HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٧٩٥

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ الله بن سعيد الأشج (واللفظ لعبد الله). قالا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي الضُّحَى، عن مسروق عن خباب قال: كان لي على العاص بن وائل دين. فأتيته أتقاضاه. فقال لي: لن أقضيك حتى تكفر بمحمد. قال فقلت له: إني لن أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث. قال: وإني لمبعوث من بعد الموت؟ فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد. قال وكيع: كذا قال الأعمش. قال فنزلت هذه الآية: ﴿أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا﴾ [١٩ /مريم] إلى قوله: ﴿ويأتينا فردا﴾.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص129
ج ٤ ص ٢١٥٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٣ ص٣٢٦
يجيبه أحد، فيردّ على نفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، وذلك بعد انقطاع ألفاظ خلقه بموتهم، أفهذا مخلوق؟ انتهى. وأشار بذلك إلى الرد على من زعم أن اللَّه يخلُق كلامًا، فيسمعه من شاء بأن الوقت الذي يقول فيه: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ لا يبقى حينئذ مخلوق حيًّا، فيجيب نفسه، فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، فثبت أنه يتكلم بذلك، وكلامه صفة من صفات ذاته مخلوق. وعن أحمد بن سَلَمة، عن إسحاق بن راهويه قال: صَحّ أن اللَّه يقول بعد فناء خلقه: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾، فلا يجيبه أحد، فيقول لنفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. قال: ووجدت في كتاب عند أبي، عن هشام بن عبيد اللَّه الرازي قال: إذا مات الخلق، ولم يبق إلا اللَّه، وقال: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾، فلا يجيبه أحدٌ، فيردّ على نفسه، فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، قال: فلا يشك أحدٌ أنّ هذا كلام اللَّه، وليس بوحي إلى أحد؛ لأنه لم تَبْقَ نفس فيها روح إلا وقد ذاقت الموت، واللَّه هو القائل، وهو المجيب لنفسه. وفي حديث الصُّور الطويل: «فإذا لم يبق إلا اللَّه كان آخرًا كما كان أولًا، طَوَى السماء والأرض، ثم دحاها، ثم تلقفهما، ثم قال: أنا الجبار ثلاثًا، ثم قال: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ ثلاثًا، ثم قال لنفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ . وقال الإمام ابن جرير الطبري -﵀- في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]؛ يعني: يقول اللَّه: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ﴾، فترك ذِكر ذلك استغناءً لدلالة الكلام عليه، قال: وقوله: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار﴾ ذكر أن الرب ﷻ هو القائل ذلك مجيبًا لنفسه ، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٢٥] (٢٧٨٨) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «يَطْوِي اللَّهُ -﷿- السَّمَوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ يَطْوِي الأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ) بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب الْعُمريّ المدنيّ، ضعيف [٦] (خت م د ت ق) تقدم في «النكاح» ٢٢/ ٣٥٤٢. [فإن قلت]: كيف أخرج مسلم لعمر بن حمزة، وهو ضعيف؟. [قلت]: لم يُخرج له في الأصول منفردًا، وإنما أخرج له ما تابعه عليه غيره، فقد تابعه أبو حازم عن عبيد اللَّه بن مِقْسم عن ابن عمر في السند التالي، وهي متابعة ناقصة، وأخرجه أيضًا البخاريّ عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر -﵄-، واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر بن الخطاب القرشيّ العدويّ، أبو عُمر، أو أبو عبد اللَّه المدنيّ، أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وكان ثبتًا عابدًا فاضلًا، كان يُشَبَّه بأبيه في الهدي والسمت، من كبار [٣] مات في آخر سنة ست ومائة على الصحيح (ع) تقدم في «الإيمان» ١٤/ ١٦٢. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. شرح الحديث: (عَنْ سَالِمِ بْنٍ عَبْدِ اللَّهِ)؛ أنه قال: (أَخْبَرَنِي) أبي (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب -﵄- (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «يَطْوِي)؛ أي: يجمع (اللَّهُ -ﷺ- السَّمَوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ)؛ أي: السماوات (بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثم يَقُولُ) اللَّه -﷾-: (أَنَا الْمَلِكُ)، وفي الرواية الثالثة: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَقُولُ:»يَأْخُذُ الْجَبَّارُ ﷿ سَمَوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ«، قال ابن الأثير -﵀-:»الجبّار« معناه: الذي يَقهر العباد على ما أراد من أمر ونهي، يقال: جبر الخلق، وأجبرهم، وأجبر أكثرُ، وقيل: هو العالي فوق خلقه، وفَعّالٌ من أبنية المبالغة، ومنه قولهم: نَخْلَةٌ جَبَّارَةٌ، وهي العظيمة التي تفوت يد المتناول. انتهى . وقال الفيّوميّ -﵀-: وأجبرته على كذا بالألف: حَمَلته عليه قهرًا وغلبةً، فهو مُجْبَرٌ، هذه لغة عامّة العرب، وفي لغة لبني تميم، وكثير من أهل الحجاز يَتَكَلَّم بها جَبَرْتُهُ جَبْرًا، من باب قتل، وجُبُورًا، حكاه الأزهريّ، ولفظه: وهي لغة معروفةٌ، ولفظ ابن القَطّاع: وجبرتك لغة بني تميم، وحكاها جماعة أيضًا، ثم قال الأزهريّ: فجبرته وأجبرته لغتان جيّدتان، وقال ابن دُريد في باب ما اتَّفَقَ عليه أبو زيد وأبو عبيدة، مما تكلّمت به العرب، من فَعَلْتُ وأفعلتُ: جبرتُ الرجلَ على الشيء، وأجبرته، وقال الخطابيّ: الجبّار الذي جبر خلقه على ما أراد من أمره ونهيه، يقال: جبره السلطان، وأجبره، بمعنًى، ورأيت في بعض التفاسير عند قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق: ٤٥] أن الثلاثيّ لغةٌ حكاها الفرّاءُ وغيره، واستشْهَد لصحّتها بما معناه: أنه لا يُبنى فَعّالٌ إلا من فِعْل ثلاثيّ، نحو الفتّاح، والعلّام، ولم يجئ من أفعل بالألف إلا دَرّاكٌ، فإن حُمل جَبّارٌ على هذا المعنى، فهو وجه، قال الفرّاء: وقد سمعتُ العرب تقول: جبرته على الأمر، وأجبرته، وإذا ثبت ذلك فلا يُعَوَّل على قول من ضعّفها. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن «الْجَبّار» لغة فصيحة؛ لصحّة ثلاثيّها، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. (أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟)؛ أي: الذين كانوا يتسلّطون على العباد، ويتجبّرون عليهم في الدنيا ظلمًا وعدوانًا، (أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ يَطْوِي الأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ) فيه إثبات الشمال للَّه تعالى على ما يليق بجلاله -﷾- (ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ «) زاد في الرواية التالية:»حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ، يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ«؛ أي: من أسفله إلى أعلاه؛ لأن بحركة الأسفل يتحرك الأعلى، ويَحْتَمل أنّ تحركه بحركة النبيّ -ﷺ- بهذه الإشارة، قاله النووي، وقال القاضي عياض: ويَحْتمل أن يكون بنفسه هيبةً لِسَمْعه، كما حَنّ الجذع، ثم قال: واللَّه أعلم بمراد نبيّه -ﷺ- فيما ورد في هذه الأحاديث من مشكل، ونحن نؤمن باللَّه تعالى وصفاته، ولا نُشَبِّه شيئًا به، ولا نشبّهه بشيء ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وما قاله رسول اللَّه -ﷺ-، وثبت عنه فهو حقّ وصدقٌ، فما أدركنا علمه فبفضل اللَّه تعالى، وما خَفِي علينا آمنّا به، ووَكَلْنا علمه إليه -﷾-، وحملنا لفظه على ما احتمل في لسان العرب الذي خوطبنا به، ولم نقطع على أحد معنييه بعد تنزيهه ﷾ عن ظاهره الذي لا يليق به -﷾-، وباللَّه التوفيق. انتهى. قال، الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قال القاضي عياض -﵀- وأحسنَ القول، خلاف عادته في أحاديث الصفات، وقد نقل هذا الكلام منه النوويّ، وأقرّه عليه، وهو أيضًا خلاف عادته، فإنه وإن ذكر مذهب السلف، إلا أنه يختار مذهب الخلف المؤولين، ويؤيّده، ومن الغريب أنه نقل قبل هذا عن المازريّ في شرح هذا الحديث، أن هذا الكلام استعارة، فقال: وأما إطلاق اليدين للَّه تعالى، فمتأول على القدرة إلى آخر كلامه، وارتضى هذا التأويل السخيف، فهذا تناقضٌ عجيب. والحقّ كما بيّنا غير مرّة أن مذهب السلف هو الأعلم، والأحكم، والأسلم، فلا ينبغي العدول عنه. ولقد أجاد السنديّ -﵀- في حاشيته على ابن ماجه، حيث قال: والحقّ في هذا الحديث، وكذا في نظائره ما ذكره المحقّقون، قال البغويّ -﵀- في «شرح السُّنَّة»: كلُّ ما جاء في الكتاب والسُّنَّة من هذا القبيل في صفاته تعالى؛ كالنفس، والوجه، والعين، والإصبع، واليد، والرجل، والإتيان، والمجيء، والنزول إلى السماء، والاستواء على العرش، والضحك، والفرح، فهذه ونظائرها صفاتٌ للَّه -﷿- وَرَدَ بها السمع، فيجب الإيمان بها، وإمرارُها على ظاهرها، مُعرضًا فيها عن التأويل، مُجتنبًا عن التشبيه، مُعتقدًا أن الباري -﷾- لا يشبه شيءٌ من صفاته صفاتِ الخلق، كما لا تشبه ذاتُهُ ذواتِ الخلق، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وعلى هذا مضى سلف الأمة، وعلماءُ السُّنَّة، تلقّوها جميعًا بالإيمان والقبول، وتجنّبوا فيها عن التمثيل والتأويل، ووكلوا العلم فيها إلى اللَّه تعالى، كما أخبر -﷾- عن الراسخين في العلم، فقال -﷿-: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]. قال سفيان بن عيينة: كلُّ ما وصف اللَّه -﷾- به نفسه في كتابه، فتفسيره قراءته، والسكوت عليه، ليس لأحد أن يفسّره إلا اللَّه -﷿- ورُسله. وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله -﷿-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا ضالًّا، وأمر به أن يُخرَج من المجلس. وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعيّ، وسفيان بن عيينة، ومالكًا عن هذه الأحاديث في الصفات والرؤية، فقالوا: أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف. وقال الزهريّ: على اللَّه البيان، وعلى الرسول البلاع، وعلينا التسليم. وقال بعض السلف: قَدَمَ الإسلام لا يَثبُتُ إلا على قنطرة التسليم. انتهى. وبنحو هذا صرّح كثير من المحقّقين، فعليك به واللَّه الموفّق. انتهى كلام السنديّ -﵀- وهو تحقيقٌ نفيس، وبحث أنيس. واللَّه تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٧٠٢٥ و٧٠٢٦ و٧٠٢٧] (٢٧٨٨)، و(البخاريّ) في «التوحيد» (٧٤١٢)، و(أبو داود) في «السُّنَّة» (٤٧٣٨)، و(ابن ماجه) في «المقدّمة» (١٩٨) و«كتاب الزهد» (٤٣٢٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٧٢ و٧٨)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (٧٤٢)، و(الطبري) في «تفسيره» (٢٤/ ٢٧)، و(ابن خزيمة) في «التوحيد» (٧٣)، و(ابن حبان) في «صحيحه» (٧٣٢٤)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (١٣٣٢٧)، و(البيهقيّ) في «الأسماء والصفات» (٣٣٩ و٣٤٠)، و(ابن ابي عاصم) في «السُّنَّة» (٥٤٧)، و(أبو الشيخ) في «العظمة» (١٣٩)، و(البغويّ) في «التفسير» (٤/ ٨٧) مع اختلاف في الألفاظ. واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٢٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ، أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، كَيْفَ يَحْكِي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «يَأْخُذُ اللَّهُ -﷿- سَموَاتِهِ، وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ ، فَيَقُولُ: أَنَا اللَّهُ -وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ، وَيَبْسُطُهَا- أَنَا الْمَلِكُ» حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ، يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيْءٍ مِنْهُ، حَتَّى إِنِّي لأَقُولُ: أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) بن شعبة، أبو عثمان الخراسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ، مصنِّفٌ، وكان لا يرجع عما في كتابه؛ لشدّة وثوقه به [١٠] (٢٢٧) وقيل: بعدها (ع) تقدم في «الإيمان» ٦١/ ٣٣٨. ٢ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمة بن دينار الأعرج الأَفْزر التَّمّار المدنيّ القاصّ، مولى الأسود بن سفيان، ويقال: مولى بني شِجْع من بني ليث، ومن قال: أشجع فقد وَهِمَ، ثقة عابدٌ [٥] (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٠/ ٣١٣. ٣ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَمٍ) القرشيُّ، مولى ابن أبي نَمِر، المدنيّ، ثقة مشهور [٤] (خ م د س ق) تقدم في «الجنائز» ٢٣/ ٢٢٢٢. والباقيان ذُكرا في الباب وقبله. وقوله: (وَيَقْبِضُ أَصَابِعَهُ، وَيَبْسُطُهَا)؛ أي: يقبض رسول اللَّه -ﷺ- بيده وببسطها حكايةً عن ربّه تعالى. وقوله: (حَتَّى إِنِّي لأَقُولُ: أَسَاقِطٌ) بهمزة الاستفهام، (هُوَ)؛ أي: المنبر، (بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) هذا الاستفهام من ابن عمر -﵄- جرى بينه وبين نفسه. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٢٧] (…) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِم، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِقْسَمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَقُولُ: «يَأْخذُ الْجَبَّارُ -﷿- سَمَوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ»، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ يَعْقُوبَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: وهم المذكورون في السند الماضي، غير واحد، وهو: ١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينار المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٨] (ت ١٨٤) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في «الإيمان» ٤٥/ ٢٩٠. وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ يَعْقُوبَ) فاعل «ذَكَر» ضمير عبد العزيز بن أبي حازم. [تنبيه]: رواية عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه هذه ساقها ابن ماجه -﵀- في «سننه» فقال: (٤٢٧٥) - حدّثنا هشام بن عمار، ومحمد بن الصباح، قالا: ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، حدّثني أبي، عن عبيد الله بن مِقْسَم، عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله -ﷺ-، وهو على المنبر يقول: «يأخذ الجبار سماواته، وأرضيه بيده، وقبض يده، فجعل يقبضها، ويبسطها، ثم يقول. أنا الجبار، أنا الملك، أين الجبارون؛ أين المتكبرون؟» قال: ويتمايل رسول الله -ﷺ- عن يمينه، وعن شماله، حتى نظرت إلى المنبر، يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني لأقول: أساقط هو برسول الله -ﷺ-. انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٣) - (بَابُ ابْتِدَاءِ الْخَلْقِ، وَخَلْقِ آدَمَ -﵇-) قال الجامع عفا الله عنه: هذه الترجمة لا توجد في النسخة الهنديّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٢٨] (٢٧٨٩) - (حَدَّثَنِي سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجِ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَافِعِ مَوْلَىَ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِيَدِي، فَقَالَ: «خَلَقً اللهُ -﷿- التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاَثاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ -﵇- بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فِي آخِرِ الْخَلْقِ، وَفِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ، فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ». قَالَ إِبْراهيمُ: حَدَّثَنا البِسْطاميُّ (وهُوَ الحُسَيْنُ بنُ عِيسَى)، وسَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ، وإِبْراهِيمُ بْنُ بِنْتِ حَفْصٍ، وَغَيْرُهُمْ، عَنْ حَجَّاجٍ، بِهَذَا الحَدِيثِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم البغداديّ، أبو الحارث، مَرُّوذيّ الأصلِ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م س) تقدم في«الإيمان»٢٥/ ٢٠٩. ٢ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان البغداديّ، أبو موسى الْحَمّال، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الْمِصِّيصيّ الأعور، أبو محمد، ترمذيّ الأصل، نزل بغداد، ثم الْمِصِّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه اختَلَط في آخر عمره، لَمّا قَدِم بغداد قبل موته [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٩٤. ٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ) بن عمرو بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية الأمويّ المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (١٤٤) وقيل: قبلها (ع) تقدم في«الإيمان» ٧/ ١٣٢. ٦ - (أَيُّوبُ بْنُ خَالِدِ) بن صفوان بن أوس بن جابر الأنصاريّ المدنيّ، نزيل بُرْقة، ويُعرف بأيوب بن خالد بن أبي أيوب الأنصاريّ، وأبو أيوب جدّه لأمه عمرة، فيه لين [٤]. رَوَى عن أبيه، وعبد الله بن رافع مولى أم لمملمة، وميمونة بنت سعد، وجابر، وزيد بن خالد الجهنيّ. وروى عنه إسماعيل بن أمية، وموسى بن عُبيدة الرّبَذيّ، ويزيد بن أبي حبيب، وغيرهم. فرّق أبو زرعة، وأبو حاتم بين أيوب بن خالد بن أبي أيوب الأنصاريّ، يروي عن أبيه، عن جدّه، وبين أيوب بن خالد بن صفوان، وجعلهما ابن يونس واحدًا. قال الحافظ: وسبب ذلك أن خالد بن صفوان والد أيوب، وأمه عمرة بنت أبي أيوب الأنصاريّ، فهو جدّه لأمه، فالأشبه قول ابن يونس، فقد سبقه إليه البخاريّ، وذكره ابن حبان في «الثقات»، ورجحه الخطيب، وقال الأزديّ في ترجمة إسحاق بن مالك التنيسيّ -بعد أن روى من طريق هذا حديثًا عن جابر-: أيوبُ بنُ خالد ليس حديثه بذاك، تكلم فيه أهل العلم بالحديث، وكان يحيى بن سعيد، ونظراؤه لا يكتبون حديثه. انتهى. أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ رَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ) زوج النبيّ -ﷺ- المخزوميّ، أبو رافع المدنيّ، ثقةٌ [٣] (م ٤) تقدم في «الحيض» ١١/ ٧٥٠. ٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- ذُكر في الباب الماضي. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-، أنه (قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِيَدِي) قال القاري -﵀-: أخْذه -ﷺ- بيده إشارةٌ إلى كمال قربه، ودلالة على تمام حفظه، ولعل في أخذ يده إيماءٌ إلى تعداد أعداد الخمسة، مع قطع النظر عن خلق آدم -﵇- بعد الجمعة، فإنه بمنزلة العلّة الغائبّة، والفذلكة الإيمائية. انتهى . (فَقَالَ) -ﷺ-: («خَلَقَ اللهُ -﷿- التُّرْبَةَ)؛ يعني: الأرض والتُّرْب، والتراب، والتُّرْبة واحد، لكنهم يُطلقون التربة على التأنيث، ذكره ابن الأثير. [تنبيه]: قد وردت للتراب لغات، قد نظمتها بقولي: اعْلَمْ بِأَنَّ لِلتُّرَابِ سُمِعَا … مِنَ اللُّغَاتِ مَا يَلِي فَانْتَفِعَا تُرَابٌ التُّرْبَةُ وَالتَّرْبَاءُ جَا … وَتَيْرَبٌ وَتُرَبَاءُ أُدْرِجَا وَتَوْرَبٌ وَتَيْرَبٌ تَيْرَابُ … كَذَا تَرِيبٌ مَعَهُ تَوْرَابُ ويُجْمَعُ التُّرَابُ بِالأَتْرِبَةِ … كَذَا بِترْبَانٍ بِغَيْرِ مِرْيَةِ وَمِنْ لُغَاتِهِ الرَّغَامُ إِثْلِبُ … وَأَثْلَبٌ كَسْرًا وَفَتْحًا يَصْحَبُ وَكِثْكِثٌ بِالْكَسْرِ وَافْتَحْ دِقْعَمُ … بِالْكَسْرِ وَالدَّقْعَاءُ فَتْحًا يُعْلَمُ وَهْوَ الْبَرَا مِثْلُ الْعَصَا وَكِلْخِمُ … وَكِمْلِخٌ بِالْكَسْرِ أَيْضًا يُفْهَمُ وَعِثْيْرٌ بِالْكَسْرِ قَدْ نَظَمْتُهَا … أَخْذًا مِنَ «الْقَامُوسِ» قَدْ حَرَّرْتُهَا كَذَا مِنَ التَّهْذِيبِ لِلأَسْمَاءِ … لِلنَّوَوِيِّ فَاعْنَ بِالْهَنَاءِ وقال القرطبيّ -﵀- ما حاصله: هذا الحديث مفصّل لِمَا أجمله قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] والتربة: التراب؛ أي: الأرض، وكأنه خلق التراب يوم السبت غير مُنعَقِد، ولا متجمّد، ثم يوم الأحد جمّده، وجعل منه الجبال أرسى بها الأرض، وكمل خلق الأرض بجبالها في يومين. انتهى . (يَوْمَ السَّبْتِ) قال القاريّ -﵀-: كأن المراد بيوم السبت آخر يومه المسمى بعشية الأحد، فلها حكمه، فلا ينافي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق: ٣٨]. انتهى . وقال الحراليّ: أصل السبت القطع للعمل، ونحوه. انتهى، وفيه ردّ زعم اليهود أنه ابتدأ في خلق العالم يوم الأحد، وفرغ يوم الجمعة، واستراح السبت، قالوا: ونحن نستريح فيه، كما استراح الرب تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، وهذا من جملة غباوتهم، وجهلهم؛ إذ التعب لا يتصور إلا على حادث، ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل: ٤٠]. (وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الأَحَدِ) قال القاري: وهذا معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا﴾ الآية [فصلت: ٩، ١٠]. (وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ)؛ أي: جنسه، (يَوْمَ الثُّلَاَثاءِ) بالمدّ، قال -﷿-: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ١٠]؛ أي: في بقية الأربعة، قاله القاري . قال القاضي عياض -﵀-: كذا جاء في كتاب مسلم، وكذا رواه الحاكم، ورويناه في كتاب ثابت: «التِّقْن» مكان «المكروه»، وفسَّره بالأشياء التي يقوم بها المعاش، ويقوم به صلاح الأشياء، كجواهر الأرض، وغير ذلك، وقال غيره: التقن: المتقن، والأول الصواب. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: «المكروه»؛ أي: ما يُكره مما يُهلك، أو يؤلم؛ كالسموم، والْخِشاش، والحيوانات المضرّة، وقد ذكر هذا الحديت ثابث في كتابه، وقال فيه: «وخلق التِّقْن يوم الثلاثاء» بدل «المكروه». قال: والتِّقْن: ما يقوم به المعاش، ويصلح به التدبير؛ كالحديد، وغيره من جواهر الأرض، وكلُّ شي يحصل به صلاح فهو تِقْن، ومنه: إتقان الشيء وإحكامه. انتهى . وقال المناويّ: وخَلْق المكروه يوم الثلاثاء لا ينافيه رواية مسلم: «وخلق التقن»؛ أي: ما يقوم به المعاش يوم الثلاثاء؛ لأن كلًّا منهما خُلق فيه . وقال ابن الأثير -﵀-: أراد بالمكروه ها هنا: الشرّ؛ لقوله: «وخلق النور يوم الأربعاء»، والنور خير، وإنما سُمّي الشر مكروهًا؛ لأنه ضد المحبوب. انتهى . (وَخَلَقَ النُّورَ) النور بالراء، ولا ينافيه رواية «النون»؛ أي: الحوت؛ لأن كلاهما خُلق فيه، (يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ) يوم الأربعاء مثلث الباء، قال الفيّوميّ -﵀-: ويوم الأربعاء ممدود، وهو بكسر الباء، ولا نظير له في المفردات، وإنما يأتي وزنه في الجمع، وبعض بني أسد يفتح الباء، والضمّ لغة قليلة فيه. انتهى . وقال النوويّ: الأربعاء بفتح الهمزة، وكسر الباء، وفتحها، وضمّها، ثلاث لغات، حكاهنّ صاحب «المحكم» وجمعه أربعاوات، وحكي أيضًا أرابيع. انتهى . وقال القاري ﵀: «وخلق النور» بالراء، وفي نسخة بالنون في آخره، قال الأكمل: هو بالراء كما لمسلم، ولغيره بالنون، وهو الحوت، ويجوز خلقهما في الأربعاء، والنور هو الظاهر بنفسه، المظهر لغيره. انتهى، والظاهر أن المراد بالنور: هو نفسه، وما فيه ظهوره، فيناسب قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ [فصلت: ١١، ١٢] . وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «والنور يوم الأربعاء» كذا الرواية الصحيحة المشهورة، وقد وقع في بعض نسخ مسلم: «النون» -بالنون- يعني به: الحوت، وكذا جاء في كتاب ثابت، وفي رواية أخرى: «البحور» مكان «النور»، قال القرطبيّ: وهذه الرواية ليست بشيء؛ لأنَّ الأرض خُلقت بعد الماء، وعلى الماء، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]؛ أي: قبل خلق السماوات والأرض، إلا إن أراد بالبحور: الأنهار التي خَلق الله تعالى في الأرض، فله وجه، والصحيح رواية «النور»، ويعني به: الأجسام النيرة؛ كالشمس، والقمر، والكواكب، ويتضمّن هذا أنه تعالى خلق السموات يوم الأربعاء؛ لأنَّ هذه الكواكب في السماوات، ونورها ضوؤها الذي بين السماء والأرض، والله تعالى أعلم. وتحقيق هذا أنه لم يذكر في هذا الحديث نصًّا على خلق السموات، مع أنه ذكر فيه أيام الأسبوع كلها، وذكر ما خلق الله تعالى فيها، فلو خلق السموات في يوم زائد على أيام الأسبوع، لكان خلق السماوات والأرض في ثمانية أيام، وذلك خلاف المنصوص عليه في القرآن، ولا صائر إليه. وقد رُوي هذا الحديث في غير كتاب مسلم بروايات مختلفة مضطربة، وفي بعضها: أنه خلق الأرض يوم الأحد والاثنين، والجبال يوم الثلاثاء، والشجر والأنهار والعمران يوم الأربعاء، والسموات والشمس والقمر والنجوم والملائكة يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة. فهذه أخبار آحاد مضطربة فيما لا يقتضي عملًا، فلا يُعتمد على ما تضمّنته من ترتيب المخلوقات في تلك الأيام، والذي يُعتمد عليه في ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩]، فلينظر فيها من أراد تحقيق ذلك، وفيها أبحاث طويلة، ليس هذا موضع ذكرها. انتهى . (وَبَثَّ) قال الحراليّ: من البثّ، وهو تفرقة آحادٍ متكثرة، في جهات مختلفة. انتهى، وقال القاري؛ أي: فرّقها في الأرض بعد خلق أصولها. انتهى. (فِيهَا الدَّوَابَّ) من الدبيب، وهو الحركة بالنفس، (يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ -﵇-) «آدم»: اسم سريانيّ، وهو عند أهل الكتاب آدام بإشباع فتحة الدال، بوزن خاتام، فوزنه فاعال، وامتنع صرفه؛ للعجمة، والعلمية، وقال الثعلبيّ: التراب بالعبرانية آدام، فسمّي آدم به، وحذفت الألف الثانية، وقيل: هو عربيّ، جزم به الجوهريّ، والجواليقيّ، وقيل: هو بوزن أفعل، من الأُدمة، وقيل: من الأديم؛ لأنه خُلق من أديم الأرض، وهذا عن ابن عباس، ووجّهوه بأنه يكون كَعْيَن، ومُنع الصرف؛ للوزن والعَلَمية، وقيل: هو من أَدَمت بين الشيئين: إذا خلطت بينهما؛ لأنه كان ماءً وطينًا، فخُلطا جميعًا، ذكره في «الفتح» . (بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فِي آخِرِ الْخَلْقِ)؛ أي: لكونه الفَذْلكة الإيمائية، وبمنزلة العلة الغائية، قاله القاري: (وَفِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ، فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ») وهي الساعة المرجوّة للإجابة في يوم الجمعة عند جماعة من الأئمة، كما سبق بيانه في محلّه. قال المناويّ: استَدَلّ بهذا الحديث في«المجموع»للمذهب الصحيح أن أول الأسبوع السبت، وعليه أكثر أصحاب الشافعيّ، بل في«الروض الأنف»: لم يقل بأن أوله الأحد إلا ابن جرير، وإنما خلقها في هذه الأيام، ولم يخلقها في لحظة، وهو قادر عليه؛ تعليمًا لخلقه الرفق، والتثبت. انتهى . وقوله: (قَالَ إِبْرَاهِيمُ) هذا ملحقّ من تلميذ مسلم، وهو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان المتوفّى سنة (٣٨ هـ) تقدّمت ترجمته في«المقدّمة»٦/ ٧٣. (حَدَّثَنَا الْبِسْطَامِيُّ -وَهُوَ الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى) بن حُمران الطائيّ، أبو عليّ القُومسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ صاحب حديث [١٠] (ت ٢٤٧) تقدّمت ترجمته في،«البيوع» ١٥/ ٣٨٨٩، وهو ليس من رجال مسلم، وإنما يروي عنه تلميذه، كما هنا. (وَسَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ) القاضي، العلامة، أبو يحيى العتكيّ النيسابوريّ الحنفيّ، شيخ أهل الرأي بخراسان، وقاضي هراة، ارتحل في الحديث، وسمع من: يزيد بن هارون، وشبابة بن سوار، وجعفر بن عون، وعبد الرحمن بن قيس، والواقدي، وعبيد الله بن موسى، وعدة. حدث عنه: العباس بن حمزة، وأبو يحيى البزاز، وإبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه، ومحمد بن سليمان بن فارس، وأحمد بن شعيب الفقيه، ومحمد بن علي بن عمر المذكر، وآخرون. قال الحاكم: قلت لمحمد بن صالح بن هانئ: لِمَ لَمْ تكتب عن سهل؟ قال: كانوا يمنعون من السماع منه، وسمعت ابن الأخرم يقول: كنا نختلف إلى إبراهيم بن عبد الله السعدي، وسهلُ بن عمار مطروح في سكته، فلا نتقدم إليه، وعن إبراهيم السعدي، أنه اتَّهَمَ سهلًا، وقال الحاكم: مختلف في عدالته، توفي سنة سبع وستين ومئتين، ذكر هذا كلّه الذهبيّ -﵀- في «سير أعلام النبلاء» . وأما (وَإِبْرَاهِيمُ ابْنُ بِنْتِ حَفْصٍ) فلم أجد ترجمته، والله تعالى أعلم. وقوله: (وَغَيْرُهُمْ)؛ أي: غير هؤلاء الثلاثة من العلماء حدّثوني (عَنْ حَجَّاجٍ) بن محمد الأعور، عن ابن جريج بسنده الماضي، (بِهَذَا الْحَدِيثِ)؛ أي: بحديث أبي هريرة -﵁-: «أخذ رسول الله -ﷺ- بيدي». وغرض إبراهيم بهذا بيان العلوّ في إسناد هذا الحديث على إسناد مسلم، فإنه وصل إلى حجاج الأعور بواسطة واحدة، وهم شيوخه المذكورون عن حجاج، وقد وصل إليه في طريق مسلم بواسطتين، وهما مسلم، وشيخاه: سريج، وهارون، كلاهما عن حجّاج، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنف) هنا [٣/ ٧٠٢٨] (٢٧٨٩)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ٢٩٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٢٧)، و(الطبريّ) في «التفسير» (١٢/ ٢ و٢٤/ ٩٥) وفي «التاريخ» (١/ ٢٣ و٤٥)، و(ابن معين) في «تاريخه» (ص ٣٠٥)، و(ابن خزيمة) في «صحيحه» (٣/ ١١٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦١٦١)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٠/ ٥١٤)، و(الحاكم) في «معرفة علوم الحديث» (ص ٣٣ - ٣٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ٣) وفي «الأسماء والصفات» (ص ٣٨٣ - ٣٨٤)، و(الخطيب البغداديّ) في «تاريخه» (٥/ ١٨٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في كلام أهل العلم في حديث أبي هريرة -﵁- هذا: (اعلم): أنه قد تكلّم العلماء في هذا الحديث، قال الحافظ ابن كثير -﵀- في «تفسيره»: وهذا الحديث من غرائب «صحيح مسلم»، وقد تكلم عليه عليّ ابن المدينيّ، والبخاريّ، وغير واحد من الحفاظ، وجعلوه من كلام كعب، وأن أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب الأحبار، وإنما اشتبه على بعض الرواة، فجعلوه مرفوعًا، وقد حرّر ذلك البيهقيّ . وقال في موضع آخر: فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد في «مسنده»، ومسلم في «صحيحه»، والنسائيّ من غير وجه، وفيه استيعاب الأيام السبعة، والله تعالى قد قال: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [ق: ٣٨]، ولهذا تكلم البخاريّ، وغير واحد من الحفاظ في هذا الحديث، وجعلوه من رواية أبي هريرة، عن كعب الأحبار، ليس مرفوعًا، والله أعلم . وقال أيضًا: قد علَّله البخاريّ في «التاريخ»، فقال: رواه بعضهم عن أبي هريرة -﵁-، عن كعب الأحبار، وهو الأصح. انتهى . وقال البيهقيّ -﵀-: قال عليّ ابن المديني: وما أرى إسماعيل بن أمية أخذ هذا إلا من إبراهيم بن أبي يحيى، قال البيهقيّ: وقد تابعه على ذلك موسى بن عُبيدة الرّبَذِيّ، عن أيوب بن خالد، إلا أن موسى بن عبيدة ضعيف، وروي عن بكر بن الشرود، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن صفوان بن سُليم، عن أيوب بن خالد، وإسناده ضعيف، والله أعلم. انتهى . وعلّقه البخاريّ في «تاريخه» من طريق أيوب، وقال: وقال بعضهم: عن أبي هريرة، عن كعب، وهو أصحّ. انتهى . وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة -﵀- في «مجموع الفتاوى»: وقد أخرج مسلم حديث أبي هريرة: «خلق الله التربة يوم السبت». قال: وهذا الحديث مخالف لِمَا تقدم، وهو أصح، ولكن هذا له نظائر، روى مسلم أحاديث، قد عُرف أنها غلط، مثل قول أبي سفيان لمّا أسلم: أريد أن أزوجك أم حبيبة، ولا خلاف بين الناس أنه تزوجها قبل إسلام أبي سفيان، ولكن هذا قليل جدًا، ومثل ما رُوي في بعض طرق حديث صلاة الكسوف أنه صلاها بثلاث ركوعات وأربع، والصواب أنه لم يصلّها إلا مرة واحدة بركوعين؛ ولهذا لم يخرج البخاري إلا هذا، وكذلك الشافعيّ، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، وغيرهما، والبخاريّ سَلِم من مثل هذا؛ فإنه إذا وقع في بعض الروايات غلط ذَكر الروايات المحفوظة التي تبيّن غلط الغالط، فإنه كان أعرف بالحديث وعلله، وأفقه في معانيه من مسلم ونحوه. انتهى . وقال أيضًا فيما نقله عنه القاسميّ في «الفضل المبين»: هذا الحديث طَعَن فيه من هو أعلم من مسلم، مثل يحيى بن معين، ومثل البخاريّ، وغيرهما، وذكر البخاريّ أن هذا من كلام كعب الأحبار، وطائفة اعتبرت صحّته، مثل أبي بكر بن الأنباريّ، وأبي الفرج بن الجوزيّ، وغيرهما، والبيهقيّ وغيره وافقوا الذين ضعّفوه، وهذا هو الصواب؛ لأنه قد ثبت بالتواتر أن الله خلق السماوات والأرض، وما بينهما في ستّة أيام، وثبت أن آخر الخلق كان يوم الجمعة، فيلزم أن يكون أول الخلق يوم الأحد، وهكذا عند أهل الكتاب، وعلى ذلك تدلّ أسماء الايام، وهذا المنقول الثابت في آحاديث وآثار أُخر، ولو كان أول الخلق يوم السبت وآخره يوم الجمعة لكان قد خلق في الأيام السبعة، وهو خلاف ما أخبر به القرآن، مع أن حذّاق علم الحديث يُبتّون علّة هذا الحديث من غير هذه الجهة، وأن راويه فلان غلط فيه؛ لأمور يذكرونها، وهذا الذي يسمّى معرفة علل الحديث، يكون الحديث إسناده في الظاهر جيّدًا، ولكن عُرف من طريق آخر أن راويه غَلِطَ، فرفعه، وهو موقوف، أو أسنده، وهو مرسل، أو دخل عليه الحديث في حديث، وهذا فنّ شريف، وكان يحيى بن سعيد القطّان، ثم صاحبه عليّ ابن المدينيّ، ثم البخاريّ من أعلم الناس به، وكذلك الإمام أحمد، وأبو حاتم، وكذلك النسائيّ، والدارقطنيّ، وغيرهم، وفيه مصنّفات معروفة. انتهى . وقال المناويّ -﵀-: قال الزركشيّ: أخرجه مسلم، وهو من غرائبه، وقد تكلم فيه ابن المدينيّ، والبخاريّ، وغيرهما، من الحفاظ، وجعلوه من كلام كعب الأحبار، وأن أبا هريرة إنما سمعه منه، لكن اشتبه على بعض الرواة، فجعله مرفوعًا، وقد حرّر ذلك البيهقيّ، ذكره ابن كثير في «تفسيره»، وقال بعضهم: هذا الحديث في متنه غرابة شديدة، فمن ذلك أنه ليس فيه ذكر السماوات، وفيه ذِكر خلق الأرض، وما فيها في سبعة أيام، وهذا خلاف القرآن؛ لأن الأربعة خُلقت في أربعة أيام، ثم خلقت السماوات في يومين. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تحرّر من كلام هؤلاء الأئمة -رحمهم الله تعالى- أن هذا الحديث مما انتُقد على مسلم -﵀- وأن رفعه غير صحيح، وإنما هو موقوف على كعب الأحبار، والظاهر أنه هذا من راويه أيوب بن خالد، فإنه ليّن الحديث، كما سبق عن «التقريب»، وقال الأزديّ: أيوب بن خالد ليس حديثه بذاك، تكلّم فيه أهل العلم بالحديث، وكان يحيى بن سعيد، ونظراؤه لا يكتبون حديثه. انتهى . والظاهر أن هذا من أوهامه، ظن الموقوف مرفوعًا، فرفعه، ولكن هذا لا يغُضّ من قَدْر مسلم -﵀- فإن هذا قليل، وهو إمام حافظ ناقد للحديث، ولكن الإنسان عرضة للنسيان، ومن الذي ينجو منه؟ إلا من عصم الله تعالى، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٤) - (بَابٌ فِي الْبَعْثِ، وَالنُّشُورِ، وَصِفَةِ الأَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٢٩] (٢٧٩٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ، عَفرَاءَ؛ كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ، لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ لأَحَدٍ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوانيّ، أبو الهيثم البجليّ مولاهم الكوفيّ، صدوقٌ، يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت ٢١٣) وقيل: بعدها (خ م كد ت س ق) تقدم في «الإيمان» ٦٥/ ٣٦٧. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) الأنصاريّ مولاهم المدنيّ، أخو إسماعيل، وهو الأكبر، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢١٩. ٣ - (سَهْلُ بْنُ سَعْدِ) بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ، أبو العباس الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات سنة ثمان وثمانين، وقيل: بعدها، وقد جاز المائة (ع) تقدم في «الإيمان» ٥٠/ ٣١٣. والباقيان ذُكرا في الباب الماضي، و«أبو حازم» اسمه سلمة بن دينار. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وخالد، فكوفيّان، وفيه سهل -﵀- آخر من مات من الصحابة -﵃- بالمدينة على بعض الأقوال. شرح الحديث: (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) -﵄-؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «يُحْشَرُ) بضمّ أوله، مبنيًّا للمفعول، (النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضِ بَيْضَاءَ، عَفْرَاءَ) قال الخطابيّ: الْعَفَر: بياض ليس بالناصع، وقال عياض: العَفَر بياض يضرب إلى حمرة قليلًا، ومنه سُمّي عَفَر الأرض، وهو وجهها، وقال ابن فارس: معنى عفراء: خالصة البياض، وقال الداوديّ: شديدة البياض، كذا قال، والأول هو المعتمَد . (كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ) بفتح النون، وكسر القاف؛ أي: الدقيق النقيّ من الغَشّ، والنُّخال، قاله الخطابيّ. وقال النوويّ: العفراء بالعين المهملة، والمدّ: بيضاء إلى حمرة، والنقيّ بفتح النون، وكسر القاف، وتشديد الياء: هو الدقيق الْحُوَّرَى، وهو الدَّرْمَك وهو الأرض الجيّدة، قال القاضي: كأن النار غيّرت بياض وجه الأرض إلى الحمرة. قال: وقوله: «ليس فيها عَلَم لأحد» هو بفتح العين، واللام؛ أي: ليس بها علامة سكنى، أو بناء، ولا أثر. انتهى . وقوله: (لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ لأَحَدٍ») هكذا في رواية مسلم موصولًا بالحديث، وفيه إدراج، فقد أخرج الحديث البخاريّ، ثم قال في آخره:«قال سهل، أو غيره: ليس فيها مَعْلَم لأحد»، فبيّن أنه ليس موصولًا بالحديث، وإنما هو من كلام سهل، أو غيره، فتنبّه. وقال في«الفتح»: قوله:«قال سهل، أو غيره: ليس فيها مَعْلم لأحد»هو موصول بالسند المذكور، وسهل هو راوي الخبر، وأو للشكّ، والغير المبهم لم أقف على تسميته، ووقع هذا الكلام الأخير لمسلم من طريق خالد بن مَخلد، عن محمد بن جعفر مُدرجًا بالحديث، ولفظه:«ليس فيها عَلَمٌ لأحد»، ومثله لسعيد بن منصور، عن ابن أبي حازم، عن أبيه، و«الْعَلَم»، و«الْمَعْلم» بمعنى واحد. قال الخطابيّ: يريد أنها مستوية، والْمَعلَم بفتح الميم، واللام، بينهما مهملة ساكنة، هو الشيء الذي يُستدَلّ به على الطريق. وقال عياض: المراد أنها ليس فيها علامة سكنى، ولا بناء، ولا أثر، ولا شيء من العلامات التي يُهتدَى بها في الطرُقات؛ كالجبل، والصخرة البارزة، وفيه تعريض بأرض الدنيا، وأنها ذهبت، وانقطعت العلاقة منها، وقال الداوديّ: المراد: أنه لا يحوز أحد منها شيئًا، إلا ما أدرك منها، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد -﵄- هذا متَّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٧٠٢٩] (٢٧٩٠)، و(البخاريّ) في «الرقاق» (٦٥٢١)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٥٨٣١ و٥٩٠٨)، و(أبو يعلى) في «مسنده» (١٣/ ٥٤٣)، و(الرويانيّ) في «مسنده» (٢/ ٢١٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧٣٢٠)، و(البيهقيّ) في «شُعب الإيمان» (١/ ٣١٧)،. و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٤٣٠٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه دليلًا على عظيم القدرة، والإعلام بجزئيات يوم القيامة؛ ليكون السامع على بصيرة، فيُخَلّص نفسه من ذلك الهول؛ لأن في معرفة جزئيات الشيء قبل وقوعه رياضةَ النفس، وحَمْلها على ما فيه خلاصها، بخلاف مجيء الأمر بغتةً. ٢ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن أرض الموقف أكبر من هذه الأرض الموجودة جدًّا. ٣ - (ومنها): أن الحكمة في صفة الأرض المذكورة أن ذلك اليوم يوم عدل، وظهور حقّ، فاقتضت الحكمة أن يكون المحل الذي يقع فيه ذلك طاهرًا عن عمل المعصية والظلم، وليكون تجليه -﷾- على عباده المؤمنين على أرض تليق بعظمته، ولأن الحكم فيه إنما يكون لله وحده، فناسب أن يكون المحل خالصًا له وحده، قاله ابن أبي جمرة -﵀- . ٤ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن أرض الدنيا اضمحلّت، وأُعدمت، وأن أرض الموقف تجددت ، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في معنى قوله -﷿-: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]: (اعلم): أنه قد وقع للسلف في ذلك خلاف في المراد بهذه الآية، هل معنى تبديلها: تغيير ذاتها وصفاتها، أو تغيير صفاتها فقط؟ وحديث الباب يؤيد الأول، وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، والطبريّ في تفاسيرهم، والبيهقيّ في «الشعب» من طريق عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود -﵁- في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ الآية [إبراهيم: ٤٨] قال: تبدّل الأرض أرضًا كأنها فضة، لم يُسفك فيها دم حرام، ولم يُعمل عليها خطيئة، ورجاله رجال الصحيح، وهو موقوف، وأخرجه البيهقي من وجه آخر مرفوعًا، وقال: الموقوف أصحّ. قال الجامع عفا الله عنه: لكن الموقوف في مثل هذا مرفوع حكمًا؛ لأنه مما لا يُنال بالرأي، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وأخرجه الطبريّ، والحاكم من طريق عاصم، عن زِرّ بن حُبيش، عن ابن مسعود -﵁- بلفظ: «أرض بيضاء، كأنها سبيكة فضة»، ورجاله موثقون أيضًا، ولأحمد من حديث أبي أيوب -﵁-: «أرض كالفضة البيضاء، قيل: فأين الخلق يومئذ؟ قال: هم أضياف الله، لن يعجزهم ما لديه». وللطبريّ من طريق سنان بن سعد، عن أنس -﵁- مرفوعًا: «يبدلها الله بأرض من فضة، لم يُعمل عليها الخطايا». وعن عليّ -﵁- موقوفًا نحوه. ومن طريق ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: «أرض كأنها فضة، والسماوات كذلك». وعن عليّ: «والسماوات من ذهب». وعند عبد من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة قال: «بلغنا أن هذه الأرض -يعني: أرض الدنيا- تُطْوَى، وإلى جنبها أخرى يُحشر الناس منها إليها». وفي حديث الصُّور الطويل: «تُبَدَّل الأرض غير الأرض، والسماوات، فيبسطها، ويسطحها، ويمدّها مدَّ الأديم العكاظيّ، لا ترى فيها عوجًا، ولا أمتًا، ثم يزجر الله الخلق زجرة واحدة، فإذا هم في هذه الأرض المبدلة في مثل مواضعهم من الأُولى، ما كان في بطنها كان في بطنها، وما كان على ظهرها كان عليها». انتهى. وهذا يؤخذ منه أن ذلك يقع عقب نفخة الصعق بعد الحشر الأول، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤)﴾ [الانشقاق: ٣ - ٤]. وأما من ذهب إلى أن التغيير إنما يقع في صفات الأرض دون ذاتها، فمستنَده ما أخرجه الحاكم، عن عبد الله بن عمرو -﵄-، قال: «إذا كان يوم القيامة مُدّت الأرض مَدّ الأديم، وحُشر الخلائق». ومن حديث جابر -﵁- رفعه: «تُمَدّ الأرض مَدَّ الأديم، ثم لا يكون لابن آدم منها إلا موضع قدميه»، ورجاله ثقات، إلا أنه اختُلف على الزهريّ في صحابيه. ووقع في تفسير الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ قال: «يزاد فيها، وينقص منها، ويذهب آكامها، وجبالها، وأوديتها، وشجرها، وتُمَدّ مدّ الأديم العكاظيّ» وعزاه الثعلبيّ في «تفسيره» لرواية أبي هريرة، وحكاه البيهقيّ عن أبي منصور الأزهريّ، وهذا وإن كان ظاهره يخالف القول الأول، فيمكن الجمع بأن ذلك كله يقع لأرض الدنيا، لكن أرض الموقف غيرها، ويؤيده ما وقع في الحديث الآتي في الباب التالي أن أرض الدنيا تصير خبزة، والحكمة في ذلك ما تقدّم أنها تُعَدّ لأكل المؤمنين منها في زمان الموقف، ثم تصير نُزُلًا لأهل الجنة. وأما ما أخرجه الطبريّ من طريق المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: «الأرض كلها تأتي يوم القيامة»، فالذي قبله عن ابن مسعود أصحّ سندًا، ولعل المراد بالأرض في هذه الرواية: أرض البحر، فقد أخرج الطبريّ أيضًا من طريق كعب الأحبار، قال: يصير مكان البحر نارًا. وفي تفسير الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبَيّ بن كعب -﵁-: تصير السماوات جِفانًا، ويصير مكان البحر نارًا. وأخرج البيهقيّ في «البعث» من هذا الوجه في قوله تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾ [الحاقة: ١٤] قال: يصيران غَبَرَةً في وجوه الكفار. قال الحافظ -﵀-: ويمكن الجمع بأن بعضها يصير نارًا، وبعضها غُبارًا، وبعضها يصير خبزة. وأما ما أخرجه مسلم عن عائشة -﵂- أنها سألت النبيّ -ﷺ- عن هذه الآية: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ أين يكون الناس حينئذ؟ قال: «على الصراط»، وفي رواية الترمذيّ: «على جسر جهنم»، ولأحمد من طريق ابن عباس، عن عائشة: «على متن جهنم». وأخرج مسلم أيضًا من حديث ثوبان -﵁- مرفوعًا: «يكونون في الظلمة دون الجسر»، فقد جمع بينها البيهقيّ بأن المراد بالجسر: الصراط، وأن في قوله: «على الصراط» مجازٌ لكونهم يجاوزونه؛ لأن في حديث ثوبان زيادة يتعيّن المصير إليها لثبوتها، وكان ذلك عند الزجرة التي تقع عند نَقْلهم من أرض الدنيا إلى أرض الموقف، ويشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢١ - ٢٢]. واختُلف في السماوات أيضًا فتقدم قول من قال: إنها تصير جِفانًا، وقيل: إنها إذا طويت تكوّر شمسها، وقمرها، وسائر نجومها، وتصير تارة كالمهل، وتارة كالدهان. وأخرج البيهقيّ في «البعث» من طريق السدّيّ، عن مُرّة، عن ابن مسعود قال: السماء تكون ألوانًا؛ كالمهل، وكالدهان، وواهيةً، وتشقّق، فتكون حالًا بعد حال. وجَمَع بعضهم بأنها تنشق أوّلًا، فتصير كالوردة، وكالدهان، وواهيةً، وكالمهل، وتكوّر الشمس والقمر وسائر النجوم، ثم تطوى السماوات، وتضاف إلى الجنان. ونقل القرطبيّ في «التذكرة» عن أبي الحسن بن حيدرة صاحب «الإفصاح» أنه جمع بين هذه الأخبار بأن تبديل السماوات والأرض يقع مرتين: إحداهما تبدل صفاتهما فقط، وذلك عند النفخة الأُولى، فتنثر الكواكب، وتخسف الشمس والقمر، وتصير السماء كالمهل، وتُكشط عن الرؤوس، وتسير الجبال، وتموج الأرض، وتنشق إلى أن تصير الهيئة غير الهيئة، ثم بين النفختين تطوى السماء والأرض، وتبدل السماء والأرض إلى آخر كلامه في ذلك، والعلم عند الله تعالى، ذكر هذا في «الفتح»، وهو بحث مفيد، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٣٠] (٢٧٩١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- عَنْ قَوْلِهِ -﷿-: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾، فَأَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: «عَلَى الصِّرَاطِ»). رجال هذا الإسناد: ستةٌ: ١ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرِ) -بضمّ الميم، وسكون المهملة، وكسر الهاء- القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِل، ثقةٌ [٨] (١٨٩) (ع) تقدم في «المقدمة» ٢/ ٦. ٢ - (دَاوُدُ) بن أبي هند القشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، كان يَهِم بأخرة [٥] (ت ١٤٠) وقيل: قبلها (خ ت م ٤) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢٢١. ٣ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ مشهورٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المائة، وله نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٦/ ٥٠. ٤ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ مخضرم [٢] مات سنة اثنتين، ويقال: سنة ثلاث وستين (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢١٧. ٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂-، تقدّمت قريبًا. وشيخه ذُكر قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: داود، عن الشعبيّ، عن مسروق، وفيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) -﵂-؛ أنها (قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- عَنْ قَوْلِهِ -﷿-: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ التبديل: هو التغيير، وهو قد يكون في الذات؛ كقولك: بدّلت الدارهم بالدنانير، وقد يكون في الصفات؛ كقولك بدّلت الحلقة خاتَمًا، إذا حذفتها، وسوّيتها خاتمًا، واختُلف في تبديل الأرض والسموات، فقيل: يبدل أوصافهما، فتسير عن الأرض جبالها، وتفجر بحارها، وتُجعل مستوية، لا ترى فيها عوجًا، ولا أمتًا، وتبديل السماوات بانتشار كواكبها، وكسوف شمسها، وخسوف قمرها، وقيل: يُخلق بدلهما أرض أخرى، وسماوات أخرى، والصحيح أن التبديل هنا تغيّر الذات، كما يدل عليه السؤال والجواب ، وقد استوفيت البحث في هذا في المسألة الرابعة من المسائل المذكورة في الحديث الماضي، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (فَأَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ) -ﷺ-: («عَلَى الصِّرَاطِ»)؛ أي: يكونون عليه، قال الأبّيّ -﵀- : الصراط يَحْتَمل أنه الصراط المعروف، وَيحتَمِل أنه اسم لموضع غيره يستقرّ الخلق عليه، وكأنه الأظهر للحديث الآخر، وقد سئل: أين يكون الناس يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسموات؟ قال: «هم في الظُّلمة دون الجسر» ، والجسر الصراط يكون، وقال ابن عطيّة: وروي حديث أنه -ﷺ- قال: «المؤمنون في وقت التبديل في ظل العرش»، وفي حديث آخر، سأله يهوديّ أين الخلق عند ذلك؟ قال: «أضياف الله، فلن يُعجزهم ما لديه» . وبالجملة فأحوال الآخرة لا يدرك كنهها بهذه العقول في الدنيا، والسبيل الأسلم الإيمان بما جاء في النصوص الصحيحة، وترك الخوض في تفاصيلها ، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا من أفراد المصنّف -﵀-. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٧٥٣٠] (٢٧٩١)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣١٢١)، و(ابن ماجه) في «الزهد» (٤٢٧٩)، و(أحمد) في «مسنده» (٦/ ٣٥)، و(الطبريّ) في «التفسير» (١٣/ ٢٥٢ و٢٥٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧٣٨٠)، و(الحاكم) في «المستدرك» (٢/ ٣٥٢)، و(البغويّ) في «التفسير» (٣/ ٤١)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥) - (بَابُ نُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٣١] (٢٧٩٢) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «تَكُونُ الأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَكْفَؤُهَا الْجَبَّارُ بِيَدِهِ، كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ؛ نُزُلًا لأَهْلِ الْجَنَّةِ»، قَالَ: فَأَتَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ: بَارَكَ الرَّحْمَنُ عَلَيْكَ أَبَا الْقَاسِمِ، أَلَا أُخْبِرُكَ بِنُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: «بَلَى»، قَالَ: تَكُونُ الأَرْضُ خُبْزَة وَاحِدَةً، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، ثُمَّ ضَحِكَ، حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِإِدَامِهِمْ؟، قَالَ: «بَلَى»، قَالَ: إِدَامُهُمْ بَالَامُ، وَنُونٌ، قَالُوا: وَمَا هَذَا؟ قَالَ: ثَوْرٌ، وَنُونٌ يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةِ كَبِدِهِمَا سَبْعُونَ أَلْفًا). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١١. ٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) وله أربع وستون سنةً (م د س) تقدم في «الإيمان» ٢٦/ ٢١١. ٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد، أبو الحارث المصريّ الإمام الشهير، تقدّم قريبًا. ٤ - (خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ) الْجُمَحيّ، ويقال: السَّكْسَكيّ، أبو عبد الرحيم المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٦] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٧/ ٤٦٢. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، قيل: مدنيُّ الأصلِ، وقال ابن يونس: بل نشأ بها، صدوقٌ، وضعّفه ابن حزم، وليس له سلفٌ إلا أن الساجيّ حكى عن أحمد أنه اختَلَط [٦] مات بعد الثلاثين ومائة، وقيل: قبلها، وقيل: قبل الخمسين بسنة (ع) تقدم في «الإيمان» ٨٧/ ٤٦٢. والباقون تقدّموا قبل باب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من ثُمانيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالمصريين إلى سعيد، والباقون مدنيّون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد -﵁- من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) -﵁- (عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-)؛ أنه (قَالَ: «تَكُونُ الأَرْضُ)؛ يعني: أرض الدنيا، (يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً) بضم الخاء المعجمة، وسكون الموحّدة، وفتح الزاي، قال الخطابيّ: الخبزة: الطُّلْمة، بضم الطاء المهملة، وسكون اللام، وهو عجينٌ يوضع في الْحُفْرة بعد إيقاد النار فيها، قال: والناس يُسَمُّونها الْمَلَّة، بفتح الميم، وتشديد اللام، وإنما الملّة الحفرة نفسها. انتهى . (يَكْفَؤُهَا) بفتح أوله وثالثه، وسكون ثانيه، يقال: كفأه، كمنعه: إذا صرفه، وكبّه، وقَلَبه ، والمناسب هنا القلب، ولفظ البخاريّ: «يتكفّؤها»، بفتح المثناة، والكاف، وتشديد الفاء المفتوحة، بعدها همزة؛ أي: يُميلها، من كفأت الإناء: إذا قلبته . (الْجَبَّارُ) -﷾- (بِيَدِهِ) فيه إثبات اليد لله تعالى على ما يليق بجلاله، (كَمَا يَكْفَأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ) قال النوويّ: خبزة المسافر: هي التي يجعلها في الْمَلَّة ، ويتكفأها بيديه؛ أي: يُميلها من يد إلى يد، حتى تجتمع، وتستوي؛ لأنها ليست منبسطة؛ كالرُّقَاقة، ونحوها، قال: ومعنى الحديث أن الله تعالى يجعل الأرض كالطُّلمة ، والرَّغيف العظيم، ويكون ذلك طعامًا نُزُلًا لأهل الجنة، والله على كل شيء قدير. انتهى . (فِي السَّفَرِ) قال الخطابيّ: يعني: خُبز الْمَلّة الذي يصنعه المسافر، فإنها لا تُدْحَى كما تُدْحَى الرُّقَاقَةُ ، وإنما تُقلب، على الأيدي حتى تستوي، وهذا على أن السَّفَر بفتح السين المهملة، والفاء، ورواه بعضهم بضم أوله، جمع سُفْرة، وهو الطعام الذي يُتخذ للمسافر، ومنه سُمِّيت السُّفْرة. (نُزُلًا لأَهْلِ الْجَنَّةِ»)«النُّزُل» بضم النون، وبالزاي، وقد تسكن: ما يُقَدَّم للضيف، وللعسكر، يُطلق على الرزق، وعلى الفضل، ويقال: أصلح للقوم نُزُلهم؛ أي: ما يَصلُح أن ينزلوا عليه، من الغذاء، وعلى ما يُعَجَّل للضيف قبل الطعام، وهو اللائق هنا. قال الداوديّ: المراد أنه يأكل منها من سيصير إلى الجنة، من أهل المحشر، لا أنهم لا يأكلونها حتى يدخلوا الجنة. وتعقّبه الحافظ بأن ظاهر الخبر يخالفه، وكأنه بنى على ما أخرجه الطبريّ عن سعيد بن جبير، قال: تكون الأرض خبزة بيضاء، يأكل المؤمن من تحت قدميه، ومن طريق أبي معشر، عن محمد بن كعب، أو محمد بن قيس، نحوه، وللبيهقيّ بسند ضعيف، عن عكرمة: تُبدَّل الأرض مثل الخبزة، يأكل منها أهل الإسلام، حتى يفرغوا من الحساب، وعن أبي جعفر الباقر نحوه. ونقل الطيبيّ عن البيضاويّ أن هذا الحديث مشكل جدًّا، لا من جهة إنكار صنع الله، وقدرته على ما يشاء، بل لعدم التوقيف على قلب جرم الأرض من الطبع الذي عليه إلى طبع المطعوم، والمأكول، مع ما ثبت في الآثار أن هذه الأرض تصير يوم القيامة نارًا، وتنضم إلى جهنم، فلعل الوجه فيه أن معنى قوله: «خبزة واحدة»؛ أي: كخبزة واحدة، مِن نَعْتها كذا وكذا، وهو نظير ما في حديث سهل؛ يعني: المذكور قبل حديث: «كقرصة النقيّ»، فضرب المثل بها؛ لاستدارتها، وبياضها، فضرب المثل في هذا الحديث بخبزة، تُشْبه الأرض في معنيين: أحدهما بيان الهيئة التي تكون الأرض عليها يومئذ، والآخر بيان الخبزة التي يهيئها الله تعالى نزلًا لأهل الجنة، وبيان عِظَم مقدارها ابتداعًا، واختراعًا. قال الطيبيّ: وإنما دخل عليه الإشكال؛ لأنه رأى الحديثين في باب الحشر، فظنّ أنهما لشيء واحد، وليس كذلك، وإنما هذا الحديث من باب، وحديث سهل من باب، وأيضًا فالتشبيه لا يستلزم المشاركة بين المشبَّه والمشبَّه به في جميع الأوصاف، بل يكفي حصوله في البعض، وتقريره أنه شبَّه أرض الحشر بالخبزة في الاستواء، والبياض، وشبَّه أرض الجنة في كونها نزلًا لأهلها، ومهيأة لهم تكرمة بعجالة الراكب زاده يقنع به في سفره. قال الحافظ: آخر كلامه يقرر ما قال القاضي أن كون أرض الدنيا تصير نارًا محمول على حقيقته، وأن كونها تصير خبزة يأكل منها أهل الموقف محمول على المجاز، والآثار التي أوردتها عن سعيد بن جبير وغيره تردّ عليه، والأَولى الحمل على الحقيقة، مهما أمكن، وقدرة الله تعالى صالحة لذلك، بل اعتقاد كونه حقيقة أبلغ، وكون أهل الدنيا يوم القيامة إما أهل إسلام، وإما أهل كفر. ويستفاد منه أن المؤمنين لا يعاقَبون بالجوع في طول زمان الموقف، بل يقلب الله لهم بقدرته طبع الأرض حتى يأكلوا منها من تحت أقدامهم ما شاء الله، بغير علاج، ولا كلفة، ويكون معنى قوله: «نزلًا لأهل الجنة»؛ أي: الذين يصيرون إلى الجنة، أعمّ من كون ذلك يقع بعد الدخول إليها، أو قبله، والله أعلم. انتهى . (قَالَ) أبو سعيد -﵁-: (فَأَتَى رَجُلٌ) وفي رواية: «فأتاه رجل»، (مِنَ الْيَهُودِ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه. (فَقَالَ) ذلك الرجل: (بَارَكَ الرَّحْمَنُ عَلَيْكَ أَبَا الْقَاسِمِ) بحذف حرف النداء، وفي رواية البخاريّ: «يا أبا القاسم»، (أَلَا أُخْبِرُكَ بِنُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ) -ﷺ-: («بَلَى»)؛ أي: أخبرني به، وقد تقدّم البحث في «بلى»، و«نَعَمْ» غير مرّة، فلا تغفل. (قَالَ) الرجل (تَكُونُ الأَرْضُ خُبْزَةً وَاحِدَةً، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، قَالَ) أبو سعيد -﵁-: (فَنَظَرَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، ثُمَّ ضَحِكَ) يريد أنه أعجبه إخبار اليهوديّ عن كتابهم بنظير ما أخبر به من جهة الوحي، وكان يُعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يُنزَل عليه، فكيف بموافقتهم فيما أُنزل عليه. (حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) بالنون، والجيم، والذال المعجمة: جمع ناجذ، وهو آخر الأضراس، ولكل إنسان أربع نواجذ، وتُطلق النواجذ أيضًا على الأنياب، والأضراس. (قَالَ) الرجل أيضًا: (أَلَا أُخْبِرُكَ) وفي لفظ: «ألا أُخبركم» (بِإِدَامِهِمْ؟) بكسر الهمزة؛ أي: ما يؤكل به الخبز، قال الفيّوميّ: الإدام: ما يُؤتَدَم به، مائعًا كان، أو جامدًا، وجَمْعه أُدُمٌ، مثل كتاب وكُتب، ويسكن للتخفيف، فيعامَل معاملة المفرد، ويُجمع على آدَامٍ، مثلُ قُفْل وأقفال. انتهى . (قَالَ) -ﷺ-: («بَلَى»)؛ أي: أخبرني، (قَالَ) الرجل: (إِدَامُهُمْ بَالَامُ) بفتح الموحّدة، بغير همز، (وَنُونٌ)؛ أي: بلفظ أول السورة. (قَالُوا)؛ أي: الصحابة الحاضرون في ذلك المجلس: (وَمَا هَذَا؟)، وللبخاريّ: «ما هذا؟»؛ أي: ما تفسير بالام، ونون؟ (قَالَ) الرجل: (ثَوْرٌ، وَنُونٌ) قال الخطابيّ: هكذا رووه لنا، وتأملت النسخ المسموعة من البخاريّ من طريق حماد بن شاكر، وإبراهيم بن مَعْقِل، والفِرَبريّ، فإذا كلها على نحو واحد. قال الحافظ: وكذا عند مسلم، وكذا أخرجه الإسماعيليّ وغيره، قال الخطابيّ: فأما نون فهو الحوت، على ما فُسِّر في الحديث، وأما بالام، فدلّ التفسير من اليهوديّ على أنه اسم للثور، وهو لفظ مبهم، لم ينتظم، ولا يصح أن يكون على التفرقة اسمًا لشيء، فيُشْبه أن يكون اليهوديّ أراد أن يُعَمِّي الاسم، فقطع الهجاء، وقدم أحد الحرفين، وإنما هو في حقّ الهجاء لام ياء هجاء لَأْيٍ بوزن لَعْيٍ ، وهو الثور الوحشيّ، وجمعه آلاء، بثلاث همزات، وزن أحبال، فصحّفوه، فقالوا: بالام بالموحّدة، وإنما هو بالياء، آخر الحروف، وكتبوه بالهجاء، فأشكل الأمر، هذا أقرب ما يقع لي فيه، إلا أن يكون إنما عبّر عنه بلسانه، ويكون ذلك بلسانهم، وأكثر العبرانية فيما يقوله أهل المعرفة مقلوب على لسان العرب، بتقديم في الحروف، وتأخير، والله أعلم بصحته. وقال عياض: أورد الحميديّ في اختصاره -يعني: «الجمع بين الصحيحين»- هذا الحديث بلفظ بِاللأَى، بكسر الموحّدة، وألف وصل، ولام ثقيلة، بعدها همزة مفتوحة، خفيفة، بوزن الرَّحَى، واللأى: الثور الوحشيّ، قال: ولم أر أحدًا رواه كذلك، فلعله من إصلاحه، وإذا كان هكذا بقيت الميم زائدة، إلا أن يُدَّعَى أنها حُرِّفت عن الياء المقصورة، قال: وكل هذا غير مسلَّم؛ لِمَا فيه من التكلف، والتعسف، قال: وأَولى ما يقال في هذا أن تبقى الكلمة على ما وقع في الرواية، ويُحْمَل على أنها عبرانية، ولذلك سأل الصحابة اليهوديّ عن تفسيرها، ولو كان اللأى لعرفوها؛ لأنها من لسانهم. وجزم النوويّ بهذا، فقال: هي لفظة عبرانية، معناها ثور . (يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةِ كَبِدِهِمَا سَبْعُونَ أَلْفًا) قال عياض -﵀-: زيادة الكبد، وزائدتها: هي القطعة المنفردة المتعلَّقة بها، وهي أطيبه، ولهذأ خُصّ بأكلها السبعون ألفًا، ولعلهم الذين يدخلون الجنة بغير حساب، فُضِّلوا بأطيب النزل، ويَحْتَمِل أن يكون عبَّر بالسبعين عن العدد الكثير، ولم يُرد الحصر فيها. وفي مسائل عبد الله بن سلام: «أن أول طعام يأكله أهل الجنة زيادة كبد الحوت»، وفي حديث ثوبان -﵁- المتقدّم لمسلم في «كتاب الحيض»: «تحفة أهل الجنة زيادة كبد النون»، وفيه: «غذاؤهم على أثرها أن ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها»، وفيه: «وشرابهم عليه من عين تسمى سلسبيلًا». وأخرج ابن المبارك في «الزهد» بسند حسن، عن كعب الأحبار: أن الله تعالى يقول لأهل الجنة، إذا دخلوها: «إن لكل ضيف جزورًا، وإني أجزركم اليوم حوتًا، وثورًا، فيجزر لأهل الجنة»، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٧٠٣١] (٢٧٩٢)، و(البخاريّ) في «الرقاق» (٦٥٢٠)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (٩٦٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان عجيب صنع الله -﷾-، حيث يجعل الأرض التي نشاهدها خبزة يأكل أهل الجنّة منها. ٢ - (ومنها): بيان ما سيفعل الله -﷿- بالمؤمنين، حيث يُعدّ لهم نُزُلًا، كما يُعد للضيوف، وهذا غاية الإكرام والتبجيل. ٣ - (ومنها): أن مما يقوله أهل الكتاب ما هو حقّ موافق لِمَا في القرآن والسُّنَّة، فلذا قال النبيّ -ﷺ-: «لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية [البقرة: ١٣٦]؛ لأنه إذا صدّقهم فربما يكون خبرهم كذبًا، فليزم تصديق الكذب، وإذا كذّبهم، فربما يكون خبرهم صدقًا، كما في هذا الحديث، فليزم تكذيب الصدق، فأرشد إلى ما هو الصواب فيه، وهو أن يقول المسلمون إذا حدّثهم أهل الكتاب: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية [البقرة: ١٣٦»]. ٤ - (ومنها): أنه ينبغي للمسلم أن يأخذ الحقّ ممن قاله، ولا ينظر إلى أهليّة قائله، إذا لم يظهر منه ما يردّه، فإنه -ﷺ- قَبِل ما قاله هذا اليهوديّ، ولم يعترض عليه؛ لكونه حقًّا موافقًا لِمَا أُوحي إليه، ولمّا أخبروه بخلاف الحقّ حين سألهم، ردّ عليهم، وكذّبهم، فقد أخرج البخاريّ في «صحيحه»، عن أبي هريرة -﵁- قال: لمّا فُتحت خيبر أُهديتْ للنبيّ -ﷺ- شاة فيها سمّ، فقال النبيّ -ﷺ-: «اجمعوا إلي من كان ها هنا من يهود»، فجُمعوا له، فقال: «إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقيّ عنه؟»، فقالوا: نعم، قال لهم النبيّ -ﷺ-: «من أبوكم؟» قالوا: فلان، فقال: «كذبتم، بل أبوكم فلان»، قالوا: صدقت، قال: «فهل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألت عنه؟»، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كَذَبنا عرفت كَذِبنا، كما عرفته في أبينا، فقال لهم: «مَن أهل النار؟»، قالوا: نكون فيها يسيرًا، ثم تَخْلُفونا فيها، فقال النبيّ -ﷺ-: «اخسؤوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبدًا»، ثم قال: «هل أنتم صادقيّ عن شيء، إن سألتكم عنه؟» فقالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: «هل جعلتم في هذه الشاة سمًّا؟» قالوا: نعم، قال: «ما حملكم على ذلك؟» قالوا: أردنا إن كنت كاذبًا نستريح، وإن كنت نبيًّا لم يضرّك، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٣٢] (٢٧٩٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «لَوْ تَابَعَنِي عَشْرةٌ مِنَ الْيَهُودِ، لَمْ يَبْقَ عَلَى ظَهْرِهَا يَهُودِيٌّ إِلَّا أَسْلَمَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحمَّدُ) بن سيرين الأنصاريّ، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ. كبير القَدْر، كان لا يرى الرواية بالمعنى [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في «شرح المقدّمة» جـ ١ ص ٣٠٨. والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وقبل بابين، و«قرّة» هو: ابن خالد السَّدُوسيّ. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسل بالبصريين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ، وفيه أبو هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في عصره. شرح الحديث: (عَنْ أَيِي هُرَيْرَةَ) -﵁-؛ أنه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «لَوْ تَابَعَنِي) ولفظ البخاريّ:»لو آمن بي«، (عَشْرَةٌ مِنَ الْيَهُودِ) قال صاحب»التحرير«: عشرة من أحبارهم . (لَمْ يَبْقَ عَلَى ظَهْرِهَا)؛ أي: على ظهر الأرض، ويَحْتَمل أن يكون المراد: ظهر المدينة، لكنه بعيد، والأول هو الظاهر، والله تعالى أعلم. (يَهُودِيٌّ إِلَّا أَسْلَمَ») وفي رواية الإسماعيليّ: «لم يبق يهوديّ إلا أسلم»، وكذا أخرجه أبو سعيد في «شرف المصطفى»، وزاد في آخره قال: «قال كعب: هم الذين سمّاهم الله في سورة المائدة»، فعلى هذا فالمراد عشرة مختصة، وإلا فقد آمن به -ﷺ- أكثر من عشرة، وقيل: المعنى لو آمن بي في الزمن الماضي؛ كالزمن الذي قبل قدوم النبيّ -ﷺ- المدينة، أو حال قدومه. قال الحافظ: والذي يظهر أنهم الذين كانوا حينئذ رؤساء في اليهود، ومن عداهم كان تبعًا لهم، فلم يُسلم منهم إلا القليل، كعبد الله بن سلام، وكان من المشهورين بالرياسة في اليهود، عند قدوم النبيّ -ﷺ-، ومن بني النضير أبو ياسر بن أخطب، وأخوه حُييّ بن أخطب، وكعب بن الأشرف، ورافع بن أبي الْحُقَيق، ومن بني قينقاع عبد الله بن حنيف، وفنحاص، ورفاعة بن زيد، ومن بني قريظة الزبير بن باطيا، وكعب بن أسد، وشمويل بن زيد، فهؤلاء لم يثبت إسلام أحد منهم، وكان كل منهم رئيسًا في اليهود، ولو أسلم لاتبعه جماعة منهم، فيَحْتَمِل أن يكونوا المرادَ. وقد رَوَى أبو نعيم في «الدلائل» من وجه آخر الحديث بلفظ: «لو آمن بي الزبير بن باطيا، وذووه، من رؤساء يهود، لأسلموا كلهم». وأغرب السهيليّ، فقال: لم يُسلم من أحبار اليهود إلا اثنان؛ يعني: عبد الله بن سلام، وعبد الله بن صُوريا، كذا قال، قال الحافظ: ولم أر لعبد الله بن صوريا إسلامًا من طريق صحيحة، وإنما نسبه السهيليّ في موضع آخر لتفسير النقاش. ووقع عند ابن حبان قصة إسلام جماعة من الأحبار، كزيد بن سعنة مطوّلًا. ورَوَى البيهقيّ أن يهوديًّا سمع النبيّ -ﷺ- يقرأ «سورة يوسف»، فجاء، ومعه نفر من اليهود، فأسلموا كلهم، لكن يَحْتَمِل أن لا يكونوا أحبارًا. وأخرج يحيى بن سلام في «تفسيره» من وجه آخر عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة هذا الحديث، فقال: قال كعب: إنما الحديث اثنا عشر؛ لقول الله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢]، فسكت أبو هريرة، قال ابن سيرين: أبو هريرة عندنا أَولى من كعب، قال يحيى بن سلام: وكعب أيضًا صدوق؛ لأن المعنى: عشرة بعد الاثنين، وهما عبد الله بن سلام، ومخيريق، كذا قاله، وهو معنوي. انتهى، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٧٠٣٢] (٢٧٩٣)، و(البخاريّ) في «مناقب الأنصار» (٣٩٤١)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ٣٤٦ و٣٦٣ و٤١٦)، و(تمام الرازي) في «فوائده» (٢/ ١٤٠)، و(ابن عساكر) في «تاريخ دمشق» (٥٣/ ١٧٣)، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٦) - (بَابُ سُؤَالِ الْيَهُودِ النَّبِيَّ -ﷺ- عَنِ الرُّوحِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآيَةَ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٣٣] (٢٧٩٤) - (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي حَرْثٍ، وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ، إِذْ مَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، فَقَالُوا: مَاَ رَابَكُمْ إِلَيْهِ؟ لَا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالُوا: سَلُوهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ، فَسَأَلَهُ عَنِ الرُّوحِ، قَالَ: فَأَسْكَتَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، قَالَ: فَقُمْتُ مَكَانِي، فَلَمَّا نَزَلَ الْوَحْيُ قَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]. قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم سند هذا الحديث بعينه قبل بابين، فلا حاجة إلى إعادة البحث عنه، فتنبّه. شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود، كما هو القاعدة في مثل هذا؛ إذ السند كوفيّ؛ أنه (قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي) ولفظ البخاريّ: «بينا أنا»، وقد تقدّم البحث في «بينما»، و«بينا» غير مرّة، وقال في «العمدة»: قوله: «بينا أنا» قد مَرّ غير مرة أن أصل بينا: «بين»، فأُشبعت الفتحة بالألف، والعامل فيه جوابه وهو قوله: «فمرّ بنفر من اليهود». لا يقال: الفاء الجزائية تمنع عمل ما بعدها فيما قبلها، فلا يعمل «مَرّ» في «بينا»؛ لأنا نقول: لا نسلّم أن الفاء هنا جزائية؛ إذ ليس في «بين» معنى المجازاة الصريحة، بل فيها رائحة منها، ولئن سلّمنا، ولكن لا نسلّم ما ذكرتم من المنع؛ لأن النحاة قالوا في أمّا زيدًا فأنا ضارب: إن العامل في زيدًا هو ضارب، سلّمنا ذلك، فنقول: العامل فيه مَرّ مقدرًا، والمذكور يفسره، ولنا أن نقول بين الفاء وإذا أُخُوّة حيث استُعملت الفاء هنا موضع إذا، والغالب أن جواب «بينا» يكون بإذا، وإذ، وإن كان الأصمعي يستفصح تركهما. انتهى . وقوله: (مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-) متعلّق بحال؛ أي: مصاحبًا معه (فِي حَرْثٍ) بفتح الحاء المهملة، وسكون الراء، آخره ثاء مثلثة، وهو موضع الزرع، وهو مراده بقوله في الرواية الأخرى: «في نخل»، قال النوويّ -﵀-: واتفقت نُسخ «صحيح مسلم» على أنه «حرث» بالثاء المثلثة، وكذا رواه البخاريّ في مواضع، ورواه في أول الكتاب، في «باب وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا»: «خرب» بالباء الموحدة والخاء المعجمة: جمع خراب، قال العلماء: الأول أصوب، وللآخر وجه، ويجوز أن يكون الموضع فيه الوصفان. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «في حرث» بفتح المهملة، وسكون الراء، بعدها مثلثة، ووقع في «كتاب العلم» -أي: عند البخاريّ- من وجه آخر بخاء معجمة، وموحّدة، وضبطوه بفتح أوله، وكسر ثانيه، وبالعكس، والأول أصوب، فقد أخرجه مسلم من طريق مسروق، عن ابن مسعود بلفظ: «كان في نخل»، وزاد في رواية العلم: «بالمدينة»، ولابن مردويه من وجه آخر، عن الأعمش: «في حرث للأنصار»، وهذا يدلّ على أن نزول الآية وقع بالمدينة، لكن روى الترمذيّ من طريق داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس: «قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئًا نسأل هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]» ورجاله رجال مسلم، وهو عند ابن إسحاق من وجه آخر، عن ابن عباس نحوه. ويمكن الجمع بأن يتعدد النزول بحمل سكوته في المرة الثانية على توقع مزيد بيان في ذلك، وإن ساغ هذا، وإلا فما في الصحيح أصحّ. انتهى . (وَهُوَ مُتَّكِئٌ) جملة حاليّة؛ أي: والحال أنه معتمد، ومادته واو وكاف وهمزة، ومنه يقال: رجل تُكَأَةٌ، مثالُ تُؤَدَةِ: كثير الاتكاء، وأصلها وُكأة أيضًا، والْمُتَّكأة: ما يُتكأ عليه، قال الله تعالى: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١]. (عَلَى عَسِيبٍ) بفتح العين، وكسر السين المهملتين، وسكون الياء، وفي آخره باء موحّدة، قال الصغانيّ: العسيب من السَّعَف فويق الْكَرَب ، لم ينبت عليه الخوص، وما ينبت عليه الخوص فهو السَّعَف، والجمع عُسُب، وقال غيره: العسيب جريد النخل، وهو عُود قضبان النخل، كانوا يكشطون خوصها، ويتخذونها عُصِيًّا، وكانوا يكتبون في طرفه العريض منه، ومنه قوله في الحديث: «فجعلت أتتبعه في العسيب» يريد: القرآن . وقال في «الفتح»: قوله: «على عسيب» بمهملتين، وآخره موحّدة، بوزن عظيم، وهي الجريدة التي لا خُوص فيها، ووقع في رواية ابن حبان: «ومعه جريدة»، قال ابن فارس: الْعُسْبان من النخل؛ كالقضبان من غيرها. انتهى . (إِذْ مَرَّ بِنَفَرٍ) بفتح الفاء: عدّة رجال، من ثلاثة إلى عشرة، والنفير مثله، وكذلك النّفْر والنفرة بالإسكان . (مِنَ الْيَهُودِ) هذا اللفظ مع اللام ودون اللام معرفة، والمراد به اليهوديون، ولكنهم حذفوا ياء النسبة، كما قالوا: زنجيّ، وزنج؛ للفرق بين المفرد، والجماعة . ووقع في رواية للبخاريّ بلفظ: «إذ مر اليهود»، قال في «الفتح»: قوله: «إذ مر اليهودُ» كذا فيه «اليهودُ» بالرفع على الفاعلية، وفي بقية الروايات في «العلم»، و«الاعتصام»، و«التوحيد»، وكذا عند مسلم: «إذ مَرّ بنفر من اليهود»، وعند الطبريّ من وجه آخر، عن الأعمش: «إذ مررنا على يهود»، ويُحْمَل هذا الاختلاف على أن الفريقين تلاقَوا، فيصدق أن كلًّا مرّ بالآخر. وقوله: «يهود» هذا اللفظ معرفة تدخله اللام تارةً، وتارة يتجرد، وحذفوا منه ياء النسبة، ففرَّقوا بين مفرده وجمعه، كما قالوا: زنج، وزنجيّ، قال: ولم أقف في شيء من الطرُق على تسمية أحد من هؤلاء اليهود. انتهى . (فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ)؛ أي: النبيّ -ﷺ-، وأصله: اسألوه، (عَنِ الرُّوحِ، فَقَالُوا: مَا رَابَكُمْ إِلَيْهِ) قال النوويّ -﵀-: هكذا في جميع النسخ: «ما رابكم إليه»؛ أي: ما دعاكم إلى سؤاله، أو ما شكّكم فيه، حتى احتجتم إلى سؤاله، أو ما دعاكم إلى سؤال تخشون سوء عقباه. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «ما رابكم إليه» كذا للأكثر بصيغة الفعل الماضي من الريب، ويقال فيه: رابه كذا، وأرابه كذا، بمعنى، وقال أبو زيد: رابه: إذا عَلم منه الريب، وأرأبه: إذا ظَنّ ذلك به، ولأبي ذرّ عن الحمويّ وحده بهمزة، وضم الموحّدة من الرأب، وهو الإصلاح، يقال فيه: رأب بين القوم: إذا أصلح بينهم، وفي توجيهه هنا بُعْدٌ. وقال الخطابيّ : الصواب ما أَرَبُكُم، بتقديم الهمزة، وفتحتين، من الأَرَب، وهو الحاجة، وهذا واضح المعنى لو ساعدته الرواية، نعم رأيته في رواية المسعوديّ عن الأعمش، عند الطبريّ كذلك، وذكر ابن التين أن رواية القابسيّ كرواية الحمويّ، لكن بتحتانية بدل الموحّدة من الرأي، والله أعلم. انتهى . (لَا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ) وفي رواية البخاريِّ في «العلم»: «لا يجيء فيه بشيء تكرهونه»، وفي «الاعتصام»: «لا يسمعكم ما تكرهون»، وهي بمعنًى، وكلّها بالرفع على الاستئناف، ويجوز السكون، وكذا النصب أيضًا، قاله في «الفتح». وقال في «العمدة»: قوله: «لا يجيء فيه» يجوز فيه ثلاثة أوجه: الأول: الجزم على جواب النهي؛ أي: لا تسألوه لا يجئْ بمكروه. الثاني: النصب على معنى: لا تسألوه إرادةَ أن لا يجيء فيه، و«لا» زائدة، وهذا ماشٍ على مذهب الكوفيين، وقال السهيليّ: النصب فيه بعيد؛ لأنه على معنى «أَنْ». الثالث: الرفع على القطع؛ أي: لا يجيءُ فيه بشيء تكرهونه، قال: والمراد أنه رُفع على الاستئناف. انتهى . ووقع في بعض التفاسير أن الحكمة في سؤال اليهود عن الروح أن عندهم في التوراة أن روح بني آدم لا يعلمها إلا الله، فقالوا: نسأله، فإن فسَّرها فهو نبيّ، وهو معنى قولهم: «لا يجيء بشيء تكرهونه»، وروى الطبريّ من طريق، مغيرة، عن إبراهيم، في هذه القصّة، فنزلت الآية، فقالوا: هكذا نجده عندنا، ورجاله ثقات، إلا أنه سقط من الإسناد علقمة، قاله في «الفتح» . (فَقَالُوا: سَلُوهُ) وفي رواية للبخاريّ في «التوحيد»: «فقال بعضهم: لنسألنّه»، واللام جواب قسم محذوف. (فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ)، وفي رواية للبخاريّ في «التوحيد»: «فقام رجل منهم، فقال: يا أبا القاسم ما الروح؟»، وفي رواية العوفي عن ابن عباس، عند الطبريّ: «فقالوا: أخبرنا عن الروح». (فَسَأَلَهُ)؛ أي: سأل ذلك البعض النبيّ -ﷺ- (عَنِ الرُّوحِ) قال ابن التين -﵀-: اختَلَف الناس في المراد بالروح المسؤول عنه في هذا الخبر على أقوال: الأول: روح الإنسان. الثاني: روح الحيوان. الثالث: جبريل -﵇-. الرابع: عيسى -﵇-. الخامس: القرآن. السادس: الوحي. السابع: ملَك يقوم وحده صفًّا يوم القيامة. الثامن: ملَك له أحد عشر ألف جناح، ووُجِّه. وقيل: ملك له سبعون ألف لسان. وقيل: له سبعون ألف وجه، في كل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان ألف لغة، يسبح الله تعالى، يخلق الله بكل تسبيحة ملكًا يطير مع الملائكة. وقيل: ملك رجلاه في الأرض السفلى، ورأسه عند قائمة العرش. التاسع: خَلْق كخلق بني آدم، يقال لهم: الروح، يأكلون، ويشربون، لا ينزل ملك من السماء إلا نزل معه. وقيل: بل هم صنف من الملائكة يأكلون ويشربون. انتهى كلامه ملخصًا بزيادات من كلام غيره. قال الحافظ: وهذا إنما اجتمع من كلام أهل التفسير في معنى لفظ الروح الوارد في القرآن، لا خصوص هذه الآية، فمِنَ الذي في القرآن: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)﴾ [الشعراء: ١٩٣]، ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [غافر: ١٥]، ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨]، ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤]، فالأول جبريل، والثاني القرآن، والثالث الوحي، والرابع القوّة، والخامس والسادس مُحْتَمِل لجبريل ولغيره. ووقع إطلاق روح الله على عيسى -﵇-، وقد روى ابن إسحاق في تفسيره بإسناد صحيح، عن ابن عباس قال: الروح من الله، وخَلْق من خلق الله، وصُوَر كبني آدم، لا ينزل ملَك إلا ومعه واحد من الروح، وثبت عن ابن عباس أنه كان لا يفسِّر الروح؛ أي: لا يعيِّن المراد به في الآية. وقال الخطابيّ: حَكَوا في المراد بالروح في الآية أقوالًا، قيل: سألوه عن جبريل، وقيل: عن ملَك له ألسنة، وقال الأكثر: سألوه عن الروح التي تكون بها الحياة في الجسد، وقال أهل النظر: سألوه عن كيفية مسلك الروح في البدن، وامتزاجه به، وهذا هو الذي استأثر الله بعلمه. وقال القرطبيّ: الراجح أنهم سألوه عن روح الإنسان؛ لأن اليهود لا تعترف بأن عيسى روح الله، ولا تجهل أن جبريل ملَك، وأن الملائكة أرواح. وقال الإمام فخر الدين الرازيّ: المختار أنهم سألوه عن الروح الذي هو سبب الحياة، وأن الجواب وقع على أحسن الوجوه، وبيانُهُ أن السؤال عن الروح يَحْتَمِل عن ماهيته، وهل هي متحيزة، أم لا؟ وهل هي حالّة في متحيز، أم لا؟ وهل هي قديمة، أو حادثة؟ وهل تبقى بعد انفصالها من الجسد، أو تفنى؟ وما حقيقة تعذيبها، وتنعيمها؟، وغير ذلك من متعلقاتها، قال: وليس في السؤال ما يخصص أحد هذه المعاني، إلا أن الأظهر أنهم سألوه عن الماهية، وهل الروح قديمة، أو حادثة، والجواب يدلّ على أنها شيء موجود، مغاير للطبائع، والأخلاط، وتركيبها، فهو جوهر بسيط مجرّد، لا يحدث إلا بمُحدِث، وهو قوله تعالى: ﴿كُنْ﴾ [البقرة: ١١٧] فكأنه قال: هي موجودة، مُحْدَثة بأمر الله، وتكوينه، ولها تأثير في إفادة الحياة للجسد، ولا يلزم من عدم العلم بكيفيتها المخصوصة نفيه، قال: ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالأمر في قوله: ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] الفعل؛ كقوله: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧]؛ أي: فِعله، فيكون الجواب: الروح من فعل ربي، وإن كان السؤال هل هي قديمة، أو حادثة؟ فيكون الجواب أنها حادثة، إلى أن قال: وقد سكت السلف عن البحث في هذه الأشياء، والتعمق فيها. انتهى. قال: وقد تنطَّع قوم، فتباينت أقوالهم، فقيل: هي النَّفَس الداخل والخارج، وقيل: الحياة، وقيل: جسم لطيف يَحُلّ في جميع البدن، وقيل: هي الدم: وقيل: هي عَرَض، حتى قيل: إن الأقوال فيها بلغت مائة، ونقل ابن منده عن بعض المتكلمين أن لكل نبي خمسة أرواح، وأن لكل مؤمن ثلاثة، ولكل حي واحدة. قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأقوال المتشتّتة ليست مبنيّة على أسس من الكتاب والسُّنَّة، بل هي تفكيرات من العقول البشريّة التي لا تحول حول الأمور المغيّبة إلا بمقدر ما جاء من الوحي السماويّ، فواجبنا تجاهها أن نسكت كما سكت السلف الصالح، فليسعنا ما وَسِعهم، وهذا هو السبيل الوحيد الذي يُنجي في الدنيا والآخرة، فعَضّ عليه بنواجذك تَسْلَم، وتغنم، وإلا تخسر، وتندم، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقال ابن العربيّ: اختلفوا في الروح والنفس، فقيل: متغايران، وهو الحقّ، وقيل: هما شيء واحد، قال: وقد يعبَّر بالروح عن النفس، وبالعكس، كما يعبَّر عن الروح، وعن النفس بالقلب، وبالعكس، وقد يعبَّر عن الروح بالحياة، حتى يتعدى ذلك إلى غير العقلاء، بل إلى الجماد مجازًا. وقال السهيليّ: يدلّ على مغايرة الروح والنفس قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] فإنه لا يصح جعل أحدهما موضع الآخر، ولولا التغاير لساغ ذلك. انتهى . (قَالَ: فَأَسْكَتَ النَّبِيُّ -ﷺ-)؛ أي: سكت، وقيل: أطرق، وقيل: أعرض عنه، قاله النوويّ -﵀- . وقال الفيّوميّ -﵀-: سَكَتَ سَكْتًا، وسُكُوتًا: صَمَتَ، ويتعدى بالألف، والتضعيف، فيقال: أَسْكَتهُ، وسَكَّنتُهُ، واستعمالُ المهموز لازمًا لغةٌ، وبعضهم يجعله بمعنى أطرق، وانقطع. انتهى . وفي رواية للبخاريّ: «فأمسك النبيّ -ﷺ-» (فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا) وفي لفظ للبخاريّ: «فلم يرد عليهم»، (فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ) وفي رواية للبخاريّ في «التوحيد»: «فظننت أنه يوحى إليه»، وفي «الاعتصام»: «فقلت: إنه يوحى إليه»، وهي متقاربة، وإطلاق العلم على الظنّ مشهور، وكذا إطلاق القول على ما يقع في النفس، ووقع عند ابن مردويه، من طريق ابن إدريس، عن الأعمش: «فقام، وحَنَى من رأسه، فظننت أنه يوحى إليه». (قَالَ) ابن مسعود -﵁-: (فَقُمْت مَكَاني) وفي لفظ للبخاريّ: «فقمت مقامي»، وفي لفظ: «فتأخّرت عنه»؛ أي: أدبًا معه -ﷺ-؛ لئلا يتشوش بقربي منه، (فَلَمَّا نَزَلَ الْوَحْيُ) وفي رواية للبخاريّ: «حتى صعد الوحي، فقال»، وفي رواية له: «فقمت، فلما انجلى». (قَالَ) النبيّ -ﷺ-: (﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾) [الإسراء: ٨٥]. قال ابن جرير الطبريّ -﵀-: يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد -ﷺ-: ويسألك الكفار بالله من أهل الكتاب عن الروح، ما هي؟ قل لهم: الروح من أمر ربىِ، وما أوتيتم أنتم، وجميع الناس من العلم إلا قليلًا، وذُكِر أن الذين سألوا رسول الله -ﷺ- عن الروح، فنزلت هذه الآية بمسألتهم إياه عنها، كانوا قومًا من اليهود. انتهى . وقال الشوكانيّ -﵀-: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ قد اختَلف الناس في الروح المسؤول عنه، فقيل: هو الروح المدبر للبدن الذي تكون به حياته، وبهذا قال أكثر المفسرين. قال الفراء: الروح الذي يعيش به الإنسان، لم يخبر الله سبحانه به أحدًا من خلقه، ولم يعط علمه أحدًا من عباده فقال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾؛ أي: إنكم لا تعلمونه، وقيل: الروح المسؤول عنه: جبريل، وقيل: عيسى، وقيل القرآن، وقيل: ملك من الملائكة عظيم الخلق، وقيل: خَلْق كخلق بني آدم، وقيل غير ذلك مما لا طائل تحته، ولا فائدة في إيراده، والظاهر القول الأول، قال: ثم الظاهر أن السؤال عن حقيقة الروح؛ لأن معرفة حقيقة الشيء أهمّ، وأقدم من معرفة حالٍ من أحواله، ثم أمَره سبحانه أن يجيب على السائلين له عن الروح فقال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. «من» بيانية، والأمر: الشأن، والإضافة للاختصاص؛ أي: هو من جنس ما استأثر الله بعلمه من الأشياء التي لم يُعلم بها عباده، وقيل: معنى ﴿مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ من وحيه، وكلامه، لا من كلام البشر. ثم ختم سبحانه هذه الآية بقوله سبحانه: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: أن علمكم الذي علّمكم الله، ليس إلّا المقدار القليل بالنسبة إلى علم الخالق سبحانه، وإن أوتي حظًا من العلم وافرًا، بل علم الأنبياء -﵈- ليس هو بالنسبة إلى علم الله سبحانه إلّا كما يأخذ الطائر في منقاره من البحر، كما في حديث موسى والخضر -﵇-. انتهى . وقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ هكذا في هذه الرواية، وقد بيّن مسلم فيما بعدُ أن في رواية عيسى بن يونس: «وما أوتوا من العلم إلا قليلًا»، وكذلك وقع اختلاف في رواية البخاريّ، فقال في «الفتح»: قوله: «وما أوتيتم من العلم» كذا للكشميهنيّ هنا -أي: في التفسير- وكذا لهم في «الاعتصام»، ولغير الكشميهنيّ هنا: «وما أوتوا» وكذا لهم في «العلم»، وزاد: «قال الأعمش: هكذا قراءتنا»، وبيّن مسلم اختلاف الرواة عن الأعمش فيها، وهي مشهورة عن الأعمش، أعني بلفظ: «وما أوتوا»، ولا مانع أن يذكرها بقراءة غيره، وقراءة الجمهور: «وما أوتيتم» والأكثر على أن المخاطب بذلك اليهود، فتتحد القراءتان، نعم وهي تتناول جميع علم الخلق بالنسبة إلى علم الله. ووقع في حديث ابن عباس: «أن اليهود لمّا سمعوها قالوا: أوتينا علمًا كثيرًا، التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، فنزلت: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ الآية [الكهف: ١٠٩]»، قال الترمذيّ: حسنٌ صحيحٌ. وقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ هو استثناء من العلم؛ أي: إلا علمًا قليلًا، أو من الإعطاء؛ أي: إلا إعطاء قليلًا، أو من ضمير المخاطب، أو الغائب، على القراءتين؛ أي: إلا قليلًا منهم، أو منكم، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٧٠٣٣ و٧٠٣٤ و٧٠٣٥] (٢٧٩٤)، و(البخاريّ) في «العلم» (١٢٥) و«التفسير» (٤٧٢١) و«الاعتصام» (٧٢٩٧) و«التوحيد» (٧٤٥٦ و٧٤٦٢)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣١٤١)، و(أحمد) في «مسنده» (١/ ٤٤٤ و٤٤٥)، و(الطبريّ) في «التفسير» (١٥/ ١٥٥ و١٥٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٩٨)، و(الواحديّ) في «أسباب النزول» (ص ١٩٧)، و(الطبرانيّ) في «الصغير» (٢/ ٨٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز سؤال العالم في حال قيامه، ومشيه، إذا كان لا يثقل ذلك عليه. ٢ - (ومنها): أدب الصحابة -﵃- مع النبيّ -ﷺ-، حيث تأدب ابن مسعود -﵁- لَمّا علم بنزول الوحي، فوقف حتى لا يشوش عليه. ٣ - (ومنها): العمل بما يغلب على الظنّ، حيث توقّف ابن مسعود حيث ظنّ نزول الوحي. ٤ - (ومنها) التوقف عن الجواب بالاجتهاد لمن يتوقع النصّ. ٥ - (ومنها): أن بعض المعلومات قد استأثر الله -﷾- بعلمه وحقيقته؛ كالروح. ٦ - (ومنها): أن الأمر يَرِد لغير الطلب، والله أعلم. ٧ - (ومنها): ما قاله الشوكانيّ -﵀-: في هذه الآية ما يزجر الخائضين في شأن الروح المتكلفين لبيان ما هَيْئتها، وإيضاح حقيقتها، أبلغ زجر، ويردعهم أعظم ردع، وقد أطالوا المقال في هذا البحث بما لا يتسع له المقام، وغالبه، بل كله من الفضول الذي لا يأتي بنفع في دين ولا دنيا. وقد حَكَى بعض المحققين أن أقوال المختلفين في الروح بلغت إلى ثمانية عشر ومائة قول، فانظر إلى هذا الفضول الفارغ، والتعب العاطل عن النفع، بعد أن علموا أن الله سبحانه قد استأثر بعلمه، ولم يُطلع عليه أنبياءه، ولا أَذِن لهم بالسؤال عنه، ولا البحث عن حقيقته، فضلًا عن أممهم المقتدين بهم، فيالله العجب حيث تبلغ أقوال أهل الفضول إلى هذا الحدّ الذي لم تبلغه، ولا بعضه في غير هذه المسألة، مما أذن الله بالكلام فيه، ولم يستأثر بعلمه. انتهى ، وهو كلام وجيه، وتنبيه نَبِيه، خلاصته أنه لا ينبغي لعاقل فضلًا عن العالِم أن يشتغل بفضول الكلام، ولا سيّما فيما سدّ الشارع طريق البحث، فالواجب فيه السكوت، وتفويض علمه إلى عالم الغيب والشهادة، فهذا هو الحقّ، فماذا بعد الحقّ إلا الضلال؟ عصمنا الله تعالى من الاشتغال بما لا ينفعنا، لا في الدنيا، ولا في الآخرة، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم آمين. (المسألة الرابعة): فيما قاله أهل العلم في المراد بقوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾: قال الإسماعيليّ -﵀-: يحْتَمِل أن يكون جوابًا، وأن الروح من جملة أمر الله، وأن يكون المراد: أن الله اختص بعلمه، ولا سؤال لأحد عنه. وقال ابن القيّم -﵀-: ليس المراد هنا بالأمر الطلب اتفاقًا، وإنما المراد به المأمور، والأمر يُطلق على المأمور؛ كالخلق على المخلوق، ومنه: ﴿لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١٠١]. وقال ابن بطال -﵀-: معرفة حقيقة الروح مما استأثر الله بعلمه، بدليل هذا الخبر، قال: والحكمة في إبهامه اختبار الخلق؛ ليُعَرّفهم عجزهم عن علم ما لا يدركونه، حتى يضطرهم إلى ردّ العلم إليه. وقال القرطبيّ -﵀-: الحكمة في ذلك إظهار عجز المرء؛ لأنه إذا لم يعلم حقيقة نفسه، مع القطع بوجوده، كان عجزه عن إدراك حقيقة الحقّ من باب أَولى. وجنح ابن القيم في «كتاب الروح» إلى ترجيح أن المراد بالِروح المسؤول عنها في الآية ما وقع في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: ٣٨] قال: وأما أرواح بني آدم، فلم يقع تسميتها في القرآن إلا نفسًا، قال الحافظ: كذا قال، ولا دلالة في ذلك لِمَا رجّحه، بل الراجح الأول، فقد أخرج الطبريّ من طريق العوفيّ، عن ابن عباس في هذه القصّة أنهم قالوا عن الروح، وكيف يعذّب الروح الذي في الجسد، وإنما الروح من الله؟ فنزلت الآية. وقال بعضهم: ليس في الآية دلالة على أن الله لم يُطلع نبيّه -ﷺ- على حقيقة الروح، بل يَحْتَمِل أن يكون أطلعه، ولم يأمره أنه يطلعهم، وقد قالوا في علم الساعة نحو هذا، والله أعلم. قال الجامع عفا الله عنه: العجب من الحافظ ينقل هذا القول، ويسكت عليه، وهو من منكر القول، فهل بعد هذه الآية بأن الروح من أمر الله، وليست من معلومات الخلق، وبعد قوله -ﷺ- في الحديث الصحيح: «مفاتح الغيب خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤]، فهل يدعي عاقل بعد هذا كلّه بأن الله تعالى أطلع نبيّه -ﷺ- على هذه المغيّبات؟ بل صرّح بعضهم بأنه -ﷺ- لم يخرج من الدنيا حتى أطلعه الله على هذا المغيّبات، فهذا هو التقوّل على الله تعالى بلا علم، نسأل الله تعالى أن يعافينا من ذلك آمين. قال الحافظ: وممن رأى الإمساك عن الكلام في الروح أستاذ الطائفة أبو القاسم، فقال فيما نقله في «عوارف المعارف» عنه بعد أن نقل كلام الناس في الروح: وكان الأَولى الإمساك عن ذلك، والتأدب بأدب النبيّ -ﷺ-، ثم نقل عن الجنيد أنه قال: الروح استأثر الله تعالى بعلمه، ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه، فلا تجوز العبارة عنه بأكثر من موجود، وعلى ذلك جرى ابن عطية، وجَمْع من أهل التفسير، وأجاب من خاض في ذلك بأن اليهود سألوا عنها سؤال تعجيز، وتغليط؛ لكونه يُطلق على أشياء، فأضمروا أنه بأيّ شيء أجاب، قالوا: ليس هذا المراد، فردّ الله كيدهم، وأجابهم جوابًا مجملًا مطابقًا لسؤالهم المجمل. وقال السُّهْرَورديّ في «العوارف»: يجوز أن يكون من خاض فيها سلك سبيل التأويل، لا التفسير؛ إذ لا يسوغ التفسير إلا نقلًا، وأما التأويل فتمتد العقول إليه بالباع الطويل، وهو ذِكر ما لا يَحْتمل إلا به من غير قطع بأنه المراد، فمن ثَمّ يكون القول فيه، قال: وظاهر الآية المنع من القول فيها؛ لختم الاية بقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: اجعلوا حكم الروح من الكثير الذي لم تؤتوه، فلا تسألوا عنه، فإنه من الأسرار. وقيل: المراد بقوله: ﴿أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] كون الروح من عالم الأمر الذي هو عالم الملكوت، لا عالم الخلق الذي هو عالم الغيب والشهادة. وقد خالف الجنيدَ ومن تبعه من الأئمة جماعةٌ من متأخري الصوفية، فأكثروا من القول في الروح، وصرّح بعضهم بمعرفة حقيقتها، وعاب من أمسك عنها. ونقل ابن منده في «كتاب الروح» له عن محمد بن نصر المروزيّ الإمام المطلع على اختلاف الأحكام من عهد الصحابة إلى عهد فقهاء الأمصار، أنه نقل الإجماع على أن الروح مخلوقة، وإنما يُنقَل القول بقدمها عن بعض غلاة الرافضة، والمتصوفة. واختُلف هل تفنى عند فناء العالم قبل البعث، أو تستمرّ باقية؟ على قولين، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: وهذا الاختلاف أيضًا من نوع الاختلاف السابق، فهو من الخوض فيما لا يعني، والحقّ تفويض علم ذلك إلى القائل الحكيم: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. اللَّهُمَّ اهدنا فيمن هديت، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، اللَّهُمَّ رب جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لِمَا اختُلف فيه من الحقّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، آمين. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٣٤] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي حَرْثٍ بِالْمَدِينَةِ ، بِنَحْوِ حَدِيثِ حَفْصٍ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ وَكِيعٍ: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وَفِي حَدِيثِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ: «وَمَا أُوتُوا» مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ خَشْرَمٍ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حُصين الْكِنْديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ١٧. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرُّؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، عابدٌ، من كبار [٩]، مات في آخر سنة ست، أو أول سنة سبع وتسعين ومائة، وله سبعون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ١/ ١. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله ببابين. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ) الضمير لوكيع، وعيسى بن يونس. وقوله: (فِي حَرْثٍ بِالْمَدِينَةِ) وفي بعض النسخ: «في حرث المدينة». [تنبيه]: أما رواية وكيع عن الأعمش، فقد ساقها البخاريّ -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٧٠١٨) - حدثنا يحيى ، حدّثنا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: كنت أمشي مع رسول الله -ﷺ- في حرث بالمدينة، وهو متكئ على عسيب، فمرّ بقوم من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه عن الروح، فسألوه، فقام متوكئًا على العسيب، وأنا خلفه، فظننت أنه يوحى إليه، فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾، فقال بعضهم لبعض: قد قلنا لكم: لا تسألوه. انتهى . وأما رواية إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس عن الأعمش، فقد ساقها ابن حبّان -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٩٨) - أخبرنا عبد الله بن محمد الأزديّ، قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عيسى بن يونس، قال: حدّثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: كنت أمشي مع رسول الله -ﷺ- في حرث بالمدينة، وهو متكئ على عسيب، فمَرّ بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض: لو سألتموه، فقال بعضهم: لا تسألوه، فيُسمعكم ما تكرهون، فقالوا: يا أبا القاسم أخبرنا عن الروح، فقام ساعةً ينتظر الوحي، فعرفت أنه يوحى عليه، فتأخرت عنه، حتى صعد الوحي، ثم قرأ: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْرُّوْحِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) الآية. انتهى . وأما رواية عليّ بن خشرم، عن عيسى بن يونس، عن الأعمش، فقد ساقها النسائيّ -﵀- في «الكبرى»، فقال: (١١٢٩٩) - أنا عليّ بن خَشْرم، أنا عيسى، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: كنت أمشي مع النبيّ -ﷺ- في حرث بالمدينة، وهو يتوكأ على عسيب، فمَرّ بنفر من اليهود، فقال بعضهم: لو سألتموه، وقال بعضهم: لا تسألوه، فيُسمعكم ما تكرهون، فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا القاسم حدِّثنا عن الروح، فقام ساعةً، ورفع رأسه، فعرفنا أنه يوحى إليه، حتى صَعِد الوحي، ثم قال: ﴿الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. انتهى . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٣٥] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ إِدْرِيسَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الأَعْمَشَ، يَرْوِيهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي نَخْلِ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ عَنِ الأَعْمَشِ، وَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأَوْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في «المقدمة» ٤/ ٢٤. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُرَّةَ) الْهَمْدانيّ الْخَارِفىّ -بمعجمة، وراء، وفاء-، الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات سنة مائة، وقيل: قبلها (ع) تقدم في «الإيمان» ٢٧/ ٢١٧. ٣ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع، تقدّم قبل باب. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: انتقد الدارقطني على مسلم في هذا الإسناد، قال: خالف ابن إدريس جماعة من أصحاب الأعمش، فرواه عنه عن عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله، والجماعة هم: عبد الواحد بن زياد، وعيسى بن يونس، وحفص بن غياث، ووكيع، وغيرهم، فإنهم رووه عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله -﵁-، وهذا هو الصواب. قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه الدارقطنيّ -﵀- أن رواية عبد الله بن إدريس غير محفوظة؛ لمخالفته جماعة من أصحاب الأعمش، فتكون روايته شاذّة. والجواب عن مسلم -﵀- أنه يرى صحّة رواية ابن إدريس؛ لكونه ثقةً حافظًا متقنًا، فزيادته مقبولة، فيكون للأعمش إسنادان: أحدهما إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، والآخر عبد الله بن مرّة، عن مسروق، عن عبد الله -﵁-، والله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: رواية عبد الله بن إدريس عن الأعمش هذه ساقها ابن حبّان -﵀- في «صحيحه»، فقال: (٩٧) - أخبرنا الحسين بن أحمد بن بسطام بالأُبُلّة، قال: حدّثنا عبد الله بن سعيد الْكِنْديّ، قال: حدّثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن عبد الله بن مُرّة، عن مسروق، عن عبد الله، قال: بينما النبيّ -ﷺ- في بعض حيطان المدينة، متوكئًا على عسيب، إذ جاءته اليهود، فسألته عن الروح، فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ الآية. انتهى . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٧) - (بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ [مريم: ٧٧]) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٣٦] (٢٧٩٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ الأَشَجُّ -وَاللَّفْظُ لِعَبْدِ اللهِ- قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ خَبَّابٍ، قَالَ: كَانَ لِي عَلَى الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ دَيْنٌ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ لِى: لَنْ أَقْضِيَكَ حَتَّى تَكْفُرَ بمُحَمَّدٍ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي لَنْ أَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، حَتَّى تَمُوتَ، ثُمَّ تُبْعَثَ، قَالَ: وَإِنِّي لَمَبْعُوثٌ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ؟ فَسَوْفَ أَقْضِيكَ إِذَا رَجَعْتُ إِلَى مَالٍ وَوَلَدٍ، قَالَ وَكِيعٌ: كَذَا قَالَ الأَعْمَشُ، قَالَ: فنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ -إلى قوله-: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الضُّحَى) مسلم بن صُبيح -بالتصغير- الْهَمْدانيّ الكوفيّ العطار، مشهور بكنيته، ثقةٌ فاضلٌ [٤] مات سنة مائة (ع) تقدم في «الطهارة» ٢٢/ ٦٣٥. ٢ - (خَبَّابُ) -بموحّدتين، الأولى مثقّلة- ابن الأرتّ التميمي، أبو عبد الله الصحابيّ الشهير، من السابقين إلى الإسلام، وكان يُعَذَّب في الله، وشَهِد بدرًا، ثم نزل الكوفة، ومات بها سنة سبع وثلاثين (ع) تقدم في «المساجد ومواضع الصلاة» ٣٣/ ١٤٠٧. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، وفيه ثلاثة من التابعين الكوفيين، روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بن صُبيح، قال في «الفتح»: كذا رواه بشر بن موسى، وغير واحد عن الحميديّ، وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر، عن الحميديّ بهذا الإسناد، فقال: «عن أبي وائل» بدل: «أبي الضحى»، والأول أصوب، وشذّ حماد بن شعيب، فقال أيضًا: «عن الأعمش، عن أبي وائل»، وأخرجه ابن مردويه أيضًا . (عَنْ مَسْرُوقِ) بن الأجدع (عَنْ خَبَّاب) بن الأرتّ -﵁-؛ أنه (قَالَ: كَانَ لِي عَلَى الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ) السَّهْميّ هو والد عمرو بن العاص الصحابيّ المشهور، وكان له قَدْر في الجاهلية، ولم يوفق للإسلام، قال ابن الكلبيّ: كان من حكام قريش. انتهى، وثبت أنه أجار عمر بن الخطاب حين أسلم، وقد أخرج الزبير بن بكار هذه القصة مطولةً، وفيها أن العاص بن وائل قال: رجل اختار لنفسه أمرًا، فما لكم وله؟ فردّ المشركين عنه، وكان موته بمكة قبل الهجرة، وهو أحد المستهزئين، قال عبد الله بن عمرو: سمعت أبي يقول: عاش أبي خمسًا وثمانين، وإنه ليركب حمارًا إلى الطائف، فيمشي عنه أكثر مما يركب، ويقال: إن حماره رماه على شوكة أصابت رجله، فانتفخت، فمات منها، ذكره في «الفتح» . وإياه عَنَى البوصيريّ -﵀- في «همزيّته» بقوله: وَقَضَتْ شَوْكَةٌ عَلَى مُهْجَةِ الْعَا … صِ فَلِلَّهِ النَّقْعَةُ الشَّوْكَاءُ وقال في «العمدة»: العاص بن وائل بالهمزة بعد الألف، وذكر ابن الكلبيّ عن جماعة في الجاهلية أنهم كانوا زنادقة، منهم العاص بن وائل، وعقبة بن أبي معيط، والوليد بن المغيرة، وأُبَيَ بن خلف. انتهى . (دَيْنٌ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ)؛ أي: فأتيت العاص أطلب منه دَيني، قال مقاتل: صاغ خباب للعاصي شيئًا من الحليّ، فلما طلب منه الأجر قال: ألستم تزعمون أن في الجنة الحرير، والذهب، والفضة، والولدان؟، قال خباب: نعم، قال العاص: فميعاد ما بيننا الجنة. وقال الواحديّ: قال الكلبيّ، ومقاتل: كان خباب قَينًا، وكان يعمل للعاص بن وائل، وكان العاصي يؤخر حقّه، فأتاه يتقاضاه، فقال: ما عندي اليوم ما أقضيك، فقال خباب: لست بمفارقك حتى تقضيني، فقال العاصي: يا خباب ما لك؟ ما كنت هكذا، وإن كنت لَحَسَن الطلب، قال: ذلك إذا كنت على دِينك، وأما اليوم فأنا على الإسلام، قال: أفلستم تزعمون أن في الجنة ذهبًا وفضةً وحريرًا؟ قال: بلى، قال: فأخّرني حتى أقضيك في الجنة -استهزاءً- فوالله إن كان ما تقول حقًّا إني لأفْضَل فيها نصيبًا منك، فأنزل الله تعالى الآية. انتهى. والآية هي قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ [مريم: ٧٧] . وفي رواية للبخاريّ: «دعني حتى أموت، وأبعث، فسأوتى مالًا وولدًا، فأقضيك»، قال ذلك استهزاء بعقيدة البعث، وكان من المستهزئين بالنبيّ -ﷺ-، نعوذ بالله من ذلك. (فَقَالَ) العاص بن وائل (لِي: لَنْ أَقْضِيَكَ) وفي رواية للبخاريّ: «فقال: لا أعطيك»؛ أي: فقال العاصي: لا أعطيك حقك (حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ) -ﷺ-، (قَالَ) خبّاب -﵁-: (فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي لَنْ أَكفُرَ بِمُحَمَّدٍ) -ﷺ- (حَتَّى تَمُوتَ، ثُمَّ تُبْعَثَ) قال في «الفتح»: مفهومه أنه يكفر حينئذ، لكنه لم يُرِد ذلك؛ لأن الكفر حينئذ لا يُتصور، فكأنه قال: لا أكفر أبدًا، والنكتة في تعبيره بالبعث تعيير العاص بأنه لا يؤمن به، وبهذا التقرير يندفع إيراد من استشكل قوله هذا، فقال: عَلَّق الكفر، ومن عَلّق الكفر كفر. وأجاب بأنه خاطب العاص بما يعتقده، فعلّق على ما يستحيل بزعمه، والتقرير الأول يغني عن هذا الجواب. انتهى . وقال في «العمدة»: فإن قلت: مَن عَيَّن للكفر أجلًا فهو كافر الآن إجماعًا، فكيف يصدر هذا عن خباب، ودينه أصحّ، وعقيدته أثبت، وإيمانه أقوى وآكد؟. قلت: لم يُرِد به خباب هذا، وإنما أراد: لا تعطيني حتى تموت وتبعث، أو أنك لا تعطيني ذلك في الدنيا فهنالك يؤخذ قسرًا منك، وقال أبو الفرج: لمّا كان اعتقاد هذا المخاطَب أنه لا يُبعث خاطبه على اعتقاده، فكأنه قال: لا أكفر أبدًا، وقيل: أراد خباب أنه إذا بُعث لا يبقى كفر؛ لأن الدار دار الآخرة. انتهى . (قَالَ) العاص: (وَإِنِّي) بتقدير همزة الاستفهام الإنكاريّ؛ أي: أوَ إني (لَمَبْعُوثٌ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ؟) فقال له خبّاب: نعم، فقال العاص استهزاء: (فَسَوْفَ أَقْضِيكَ إِذَا رَجَعْتُ إِلَى مَالٍ وَوَلَدٍ)، وفي رواية الترمذيّ: «فقلت: لا حتى تموت، ثم تبعث»، قال: وإني لميت، ثمِ مبعوث؟ فقلت: نعم، فقال: إن لي هنالك مالًا وولدًا، فأقضيك، فنزلت: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ الآية [مريم: ٧٧]. وقوله: (قَالَ وَكِيعٌ) هو ابن الجرّاح، (كَذَا قَالَ الأَعْمَشُ، قَالَ) خبّاب: (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) هي قوله -﷿-: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ -إلى قوله-: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾. قال في «فتح القدير»: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: أخبرني بقصة هذا الكافر، واذكر حديثه عقب حديث أولئك، وإنما استعملوا «أرأيت» بمعنى أخبر؛ لأن رؤية الشيء من أسباب صحة الخبر عنه، والآيات تعمّ كل آية، ومن جُملتها آية البعث، والفاء للعطف على مقدّر يدل عليه المقام؛ أي: أَنَظَرت، فرأيت. واللام في ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ هي الموطئة للقسم، كأنه قال: والله لأوتينّ في الآخرة مالًا وولدًا؛ أي: انظر إلى حال هذا الكافر، وتعجَّب من كلامه، وتألّيه على الله مع كُفره به، وتكذيبه بآياته. ثم أجاب سبحانه عن قول هذا الكافر بما يدفعه ويبطله، فقال: ﴿أَطَّلَعَ﴾ على ﴿الْغَيْبَ﴾؛ أي: أَعَلِم ما غاب عنه، حتى يعلم أنه في الجنة، ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ بذلك، فإنه لا يتوصل إلى العلم إلا بإحدى هاتين الطريقتين، وقيل: المعنى: أَنَظَر في اللوح المحفوظ؟ أم اتخذ عند الرحمن عهدًا؟ وقيل: معنى ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾: أم قال: لا إله إلا الله، فأرحمه بها. وقيل: المعنى: أم قدّم عملًا صالحًا فهو يرجوه، و«اطلع» مأخوذ من قولهم: اطلع الجبلَ: إذا ارتقى إلى أعلاه. وقرأ حمزة، والكسائيّ، ويحيى بن وثاب، والأعمش: «ووُلدا» بضم الواو، والباقون بفتحها، فقيل: هما لغتان، معناهما واحد، يقال: وَلَدٌ، ووُلْدٌ، كما يقال: عَدَمٌ، وعُدْمٌ، قال الحارث بن حلزّة [من مجزوء الكامل]: وَلَقَدْ رَأَيْتُ مَعَاشِرًا … قَدْ ثَمَّرُوا مَالًا وَوُلْدَا وقال آخر [من الطويل]: فَلَيْتَ فُلَانًا كَانَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ … وَلَيتَ فَلَانًا كَانَ وُلْدَ حِمَارِ وقيل: الولد بالضم للجمع، وبالفتح للواحد. ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾: «كلا» حرف ردع وزجر؛ أي: ليس الأمر على ما قال هذا الكافر، من أنه يؤتى المال والولد، سنكتب ما يقول؛ أي: سنحفظ عليه ما يقوله، فنجازي به في الآخرة، أو سنُظهر ما يقول، أو سننتقم منه انتقام من كُتبت معصيته، ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾؛ أي: نزيده عذابًا فوق عذابه مكان ما يدّعيه لنفسه من الإمداد بالمال والولد، أو نطوّل له من العذاب، ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾؛ أي: نُميته، فنرثه المال والولد الذي يقول إنه يؤتاه. والمعنى: مسمى ما يقول ومصداقه. وقيل: المعنى: نحرمه ما تمناه ونعطيه غيره. ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾؛ أي: يوم القيامة لا مال له ولا ولد، بل نسلبه ذلك، فكيف يطمع في أن نؤتيه؟ وقيل: المراد بما يقول: نفس القول لا مسماه، والمعنى: إنما يقول هذا القول ما دام حيًا، فإذا أمتناه حُلنا بينه وبين ما يقوله، ويأتينا رافضًا له، منفردًا عنه، والأوّل أَولى. انتهى ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث خبّاب بن الأرتّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٧٠٣٦ و٧٠٣٧] (٢٧٩٥)، و(البخاريّ) في «البيوع» (٢٥٩١) و«الإجارة» (٢٢٧٥) و«الخصومات» (٢٤٢٥) و«التفسير» (٤٧٣٤ و٤٧٣٥)، و(الترمذيّ) في «التفسير» (٣١٦٢)، و(النسائيّ) في «الكبرى»، و(الطبريّ) في «تفسيره» (٣٦٥٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٤٨٨٥ و٥٠١٠)، و(الطبرانيّ) في «الكبير» (٣٦٥١ و٣٦٥٢ و٣٦٥٤)، و(البغويّ) في «التفسير» (٣/ ٢٠٧ - ٢٠٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز إجارة المسلم نفسه للكافر، وقد ترجم البخاريّ -﵀- في «صحيحه» على هذا، فقال: «باب هل يؤاجر الرجل نفسه من مشرك في أرض الحرب». ٢ - (ومنها): بيان أن الحدّاد لا يضره مهنة صناعته، إذا كان عدلًا، قال أبو العتاهية [من الطويل]: أَلَا إِنَّمَا التَّقْوَى هُوَ الْعِزُّ وِالْكَرَمْ … وَحُبُّكَ لِلدُّنْيَا هُوَ الذُّلُّ وَالْعَدَمْ وَلَيْس عَلَى حُرٍّ تَقِيٍّ نَقِيصَةٌ … إِذَا أَسَّسَ التَّقْوَى وَإِنْ حَاكَ أَوْ حَجَمْ ٣ - (ومنها): أن الكلمة من الاستهزاء يتكلم بها المرء، فيُكتب له بها سخطة إلى يوم القيامة، ألا ترى وعيد الله تعالى على استهزاء العاص بقوله: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾ [مريم: ٧٩، ٨٠]؛ يعني: من المال والولد بعد إهلاكنا إياه، ويأتينا فردًا؛ أي: نبعثه وحده تكذيبًا لظنه. ٤ - (ومنها): جواز الإغلاظ في اقتضاء الدَّين لمن خالف الحقّ، وظهر منه الظلم والعدوان. ٥ - (ومنها): بيان سبب نزول الآية الكريمة، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٠٣٧] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ وَكيعِ، وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ عَمَلًا، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو مُعَاوَيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نمير، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (جَرِيرٌ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضًا قريبًا. ٦ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَديّ، ثم المكيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٧ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقيان ذُكرا في الباب وقبله. وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ)؛ أي: كلّ هؤلاء الأربعة: أبو معاوية، وعبد الله بن نُمير، وجرير بن عبد الحميد، وسفيان بن عيينة، رووا هذا الحديث عن الأعمش بسنده الماضي. وقوله: (كُنْتُ قَيْنًا فِي الْجَاهِلِيَّةٍ) القين بفتح القاف، وسكون التحتانية بعدها نون: هو الحدَّاد. وقوله: (فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ عَمَلًا) هو أنه عمل له سيفًا؛ لأنه كان حدّاد، وفي رواية لأحمد: «فاجتمعت لي عند العاص بن وائل دراهم». وقوله: (فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ)، أي: أطلب منه أن يقضيني حقّي. [تنبيه]: أما رواية أبي معاوية عن الأعمش، فقد ساقها النسائيّ -﵀- في «الكبرى» بسند المصنّف، فقال:
مصادر المؤلف (٩٢)

١. راجع: «الفتح» ١٣/ ٤٥٠.

٢. راجع: «تفسير ابن جرير» ٢١/ ٣٦٦.

٣. «النهاية»١/ ٢٣٥.

٤. «المصباح المنير» ١/ ٩٠.

٥. وفي نسخة: «بيده».

٦. قال في «اللسان» ٥/ ٥٣: الْفُزُور: الشُّقوق والصُّدوع، ويقال: فَزَرْتُ أنف فلان فَزْرًا؛ أي: ضربته بشيء فشققته، فهو مَفْزُورُ الأنف. انتهى.

٧. «سنن ابن ماجه» ٢/ ١٤٢٩.

٨. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٦/ ٣٩٤.

٩. أي: كسر همزته ولامه، وفتحهما.

١٠. «المفهم» ٧/ ٣٤٢.

١١. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٦/ ٣٩٤.

١٢. «فيض القدير» ٣/ ٤٤٧.

١٣. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٦/ ٣٩٤.

١٤. «مشارق الأنوار» ١/ ٣٤٠.

١٥. «المفهم» ٧/ ٣٤٢ - ٣٤٣.

١٦. «فيض القدير» ٣/ ٤٤٧.

١٧. «النهابة في غريب الأثر» ٤/ ١٦٩.

١٨. «المصباح المنير» ١/ ٢١٧.

١٩. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٣٤.

٢٠. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٦/ ٣٩٤.

٢١. «المفهم» ٧/ ٣٤٣ - ٣٤٤.

٢٢. «الفتح» ٧/ ٦٠٥ - ٦٠٦، «كتاب أحاديث الأنبياء -﵈-» رقم (٣٣٢٦).

٢٣. «فيض القدير» ٣/ ٤٤٧.

٢٤. «سير أعلام النبلاء» ١٣/ ٣٢ - ٣٣.

٢٥. «تفسير ابن كثير» ١/ ٧٠.

٢٦. «تفسير ابن كثير» ٢/ ٢٢١.

٢٧. «تفسير ابن كثير» ٤/ ٩٥.

٢٨. «الأسماء والصفات» للبيهقيّ ٢/ ٣٥٢.

٢٩. «التاريخ الكبير» للبخاريّ ١/ ٤١٣ - ٤١٤.

٣٠. «مجموع الفتاوى» لابن تيميّة ١٧/ ٢٣٦ - ٢٣٧.

٣١. «الفضل المبين» ص ٤٣٢ - ٤٣٤.

٣٢. «فيض القدير» ٣/ ٤٤٨.

٣٣. «تهذيب التهذيب» ١/ ٢٠٢.

٣٤. «الفتح» ١٥/ ١٧، «كتاب الرقاق» رقم (٦٥٢١).

٣٥. «الدَّرْمَك» بوزن جعفر: الدقيق الحُوَّرَى.

٣٦. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٣٤.

٣٧. «بهجة النفوس» ٤/ ٢١٣ - ٢١٤.

٣٨. «الفتح» ١٥/ ١٧، «كتاب الرقاق» رقم (٦٥٢١).

٣٩. راجع: «شرح سنن ابن ماجه» للسندي ١/ ٣١٦.

٤٠. «شرح الأبّيّ» ٧/ ١٩٤.

٤١. رواه مسلم.

٤٢. «تفسير الطبريّ» ١٣/ ٢٥٤.

٤٣. «تكملة فتح الملهم» ٦/ ١١٧.

٤٤. «الفتح» ١٥/ ١٤، «كتاب الرقاق» رقم (٦٥٢٠).

٤٥. راجع: «القاموس» ص ١١٣٧.

٤٦. «الفتح» ١٥/ ١٤.

٤٧. «المَلّة» بالفتح: قيل: الْحُفرة التي تحفر للخبز، وقيل: التراب الحارّ، والرماد. اهـ. «المصباح» ٢/ ٥٨.

٤٨. «الطُّلْمة» بضمّ الطاء المهملة: الخبزة. اهـ. «ق».

٤٩. «شرح والنوويّ» ١٧/ ١٣٥.

٥٠. «الرُّقاق»: كغُراب: الخبز الرقيق، الواحدة رُقاقة، قاله في «القاموس».

٥١. «الفتح» ١٥/ ١٥.

٥٢. «المصباح المنير» ١/ ٩.

٥٣. اللأيُ؛ كاللَّعْيِ: الثور الوحشيّ. اهـ. «ق».

٥٤. «الفتح» ١٥/ ١٥ - ١٦.

٥٥. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٣٦.

٥٦. هكذا رواية للبخاريّ بالفاء، ورواية مسلم:«إذ مرّ»، فتنبّه.

٥٧. «عمدة القاري»٢/ ٢٠٠.

٥٨. «شرح النوويّ»١٧/ ١٣٦ - ١٣٧.

٥٩. «الفتح» ١٠/ ٣٠٣، «كتاب التفسير» رقم (٤٧٢١).

٦٠. «الكَرَب» بفتحتين: أصول السَّعَف التي تقطع معه، الواحدة كَرَبة؛ كقصب وقصبة. اهـ. «المصباح» ٢/ ٥٢٩.

٦١. «عمدة القاري» ٢/ ٢٠٠.

٦٢. «الفتح» ١٠/ ٣٠٣.

٦٣. «عمدة القاري» ٢/ ٢٠٠.

٦٤. «عمدة القاري» ٢/ ٢٠٠.

٦٥. «الفتح» ١٠/ ٣٠٣ - ٣٠٤.

٦٦. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٣٧.

٦٧. «الأعلام» ٣/ ١٨٧٣.

٦٨. «الفتح» ١٠/ ٣٠٤.

٦٩. «عمدة القاري» ٢/ ٢٠٠.

٧٠. «الفتح» ١٠/ ٣٠٨.

٧١. «الفتح» ١٠/ ٣٠٤ - ٣٠٦.

٧٢. «شرح النوويّ» ١٧/ ١٣٧.

٧٣. «المصباح المنير» ١/ ٢٨١.

٧٤. «تفسير الطبريّ» ١٧/ ٥٤١.

٧٥. «فتح القدير» للشوكانيّ ٤/ ٣٤٨.

٧٦. «فتح القدير» للشوكانيّ ٤/ ٣٤٨.

٧٧. «الفتح» ١٠/ ٣٠٧ - ٣٠٨.

٧٨. وفي نسخة: «في حرث المدينة».

٧٩. هو: يحيى بن جعفر بن أعين الأزديّ البخاريّ، ثقة من العاشرة، مات سنة (٢٤٣) من أفراد البخاريّ.

٨٠. «صحيح البخاريّ» ٦/ ٢٧١٣.

٨١. هكذا النسخ بحذف «قل»، فتنبّه.

٨٢. «صحيح ابن حبان» ١/ ٢٩٩ - ٣٠٠.

٨٣. «السنن الكبرى» للنسائيّ ٦/ ٣٨٣.

٨٤. «صحيح ابن حبان» ١/ ٢٩٩.

٨٥. «الفتح» ١٠/ ٣٤٩، «كتاب التفسير» رقم (٤٧٣٢).

٨٦. «الفتح» ١٠/ ٣٤٩.

٨٧. النقع: القتل. اهـ. «ق».

٨٨. «عمدة القاري» ١١/ ٢٠٩.

٨٩. «عمدة القاري» ١١/ ٢٠٩.

٩٠. «الفتح» ١٠/ ٣٤٩.

٩١. «عمدة القاري» ١١/ ٢٠٩.

٩٢. «فتح القدير» للشوكانيّ -﵀- ٤/ ٤٧٧ - ٤٧٨.