HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٦٨٠

حدثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل (يَعْنِي ابْنَ علية) عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به. فإن كان لابد متمنيا فليقل: اللهم! أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص64
ج ٤ ص ٢٠٦٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن النسائي وغيرها
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٢ ص٤٩
رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأنصَارِيُّ) هو: إسحاق بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن يزيد الخطميّ، أبو موسى المدنيّ، قاضي نيسابور، ثقةٌ متقنٌ [١٠] (ت ٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٤٣/ ٢٨٢. ٢ - (أنسُ بْنُ عِيَاضِ) بن ضَمْرة، أو عبد الرحمن الليثيّ، أبو ضَمْرة المدنيّ، ثقة [٨] (ت ٢٠٠) وله ست وتسعون سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ٨١/ ٤٣٣. ٣ - (الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ) - بضم المعجمة، وموحدتين - هو: الحارث بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن أبي ذُباب الدَّوْسيّ - بفتح الدّال - المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٥] (ت ١٤٦) (عخ م مد ت س ق) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٥٤/ ١٥٢٩. ٤ - (عَطَاءُ بْنُ مِينَاءَ) - بكسر الميم، وسكون التحتانية، ثم نون - أبو معاذ المدنيّ، وقيل: البصريّ، صدوقٌ [٣] (ع) تقدم في «الإيمان» ٧٧/ ٣٩٨. و«أبو هريرة - ﵁ -» ذُكر قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤) - (بَابُ كَرَاهَةِ تَمَنِّي الْمَوتِ؛ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٩٠] (٢٦٨٠) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ - عَنْ عَبْدِ الْعَزِيز، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَتَمَنَّيَن أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ؛ لِضُرٍّ نَزَلَ بِه، فَإنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا، فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي»). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الإسناد المذكور قبل حديث، و«عبد العزيز» هو: ابن صُهيب، وهو من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٤١٩) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنْ أنسِ) بن مالك - ﵁ -؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ) بالنون المشددة، فـ»لا«ناهية، والفعل مؤكّد بنون التوكيد الثقيلة. وسيأتي في الحديث المذكور آخر الباب بلفظ:»لا يتمنّى«بإثبات الألف، وسيأتي الكلام عليه هناك - إن شاء الله تعالى -. [تنبيه]: زاد البخاري في أول هذا الحديث من طريق الزهريّ، عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف:«أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: »لن يُدخل أحدًا عملُه الجنّة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: لا، ولا أنا، إلا أن يتغمّدني الله بفضل، ورحمة، فسدّدوا، وقاربوا، ولا يتمنّينّ أحدكم الموت. . .« الحديث. (أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ) الخطاب للصحابة - ﵃ -، والمراد هُمْ ومَن بَعدَهم من المسلمين عمومًا. (لِضُرٍّ) بضمّ الضاد المعجمة، وفَتْحها، قرئ بهما في السبع. (نَزَلَ بِهِ)؛ أي: لأجل ضرر حصل له في بدنه، أو أهله، أو ماله، قال التوربشتيّ: النهي عن تمنّي الموت، وإن أُطلق في هذا الحديث فالمراد منه: المقيّد، كما في الحديث الآتي، فعلى هذا: يُكره تمنّي الموت من ضرّ أصابه في نفسه، أو ماله؛ لأنه في معنى التبرّم عن قضاء الله في أمر يضرّه في دنياه، وينفعه في آخرته، ولا يُكره للخوف في دينه من فساد. انتهى. وقال في «الفتح»: حَمَل هذا الضرّ جماعة من السلف على الضر الدنيويّ، فإن وُجد الضر الأخرويّ، بأن خَشِي فتنة في دينه، لم يدخل في النهي، ويمكن أن يؤخذ ذلك من رواية ابن حبان: «لا يتمنينّ أحدكم الموت؛ لضر نزل به في الدنيا»، على أن «في» في هذا الحديث سببية؛ أي: بسبب أمر من الدنيا، وقد فعل ذلك جماعة من الصحابة - ﵃ -، ففي «الموطأ» عن عمر - ﵁ -؛ أنه قال: «اللَّهُمَّ كَبِرت سنّي، وضعفت قوّتي، وانتشرت رعيّتي، فاقبضني إليك غير مضيّع، ولا مفَرِّط»، وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر، عن عمر - ﵁ -. وأخرج أحمد وغيره من طريق عبس، ويقال: عابس الغفاريّ؛ أنه قال: يا طاعون خذني، فقال له عُلَيم الكِنديّ: لِمَ تقول هذا؟ ألم يقل رسول الله - ﷺ -: «لا يتمنينّ أحدكم الموت»، فقال: إني سمعته يقول: «بادروا بالموت ستًّا: إمرة السفهاء، وكثرة الشُّرَط، وبيع الحكم. . .» الحديث. وأخرج أحمد أيضًا من حديث عوف بن مالك نحوه، وأنه قيل له: ألم يقل رسول الله - ﷺ -: «ما عُمِّر المسلم كان خيرًا له. . .» الحديث، وفيه الجواب نحوه، وأصرح منه في ذلك حديث معاذ الذي أخرجه أبو داود، وصححه الحاكم في القول في دُبُر كل صلاة، وفيه: «وإذا أردت بقوم فتنة، فتوفّني إليك غير مفتون». (فَإنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا) اسم «كان» ضمير يعود إلى «أحدكم»، و«متمنّيًا» خبرها، وجملة: «لا بُدّ» معترضة، وهي في محل نصب على الحال، قال الفيّوميّ - ﵀ -: «لا بُدّ من كذا»؛ أي: لا مَحِيد عنه، ولا يُعرف استعماله إلا مقرونًا بالنفي. انتهى . وحاصل المعنى: أنه لا يجوز لأحد أن يتمنّى الموت، فإن كان لا محيد عن التمنّي، فلا يتمنّ صريحًا، بل يعدل عنه إلى التفويض إلى الله تعالى الذي هو أعلم بمصالح عباده، وهو بهم رؤوف رحيم، فيسأله معلقًا بوجود الخير فيه. وفي رواية للبخاريّ: «فإن كان لا بُدّ فاعلًا، فليقل …»، وفي لفظ له: «فإن كان ولا بدّ متمنيًا للموت، فليقل. . .» الحديث؛ أي: فلا يتمنّ صريحًا، بل يعدل عنه إلى التعليق بوجود الخير فيه. قال في «الفتح»: وهذا يدلّ على أن النهي عن تمنّي الموت مقيّد بما إذا لم يكن على هذه الصيغة؛ لأن في التمني المطلق نوع اعتراض، ومراغمة للقدر المحتوم، وفي هذه الصورة المأمور بها نوع تفويض، وتسليم للقضاء. قال: وفي قوله: «فإن كان، لا بدّ … إلخ» ما يَصرِفُ الأمرَ عن حقيقته من الوجوب، أو الاستحباب، ويدلّ على أنه لمطلق الإذن؛ لأن الأمر بعد الحظر لا يبقى على حقيقته، وقريب من هذا السياق ما أخرجه أصحاب «السنن» من حديث المقدام بن معد يكرب: «حسبُ ابن آدم لُقيمات يُقمن صُلبه، فإن كان ولا بدّ، فثلث للطعام. . .» الحديث؛ أي: إذا كان لا بدّ من الزيادة على اللُّقيمات، فليقتصر على الثلث، فهو إذن بالاقتصار على الثلث، لا أمْر يقتضي الوجوب، ولا الاستحباب. انتهى . (فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِني)؛ أي: أبقني على الحياة، (مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ) «ما» مصدريّة ظرفية؛ أي: مدّة كون الحياة (خيرًا لِي)؛ أي: من الموت، وهو أن تكون الطاعة غالبة على المعصية، والأزمنة خالية عن الفتن والمحن، (وَتَوَفَّني)؛ أي: أمِتْني (إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لي«)؛ أي: من الحياة، بأن يكون الأمر بعكس ما تقدّم. قال الحافظ العراقيّ - ﵀ - في«شرح الترمذيّ»: لمّا كانت الحياة حاصلة، وهو متّصف بها حَسُن الإتيان بـ«ما»؛ أي: ما دامت الحياة متصفة بهذا الوصف، ولمّا كانت الوفاة معدومة في حال التمني لم يحسن أن يقول:«ما كانت»، بل أتى بـ«إذا»الشرطيّة، فقال:«إذا كانت»؛ أي: إذا آل الحال إلى أن تكون الوفاة بهذا الوصف. انتهى. والظاهر: أن هذا التفصيل، يشمل ما إذا كان الضرّ دينيًّا أو دنيويًّا، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٦٧٩٠ و٦٧٩١ و٦٧٩٢] (٢٦٨٠)، و(البخاريّ) في«المرضى»(٥٦٧١) و«الدعوات»(٦٣٥١)، و(أبو داود) في«الجنائز»(٣١٠٨)، و(الترمذيّ) في«الجنائز»(٩٧١)، و(النسائيّ) في«المجتبى»(١٨٢٠ و١٨٢١) وفي«الكبرى»(١٩٤٦ و١٩٤٧) وفي«عمل اليوم والليلة»(١٠٥٥ و١٠٥٧ و١٠٥٩ و١٠٦٠ و١٠٦١)، و(ابن ماجه) في«الزهد»(٤٢٦٥)، و(ابن أبي شيبة) في«مصنّفه»(٦/ ٤٤)، و(أحمد) في«مسنده»(٣/ ١٠١ و١٠٤ و١٦٣ و٢٤٧)، و(عبد بن حميد) في«مسنده»(١٢٤٦ و١٣٩٨)، و(ابن حبّان في«صحيحه»(٢٩٦٦ و٣٠٠١)، و(القضاعيّ) في«مسند الشهاب»(١٩٣٧)، و(الطبرانيّ) في«المعجم الصغير»(١/ ١٣٨)، و(أبو يعلى) في«مسنده»(٦/ ٤٢٧ و٤٥٥ و٧/ ٦)، و(البيهقيّ) في«الكبرى»(٣/ ٣٧٧) وفي«شُعب الإيمان»(٧/ ١٨٠ و٢٣٨)، و(البغويّ) في«شرح السُّنَّة»(١٤٤٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن تمني الموت، وعن الدعاء به، وهو محمول على الكراهة على ما قيل، وحَمَله بعضهم على التحريم، وهو الظاهر. ٢ - (ومنها): أن قوله:«فإن كان لا بدّ متمنيًا، فليقل: اللَّهُمَّ أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي»، ليس المراد بهذا الأمر استحباب الدعاء به لهذا، بل تَرْكه أفضل من الدعاء به، فإنه رتَّب الأمر به على كون المتمني لا بدّ أن يقع منه صورة تمنّ مع نهيه أوّلًا عن ذلك، وكذا قال النوويّ: في هذه الحالة الأفضل الصبر، والسكون للقضاء. ٣ - (منها): ما قاله في«الفتح»: لا يَرِد على هذا الحديث مشروعية الدعاء بالعافية مثلًا؛ لأن الدعاء بتحصيل الأمور الأخروية، يتضمن الإيمان بالغيب، مع ما فيه من إظهار الافتقار إلى الله تعالى، والتذلل له، والاحتياج، والمسكنة بين يديه، والدعاء بتحصيل الأمور الدنيوية؛ لاحتياج الداعي إليها، فقد تكون قُدّرت له إن دعا بها، فكل من الأسباب والمسببات مقدّر، وهذا كله بخلاف الدعاء بالموت، فليست فيه مصلحة ظاهرة، بل فيه مفسدة، وهي طلب إزالة نعمة الحياة، وما يترتب عليها من الفوائد، لا سيما لمن يكون مؤمنًا، فإن استمرار الإيمان من أفضل الأعمال، والله أعلم. انتهى . ٤ - (ومنها): أن الحديث قد دلّ على أن الوفاة قد تكون خيرًا للعبد، فما الجمع بينه وبين قوله في حديث أبي هريرة - ﵁ -: «وإنه لا يزيد المؤمن من عمره إلا خيرًا؟». [قلت]: إنْ حُمل المؤمن على الكامل في الإيمان، فالأمر في ذلك واضح، فإن ذلك الذي تكون الوفاة خيرًا له ليس كامل الإيمان، وإنْ حُمل على مطلق الإيمان، فالغالب أن تكون الحياة خيرًا له، كما تقدم، وهذه الصورة التي تكون الوفاة فيها خيرًا له نادرة، فلا يدعو بها، ولا يعتمد عليها على ظنّ نفسه فيها، إلا إن وَكَل الأمر في ذلك إلى علم الله تعالى، قاله وليّ الدين - ﵀ - . (المسألة الرابعة): في الحديث النهي عن تمنّي الموت، وعن الدعاء به، وهو محمول على الكراهة، كما حَكَى العراقيّ - ﵀ - في «شرح الترمذيّ» الإجماع عليه، وقال: إن هذا هو الصارف عن حمل النهي على التحريم، قال وليّ الدين: لكن صرّح أبو عمر بن عبد البرّ بالتحريم، فقال: المتمني للموت ليس بمحبّ للقاء الله - ﷿ -، بل هو عاصٍ لله تعالى في تمنّيه للموت؛ إذا كان بالنهي عالِمًا، ثم قال العراقيّ: وقد صحّ عن عمر - ﵁ - الدعاء بالموت، فيما رواه مالك في «الموطإ» أنه قال: اللَّهُمَّ قد ضَعُفت قوّتي، وكَبُرت سنّي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيِّع، ولا مقصِّر، فما جاوز ذلك الشهر حتى قُبض - ﵁ -. قال العراقيّ: وليس فيه أن ذلك لخوف فتنة. وتعقّبه ولده، فقال: بل ظاهره أنه لخوف فتنة في الدين، فإنه خائف لضَعف قوته، وانتشار رعيته، وكثرتهم، أن يقع تضييع منه لأمورهم، وتقصير في القيام بحقوقهم، فلمّا خَشِي هذه الفتنة دعا بالموت. قال العراقيّ: وقد جاء تمني الموت عن جماعة من السلف خوفًا من إظهار أحوالهم التي بينهم وبين الله تعالى، لا يحبون اطلاع الخلق عليها. قال وليّ الدين: الظاهر أن ذلك لخوف الفتنة في الدين أيضًا، خَشُوا من ظهور أعمالهم وأحوالهم وخروجها من السرّ إلى العلانية تطرّق المفسدات إليها، من الرياء، والإعجاب، وكانوا في راحة بالاختفاء، فطلبوا الموت خوفًا من مفسدة الظهور. [فإن قلت]: دعا يوسف الصديق - ﵇ - بالموت في قوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]، قال قتادة: لم يتمن الموت أحد إلا يوسف - ﵇ - حين تكاملت عليه النعم، وجُمع له الشمل اشتاق إلى لقاء ربه. قال وليّ الدين: المختار في تفسير تلك الآية أن مراده: توفّني عند حضور أجَلي مسلمًا، وليس مراده استعجال الموت، وبتقدير حَمْلها على الدعاء بالموت، فقد اختَلَف أهل الأصول في أن شرع من قبلنا، هل هو شرع لنا أم لا؟ وبتقدير أن يكون شرعًا لنا، فشَرْطه أن لا يَرِد في شرعنا ما ينسخه، وقد وَرَدَ في شرعنا نَسْخه في هذا الحديث. [فإن قلت]: فقد دعا النبيّ - ﷺ - بالموت حيث قال في آخر مرض موته: «اللَّهُمَّ اغفر لي، وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى»، وقد أورده البخاريّ في «صحيحه» في «باب تمني المريض الموت». [قلت]: ليس هذا دعاء بالموت، وإنما هو رِضًى به عند مجيئه، فإن الأنبياء - صلوات الله عليهم وسلامه - لا يُقبَضُون عند انتهاء آجالهم حتى يُخَيَّروا؛ إكرامًا لهم، وتعظيمًا لشأنهم، ولن يختاروا لأنفسهم إلا ما يختاره الله لهم، فلما خُيّر النبيّ - ﷺ - عند انتهاء أجله اختار ما اختاره الله له، ورضي بالموت، وأحبه، وطلبه بعد التخيير، لا ابتداء، وقد قال في الحديث: «ولا يَدْع به من قبل أن يأتيه»، وذلك يقتضي أنه لا كراهة في طلبه عند تحقق مجيئه؛ لِمَا في ذلك من إظهار الرضا بقضاء الله تعالى، والاستبشار بما يَرِد من عنده، ولكن الآحاد لا سبيل إلى تحقيق هذا، وأن يخيَّروا على لسان ملَك مشافهةً صريحةً، وغاية ما يقع للواحد منهم منام، أو خاطر صحيح، لا يَصِل به إلى القطع به، ولو استَبْشَر عند ذلك بقلبه؛ لِمَا يَرِد عليه من أمر الله لكان حسنًا، والله تعالى أعلم . [فإن قلت]: إذا منعتم أن يكون للآحاد طريق إلى تحقيق هذا، وحسمتم الباب فيه، فما معنى هذا التقييد في قوله: «من قبل أن يأتيه»؟. [قلت]: فيه وجهان: أحدهما: أنه أشار بذلك إلى حالة نزول الموت، فإنه ينبغي للعبد أن تكون حاله فيها حال المتمني للموت الداعي به، راضيًا به مطمئن القلب إلى ما ورد عليه من أمر الله تعالى، غير جازع، ولا قَلِقٍ. ثانيهما: أنه أشار بقوله: «من قبل أن يأتيه» إلى أن في الدعاء بالموت قبل حلوله نوع اعتراض، ومراغمة للمقدور المحتوم. [فإن قلت]: وسائر الأدعية كذلك؛ لأنها إما مقدَّرة، فلا فائدة في سؤالها؛ لوقوعها لا محالة، أو غير مقدَّرة، ففي سؤالها اعتراض، ومراغمة للقَدَر، وهذا يؤدي إلى سدّ باب الدعاء، وهو باطل. [قلت]: أما الدعاء بالمغفرة، والرحمة، والأمور الأخروية، ففيه إظهار الافتقار، والمسكنة، والخضوع، والتذلل، والاحتياج. وأما الدعاء بالأمور الدنيوية، فلاحتياج للعبد إليها، وظهور المصلحة فيها، وقد تكون قُدِّرت له إن دعا بها، دون ما إذا لم يَدْع بها، فالأسباب مقدرة، كما أن المسبَّبات مقدرة، وأما الدعاء بالموت، فلم يَظهر فيه مصلحة؛ لِمَا فيه من طلب إزالة نعمة الحياة، وما يَترتب عليها من الفوائد، كما سيأتي تقريره . (المسألة الخامسة): أشار النبيّ - ﷺ - إلى المعنى في النهي عن تمني الموت، والدعاء به، وهو انقطاع الأعمال بالموت، ففي الحياة زيادة الأجور، بزيادة الأعمال، ولو لم يكن إلا استمرار الإيمان، فأيُّ عمل أعظم منه؟ وقد قال النبيّ - ﷺ - لَمّا سُئل عن أفضل الأعمال -: «إيمان بالله»، فبدأ به. [فإن قلت]: قد يُسلب الإيمان بالله - والعياذ بالله -. [قلت]: إنْ سبق له في علم الله خاتمة السوء، فلا بدّ من وقوع ذلك، طال عمره، أو قَصُر، وإن سبقت له السعادة، فزيادة عمره زيادةٌ في حسناته، ورَفْع في درجاته، كَثُرت أو قلّت. وقد رَوَى أحمد في «مسنده» من رواية عليّ بن يزيد، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة - ﵁ - قال: جلسنا إلى رسول الله - ﷺ -، فذَكَّرنا، ورَقَّقنا، فبكى سعد، فأكثر البكاء، فقال: يا ليتني متّ، فقال النبيّ - ﷺ -: «يا سعد أعندي تتمنى الموت؟» فردّد ذلك ثلاث مرات، ثم قال: «يا سعد إن كنت خُلقت للجنة فما طال من عمرك، أو حَسُن من عملك، فهو خير لك». [فإن قلت]: فما معنى قوله: «وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا»، فقد يزيده شرًّا بالأعمال السيئة؟. [قلت]: إنْ حُمل على المؤمن الكامل الإيمان، فواضح، فإن ذاك لا يصدر منه إلا خير، وإنْ حُمل على مطلق المؤمن، بحيث يتناول المخلِّط فهو أيضًا لا يزيده عمره إلا خيرًا؛ لكثرة المكفرات، والمضاعفة للأعمال الصالحة، فما دام معه أصل الأعمال، فحسناته مقبولة مضاعفة، وسيئاته محفوفة بالمكفِّرات، بحيث لا يبقى منها إن شاء الله إلا اليسير، يمحوه الكرم المحض، والعفو العظيم. [فإن قلت]: قوله في الرواية الأخرى: «إما محسنًا فلعله يزداد، وإما مسيئًا فلعله يَسْتَعْتِب»، يُسأل عنه، فيقال: لم تنحصر القسمة في هذين الوصفين، فلعله بكونه مسيئًا يزداد إساءة، فيكون زيادة العمر زيادة له في السيئات، كما في الحديث الصحيح: «شرّ الناس من طال عمره، وساء عمله»، أو لعله يكون محسنًا، فتنقلب حاله إلى الإساءة - والعياذ بالله تعالى -. [قلت]: تَرَجِّي النبيّ - ﷺ - له زيادة الإحسان، أو الانكفاف عن السوء، فبتقدير أن يدوم على حاله، فإذا كان معه أصل الإيمان، فهو خير له بكل حال، كما تقدّم، وعلى تقدير أن يخف إحسانه، فذاك الإحسان الخفيف الذي دام عليه، مضاعف له مع أصل الإيمان، وإن زادت إساءته، فالإساءة كثير منها يُكَفَّر، وما لا يُكفَر يُرجَى العفو عنه، كما تقدم، فما دام معه الإيمان فالحياة خير له، كما تقدم. وقال الحافظ العراقيّ - ﵀ - في «شرح الترمذيّ»: هذا خرج مخرج الرجاء، وحُسن الظن بالله تعالى، وأن المحسن يرجو من الله تعالى الزيادة في توفيقه للزيادة فيه، وأن المسيء لا ينبغي له القنوط، بل لا يقطع رجاءه من الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ الآية [الزمر: ٥٣] انتهى. (المسألة السادسة): أطلق في حديث أبي هريرة - ﵁ - النهي عن تمني الموت، وقيّده في حديث أنس - ﵁ - في «الصحيحين» بأن يكون تمنّيه لضرّ نزل به، فقال: «لا يتمنينّ أحدكم الموت؛ لضرّ نزل به»، ومطلق الضرّ يشمل الدنيويّ، والأخرويّ، لكن المراد إنما هو الضرّ الدنيويّ، من مرض، أو فاقة، أو محنة، من عدوّ، أو نحو ذلك، من مشاقّ الدنيا، كما هو مبيَّن في رواية النسائيّ، وابن حبان، في «صحيحه»، فقال: «لا يتمنينّ أحدكم الموت؛ لضرّ نزل به في الدنيا»، وهو الذي أراده أيوب - ﵇ - في قوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرّ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، وإخوة يوسف - ﵇ - في قولهم: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ [يوسف: ٨٨]، فأما الضر في الدين، فهو خوف الفتنة في دِينه، فالظاهر أنه لا بأس معه بالدعاء بالموت، وتمنيه، ويدلّ لذلك قوله في حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: «لا تقوم الساعة حتى يمرّ الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه، وليس به الدّين، إلا البلاء»، متّفقٌ عليه. [فإن قلت]: قد عُرف أن تمني الموت للضرّ الدنيوي منهيّ عنه، والضرّ الأخرويّ لا بأس به، فإذا كان تمنيه لغير ضرّ دنيويّ، ولا أخرويّ، كيف حكمه؟. [قلت]: مقتضى حديث أبي هريرة - ﵁ - النهي عنه، ومفهوم التقييد بالضرّ في حديث أنس - ﵁ - أنه غير منهيّ عنه، وقد يقال: هذا المفهوم غير معمول به؛ لأن التقييد خرج مخرج الغالب، في أن الناس لا يتمنون الموت إلا لضرّ نزل بهم، فيفعلون ذلك ضيقًا وضجرًا وسخطًا للمقدور، ولم تَجْر عادة الناس بتمني الموت بغير سبب، وما خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، ولعل هذا أرجح، فيكون تمني الموت في صورة انتفاء الضرر الدنيويّ والأخرويّ منهيًّا عنه أيضًا. وقد يستثنى من النهي صورة أخرى، وهي ما إذا فَعَل ذلك شوقًا إلى الله تعالى ورسوله - ﷺ -، فلا بأس به، وقد فعله جماعة من السلف، ورُوي عن ابن مسعود - ﵁ -، أنه قال: «ليأتينّ عليكم زمان، يأتي الرجل إلى القبر، فيقول: يا ليتني مكان هذا، ليس به حبّ الله، ولكن من شدّة ما يرى من البلاء»، وهذا في حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال مثله من قِبَل الرأي، فظهر بذلك أن تمني الموت، والدعاء به جائز، إن كان لمصلحة دينية، وهو خوف الفتنة في دينه، أو الشوق إلى الله تعالى ورسوله - ﷺ -، إن كان في ذلك المقام، ومكروه فيما عدا ذلك، وفي حديث معاذ مرفوعًا: «وإذا أردت بالناس فتنة، فتوفني إليك غير مفتون»، وقال تعالى حكاية عن مريم - ﵇ -: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣]. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قرّر وليّ الدين - ﵀ - استثناء تمنّي الموت حبًّا لله تعالى، ورسوله - ﷺ -، وعندي في ذلك نظر، فعموم حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: «لا يتمنّى أحدكم الموت، إما محسنًا فلعله يزداد، وإما مسيئًا فلعله يَستعتب» - رواه البخاريّ بهذا اللفظ -، عامّ يتناول هذا المستثنى، فلا وجه لاستثنائه، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (المسألة السابعة): [إن قلت]: إذا كانت الآجال مقدرةً، لا يزداد فيها، ولا ينقص منها، فما الذي يؤثر تمني الموت في ذلك، وما الحكمة من النهي عنه؟. [قلت]: هذا هو المعنى المقتضي للنهي عنه؛ لأنه عَبَث، لا فائدة فيه، وفيه مراغمة المقدور، وعدم الرضا به، مع ما تقدم من كون المؤمن لا يزيده عمره إلا خيرًا. [فإن قلت]: إذا تقرر أن التمني للموت لا يؤثر في الأعمال؛ لتقديرها، فما معنى قوله - ﷺ - في اليهود: «أنهم لو تمنوا الموت لماتوا جميعًا»؟ [قلت]: ذاك قاله النبيّ - ﷺ - بوحي خاصّ، أوحي إليه في حقّ أولئك اليهود أنهم لو تمنّوا الموت لماتوا، فرُتِّبت آجالهم على وصفٍ إن وُجد منهم ماتوا، وإن لم يوجد بَقُوا إلى وقت مقدّر لهم، والله تعالى يعلم هل يتمنون الموت، فتقرب آجالهم، أو لم يتمنونه، فتبعد آجالهم؟ والأسباب مقدرة، كما أن المسبَّبات مقدرة، وهذا كما في الحديث الصحيح؛ أنه قيل للنبيّ - ﷺ -: أرأيت رُقًى نَسترقِي بها، ودواءً نَتَدَاوى به، هل يردّ من قدر الله شيئًا؟، فقال: «هي من قدر الله تعالى». ذكر الفوائد كلها الحافظ وليّ الدين العراقيّ - ﵀ - في كتابه الممتع «طرح التثريب في شرح التقريب» ، وهي فوائد حسان، ونُزهة قرائح ذوي العرفان، والله تعالى المستعان، وعليه التكلان. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٩١] (. . .) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنا عَفَّانُ، حَدَّثنا حَمَادٌ - يَعْني: ابْنَ سَلَمَةَ - كِلَاهُمَا عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أنسٍ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - بِمِثْلِه، غَيْرَ أنَّهُ قَالَ: (مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (ابْنُ أَبِي خَلَفٍ) محمد بن أحمد بن أبي خَلَف السّلَميّ البغداديّ الْقَطِيعيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٧) مات وله سبع وستون سنةً (م د) تقدم في«الإيمان»٩٢/ ٥٠٢. ٢ - (رَوْحُ) بن عُبادة بن العلاء بن حَسّان الْقَيْسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت ٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في«الإيما »٩٠/ ٤٧٦. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قريبًا. ٤ - (عَفَّانُ) بن مسلم بن عبد الله الباهليّ أبو عثمان الصفّار البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، قال ابن المدينيّ: كان إذا شكّ في حرف من الحديث تركه، ورُبّما وَهِم، من كبار [١٠] (ت ٢٢٠) (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٤٤. ٥ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر حِفظه بأخرة، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في«المقدمة»٦/ ٨٠. ٦ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع و(٢٢٠) وله ست وثمانون سنةً (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٨٠. والباقيان ذُكرا في الباب وقبله. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ ثَابِتٍ)؛ يعني: أن كلًّا من شعبة، وحمّاد بن سلمة رويا هذا الحديث عن ثابت، عن أنس - ﵁ -. وقوله: (غَيْرَ أنَّهُ قَالَ) ضمير«أنه»، لثابت، وكذا فاعل«قال»ضميره أيضًا. [تنبيه]: أما رواية شعبة عن ثابت، فقد ساقها البخاريّ - ﵀ - في«صحيحه»، فقال: (٥٣٤٧) - حدّثنا آدم، حدّثنا شعبة، حدّثنا ثابت البنانيّ، عن أنس بن مالك - ﵁ -، قال النبيّ - ﷺ -:«لا يتمنينّ أحدكم الموت، من ضرّ أصابه، فإن كان لا بدّ فاعلًا، فليقل: اللَّهُمَّ أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي». انتهى . وقد ساقها أيضًا أحمد - ﵀ - في«مسنده»بسند المصنّف، فقال: (١٣١٨٨) - حدّثنا رَوْح، ثنا شعبة، قال: سمعت ثابتًا البنانيّ قال: سمعت أنس بن مالك، يحدّث عن النبيّ - ﷺ -؛ أنه قال:«لا يتمنّ أحدكم الموت، من ضرّ أصابه، فإن كان لا بدّ فاعلًا، فليقل: اللَّهُمَّ أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفّني ما كانت الوفاة خيرًا لي». انتهى . وأما رواية حمّاد بن سلمة عن ثابت، فقد ساقها أحمد - ﵀ - في«مسنده»بسند المصنّف، فقال: (١٣٦٠٤) - حدّثنا عفان، أنا حماد، عن ثابت، عن أنس؛ أن النبيّ - ﷺ - قال:«لا يتمنينّ أحدكم الموت، من ضرّ أصابه، ولكن ليقل: اللَّهُمَّ أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي». انتهى . وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٦٧٩٢] (. . .) - (حَدَّثَنِي حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِد، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أنسٍ، وَأَنَسٌ يَوْمَئِذٍ حَيٌّ، قَالَ أَنَسٌ: لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ:«لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ»لَتَمَنَّيْتُهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عمر بن عبيد الله بن أبي بكرة الثقفيّ البكراويّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، قاضي كرمان، وقيل: إن حفصًا جده هو ابن عبد الرحمن بن أبي بكرة، ثقة [١٠] (٢٣٣) (خ م) تقدم في«الطهارة»٢٦/ ٦٤٩. ٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زياد العبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (١٧٦) وقيل: بعدها (ع) تقدم في«الطهارة»١١/ ٥٨٤. ٣ - (عَاصِمُ) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ، لم يتكلم فيه إلا القطان، فكأنه بسبب دخوله في الولاية [٤] مات بعد سنة أربعين ومائة (ع) تقدم في«المقدمة»٥/ ٢٧. ٤ - (النَّضْرُ بْنُ أَنَسِ) بن مالك الأنصاريّ، أبو مالك البصريّ، ثقةٌ [٣] مات سنة بضع ومائة (ع) تقدم في«العتق»٢/ ٣٧٦٧. و«أنس - ﵁ -»ذُكر قبله. وقوله: (حَدَّثنَا عَاصِمٌ) هو ابن سليمان المعروف بالأحول، وقد سَمع من أنس، وربما أدخل بينهما واسطة كهذا، قاله في«الفتح». وقوله: (وَأنسٌ يَوْمَئِذٍ حَيٌّ) جملة حاليّة؛ يعني: أن النضر حدّث عاصمًا بهذا الحديث، والحال أن أنسًا - ﵁ - حيّ؛ يعني: أن النضر حدّث به في حياة أبيه. وقوله: (لَا يَتَمَنَّيَنَّ) وفي رواية للبخاريّ:«لا يتمنَّى»، قال في«الفتح»: قوله:«لا يتمنى»كذا للأكثر بلفظ النفي، والمراد به النهي، أو هو للنهي، وأُشبعت الفتحة، ووقع في رواية الكشميهنيّ:«لا يتمنينّ»بزيادة نون التأكيد، ووقع في رواية همام:«لا يتمنّ أحدكم الموت، ولا يَدْع به قبل أن يأتيه»، فجَمَع في النهي عن ذلك بين القصد والنطق، وفي قوله:«قبل أن يأتيه»إشارة إلى الزجر عن كراهيته إذا حضر؛ لئلا يدخل فيمن كره لقاء الله تعالى، وإلى ذلك الإشارة بقوله - ﷺ - عند حضور أجله:«اللَّهُمَّ ألحقني بالرفيق الأعلى»، وكلامه - ﷺ - بعدما خُيِّر بين البقاء في الدنيا والموت، فاختار ما عند الله، وقد خَطَب بذلك، وفهمه عنه أبو بكر الصديق - ﵁ -، كما تقدم بيانه في«المناقب». وحكمة النهي عن ذلك أن في طلب الموت قبل حلوله نوع اعتراض، ومراغمة للقدر، وإن كانت الآجال لا تزيد، ولا تنقص، فإن تمني الموت لا يؤثر في زيادتها، ولا نقصها، ولكنه أمر قد غُيِّب عنه. قال النوويّ - ﵀ -: في الحديث التصريح بكراهة تمني الموت؛ لضرّ نزل به، من فاقة، أو محنة بعدوّ ونحوه، من مشاق الدنيا، فأما إذا خاف ضررًا، أو فتنة في دِينه فلا كراهة فيه؛ لمفهوم هذا الحديث، وقد فعله خلائق من السلف لذلك، وفيه أن من خالف، فلم يصبر على الضرّ، وتمنى الموت لضرّ نزل به، فليقل الدعاء المذكور.
مصادر المؤلف (١١)

١. «المصباح المنير» ١/ ٣٨.

٢. «الفتح»١٣/ ٤٥ - ٤٦،«كتاب المرضى»رقم (٥٦٧١).

٣. «الفتح» ١٧/ ٨١ - ٨٢، «كتاب التمنّي» رقم (٧٢٣٥).

٤. «طرح التثريب» ٣/ ٢٥٨.

٥. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٣/ ٢٥٤.

٦. «طرح التثريب في شرح التقريب» ٣/ ٢٥٤ - ٢٥٥.

٧. «طرح التثريب في شرح التقريب»٣/ ٢٥٣ - ٢٥٨.

٨. «صحيح البخاريّ»٥/ ٢١٤٦.

٩. «مسند الإمام أحمد بن حنبل»٣/ ٢٠٨.

١٠. «مسند الإمام أحمد بن حنبل»٣/ ٢٤٧.

١١. «الفتح» ١٧/ ٨٢.