّهم تكلّفًا، وأصحّهم قُصُودًا، وأكملهم فطرةً، وأتمّهم إدراكًا، وأصفاهم أذهانًا، الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وفهموا مقاصد الرسول - ﷺ -، فنسبة آرائهم وقُصُودهم إلى ما جاء به الرسول - ﷺ - كنسبتهم إلى صحبته، والفرق بينهم وبين من بعدهم في ذلك كالفرق بينهم وبينهم في الفضل، فنسبة رأي من بعدهم إلى رأيهم كنسبة قدرهم إلى قدرهم. قال الشافعيّ ﵀ في «رسالته البغداديّة» التي رواها عنه الحسن بن محمد الزعفرانيّ، وهذا لفظه: وقد أثنى الله ﵎ على أصحاب رسول الله - ﷺ - في القرآن، والتوراة، والإنجيل، وسَبَق لهم على لسان رسول الله - ﷺ - من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم الله، وهنّأهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصدّيقين والشهداء والصالحين، أدَّوا إلينا سُنَن رسول الله - ﷺ -، وشاهدوه، والوحي يَنزِل عليه، فعلِموا ما أراد رسول الله - ﷺ - عامًّا وخاصًّا، وعزمًا وإرشادًا، وعرفوا من سنّته ما عرفنا وجَهِلْنا، وهم فوقنا في كل علم، واجتهاد، وورَع، وعقلٍ، وأمر استُدرك به علم، واستُنبط به، وآراؤهم لنا أحمدُ، وأَولى بنا مِن رَأْينا عند أنفسنا، ومن أدرَكْنا ممن يُرضَى، أو حُكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله - ﷺ - فيه سُنَّة إلى قولهم إن اجتمعوا، أو قول بعضهم إن تفرّقوا، وهكذا نقول، ولم نخرج عن أقاويلهم، وإن قال أحدهم ولم يُخالفه غيره أخذنا بقوله. ولَمّا كان رأي الصحابة - ﵃ - عند الشافعيّ بهذه المثابة، قال في الجديد في «كتاب الفرائض» في ميراث الجدّ والإخوة: وهذا مذهبٌ تلقّيناه عن زيد بن ثابت، وعنه أخذنا أكثر الفرائض. وقال: والقياس عندي قتل الراهب لولا ما جاء عن أبي بكر - ﵁ -، فَتَرك صريح القياس لقول الصدّيق - ﵁ -. وقال في رواية الربيع عنه: والبدعة ما خالف كتابًا، أو سُنَّةً، أو أثرًا عن بعض أصحاب رسول الله - ﷺ -. فجعل ما خالف قول الصحابيّ بدعة. والمقصود: أن أحدًا ممن بعدهم لا يساويهم في رأيهم، وكيف يساويهم، وقد كان أحدهم يرى الرأي، فينزل القرآن بموافقته؟ كما رأى عمر - ﵁ - في أسارى بدر أن تُضرب أعناقهم، فنزل القرآن بموافقته، ورأى أن تُحجب نساء النبيّ - ﷺ -، فنزل القرآن بموافقته، ورأى أن يُتّخذ مقام إبراهيم مُصلّى، فنزل القرآن بموافقته، إلى غير ذلك من موافقاته. وقد قال سعد بن معاذ - ﵁ - لَمّا حكّمه النبيّ - ﷺ - في بني قريظة: إني أرى أن تَقتل مُقاتِلهم، وتَسبي ذرياتهم، وتغنم أموالهم، فقال النبيّ - ﷺ -: «لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع سماواته». متّفقٌ عليه. ولَمّا اختلفوا إلى ابن مسعود - ﵁ - شهرًا في الْمُفَوِّضة قال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمنّي ومن الشيطان، والله ورسوله بريء منه، أرى أن لها مهر نسائها، لا وَكْس ولا شَطَط، ولها الميراث، وعليها العدّة، فقام ناس من أشجع فقالوا: نشهد أن رسول الله - ﷺ - قضى في امرأة منّا، يقال لها: بَرْوَع بنت واشق مثلَ ما قضيت به، فما فرِحَ ابن مسعود - ﵁ - بشيء بعد الإسلام فَرَحه بذلك. حديث صحيح، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ وابن ماجه، وغيرهم. وحقيقٌ بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم خيرًا لنا مِن رَأْينا لأنفسنا، وكيف لا؟ وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نورًا وإيمانًا وحكمةً وعلمًا ومعرفة وفهمًا عن الله تعالى، ورسوله - ﷺ -، ونصيحةً للأمة، وقلوبهم على قلب نبيّهم، ولا واسطة بينهم وبينه، وهم يتلقّون العلم والإيمان من مشكاة النبوّة غَضًّا طريًّا لم يَشُبْهُ إشكال، ولم يَشُبْه خلاف، ولم تدنّسه معارضة، فقياس رأي غيرهم بآرائهم من أفسد القياس. (النوع الثاني من الرأي المحمود): الرأي الذي يُفسّر النصوص، ويُبيّن وجه الدلالة منها، ويقرّرها، ويوضّح محاسنها، ويُسهّل طريق الاستنباط منها، كما قال عبدان: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: ليكن الذي تعتمد عليه الأثر، وخذ من الرأي ما يُفسّر لك الحديث، وهذا هو الفهم الذي يختصّ الله ﷾ به من يشاء من عباده. ومثال هذا: رأي الصحابة - ﵃ - في العَوْل في الفرائض عند تزاحم الفروض، ورأيهم في مسألة زوج وأبوين، وامرأة وأبوين أن للأم ثلث ما بقي بعد فرض الزوجين، ورأيهم في توريث المبتوتة في مرض الموت، ورأيهم في مسألة جرّ الولاء، ورأيهم في المُحْرم يقع على أهله بفساد حجه، ووجوب المضيّ فيه، والقضاء، والهدي مِن قابل، ورأيهم في الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا، وقضتا، وَأطعمتا لكلّ يوم مسكينًا، ورأيهم في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر تصلّي المغرب والعشاء، وإن طهرت قبل الغروب صلّت الظهر والعصر، ورأيهم في الكَلالة، وغير ذلك. قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أنا عاصم الأحول، عن الشعبيّ قال: سئل أبو بكر عن الكلالة، فقال: إني سأقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمنّي ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد والولد . (النوع الثالث من الرأي المحمود): هو الرأي الذي تواطأت عليه الأمّة، وتلقّاه خلفهم عن سلفهم، فإن ما تواطؤوا عليه من الرأي لا يكون إلا صوابًا، كما تواطؤوا عليه من الرواية والرؤيا، وقد قال النبيّ - ﷺ - لأصحابه، وقد تعدّدت منهم رؤيا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر». متّفقٌ عليه، فاعتبر - ﷺ - تواطؤ رؤيا المؤمنين، فالأمة معصومة فيما تواطأت عليه من روايتها ورؤياها، ولهذا كان من سَدَاد الرأي وإصابته أن يكون شورى بين أهله، ولا ينفرد به واحد، وقد مدح الله ﷾ المؤمنين بكون أمرهم شورى بينهم، وكانت النازلة إذا نزلت بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - ليس عنده فيها نصّ عن الله ﷾، ولا عن رسوله - ﷺ - جَمَع لها أصحاب رسول الله - ﷺ -، ثم جعلها شُورى بينهم. قال البخاريّ: حدّثنا سُنيد، ثنا يزيد، عن العوّام بن حَوْشَب، عن المسيّب بن رافع قال: كان إذا جاء الشيء من القضاء ليس في الكتاب، ولا في السُّنَّة، سُمِّي صوافي الأمراء ، فيُرفع إليهم، فجُمع له أهل العلم، فما اجتمع عليه رأيهم فهو الحقّ . (الرابع من الرأي المحمود): الاجتهاد بالرأي على ضوء الكتاب والسُّنَّة، ورأي الصحابة، وذلك يكون بعد طلب علم الواقعة من القرآن، فإن لم يجدها ففي السُّنَّة، فإن لم يجدها في السُّنَّة، فبما قضى به الخلفاء الراشدون، أو اثنان منهم، أو واحد، فإن لم يجده فبما قاله واحد من الصحابة - ﵃ -، فإن لم يجده اجتهد رأيه، ونظر إلى أقرب ذلك من كتاب الله، وسنّة رسوله - ﷺ -، وأقضية أصحابه - ﵃ -، فهذا هو الرأي الذي سوّغه الصحابة، واستعملوه، وأقرّ بعضهم بعضًا عليه. قال عليّ بن الجعد: أنبأنا شعبة عن سيّار، قال: أخذ عمر - ﵁ - فرسًا من رجل على سَوْم، فحَمَل عليه، فعطِبَ، فخاصمه الرجل، فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلًا، فقال الرجل: إني أرضى بشُريح العراقيّ، فقال شريح: أخذتَه صحيحًا سليمًا، فأنت ضامنٌ حتّى تردّه صحيحًا سليمًا، قال: فكأنه أعجبه، فبعثه قاضيًا، وقال: ما استبان لك من كتاب الله فلا تسأل عنه، فإن لم تَسْتَبِن في كتاب الله فمن السُّنَّة، فإن لم تجده في السُّنَّة فاجتهد رأيك. وقال أبو عبيد: ثنا كثير بن هشام، عن جعفر بن بُرْقان، وقال أبو نُعيم: عن جعفر بن بُرقان، عن معمر البصريّ، عن أبي الْعَوّام، وقال سفيان بن عيينة: ثنا إدريس أبو عبد الله بن إدريس، قال: أتيت سعيد بن أبي بُردة، فسألته عن رُسُل عمر بن الخطّاب - ﵁ - التي كان يكتب بها إلى أبي موسى الأشعريّ - ﵁ -، وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بُردة، فأخرج إليه كتُبًا، فرأيت في كتاب منها. رجعنا إلى حديث أبي العوّام، قال: كتب عمر إلى أبي موسى: «أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة، وسُنّةٌ متّبعة، فافهم إذا أُدْلِي إليك، فإنه لا ينفع تكلّم بحقّ لا نفاذ له، آسِ الناسَ في مجلسك، وفي وجهك، وقضائك، حتى لا يطمع شريفٌ في حَيْفك، ولا يَيْأس ضعيف من عَدْلك، البيِّنة على المدّعي، واليمين على من أنكر، والصلح جائزٌ بين المسلمين، إلا صُلحًا أحلّ حرامًا، أو حرّم حلالًا، ومن ادّعى غائبًا، أو بيّنةً فاضرب له أمدًا ينتهي إليه، فإن بيّنه أعطيتَه بحقّه، وإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضيّة، فإن ذلك هو أبلغ في العذر، وأجلى للعماء، ولا يمنعنّك قضاءٌ قضيتَ فيه اليومَ، فراجعت فيه رأيك، فهُديتَ فيه لرُشدك أن تراجع فيه الحقّ، فإن الحقّ قديم لا يُبطله شيء، ومراجعة الحقّ خيرٌ من التمادي في الباطل، والمسلمون عُدُولٌ بعضهم على بعض، إلا مجرَّبًا عليه شهادة زور، أو مجلودًا في حدّ، أو ظَنينًا في ولاء، أو قرابة، فإن الله تعالى تولّى من العباد السرائر، وسَتَر عليهم الحدود إلا بالبيّنات والأيمان، ثم الفَهْمَ الْفَهْمَ فيما أدلى إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن، ولا سُنَّة، ثم قايِس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثالَ، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبّها إلى الله، وأشبهها بالحق، وإياك والغضبَ، والْقَلَقَ، والضجَرَ، والتأذّي بالناس، والتنكّر عند الخصومة، أو الخصوم -شكّ أبو عبيد- فإن القضاء في مواطن الحقّ مما يوجب الله به الأجر، ويُحسن به الذِّكر، فمن خلصت نيّته في الحقّ ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزيّن بما ليس في نفسه شأنه الله، فإن الله تعالى لا يَقبَلُ من العباد إلا ما كان خالصًا، فما ظنّك بثواب عند الله في عاجل رزقه، وخزائن رحمته. والسلام عليك ورحمة الله». قال أبو عبيد: فقلت لكثير: هل أسنده جعفر؟ قال: لا . قال ابن القيّم ﵀: وهذا كتاب جليلٌ تلقّاه العلماء بالقبول، وبَنَوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتي أحوجُ شيء إليه، وإلى تأمّله، والتفقّه فيه. انتهى . وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيسٌ. قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت أنواع الرأي المحمود التي تقدّمت بيانها في«التحفة المرضيّة» أيضًا، فقلت: أَنْوَاعُ الرَّأْيِ الْمَحْمُودِ أَحَدُهَا رَأْيُ الصَّحَابَةِ الْكِرَامْ … أَفْقَهُ الأمَّةِ وَقُدْوَةُ الأَنَامْ أَبَرُّهَا قَلْبًا أَقَلُّ تَكْلِفَهْ … قَدْ شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ أَهْلُ مَعْرِفَهْ وَعَرَفُوا تَأْوِيلَهُ وَفَهِمُوا … مَقَاصِدَ الشَّرْعِ وَنِعْمَ الْمَغْنَمُ فَرَأْيُهُمْ خَيْرٌ لَنَا مِنْ رَأْيِنَا … وَكَيْفَ لَا وَقَدْ أَتَانَا عَلَنَا أَيْ مِنْ قُلُوبٍ مُلِئَتْ إِيمَانَا … وَحِكَمًا وَاتَّسَعَتْ إِيقَانَا قُلُوبُهُمْ قَلْبً النَّبِيِّ شَاكَلَتْ … وَسَائِطُ الْعُلُومِ عَنْهُمْ رُفِعَتْ فَنَقَلُوا غَضًّا طَرِيًّا لَمْ يُشَبْ … بِمَا يُدَنِّسُ نَقَاهُ مِنْ رِيَبْ وَثَانِهَا الرَّأْيُ الَّذِي تُفَسَّرُ … بِهِ النّصوصُ غَوْرُهَا يُبَعْثَرُ ثَالِثُهَا الرَّأْيُ الَّذِي قَدْ أَجْمَعُوا … عَلَيْهِ فَاكْتَسَى صَوَابًا يُقْطَعُ رَابِعُهَا الرَّأْيُ الَّذِي أَتَاكَ مِنْ … بُعَيْدِ بَحْثِكَ الشَّدِيدِ الْمُطْمَئِنّ مِنَ الْكِتَابِ ثُمَّ سُنَّةٍ فَمَا … الْخُلَفَا قَضَاؤُهُمْ بِهِ سَمَا ثُمَّ بِمَا قَالَ الصّحَابُ الْبَرَرَهْ … فَأَنْتَ بَعْدَ ذَا تَرَى مَا الْخِيَرَهْ؟ وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٧٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي: ابْنَ زبدٍ - (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثنا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، وَأَبُو أُسَامَةَ، وابْنُ نُمَيْرٍ، وَعَبْدَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّئنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ (ح) وَحَدَّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أخْبَرَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاج، كلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ: ثُمَّ لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، عَلَى رَأْسِ الْحَوْل، فَسَأَلْتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْنَا الْحَدِيثَ، كَمَا حَدَّثَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ). رجال هذا الإسناد: خمسة وعشرون: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ) سليمان بن داود الزهرانيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) أبو إسماعيل البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٣ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (عَبَّادُ بْنُ عَبَّادِ) بن حبيب بن الْمُهَلَّب بن أبي صُفْرة الأزديّ المهلّبيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقة ربّما وَهِم [٧] (ت ١٧٩) أو بعدها بسنة (ع) تقدم في «الإيمان» ٦/ ١٢٤. ٥ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، تقدّم قريبًا. ٦ - (ابْنُ إِدْرِيسَ) هو: عبد الله بن إدريس الأوديّ الكوفيّ، تقدّم قبل أربعة أبواب. ٧ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيىى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قريبًا. ٨ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الكوفيّ، ثم المكيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٩ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون البغداديّ السمين، تقدّم أيضًا قريبًا. ١٠ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع) هو: محمد بن أحمد بن نافع العبديّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ١١ - (عُمَرُ بْنُ عَلِيِّ) بن عطاء بن مُقَدَّم -بقاف، وزن محمد- البصريّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ وكان يدلس شديدًا [٨] (ت ١٩٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٣. ١٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم قريبًا. ١٣ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السّلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٤٥. والباقون ذُكروا في الأبواب الثلاثة الماضية. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ)؛ يعني: أن كل هؤلاء الاثنا عشر، وهم: حماد بن زيد، وعبّاد بن عبّاد، وأبو معاوية، ووكيع، وعبد الله بن إدريس، وأبو أسامة، وعبد الله بن نُمير، وعبدة بن سليمان، وسفيان بن عيينة، ويحيى القطّان، وعمر بن عليّ المقدّميّ، وشعبة رووا هذا الحديث عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-. [تنبيه]: أما رواية حماد بن زيد عن هشام بن عروة، فقد ساقها ابن حبّان ﵀ في «صحيحه»، فقال: (٦٧١٩) - أخبرنا أبو يعلى من كتابه، قال: حدّثنا أبو الربيع الزهرانيّ، قال: حدّثنا حماد بن زيد، قال: حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا من الناس، ولكن يقبض العلماء بعلمهم، حتى إذا لم يَبْقَ عالمٌ اتخذ الناس رؤساء جهالًا، فسُئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا، وأضلوا». انتهى . وأما رواية سفيان بن عيينة، عن هشام، فقد ساقها الحميديّ ﵀ في «مسنده»، فقال: (٥٨١) - حدّثنا سفيان، قال: ثنا هشام بن عروة، قال: أخبرني أبي، قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله ﷿ لا يقبض العلم انتزاعًا ينزعه من قلوب الرجال، ولكن يقبضه بقبض العلماء، فإذا لم يترك عالِمًا اتخذ الناس رؤسًا جهالًا، فسألوهم، فأفتوهم بغير علم، فضلوا، وأضلوا»، قال عروة: ثم لبثت سنةً، ثم لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص في الطواف، فسألته عنه، فأخبرني به عنه. انتهى . وأما رواية وكيع عن هشام، فقد ساقها ابن أبي شيبة ﵀ في «مصنّفه»، فقال: (٣٧٥٩٠) - حدّثنا وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يَبْقَ عالمٌ اتخذ الناس رؤساء جهالًا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلّوا، وأضلّوا». انتهى . وأما رواية أبي أسامة عن هشام، فقد ساقها البيهقيّ ﵀ في «الكبرى»، فقال: (٢٠١٣٩) - حدّثنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهانيّ إملاءً، أنبأ أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد البصريّ بمكة (ح) وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قالا: ثنا الحسن بن عليّ بن عفان العامريّ، ثنا أبوأسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: سمعت عبد الله بن عمرو - ﵄ - يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الله لا ينزع العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلماء، حتى إذا لم يَترك عالِمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فأفتوا بغير علم، فضلّوا، وأضلُّوا»، لفظ حديث أبي العباس. انتهى . وأما رواية يحيى القطّان عن هشام، فقد ساقها أحمد ﵀ في «مسنده»، فقال: (٦٥١١) - حدّثنا يحيى، عن هشام، أملاه علينا، حدّثني أبي، سمعت عبد الله بن عمرو، من فيه إلى فِيَّ، يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالِمًا اتخذ الناس رؤساء جهالًا، فسُئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا، وأضلوا». انتهى . وأما رواية عبدة بن سليمان عن هشام فقد ساقها الترمذيّ ﵀ في «جامعه»، فقال: (٢٦٥٢) - حدّثنا هارون بن إسحاق الهمدانيّ، حدّثنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالِمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلُّوا، وأضلُّوا»، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. انتهى . وأما روايات الباقين، فلم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٧٤] (. . .) - (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ حُمْرَانَ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي جَعْفَرٌ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَم، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاص، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ حُمْرَانَ) -بضم المهملة- ابن عبد الله بن حُمران بن أبان، أبو عبد الرحمن البصريّ، صدوقٌ يخطئ قليلًا [٩]. رَوَى عن ابن عون، وشعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وأشعث بن عبد الملك، وعوف الأعرابيّ، وعبد الحميد بن جعفر، وغيرهم. وروى عنه أحمد، وإسحاق، وبندار، وأبو موسى، ومحمد بن يزيد بن إبراهيم، وعبدة بن عبد الله الصفار، وغيرهم. قال ابن معين: صدوقٌ صالحٌ، وقال أبو حاتم: مستقيم الحديث، صدوق، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: يخطئ، وقال الدارقطنيّ: ثقةٌ، وقال ابن شاهين: شيخ ثقةٌ مُبَرِّزٌ. وقال ابن أبي عاصم: مات سنة ست ومائتين، وقال غيره: سنة خمس. أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٢ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرِ) بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاريّ المدنيّ، صدوقٌ رُمي بالقدر، وربما وَهِمَ [٦] (١٥٣) (خت م ٤) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٤/ ١١٩٥. ٣ - (أَبُوه جَعْفَرُ) بن عبد الله بن الحكم الأنصاريّ أبو عبد الحميد المدنيّ، ثقةٌ [٣] (بخ م ٤) تقدم في «الإيمان» ١٨٧/ ٢٢. ٤ - (عُمَرُ بْنُ الْحَكَمِ) بن رافع بن سِنان المدنيّ الأنصاريّ، حليف الأوس، ثقةٌ [٣] (خت م دت س) تقدم في «الرضاع» ١٧/ ٣٦٤٨. [تنبيه]: كون عمر بن الحكم هذا هو ابن رافع هو الصواب، وهو الذي نصّ عليه الحافظ المزيّ في «تحفة الأشراف» ، فما وقع عند بعض الشرّاح من أنه ابن ثوبان، فغير صحيح، فإن عمر بن الحكم بن ثوبان لم يُخرج له مسلم إلا في موضع واحد في الصوم [٢٧٣٣] (١١٥٩)، وأما هذا فقد أخرج له في ثلاثة مواضع برقم (١٤٦٩ و٢٦٧٣ و٢٩١١)، فليُتنبّه. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: رواية عمر بن الحكم، عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٧٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو شُرَيْحٍ، أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ حَدَّثَهُ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر، قَالَ: قَالَتْ فِي عَائِشَةُ: يَا ابْنَ أُخْتِي بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو مَارٌّ بِنَا إِلَى الْحَجّ، فَالْقَهُ، فَسَائِلْهُ، فَإِنَّهُ قَدْ حَمَلَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - عِلْمًا كثِيرًا، قَالَ: فَلَقِيتُهُ، فَسَاءَلْتُهُ عَنْ أَشْيَاءَ يَذْكُرُهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ عُرْوَةُ: فَكَانَ فِيمَا ذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْتَرخُ الْعِلْمَ مِنَ النَّاسِ انْتِزَاعًا، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ، فَيَرْفَعُ الْعِلْمَ مَعَهُمْ، وَيُبْقِي فِي النَّاسِ رُؤُوسًا جُهَّالًا، يُفْتُونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَيَضِلُّونَ، وَيُضِلُّونَ»، قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا حَدَّثْتُ عَائِشَةَ بِذَلِكَ، أَعْظَمَتْ ذَلِكَ، وَأَنْكَرَتْهُ، قَالَتْ: أَحَدَّثَكَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ عُرْوَةُ: حَتَّى إِذَا كَانَ قَابِلٌ، قَالَتْ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَمْرٍ وقَدْ قَدِمَ، فَالْقَهُ، ثُمَّ فَاتِحْهُ حَتَّى تَسْأَلَهُ عَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ لَكَ فِي الْعِلْم، قَالَ: فَلَقِيتُهُ، فَسَاءَلْتُهُ، فَذَكَرَهُ لِي نَحْوَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ فِي مَرَّتِهِ الأُولَى، قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا أَخْبَرْتُهَا بِذَلِكَ، قَالَتْ: مَا أَحْسِبُهُ إِلَّا قَدْ صَدَقَ، أَرَاهُ لَمْ يَزِدْ فِيهِ شَيْئًا، وَلَمْ يَنْقُصْ). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (أَبُو شُرَيْحٍ) عبد الرحمن بن شُريح بن عبيد الله الْمَعَافريّ -بفتح الميم، والعين المهملة- الإسكندرانيّ، ثقةٌ فاضلٌ، لم يُصِب ابن سعد في تضعيفه [٧] (ت ١٦٧) (ع) تقدّم في «المقدّمة» ٤/ ١٦. ٢ - (أَبُو الأَسْوَدِ) محمد بن عبد الرحمن بن نَوْفل بن خُويلد بن أسد بن عبد الْعُزَّى الأسديّ المدنيّ، يتيم عروة، ثقةٌ [٦] مات سنة بضع وثلاثين ومائة (ع) تقدم في «الطهارة» ٩/ ٥٧٣. [تنبيه]: كون أبي الأسود هنا هو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل يتيم عروة هو الصواب، كما نصّ عليه الحافظ أبو الحجاج المزّي ﵀ في «تحفته» ، واللفظ في «الفتح» ، فما وقع عند بعض الشرّاح من أنه أبو الأسود الديليّ، فغلط، فلتنتبه، وبالله تعالى التوفيق. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وأنه مسلسلٌ بالمصريين، غير عروة، فمدنيّ، وفيه من اشتهر بكنيته أكثر من اسمه، وهما أبو شُريح، وأبو الأسود، وأبو شُريح ممن وافقت كنيته اسم أبيه، وأنه مسلسل بالتحديث، والإخبار. شرح الحديث: (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ)؛ أنه (قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵂ -: (يَا ابْنَ أُخْتِي)؛ أي: لأنه وَلَدُ أسماء بنت أبي بكر الصديق - ﵃ -، (بَلَغَنِي أَن عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو) بن العاص - ﵄ - (مَارٌّ بِنَا)؛ أي: بالمدينة النبويّة، قادمًا من مصر (إِلَى الْحَجّ، فَالْقَهُ) بوصل الهمزة، وفتح القاف أمْر مِن لقي يلقى، كرضيَ يرضَى، (فَسَائِلْهُ) أمْر من المساءلة، وهو أن يسأل أحدهما الآخر، وبالعكس، لكن المراد هنا أن يسأل عروة، ويجيب عبد الله - ﵁ -، فيكون السؤال من جانب، والجواب من جانب، والله تعالى أعلم. (فَإِنَّهُ) الفاء تعليّليّة؛ أي: لأنه (قَدْ حَمَلَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - عِلْمًا كثِيرًا) فينبغي أن تستفيد من عِلمه بالسؤال. (قَالَ) عروة: (فَلَقِيتُهُ) بكسر القاف، كما أشرت إليه آنفًا. (فَسَاءَلْتُهُ عَنْ أَشْيَاءَ) مما يحتاج إليه من أمور الدين التي تلقّاها عبد الله عن النبيّ - ﷺ -، كما بيّنه بقوله: (يَذْكُرُهَما عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) جملة «يذكرها» صفة لـ «أشياء». (قَالَ عُرْوَةُ: فَكَانَ فِيمَا ذَكَرَ) عبد الله: (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْتَزعُ الْعِلْمَ مِنَ النَّاسِ انْتِزَاعًا) وفي رواية البخاريّ:»إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه«، وفي لفظ:»أعطاهموه«بالهاء ضمير الغيبة بدل الكاف، وفي رواية له في»كتاب العلم«من طريق مالك عنه:»إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد«، وفي رواية:»من قلوب العباد«. أخرجه الحميديّ في»مسنده«عنه، والوارد في أكثر الروايات لفظ:»من الناس«، وفي رواية للطبرانيّ:»إن الله لا ينزع العلم انتزاعًا ينتزعه منهم، بعد أن أعطاهم«، ولم يذكر على من يعود الضمير، وفي رواية للطبرانيّ أيضًا:»إن الله لا ينزع العلم من صدور الناس بعد أن يعطيهم إياه«. قال الحافظ: وأظن عبد الله بن عمرو إنما حدَّث بهذا جوابًا عن سؤال مَن سأله عن الحديث الذي رواه أبوأمامة، قال: لما كان في حجة الوداع قام رسول الله - ﷺ - على جملٍ آدم، فقال:«يا أيها الناس خُذوا من العلم قبل أن يُقبض، وقبل أن يرفع من الأرض. . .»الحديث، وفي آخره:«إلا أن ذهاب العلم ذهاب حَمَلَتِه»ثلاث مرات، أخرجه أحمد، والطبرانيّ، والدارميّ، فبيّن عبد الله بن عمرو أن الذي وَرَدَ في قبض العلم، ورَفْع العلم، إنما هو على الكيفية التي ذكرها، وكذلك أخرج قاسم بن أصبغ، ومن طريقه ابن عبد البرّ أن عمر سمع أبا هريرة يحدّث بحديث:«يُقْبَض العلم»فقال: إن قبض العلم ليس شيئًا يُنزع من صدور الرجال، ولكنه فناء العلماء، وهو عند أحمد، والبزار، من هذا الوجه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قوله:«وأظنّ عبد الله بن عمرو إلخ»في هذا الظنّ نظر، فتأمله بإمعان، والله تعالى أعلم. (وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ، فَيَرْفَعُ الْعِلْمَ مَعَهُمْ) ببناء الفعل للفاعل، و«العلم»منصوب على المفعوليّة، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للمفعول، و«العلم»نائب فاعله، وفي رواية للبخاريّ:«ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم»، قال في«الفتح»: كذا فيه، والتقدير: ينتزعه بقبض العلماء مع علمهم، ففيه بعض قلب، وفي رواية هشام:«ولكن يقبض العلم بقبض العلماء»، وفي رواية معمر:«ولكن ذهابهم قبض العلم»، ومعانيها متقاربة. (وَيُبْقِي) بضمّ أوله، من الإبقاء رباعيًّا؛ أي: يُبقي الله ﷿ (فِي النَّاسِ رُؤُوسًا) قال النوويّ ﵀: قوله:«رؤوسًا»ضبطناه في البخاريّ:«رؤوسًا»بضم الهمزة، وبالتنوين، جمع رأس، وضبطوه في مسلم هنا بوجهين: أحدهما هذا، والثاني رؤساء، بالمدّ جمع رئيس، وكلاهما صحيح، والاول أشهر. انتهى . وفي رواية للبخاريّ:«فيبقى ناسٌ جهالٌ». قال في«الفتح»: هو بفتح أول«يَبقَى»، وفي رواية حرملة:«ويُبقي في الناس رؤوسًا جهالًا»، وهو بضم أول«يُبقي»، قال: ولفظة«رؤوساء»هي رواية الأكثر، وفي رواية هشام:«حتى إذا لم يَبقَ عالم»، وفي لفظ:«لم يُبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسا جهالًا»، وفي لفظ:«حتى إذا لم يترك عالمًا»، وعند الطبرانيّ:«فيصير للناس رؤوس جهالٌ»، وفي رواية عنده:«بعد أن يعطيهم إياه، ولكن يذهب العلماء، كلما ذهب عالم ذهب بما معه من العلم، حتى يَبقَى من لا يعلم». (جُهَّالًا) بضمّ الجيم: جمع جاهل، كما قال في«الخلاصة»: وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ … وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ وَمِثْلُهُ الْفُعَّالُ فِيمَا ذُكِّرَا … وَذَانِ فِي الْمُعَلِّ لَامًا نَدَرَا (يُفْتُونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْم) بضم حرف المضارعة، من الإفتاء، وهو بيان الحكم، يقال: أفتى العالمً: إذا بَيّنَ الحكم . (فَيَضِلُّونَ) بفتح الياء ثلاثيًّا من الضلال؛ أي: يضلّون في أنفسهم، (وَيُضِلُونَ») بضم الياء، من الإضلال؛ أي: يُضلّون غيره، وفي رواية للبخاريّ: «يُستَفْتَون، فيفتون برأيهم، فيَضلون، ويُضلون»، وفي رواية محمد بن عجلان: «يستفتونهم، فيفتونهم»، وفي رواية هشام بن عروة: «فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضَلّوا، وأضلّوا»، قال في «الفتح»: وهي رواية الأكثر، وخالف الجميع قيسُ بن الربيع، وهو صدوقٌ، ضُعِّف من قِبَل حفظه، فرواه عن هشام بلفظ: «لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلًا، حتى نشأ فيهم أبناء سبايا الأمم، فأفتوا بالرأي، فضلوا، وأضلوا»، أخرجه البزار، وقال تفرّد به قيس، قال: والمحفوظ بهذا اللفظ ما رواه غيره عن هشام، فأرسله. قال الحافظ: والمرسل المذكور أخرجه الحميديّ في «النوادر»، والبيهقي في «المدخل» من طريقه، عن ابن عيينة، قال: حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، فذكره كرواية قيس سواءً. انتهى . (قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا حَدَّثْتُ عَائِشَةَ) -﵁ - (بِذَلِكَ)؛ أي: بحديث عبد الله بن عمرو -﵄المذكور، (أَعْظَمَتْ ذَلِكَ)؛ أي: رأته عظيمًا (وَأنكَرَتْهُ) الظاهر أن إنكارها ليس تكذيبًا لعبد الله، ولا لعروة، وإنما ظنًّا منها في إمكان الخطأ، بالزيادة، أو النقص، أو نحو ذلك؛ لأن الإنسان عُرضة للنسيان، والله تعالى أعلم. (قَالَتْ: أَحَدَّثَكَ) عبد الله (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِي - ﷺ - يَقُولُ هَذَا؟)؛ أي: النصّ المذكور، (قَالَ عُرْوَةُ: حَتى إِذَا كَانَ قَابِل) «كان» هنا تامّة؛ أي: حتى إذا جاء العام القابل، (قَالَتْ) عائشة (لَهُ)؛ أي: لعروة: (إِنَّ ابْنَ عَمْرِو) -﵄ - (قَدْ قَدِمَ) بكسر الدال؛ أي: أتى من مصر للحجّ، (فَالْقَهُ) تقدّم ضبطه. (ثُمَّ فَاتِحْهُ)؛ أي: افتح الكلام معه (حَتَّى تَسْأَلهُ عَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ لَكَ فِي الْعِلْمِ)؛ أي: لتتأكّد من ضبطه. (قَالَ) عروة: (فَلَقِيتُهُ، فَسَاءَلْتُهُ) وفي رواية البخاريّ: «ثم إن عبد الله بن عمرو حجّ بعدُ، فقالت: يا ابن أختي انطلق إلى عبد الله، فاستثبت لي منه الذي حدّثتني عنه، فسألته، فحدّثني به كنحو ما حدّثني». (فَذَكَرَهُ لِي نَحْوَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ فِي مَرَّتِهِ الأُولَى)؛ أي: في العام الماضي، ووقع في رواية سفيان بن عيينة: «قال عروة: ثم لبثت سنةً، ثم لقيت عبد الله بن عمرو في الطواف، فسألته، فأخبرني به»، فأفاد أن لقاءه إياه في المرة الثانية كان بمكة، وكأنّ عروة كان حجّ في تلك السنة من المدينة، وحج عبد الله من مصر، فبلغ عائشة، ويكون قولها: «قد قَدِم»؛ أي: من مصر طالبًا لمكة، لا أنه قَدِم المدينة؛ إذ لو دخلها لَلَقِيه عروة بها، ويَحْتَمِل أن تكون عائشة حجَّت تلك السنة، وحجَّ معها عروة، فقَدِم عبد الله بعدُ فلقيه عروة بأمر عائشة -﵂ -، قاله في «الفتح» . (قَالَ عُرْوَةُ: فَلَفَا أَخْبَرْتُهَا)؛ أي: عائشة -﵂ - (بِذَلِكَ، قَالَتْ: مَا) نافية، (أَحْسِبُهُ) بكسر السين، وفتحها، يقال: حَسِبْتُ زيدًا قائمًا أَحْسَبُهُ، من باب تَعِب، في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضًا، على غير قياس حِسْبَانًا، بالكسر: بمعنى ظننت، قاله الفيوميّ -﵀ - . (إِلَّا قَدْ صَدَقَ، أَرَاهُ) بضمّ الهمزة، وفتحها؛ أي: أظنه (لَمْ يَزِدْ فِيهِ)؛ أي: في الحديث (شَيْئًا)؛ أي: خطأ، (وَلَمْ يَنْقُصْ) منه شيئًا، وفي رواية البخاريّ: «فأتيت عائشة، فأخبرتها، فعجِبت، فقالت: والله لقد حَفِظ عبد الله بن عمرو». قال الحافظ: هذه الرواية تَحْتَمِل أن عائشة كان عندها علم من الحديث، وظنّت أنه زاد فيه، أو نقص، فلما حدّث به ثانيًا كما حدّث به أولًا تذكرت أنه على وِفق ما كانت سمعت، ولكن رواية حرملة -يعني: رواية مسلم هذه- التي ذَكَر فيها أنها أنكرت ذلك، وأعظمته ظاهرة في أنه لم يكن عندها من الحديث علم، ويؤيد ذلك أنها لم تستدلّ على أنه حَفِظه إلا لكونه حدّث به بعد سنة كما حدّث به أوّلًا، لم يَزد، ولم ينقص. قال عياض: لم تتهم عائشة عبد الله -﵄-، ولكن لعلها نسبت إليه أنه مما قرأه من الكتب القديمة؛ لأنه كان قد طالع كثيرًا منها، ومن ثَمّ قالت: أحدّثك أنه سمع النبيّ -ﷺ - يقول هذا؟ انتهى. وعلى هذا فرواية معمر له عن الزهريّ عن عروة، عن عبد الله بن عمرو هي المعتمَدة، وهي في «مصنّف عبد الرزاق»، وعند أحمد، والنسائيّ، والطبرانيّ من طريقه، ولكن الترمذيّ لمّا أخرجه من رواية عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة قال: روى الزهري هذا الحديث عن عروة، عن عبد الله بن عمرو، وعن عروة عن عائشة، وهذه الرواية التي أشار إليها رواية يونس بن يزيد، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، أخرجه أبو عوانة في «صحيحه»، والبزار من طريق شبيب بن سعيد، عن يونس، وشبيب في حفظه شيء، وقد شذ بذلك. ولمّا أخرجه عبد الرزاق من رواية الزهريّ، أردفه برواية معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عروة، عن عبد الله بن عمرو، قال: أشهد أن رسول الله -ﷺ - قال: «لا يرفع الله العلم بقبضه، ولكن يقبض العلماء. . .» الحديث. وقال ابن عبد البرّ في «بيان العلم»: رواه عبد الرزاق أيضًا عن معمر، عن هشام بن عروة، بمعنى حديث مالك، قال الحافظ: ورواية يحيى أخرجها الطيالسيّ عن هشام الدستوائيّ عنه. ووجدت عن الزهريّ فيه سندًا آخر، أخرجه الطبرانيّ في «الأوسط» من طريق العلاء بن سليمان الرقيّ، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكر مثل رواية هشام سواءً، لكن زاد بعد قوله: «وأضلوا عن سواء السبيل»، والعلاء بن سليمان ضعّفه ابن عبديّ، وأورده من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ رواية حرملة التي مضت، وسنده ضعيف، ومن حديث أبي سعيد الخدريّ بلفظ: «يقبض الله العلماء، ويقبض العلم معهم، فتنشأ أحداث ينزو بعضهم على بعض نَزْو العير على العير، ويكون الشيخ فيهم مستضعفًا»، وسنده ضعيف. وأخرج الدارميّ من حديث أبي الدرداء قولَهُ: «رَفْعُ العلم ذهابُ العلماء»، وعن حذيفة: «قَبْض العلم قَبْض العلماء»، وعند أحمد عن ابن مسعود قال: «هل تدرون ما ذهاب العلم؟ ذهاب العلماء»، وأفاد حديث أبي أمامة الذي أشرت إليه أوّلًا وقت تحديث النبيّ -ﷺ - بهذا الحديث، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تخريجه، وبقيّة مسائله قبل حديثين، فأذكر هنا مسألتين لم تُذكرا هناك، فأقول: (المسألة الأولى): أخرج البخاريّ -﵀- هذا الحديث في «صحيحه»، فقال: (٦٨٧٧) - حدّثنا سَعِيدُ بن تَلِيدٍ، حدّثني ابن وَهْب، حدّثني عبد الرحمن بن شُرَيْحٍ، وَغَيْرُهُ، عن أبي الْأَسْوَد، عن عُرْوَةَ، قال. حَجَّ عَلَيْنَا عبد اللهِ بن عَمْرٍ و، فَسَمِعْتُهُ يقول: سمعت النبيً - ﷺ - يقول: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْرعُ الْعِلْمَ بَعْدَ أَنْ أعطاهموه انْتِزَاعًا، وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ منهم معِ قَبْضِ الْعُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ، فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ، يُسْتَفْتَوْنَ، فَيُفْتُونَ بِرَأيِهِمْ، فَيُضِلُّون، وَيَضِلُّونَ»، فَحَدَّثْتُ بِهِ عَائِشَةَ زَوْجَ النبيّ -ﷺ -، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللهِ بن عَمْرٍو حَجَّ بَعْدُ، فقالت: يا ابن أُخْتِي انْطَلِقْ إلى عبد الله، فَاسْتَثْبِتْ لي منه الذي حَدَّثْتَنِي عنه، فَجِئْتُهُ، فَسَأَلْتُهُ، فَحَدَّثَنِي بِه، كَنَحْوِ ما حدّثني، فَأَتَيْتُ عَائِشَةَ، فَأَخْبَرْتُهَا، فَعَجِبَتْ، فقالت: والله لقد حَفِظَ عبد اللهِ بن عَمْرٍو. انتهى . قال في «الفتح»: قوله: «وغيره» هو ابن لهيعة أبهمه البخاريّ؛ لِضَعفه، وجَعَل الاعتماد على رواية عبد الرحمن، لكن ذكر الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر في الجزء الذي جَمَعه في الكلام على حديث معاذ بن جبل في القياس: إن عبد الله بن وهب حدّث بهذا الحديث عن أبي شُريح وابن لهيعة جميعًا، لكنه قدّم لفظ ابن لهيعة، وهو مثل اللفظ الذي هنا، ثم عَطَف عليه رواية أبي شريح، فقال بذلك. قلت : وكذلك أخرجه ابن عبد البر في باب العلم من رواية سحنون، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، فساقه، ثم قال ابن وهب: وأخبرني عبد الرحمن بن شُريح، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عبد الله بن عمرو بذلك، قال ابن طاهر: ما كنا ندري هل أراد بقوله بذلك اللفظ والمعنى، أو المعنى فقط؟ حتى وجدنا مسلمًا أخرجه عن حرملة بن يحيىى، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن شُريح وحده، فساقه بلفظ مغاير للفظ الذي أخرجه البخاريّ، قال: فعُرف أن اللفظ الذي حذفه البخاريّ هو لفظ عبد الرحمن بن شُريح الذي أبرزه هنا، والذي أورده هو لفظ الغير الذي أبهمه. انتهى. قال: وكنت أظنّ أن مسلمًا حَذَف ذكر ابن لهيعة عمدًا؛ لضعفه، واقتصر على عبد الرحمن بن شريح، حتى وجدت الإسماعيليّ أخرجه من طريق حرملة بغير ذكر ابن لهيعة، فعرفت أن ابن وهب هو الذي كان يجمعهما تارةً، ويُفرد ابن شريح تارةً، وعند ابن وهب فيه شيخان آخران بسند آخر، أخرجه ابن عبد البرّ في «بيان العلم» من طريق سحنون: حدّثنا ابن وهب، حدّثنا مالك، وسعيد بن عبد الرحمن، كلاهما عن هشام بن عروة، باللفظ المشهور. قال: وهذا الحديث مشهور عن هشام بن عروة، عن أبيه، سرد أبو القاسم عبد الرحمن بن الحافظ أبي عبد الله بن منده في كتاب «التذكرة» أسماء الذين رووه عن هشام، فزادوا على أربعمائة نفس وسبعين نفسًا، منهم: من الكبار شعبة، ومالك، وسفيان الثوريّ، والأوزاعيّ، وابن جريج، ومسعر، وأبو حنيفة، وسعيد بن أبي عروبة، والحمادان، ومعمر، بل أكبر منهم، مثل يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وموسى بن عقبة، والأعمش، ومحمد بن عجلان، وأيوب، وبكير بن عبد الله بن الأشج، وصفوان بن سليم، وأبو معشر، ويحيى بن أبي كثير، وعمارة بن غزيّة، وهؤلاء العشرة كلهم من صغار التابعين، وهم من أقرانه، ووافق هشامًا على روايته عن عروة أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن النوفلي، المعروف بيتيم عروة، وهو الذي رواه عنه ابن لهيعة، وأبو شريح، ورواه عن عروة أيضًا ولداه: يحيى، وعثمان، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وهو من أقرانه، والزهريّ، ووافق عروة على روايته عن عبد الله بن عمرو بن العاص: عُمر بن الحكم بن ثوبان، أخرجه مسلم من طريقه، ولم يَسُق لفظه، لكن قال: بمثل حديث هشام بن عروة، وكأنه ساقه من رواية جرير بن عبد الحميد، عن هشام. انتهى . (المسألة الثانية): في ذكر الفوائد الزائدة في هذه الرواية : ١ - (منها): أن في حديث أبي أمامة -﵁ - من الفائدة الزائدة أن بقاء الكتب بعد رفع العلم بموت العلماء، لا يغني من ليس بعالم شيئًا، فإن في بقيته: «فسأله أعرابيّ، فقال: يا نبيّ الله كيف يُرفع العلم منا، وبين أظهرنا المصاحف، وقد تعلمنا ما فيها، وعلّمناها أبناءنا، ونساءنا، وخَدَمنا؟ فرفع إليه رأسه، وهو مغضب، فقال: وهذه اليهود والنصارى بين أظهرهم المصاحف، لم يتعلقوا منها بحرف فيما جاءهم به أنبياؤهم»، قال الحافظ: ولهذه الزيادة شواهد من حديث عوف بن مالك، وابن عمرو، وصفوان بن عَسّال، وغيرهم، وهي عند الترمذيّ، والطبرانيّ، والدارميّ، والبزار، بألفاظ مختلفة، وفي جميعها هذا المعنى. وقد فَسّر عمر قبض العلم بما وقع تفسيره به في حديث عبد الله بن عمرو، وذلك فيما أخرجه أحمد من طريق يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، فذكر الحديث، وفيه: «ويُرفع العلم، فسمعه عمر، فقال: أما إنه ليس ينزع من صدور العلماء، ولكن بذهاب العلماء»، وهذا يَحْتَمِل أن يكون عند عمر مرفوعًا، فيكون شاهدًا قويًّا لحديث عبد الله بن عمرو. ٢ - (ومنها): أن فيه الزجرَ عن ترئيس الجاهل؛ لِمَا يترتب عليه من المفسدة، وقد يَتَمَسّك به من لا يجيز تولية الجاهل بالحكم، ولو كان عاقلًا عفيفًا، لكن إذا دار الأمر بين العالم الفاسق، والجاهل العفيف، فالجاهل العفيف أَولى؛ لأن وَرَعه يمنعه عن الحكم بغير علم، فيحمله على البحث والسؤال. ٣ - (ومنها): أن فيه حضَّ أهل العلم، وطَلَبَته على أخذ بعضهم عن بعض، وشهادة بعضهم لبعض بالحفظ والفضل. ٤ - (ومنها): أن فيه حضّ العالم طالبه على الأخذ عن غيره؛ ليستفيد ما ليس عنده. ٥ - (ومنها): التثبت فيما يحدّث به المحدّث إذا قامت قرينة الذهول، ومراعاة الفاضل من جهة قول عائشة -﵂ -: اذهب إليه، ففاتحه، حتى تسأله عن الحديث، ولم تقل له: سله عنه ابتداءً؛ خشيةً من استيحاشه. ٦ - (ومنها): ما قاله ابن بطال -﵀-: التوفيق بين الآية والحديث في ذم العمل بالرأي، وبين ما فعله السلف من استنباط الأحكام أن نص الآية ذمّ القول بغير علم، فُخَصّ به من تكلم برأي مجرد عن استناد إلى أصل، ومعنى الحديث: ذمّ من أفتى مع الجهل، ولذلك وَصَفهم بالضلال، والإضلال، وإلا فقد مَدَح من استنبط من الأصل بقوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، فالرأي إذا كان مستندًا إلى أصل من الكتاب، أو السُّنَّة، أو الإجماع، فهو المحمود، وإذا كان لا يستند إلى شيء منها، فهو المذموم، قال: وحديث سهل بن حُنيف، وعمر بن الخطاب، وإن كان يدلّ على ذمّ الرأي، لكنه مخصوص بما إذا كان معارضًا للنصّ، فكأنه قال: اتهموا الرأي إذا خالف السُّنَّة، كما وقع لنا حيث أَمَرنا رسول الله -ﷺ - بالتحلل، فأحببنا الاستمرار إلى الإحرام، وأَرَدْنا القتال؛ لنكمل نسكنا، ونقهر عدونا، وخفي عنا حينئذ ما ظهر للنبيّ - ﷺ -، مما حُمدت عقباه، وعمر هو الذي كتب إلى شُريح: «انظر ما تبيّن لك من كتاب الله، فلا تسأل عنه أحدًا، فإن لم يتبيّن لك من كتاب الله، فاتّبع فيه سنة رسول الله -ﷺ -، وما لم يتبيّن لك من السُّنَّة، فاجتهد فيه رأيك»، هذه رواية سيّار، عن الشعبيّ، وفي رواية الشيبانيّ عن الشعبيّ، عن شريح: أن عمر كتب إليه نحوه، وقال في آخره: «اقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن، فبما في سنة رسول الله -ﷺ -، فإن لم يكن، فبما قضى به الصالحون، فإن لم يكن، فإن شئت فتقدّم، وإن شئت فتأخر، ولا أرى التاخر إلا خيرًا لك»، فهذا عمر أمَر بالاجتهاد، فدلّ على أن الرأي الذي ذمّه: ما خالف الكتاب، أو السُّنَّة. وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح، عن ابن مسعود، نحو حديث عمر، من رواية الشيبانيّ، وقال في آخره: «فإن جاءه ما ليس في ذلك، فليجتهد رأيه، فإن الحلال بَيِّن، والحرام بَيِّن، فَدَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك». انتهى ، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٦) - (بَابُ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً، أَو سَيِّئةً، وَمَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، أَو ضَلَالَةٍ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٧٦] (١٠١٧) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيد، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، وَأَبِي الضُّحَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ الْعَبْسِيِّ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، عَلَيْهِمُ الصُّوفُ، فَرَأَى سُوءَ حَالِهِمْ، قَدْ أَصَابَتْهُمْ حَاجَةٌ، فَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَة، فَأَبْطَؤُوا عَنْهُ، حَتَّى رُئيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِه، قَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنَ الأنصَارِ جَاءَ بِصُرَّةٍ مِنْ وَرِقٍ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، ثُمَّ تَتَابَعُوا، حَتَّى عُرِفَ السُّرُورُ فِي وَجْهِه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ) الْخَطْميّ -بفتح الخاء المعجمة، وسكون الطاء المهملة- الكوفيّ، ثقة [٤] (م د تم ق) تقدم في «الزكاة» ٢١/ ٢٣٥٤. ٢ - (أَبُو الضُّحَى) مسلم بن صُبيح -بالتصغير- الْهَمْدانيّ الكوفيّ العطار، مشهور بكنيته، ثقة فاضل [٤] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٢/ ٦٣٥. ٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هِلَالٍ الْعَبْسِيُّ) -بالموحّدة- الكوفيّ، ثقة [٣] (بخ م د س ق) تقدم في «الزكاة» ٨/ ٢٢٩٨. [تنبيه]: قوله: «الْعَبْسيّ» بفتح العين المهملة، وسكون الموحّدة، بعدها سين مهملة: نسبة إلى عبْس بن بَغِيض بن ريث بن غَطَفان بن سعد بن قيس عيلان بن مُضر بن نِزار بن مَعَدّ بن عبدنان، قاله في «اللباب» . ٤ - (جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن جابر الْبَجَليّ الصحابيّ المشهور مات -﵁- سنة إحدى وخمسين، وقيل: بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٥/ ٢٠٧. والباقون ذُكروا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه زهير، فنسائيّ، ثم بغداديّ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، موسى بن عبد الله وأبي الضحى، عن عبد الرحمن بن هلال، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة -﵃-، وكان جميلًا طويلًا، وقال جرير: ما جحبني رسول الله -ﷺ - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسّم في وجهي، وقال عبد الملك بن عُمير: رأيت جرير بن عبد الله، وكأن وجهه شقة قمر، وقال له عمر بن الخطاب: يرحمك الله، نِعم السيّد كنت في الجاهليّة، ونِعم السيّد أنت في الإسلام . شرح الحديث: (عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الْبَجليّ -﵁ -؛ أنه (قَالَ: جَاءَ نَاسٌ) تقدّم أنه اسم وُضع للجمع، كالقوم، والرهط، وواحده إِنْسَانٌ، من غير لفظه، مشتقّ من نَاسَ يَنُوسُ: إذا تَدَلَّى، وتحرّك، فيُطلق على الجنّ والإنس، قال تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)﴾، ثم فَسَّر النّاس بالجنّ والإنس، فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾، وسُمّي الجنّ نَاسًا كما سُمُّوا رجالًا، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ٦]، وكانت العرب تقول: رأيت نَاسًا من الجنّ، لكن غلب استعماله في الإنس، ويُصَغَّر النَّاسُ على نُوَيْسٍ، قاله الفيوميّ -﵀- . (مِنَ الأَعْرَابِ) بفتح الهمزة: أهل البدو من العرب، الواحد أَعْرَابِيّ بالفتح أيضًا، وهو الذي يكون صاحب نُجْعَة، وارتياد للكلإ، وزاد الأزهريّ، فقال: سواء كان من العرب، أو من مواليهم، فمن نزل البادية، وجاور البادين، وظَعَن بِظَعْنهم، فهم أَعْرَابٌ، ومن نزل بلاد الرِّيف، واستوطن المدُن، والقرى العربية وغيرها، ممن ينتمي إلى العرب، فهم عَرَبٌ، وإن لم يكونوا فصحاء، ويقال: سُمُّوا عَربًا؛ لأن البلاد التي سكنوها تُسَمَّى العَرَبَاتَ، ويقال: العَرَبُ العَارِبَةُ: هم الذين تكلموا بلسان يَعْرُب بن قَحْطان، وهو اللسان القديم، والعَرَبُ المُسْتَعْرِبَةُ: هم الذين تكلموا بلسان إسماعيل بن إبراهيم -عليهما الصلاة والسلام- وهي لغات الحجاز، وما والاها، والعُرْبُ، وزانُ قُفْل لغة في العَرَب، ويُجمع العَرَبُ على أَعْرُبٍ، مثلُ زَمَن وأَزْمُن، وعلى عُرُبٍ بضمتين، مثل أَسَد وأسُد، قاله الفيوميّ -﵀- . وتقدّم حديث جرير -﵁- هذا في «كتاب الزكاة» مطوّلًا، وأوله: «كنّا في صدر النهار عند رسول الله -ﷺ-، فجاء قوم عُراةٌ، مُجتابي النِّمار، أو العباء، متقلّدي السوف، عامّتهم من مضر، بل كلّهم من مضر، فتمعّر وجه رسول الله -ﷺ - …» الحديث. (إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ -، عَلَيْهِمُ الصُّوفُ) جملة في محل نصب على الحال من «ناس»، أو صفة بعد صفة، (فَرَأَى) - ﷺ - (سُوءَ حَالِهِمْ، قَدْ أَصَابَتْهُمْ حَاجَة)؛ أي: احتياج إلى المساعدة، (فَحَثَّ)؛ أي: حرّض -ﷺ- (النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ)؛ أي: على أن يتصدّقوا عليهم، (فَأَبْطَؤُوا)؛ أي: تأخّر الناس (عَنْهُ)؛ أي: عن تنفيذ ما أمرهم به، (حَتَّى رُئِيَ) بالبناء للمفعول، (ذَلِكَ)؛ أي: كراهة إبطائهم (فِي وَجْهِهِ) - ﷺ -. (قَالَ) جرير -﵁ -: (ثُمَّ) بعد إبطائهم، ورؤية كراهة ذلك في وجه النبيّ -ﷺ -، (إِن رَجُلًا) بكسر «إنّ» لوقوعها في الابتداء، ولم يُسمَّ هذا الرجل، كما سبق في «الزكاة». (مِنَ الأَنْصَارِ جَاءَ بِصُرَّةٍ) بضمّ الصاد المهملة، وتشديد الراء: وعاء الدراهم، والدنانير، جمعها صُرَرٌ، مثل غرفة وغُرَف، وقوله: (مِنْ وَرِقٍ) بيان لـ «صُرّة»، و«الورق» بفتح الواو، وكسر الراء، وتسكّن للتخفيف: النُّقرة المضروبة، ومنهم يقول: النقرة مضروبة كانت، أو غير مضروبة، وقال الفارابيّ: الورق: المال من الدراهم، ويُجمع على أوراق . (ثُمَّ جَاءَ آخَرُ) لا يُعرف، (ثُمَّ تَتَابَعُوا)؛ أي: تبع بعضهم بعضًا في المجيء بشيء من المال، (حَتَّى عُرِفَ) بالبناء للمفعول، (السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ) - ﷺ -، وفي الرواية السابقة: «حتى رأيت وجه رسول الله -ﷺ - يتهلّل كأنه مُذْهَبَةٌ». (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ -) حينما رأى ذلك: («مَنْ سَنَ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً)؛ أي: من أتى بطريقة مرضيّة، يُقتدى به فيها، (فَعُمِلَ بِهَا) بالبناء للمفعول؛ أي: عمل الناس بتلك السُّنَّة (بَعْدَهُ)؛ أي: بعد إتيانه بها، سواء كان في حياته، أو بعد مماته، (كُتِبَ لَهُ) بالبناء للمفعول، (مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ) بفتح، فكسر، (بِهَا) وقوله: (وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ)»لا«نافية، و»ينقص«بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من باب نصر، والجارّ والمجرور متعلّق به، و»شيء«مرفوع على الفاعليّة؛ لأن»ينقُص« هنا لازم، وهو مما يُستعمل لازمًا، ومتعدّيًا، يقال: نَقَصَ نَقْصًا، من باب قَتَلَ، ونُقْصَانًا، وانْتَقَصَ: ذهب منه شيءٌ بعد تمامه، ونَقَصْتُهُ، يتعدَّى، ولا يتعدَّى، هذه اللغة الفصيحة، وبها جاء القرآن في قوله: ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١]، و﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩]، وفي لغة ضعيفة يتعدى بالهمزة، والتضعيف، ولم يأت في كلام فصيح، ويتعدى أيضًا بنفسه إلى مفعولين، فيقال: نَقَصْتُ زيدًا حقَّه، وانْتَقَصْتُهُ مثله، قاله الفيوميّ -﵀- . وفي رواية النسائيّ: بنصب «شيئًا»، فيكون من المتعديّ، والله تعالى أعلم. (وَمَنْ سَن فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيئَةً)؛ أي: من فعل فعلًا قبيحًا، والسُّنَّة السيّئة هي الطريقة المذمومة، وهي التي تُبتدع بعد تمام الدين على أنها منه، وهي الْمَعنيّة بقوله - ﷺ -: «كل بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار»، (فَعُمِلَ) بالبناء للمفعول، (بِهَا بَعْدَهُ)؛ أي: فاقتدى الناس به في تلك السُّنَّة السيّئة، (كُتِبَ) بالبناء للمفعول، (عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ) بكسر، فسكون؛ أي: إثم (مَنْ عَمِلَ) بفتح، فكسر، (بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ«) بالرفع على الفاعليّة، والمعنى: أنهم يتحمّلون أوزار عملهم السيّئ كاملةً، وهو يتحمّل وزر تسبّبه في ذلك، والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث من أفراد المصنّف -﵀ -، وقد تقدّم في«كتاب الزكاة» برقم [٢١/ ٢٣٥١] (١٠١٧) وقد استوفيت البحث فيه هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٧٧] (…) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ مُسْلِم، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ -، فَحَثَّ عَلَى الصًّدَقَة، بِمَعْنَى حَدِيثِ جَرِيرٍ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبله، و«مسلم» هو: ابن صُبيح، أبو الضحى. [تنبيه]: رواية أبي معاوية عن الأعمش هذه ساقها ابن أبي شيبة -﵀ - في «مصنّفه»، فقال: (٩٨٠٢) - حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن عبد الرحمن بن هلال العبسيّ، عن جرير، قال: خطبنا رسول الله -ﷺ -، فحَثّنا على الصدقة، فأبطأوا، حتى رُئي في وجهه الغضب، ثم إن رجلًا من الأنصار، جاء بصُرّة، فأعطاها، فتتابع الناس، حتى رئي في وجهه السرور، فقال رسول الله -ﷺ -: «من سنّ سُنَّة حسنةً، كان له أجرها، ومثل أجر من عمل بها، من غير أن ينتقص من أجورهم شيئًا، ومن سنّ سُنَّة سيئة، كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها، من غير أن ينتقص من أوزارهم شيئًا». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٧٨] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى -يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هِلَالٍ الْعَبْسِيُّ، قَالَ: قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَا يَسُنُّ عَبْدٌ سُنَّةً صَالِحَةً، يُعْمَلُ بِهَا بَعْدَهُ»، ثُمَّ ذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي إِسْمَاعِيلَ) راشد السلميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٤٢) (م د س) تقدم في «الزكاة» ٨/ ٢٢٩٨. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. [تنبيه]: رواية محمد بن أبي إسماعيل، عن عبد الرحمن بن هلال الْعَبْسيّ هذه ساقها الطبرانيّ -﵀ - في «المعجم الكبير»، فقال: (٢٤٤١) - حدّثنا معاذ بن المثنى، ثنا مسدّد، ثنا يحيى بن سعيد (ح) وحدّثنا أبو حصين القاضي، ثنا يحيى الْحِمّانيّ، ثنا عليّ بن مُسهر، قالا: ثنا محمد بن أبي إسماعيل، ثنا عبد الرحمن بن هلال الْعَبْسيّ، قال: قال جرير بن عبد الله: قال رسول الله -ﷺ -: «لا يَسُنّ العبد سُنَّة صالحة، يُعمل بها بعده، إلا كان له مثل أجر من يَعمل بها، لا ينقص من أجورهم شيءٌ، ولا يستنّ عبد سُنَّة سيئة، يُعمل بها بعده، إلا كان عليه مثل وزر من يعمل بها، لا ينقص من أوزارهم شيءٌ»، وأتى ناس من الأعراب، فقالوا: يأتينا مُصَدِّقوك، فيظلموننا، قال: «أَرْضُوا مصدِّقيكم». انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٧٩] (…) - (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الأُمَوِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْر، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثنَا أَبِي، قَالُوا: حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِهَذَا الْحَدِيثِ). رجال هذا الإسناد: سبعة عشر: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) هو: عبيد الله بن عمر بن ميسرة، أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) على الأصحّ، وله خمس وثمانون سنةً (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٧٥. ٢ - (أَبُو كَامِلٍ) فضيل بن حسين الْجَحْدريّ البصريّ، تقدّم قريبًا. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الأُمَوِيُّ) هو: محمد بن عبد الملك بن أبي الشوَارب الأمويّ البصريّ، واسم أبي الشوارب: محمد بن عبد الرحمن بن أبي عثمان، صدوقٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٩٦/ ٥١٦. ٤ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، تقدّم قريبًا. ٥ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرِ) بن سُويد اللَّخْميّ، حليف بني عديّ الكوفيُّ، ويقال له: الْفَرَسيّ -بفتح الفاء، والراء، ثم سين مهملة- نسبة إلى فَرَس له سابقٍ، كان يقال له الْقَبطيّ -بكسر القاف، وسكون الموحّدة-، وربما قيل ذلك أيضًا لعبد الملك، ثقة، فصيحٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه، وربما دَلَّس [٤] (ت ١٣٦) وله مائة وثلاث سنين (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٦/ ٢٩٦. ٦ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذِ) بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبَريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٧ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في «المقدمة» ٣/ ٧. ٨ - (عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ) وهبِ بنِ عبد الله السُّوائيّ -بضم السين المهملة- الكوفيّ، ثقةٌ [٤] (١١٦) (ع) تقدم في «الصلاة» ٤٨/ ١١٢٤. ٩ - (الْمُنْذِرُ بْنُ جَرِيرِ) بن عبد الله البجليّ الكوفيّ، ثقة [٣] (م د س ق) تقدم في «الزكاة» ٢١/ ٢٣٥١. والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
مصادر المؤلف (٦٦)

١. «صحيفة همام» ١/ ٣٣.

٢. وفي نسخة: «ينزعه».

٣. «شرح مسلم» ١/ ٧٨ - ٧٩.

٤. راجع: «عمدة القاري» ٢/ ٨٩.

٥. هو التمر الذي لا يشتدّ نواه، ويقوى.

٦. «عمدة القاري» ٢/ ٨٩.

٧. المصدر السابق ٢/ ٨٩.

٨. «عمدة القاري» ٢/ ٩٠.

٩. المصدر السابق ٢/ ٩٠.

١٠. «الفتح»١/ ٢٥٧، كتاب«العلم».

١١. راجع ما كتبته على: «الكوكب الساطع» ص ٥٥٦ - ٥٥٧.

١٢. «الفتح» ١٧/ ١٨٨ - ١٩٠.

١٣. «المفهم» ٦/ ٧٠٥.

١٤. الذُّبالة بالضم: فتيلة السراج. قاله في «اللسان».

١٥. راجع: «جامع بيان العلم» ٢/ ١٠٥٤.

١٦. «جامع بيان العلم» (٢٠٣٦)، وهو ضعيف؛ لأن في سنده ليث بن أبي سليم، متروك، وشريك متكلّم فيه.

١٧. أخرجه أحمد ٥/ ٤٣٥، وأبو داود رقم (٣٦٥٦) وهو ضعيف؛ لأن في سنده عبد الله بن سعد بن فروة البجليّ: مجهول.

١٨. إسناده ضعيف جدًّا، في سنده سليمان بن أحمد الواسطيّ: متروك الحديث، بل كذّبه بعضهم، وعنعنة الوليد، وهو مدلّس، وجهالة عبد الله بن سعد.

١٩. متّفقٌ عليه.

٢٠. حديث متّفق عليه من حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ -.

٢١. حديث صحيح.

٢٢. إسناده حسن.

٢٣. إسناده حسن.

٢٤. حديث متّفقٌ عليه.

٢٥. أي: الكنيف.

٢٦. «الدَّغَل» بفتحتين، والغين المعجمة، و«الدَّخَل» بالخاء المعجمة بوزنه: الفساد.

٢٧. القيد بالسفر محل نظر، وما أظنه شرطًا عندهم، فليُنظر.

٢٨. راجع: «إعلام الموقّعين عن ربّ العالمين» ١/ ٦١٧ - ٦٩٩.

٢٩. راجع: «إعلام الموقعين» ١/ ٧٥ - ٨١.

٣٠. رواه الدارميّ في«مسنده»(٢٩٧٦) وعبد الرزاق في«مصنفه»(١٩١٩١)، والبيهقيّ في«سننه»٦/ ٢٢٤. وفيه انقطاع؛ لأن الشعبيّ لم يسمع من أبي بكر - ﵁ -.

٣١. صوافي الأمراء: ما اختارهم الأمراء للفتيا من أهل العلم.

٣٢. ضعيف؛ لأن سُنَيد ضعيف مع إمامته ومعرفته، راجع: «التقريب» ص ١٣٨.

٣٣. رواه البيهقيّ ١٠/ ١٣٥ من حديث سعيد بن أبي بردة وجادةً، قال الشيخ الألبانيّ ﵀: وهي وجادة صحيحة من أصحّ الوجادات، وهي حجة. انظر تخريجه مفصّلًا في: «إرواء الغليل» ٨/ ٢٤١ - ٢٤٢ رقم (٢٦١٩).

٣٤. راجع: «إعلام الموقّعين» ١/ ٦٩ - ٨٧.

٣٥. «صحيح ابن حبان» ١٥/ ١١٤.

٣٦. «مسند الحميديّ» ١/ ٢٦٤.

٣٧. «مصنف ابن أبي شيبة» ٧/ ٥٠٥.

٣٨. «سنن البيهقي الكبرى» ١٠/ ١١٦.

٣٩. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٢/ ١٦٢.

٤٠. «جامع الترمذيّ» ٥/ ٣١.

٤١. راجع: «تحفة الأشراف» ٦/ ٣٦٨.

٤٢. راجع: «شرح الشيخ الهرري» ٢٤/ ٦٠٥.

٤٣. هذه الأرقام بترقيم الأستاذ محمد فؤاد ﵀.

٤٤. راجع: «تحفة الأشراف» ٦/ ٣٦٠.

٤٥. راجع: «الفتح» ١٧/ ١٨٤، كتاب «الاعتصام» رقم (٧٣٠٧).

٤٦. راجع: «شرح الشيخ الهرريّ» ٢٤/ ٦٠٥.

٤٧. «شرح النوويّ»١٦/ ٢٢٤.

٤٨. «المصباح المنير»٢/ ٤٦٢١.

٤٩. «الفتح»١٧/ ١٨٦.

٥٠. «الفتح» ١٧/ ١٨٦.

٥١. «المصباح المنير» ١/ ١٣٤.

٥٢. «صحيح البخاريّ»٦/ ٢٦٦٥.

٥٣. القائل هو: صاحب «الفتح».

٥٤. «الفتح» ١٧/ ١٨٣ - ١٨٤، كتاب «الاعتصام» رقم (٧٣٠٧).

٥٥. المراد: الرواية التي ساقها مسلم هنا، والروايات التي ذُكرت في الشرح أيضًا.

٥٦. «الفتح» ١٧/ ١٩٠ - ١٩١، كتاب «الاعتصام» رقم (٧٣٠٧).

٥٧. هذا الرقم تقدّم.

٥٨. «اللباب في تهذيب الأنساب» ٢/ ٣١٥.

٥٩. «تهذيب التهذيب» ١/ ٢٩٦.

٦٠. «المصباح المنير» ٢/ ٦٣٠.

٦١. «المصباح المنير» ٢/ ٤٠٠.

٦٢. «المصباح المنير»٢/ ٦٥٥.

٦٣. «المصباح المنير»٢/ ٦٢١.

٦٤. «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٣٥٠.

٦٥. «المعجم الكبير» ٢/ ٣٤٤.

٦٦. هو الأَولى مما قاله في «التقريب»: مقبول؛ لأنه روى عنه جماعة، وأخرج له مسلم، ووثقه ابن حبّان، والذهبيّ في «الكاشف»، ولا يُعلم فيه جرح لأحد، فتنبّه.