HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٨٨٩

حدثنا أبو الربيع العتكي وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. كلاهما عَنْ حَمَّادِ بْنِ زيد (واللفظ لقتيبة). حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أن الله زوى لي الأرض. فرأيت مشارقها ومغاربها. وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها. وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض. وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة. وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم. فيستبيح بيضتهم. وإن ربي قال: يا محمد! إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد. وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة. وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم. يستبيح بيضتهم. ولو اجتمع عليهم من بأقطارها - أو قال من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص171
ج ٤ ص ٢٢١٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, مسند أحمد
التحرير في شرح صحيح مسلم · قوام السنة الأصبهاني · ج١ ص٦٥٧
[٩٢٨] قوله: (زَوَى لِي الأَرضَ) ؛ معناه قبضها وجمعها، يقال: انزوى الشيء إذا تقبض واجتمع، والمعنى: أن الأرض زويت له جملتها مرة واحدة؛ فرآها، ثم هي تُفتح له جزءا فجزءا، حتى يأتي عليها كلها، فيكون في قوله: (مِنهَا) معنى التبعيض، و(الكَنزَانِ): الذهب والفضة، و(السَّنَة): القحط، وقوله: (بِعَامَّة) ، وروي: (بِسَنَةٍ عَامَّة)؛ أي: سنة تَعُمّهم وتشملهم، أي: دعا بأن لا تعمهم السنة كافة؛ فيهلكوا عن آخرهم، فأما أن يجدب قوم ويخصب قوم، فإنه خارج عن الدعوة، وقد كان عام الرمادة في زمان عمر ﵁، ووقع الغلاء بالبصرة، ووقع ببغداد أيضا، فهلك خلق كثير من الجُوع، إلا أن ذلك لم يكن على سبيل العموم لكافة الأمة، فلم يكن في شيء منها خُلْف في الخبر. * * *
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٤ ص٢٥٠
في الحديث: إذا أفاضوا فيه، فأكثروا، والهراجة: الجماعة يهرجون في الحديث، وقال ابن دريد: الهرج: الفتنة في آخر الزمان، وقال القاضي: الفِتَن بعض الهرج، وأصل الهرج والتهارج: الاختلاط والقتال، ومنه قوله: «فلن يزال الهرج إلى يوم القيامة»، ومنه: يتهارجون تهارج الْحُمُر، قيل: معناه يتخالطون رجالًا ونساءً، ويتناكحون مُزاناةً، ويقال: هرجها يهرجها: إذا نكحها، ويهرجها بفتح الراء، وضمها، وكسرها . انتهى باختصار . قال الجامع عفا اللَّه عنه: حديث أبي هريرة -﵁- هذا بهذا السياق المختصر من أفراد المصنّف -﵀-، وإلا فالحديث متّفقٌ عليه مطوّلًا، وقد تقدّم في «كتاب العلم» برقم [٥/ ٦٧٩٢]، وتقدّم بيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٥) - (بَاب هَلَاكُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٣٠] (٢٨٨٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ -وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ- حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ: الأَحْمَرَ، وَالأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً، فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لأُمَّتِكَ، أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا -أَوْ قَالَ: مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا- حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا»). رجال هذا الإسناد: ثمانيةٌ: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ) سليمان بن داود الزهرانيّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد اللَّه بن زيد بن عمرو، أو عامر الْجَرْميّ، أبو قلابة البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، كثير الإرسال، قال العجليّ: فيه نَصْبٌ يسير [٣] مات بالشام هاربًا من القضاء، سنة أربع ومائة، وقيل: بعدها (ع) تقدم في«الإيمان»١٧/ ١٧٣. ٣ - (أَبُو أَسْمَاءَ) عمرو بن مَرْثد الدمشقيّ، ويقال: اسمه عبد اللَّه، ثقةٌ [٣] مات في خلافة عبد الملك (بخ م ٤) تقدم في«الحيض»٧/ ٧٢٢. ٤ - (ثَوْبَانُ) بن بُجدُد، ويقال: ابن جَحْدَر، أبو عبد اللَّه، أو أبو عبد الرحمن الهاشميّ مولى النبيّ -ﷺ-، صَحِبه، ولازمه، ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة أربع وخمسين (بخ م ٤) تقدم في«الحيض»٧/ ٧٢٢. والباقون تقدموا قريبًا. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وفيه رواية ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء. شرح الحديث: (عَنْ ثَوْبَانَ) -﵁-؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:«إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ)؛ أي: جَمَعها لأجلي، قال التوربشتيّ: زويتُ الشيءَ: جمعته، وقبضته، يريد به: تقريب البعيد منها، حتى اطّلع عليه اطلاعه على القريب منها. وحاصله: أنه طوى له الأرض، وجعلها مجموعة كهيئة كفّ في مرآة نَظَره، (فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا)؛ أي: جميعها، قال القرطبيّ -﵀-: معنى «زوى»؛ أي: جمعها لي حتى أبصرت ما تملكه أمتي من أقصى المشارق والمغارب منها، وظاهر هذا اللفظ يقتضي أن اللَّه تعالى قوّى إدراك بصره، ورفع عنه الموانع المعتادة، فأدرك البعيد من موضعه، كما أدرك بيت المقدس من مكة، وأخذ يخبرهم عن آياته، وهو ينظر إليه، وكما قال: «إني لأبصر قصر المدائن الأبيض»، وَيحْتَمِل أن يكون مَثّلها الله تعالى له، فرآها، والأول أَولى. انتهى . (وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ) بالبناء للمفعول، (لِي مِنْهَا) قال الخطابيّ - ﵀ -: توهّم بعض الناس أن «مِنْ» في «منها» للتبعيض، وليس ذلك، كما توهّمه، بل هي للتفصيل للجملة المتقدمة، والتفصيل لا يناقض الجملة، ومعناه: أن الأرض زُويت لي جملتها مرّةً واحدةً، فرأيت مشارقها ومغاربها، ثم هي تُفتح لأمتي جزءًا فجزءًا حتى يصل مُلك أمتي إلى كلّ أجزائها. قال القاري: أقول: ولعل وجه من قال بالتبعيض هو أن مُلك هذه الأمة ما بلغ جميع الأرض، فالمراد بالأرض أرض الإسلام، وإن ضمير «منها» راجع إليها على سبيل الاستخدام، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الخطابيّ هو الظاهر، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «إن أمتي سيبلغ ملكها إلخ»: هذا الخبر قد وُجد مبرره، كما قال - ﷺ -، وكان ذلك من دلائل نبوته في وذلك أن مُلك أمته اتسه ع إلى أن بلغ أقصى بحر طنجة الذي هو منتهى عمارة المغرب إلى أقصى المشرق، مما وراء خراسان، والنهر، وكثير من بلاد الهند، والسند، والصغد، ولم يتسع ذلك الاتساع من جهة الجنوب والشمال، ولذلك لَمْ يذكر - ﷺ - أنه أُريه، ولا أخبر أن مُلك أمته يبلغه. انتهى . وقال النوويّ - ﵀ -: وهذا الحديث فيه معجزات ظاهرة، وقد وقعت كلها بحمد الله، كما أخبر به - ﷺ -، قال العلماء: المراد بالكنزين: الذهب، والفضة، والمراد كنزي كسري، وقيصر، ملكي العراق، والشام، وفيه إشارة إلى أن مُلك هذا، الأمة يكون معظم امتداده في جهتي المشرق والمغرب، وهكذا وقع، وأما في جهتي الجنوب والشمال، فقليل بالنسبة إلى المشوق والمغرب، وصلوات الله وسلامه على رسوله الصادق الذي لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٤]. انتهى . (وَأُعْطِيتُ) بالبناء للمفعول؛ أي: أعطاني الله - ﷾ - (الْكَنْزَيْنِ)، وقوله: (الأَحْمَرَ، وَالأَبْيَضَ) بدلان مما قبلهما؛ أي: كنز الذهب والفضة، قال التوربشتيّ: يريد بالأحمر والأبيض: خزائن كسرى وقيصر، وذلك أن الغالب على نقود ممالك كسرى الدنانير، والغالب على نقود ممالك قيصر الدراهم. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «أعطيت الكنزين» يعني به: كنز كسرى، وهو مَلِك الفرس، ومُلك قيصر، وهو مَلِك الروم، وقصورهما: بلادهما، وقد دلّ على ذلك قوله - ﷺ - في الحديث الآخر حين أخبر عن هلاكهما: «لتُنفَقَنّ كنوزهما في سبيل الله»، رواه مسلم، وعبّر بالأحمر عن كنز قيصر؛ لأنَّ الغالب عندهم كان الذهب، وبالأبيض عن كنز كسرى؛ لأنَّ الغالب كان عندهم الفضّة، والجوهر، وقد ظهر ذلك، ووُجد كذلك في زمان الفتوح في خلافة عمر - ﵁ -، فإنَّه سيق إليه تاج كسرى، وحِلْيته، وما كان في بيوت أمواله، وجميع ما حَوَته مملكته على سعتها، وعظمتها، وكذلك فعل الله بقيصر، لمّا فُتحت بلاده. انتهى . (وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكهَا بِسَنَةٍ عَامّةٍ)، أي: بقحط شائع لجميع بلاد المسلمين، قال الطيبيّ - ﵀ -: السنة: القحط والجدب، وهي من الأسماء الغالبة، ووقع في نسخة: «بعامّة» بزيادة الباء. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «بسنة بعامة» كذا صحت الرواية بالباء في «بعامة»، وكأنها زائدة، لأنَّ «عامة» صفة لـ «سنة»، فكأنه قال: بسنة عامة، ويعني بالسنة: الجدب العامّ الذي يكون به الهلاك العام، ويُسمّى الجدبُ والقحط سنةً، ويُجمع على سنين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠]، أي: بالجدب المتوالي. انتهى . (وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا) وهم الكفار، وقوله: (مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ) صفة «عدوًّا»؛ أي: كائنًا من سوى أنفسهم، وإنما قيّده بهذا القيد لِمَا سأل أَوّلًا ذلك، فمُنِع على ما يأتي في الحديث التالي. (فَيَسْتبِيحَ)؛ أي: العدوّ، وهو مما يستوي فيه الجمع والمفرد، (بَيْضَتَهُمْ)؛ أي: يستأصل مُجتمعهم، وقال الطيبيّ - ﵀ -: أراد بالبيضة؛ أي: مجتمعهم، وموضع سلطانهم، ومُستقرّ دعوتهم، وبيضة الدار: وسطها ومعظمها، أراد: عدوًّا يستأصلهم، ويُهلكهم جميعهم، وقيل: أراد: إذا هلك أصل البيضة كان هلاك كلها من طعم أو فرخ، وإذا لَمْ يهلك أصل البيضة ربما سلم بعض فراخها، والنفي منصبّ علم السبب والمسبَّب معًا، فيُفهم منه أنه قد يُسلط عليهم عدوّ، لكن لا يستأصل شأفتهم. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: بيضة المسلمين: معظمهم، وجماعتهم، وفي «الصحاح»: بيضة كلّ شيء: حَوْزته، وبيضة القوم: ساحتهم، وعلى هذا فيكون معنى، الحديث: أن الله تعالى لا يسلط العدوّ على كافّة المسلمين، حتى يستبيح جميع ما حازوه من البلاد والأرض، ولو اجتمع عليهم كلّ مَن بين أقطار الأرض، وهي: جوانبها. انتهى . (وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً)؛ أي: حكمت حكمًا، مُبْرَمًا (فَإنَّهُ لَا يُرَدُّ)؛ أي: بشيء، بخلاف الحكم المعلق بشرط وجود شيء أو عدمه كما حُقق في باب الدعاء . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «إذا قضيت قضاء لا يرد» يُستفاد منه أنه لا يستجاب من الدعاء إلَّا ما وافقه القضاء، وحينئذ يُشكل ما قد رُوي عنه - ﷺ - أنه قال: «لا يردّ القضاء إلَّا الدعاء»، ويرتفع الإشكال بأن يقال: إن القضاء الذي لا، يردّه دعاء، ولا غيره، هو الذي سبق عِلم الله بأنه لا بُدّ من وقوعه، والقضاء الذي يردّه الدعاء، أو صلة الرحم، هو الذي أظهره الله بالكتابة في اللوح المحفوظ الذي قال الله تعالى فيه: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩]، وقد تقدّم ذلك في «كتاب القدر». انتهى . (وَإنِّي أَعْطَيْتُكَ)؛ أي: عهدي وميثاقي، (لأُمَّتِكَ)؛ أي: لأجل أمة إجابتك، (أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ)؛ أي: بحيث يعمهم القحط، ويهلكهم بالكلية، قال الطيبيّ: اللام في «لأمتك» هي التي في قوله سابقًا: «سألت ربي لأمتي»؛ أي: أعطيت سؤالك لدعائك لأمتك، والكاف هو المفعول الأول، وقوله: «أن لا أهلكهم» هو المفعول الثاني، كما هو في قوله: «سألت ربي أن لا يهلكها» هو المفعول الثاني . (وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ)؛ أي: الذين هم (بِأَقْطَارِهَا)؛ أي: بأطرافها، جمع قُطر، وهو الجانب والناحية، والمعنى: فلا يستبيح عدوّ من الكفار بيضتهم، ولو اجتمع على محاربتهم من أطراف بيضتهم، وجواب «لو» ما يدلُّ عليه قوله: «وأن لا أسلط». وقوله: (أَوْ قَالَ) «أو» للشكّ من الراوي، (مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا)؛ أي: نواحي الأرض، (حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي) كَيَرْمي بالرفع عطف على «يهلك»؛ أي: ويأسر (بَعْضُهُمْ) بوضع الظاهر موضع المضمر، (بَعْضًا«) آخر، قال القاري: وفي نسخة بالنصب؛ أي: بنصب»يسبي«على أن يكون عطفًا على»يكون«. وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله:«حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا»، ظاهر«حتى»: الغاية، فيقتضي ظاهر هذا الكلام أنه لا يسلّط عليهم عدوّهم، فيستبيحهم، إلَّا إذا كان منهم إهلاك بعضهم لبعض، وسَبْي بعضهم لبعض، وحاصل هذا أنه إذا كان من المسلمين ذلك تفرّقت جماعتهم، واشتغل بعضهم ببعض عن جهاد العدوّ، فقويت شوكة العدوّ، واستولى، كما شاهدناه في أزماننا هذه في المشرق والمغرب، وذلك أنه لمّا اختلف ملوك الشرق، وتجادلوا استولى كفار الترك على جميع عراق المعجم، ولمّا اختلف ملوك المغرب، وتجادلوا استولت الإفرنج على جميع بلاد الأندلس، والجزر القريبة منها، وها هم قد طَمِعوا في جميع بلاد الإسلام، نسأل الله تعالى أن يتدارك المسلمين بالعفو، والنصر، واللطف، ولا يصحّ أن تكون «حتى» هنا بمعنى «كي» لفساد المعني، فتدبّره. انتهى . وقال الطيبيّ: «حتى» بمعنى «كي» ؛ أي: لكي يكون بعض أمتك يُهلك بعضًا، فقوله: «إني إذا قضيت قضاء فلا يرد» توطئة لهذا المعنى، ويدل عليه حديث خَبّاب بن الأرت - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إني سألت الله ثلاثًا، فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة، سألته أن لا يُهلك أمتي بسنة، فأعطاني، وسألته أن لا يُسَلّط عليهم عدوّا من غيرهم، فأعطانيها، وسألته أن لا يُذيق بعضَهم بأس بعض، فمنعنيها»، رواه الترمذيّ، وصححه، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ثوبان - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٧٢٣٠ و٧٢٣١] (٢٨٨٩)، و(أبو داود) في «الفتن» (٤٢٥٢)، و(الترمذيّ) في «الفتن» (٢١٧٦)، و(ابن ماجة) في «الفتن» (٣٩٥٢)، و(أحمد) في «مسنده» (٥/ ٢٧٨ و٢٨٤)، و(ابن أبي شيبة) في «مصنّفه» (٦/ ٣١١)، و(أبو بكر الشيبانيّ) في «الآحاد والمثاني» (١/ ٣٣٣)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٧١٤ و٧١٣٨)، و(القضاعيّ) في «مسند الشهاب» (٥/ ٢٨٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى» (٩/ ١٨١) و«الدلائل» (٦/ ٥٢٦ - ٥٢٧)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٤٠١٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منهما): بيان معجزة ظاهرة للنبيّ - ﷺ -، حيث أخبر بما سيكون بعده، فوقع كما أخبر به - ﷺ -. ٢ - (ومنها): بيان عظمة منزلة النبيّ - ﷺ - عند الله - ﷾ - حيث يكرمه بإعطاء ما سأله في أمته من ظهور عدوّهم عليهم، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع أهل الدنيا كلهم، وهذا من عظيم فضل الله تعالى على هذه الأمة، الأمة المرحومة. ٣ - (ومنها): بيان عظمة هذا الدين، وأنه يملأ الأرض كلّها، وقد وُجد ذلك، وقد أخرج أحمد في «مسنده»، وصححه ابن حبّان من حديث المقداد بن الأسود - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر، ولا وبر، إلَّا أدخله الله كلمة الإسلام، بعِزّ عزيز، أو ذُلّ ذليل، إما يعزهم الله - ﷿ -، فيجعلهم من أهلها، أو يُذلهم، فيدينون لها» . وأخرج أيضًا، وصححه الحاكم، من حديث تميم الداريّ - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر، ولا وبر، إلَّا أدخله الله هذا الدين بعِزّ عزيز، أو بذُلّ ذليل، عزًّا يُعزّ الله به الإسلام، وذلًّا يذل الله به الكفر»، وكان تميم الداري - ﵁ - يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافرًا الذلّ، والصغار، والجزية . ٤ - (ومنها): ما قاله المظهر - ﵀ -: (اعلم) أن لله تعالى في خلقه قضاءين: مبرمًا ومعلقًا، أما القضاء المعلّق فهو عبارة عما قدّره في الأزل معلّقًا بفعل، كما قال: إن فَعَل الشيء الفلانيّ كان كذا وكذا، وإن لَمْ يفعله فلا يكون كذا وكذا، من قبيل ما يتطرق إليه المحو والإثبات، كما قال الله تعالى في محكم كتابه: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ الآية [الرعد: ٣٩]. وأما القضاء المبرم فهو عبارة عما قدّره - ﷾ - في الأزل من غير أن يعلقه بفعل، فهو في الوقوع نافذ غاية النفاذ، بحيث لا يتغير بحال، ولا يتوقف على المقضيّ عليه، ولا المقضيّ له؛ لأنه من عِلمه بما كان وما يكون، وخلاف معلومه مستحيل قطعًا، وهذا من قبيل ما لا يتطرق إليه المحو والإثبات، قال الله تعالى: ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ الآية [الرعد: ٤١]، فقوله: «إذا. قضيت قضاء فلا يردّ» من القبيل الثاني، ولذلك لَمْ يُجَب إليه، وفيه أن الأنبياء - ﵈ - مستجابو الدعوة إلَّا في مثل هذا ، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٧٢٣١] (…) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ، عَنْ ثَوْبَانَ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى زَوَى لِيَ الأَرْضَ، حَتَّى رَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَأَعْطَانِي الْكَنْزَيْنِ: الأَحْمَرَ، وَالأَبْيَضَ»، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ). رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة البغداديّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامِ) بن أبي عبد الله الدّستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ رُبّما وَهِم [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر، كجعفر، أبو بكر البصريّ الدستوائيّ، ثقةٌ ثبتٌ، وقد رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) وله ثمان وسبعون سنةً (ع) تقدم في «الإيمان» ١٢/ ١٥٦. ٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السدوسيّ البصريّ، تقدّم قريبًا. والباقون ذُكروا في البابين الماضيين. وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَيُّوبَ) فاعل «ذَكَرَ» ضمير قتادة. [تنبيه]: رواية قتادة عن أبي قلابة هذه ساقها ابن حبّان - ﵀ - في «صحيحه»، فقال: (٦٧١٤) - أخبرنا أحمد بن عليّ بن المثنى، قال: حَدَّثَنَا أبو خيثمة، قال: حَدَّثَنَا معاذ بن هشام، قال: حدّثني أبي، عن قتادة، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، أن نبيّ الله - ﷺ - قال: «إن الله زَوَى لي الأرضَ، حتى رأيتُ مشارقها ومغاربها، وأعطاني الكنزين: الأحمر، والأبيض، وإن مُلك أمتي
مصادر المؤلف (١٩)

١. هكذا قال في «العمدة» مثلث الراء، والذي في «القاموس» و«شرحه» أنه بضم الراء وكسرها فقط، فليُتنبّه.

٢. «عمدة القاري» ٢/ ٩٢.

٣. وفي نسخة: «بسنة بعامة».

٤. «المفهم» ٧/ ٢١٦.

٥. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٦/ ٤١٣.

٦. «المفهم» ٧/ ٢١٧.

٧. «شرح النوويّ» ١٨/ ١٣.

٨. «المفهم» ٧/ ٢١٧.

٩. «المفهم» ٧/ ٢١٧.

١٠. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٦٣٧.

١١. «المفهم» ٧/ ٢١٨.

١٢. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٦/ ٤١٣.

١٣. «المفهم» ٧/ ٢١٩.

١٤. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٦٣٧.

١٥. «المفهم» ٧/ ٢١٨.

١٦. قد عرفت في كلام القرطبيّ أن كونها بمعنى «كي» لا يصحّ، فتأمله.

١٧. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٦/ ٤.

١٨. «مسند الإمام أحمد بن حنبل» ٤/ ١٠٣.

١٩. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٦٣٨.