HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٩٢٩

حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أبي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ محمد بن المنكدر، قال: رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله؛ أن ابن صائد الدجال. فقلت: أتحلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي ﷺ. فلم ينكره النَّبِيِّ ﷺ.
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص192
ج ٤ ص ٢٢٤٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن أبي داود, صحيح البخاري
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٤ ص٥٠٣
و(أبو يعلى) في «مسنده» (٢/ ٤٢٢)، و(عبد بن حميد) في «مسنده» (٨٧٦)، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٢٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ، سَأَلَ النَّبِيَّ -ﷺ- عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: «دَرْمَكَةٌ بَيْضَاءُ مِسْكٌ خَالِصٌ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلهم ذُكروا في الباب، وقبله، والحديث من أفراد المصنّف، وقد سبق شرحه، وبيان مسألتيه قبله. وقوله: (مسك) خبر ثان، و(خالص) صفة له. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٢٦] (٢٩٢٩) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَحْلِفُ بِاللَّهِ، أَنَّ ابْنَ صَائِدٍ الدَّجَّالُ، فَقُلْتُ: أَتَحْلِفُ بِاللَّهِ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ، يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ، عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ -ﷺ-). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) البصريّ، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الزهريّ المدنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ) بن عبد اللَّه بن الْهُدير بالتصغير التيميّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في «الطهارة» ١١/ ٥٨٤. والباقيان ذُكرا في الباب الماضي. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سداسيّات المصنّف -﵀-، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وقال في «الفتح»: رواية سعد عن ابن المنكدر من رواية الأقران لأنه من طبقته ، وفيه جابر بن عبد اللَّه -﵄- أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. [فائدة]: قال الحافظ -﵀-: أخرج مسلم حديث الباب عن عبيد اللَّه بن معاذ بلا واسطة، وهو أحد الأحاديث التي نزل فيها البخاريّ عن مسلم، أخرجها مسلم عن شيخ، وأخرجها البخاريّ بواسطة بينه وبين ذلك الشيخ، وهي أربعة أحاديث، ليس في الصحيح غيرها بطريق التصريح، وفيه عدّة أحاديث نحو الأربعين، مما يتنزل منزلة ذلك، قال: وقد أفردتها في جزء، جمعت ما وقع للبخاريّ من ذلك، فكان أضعاف أضعاف ما وقع لمسلم، وذلك أن مسلمًا في هذه الأربعة باق على الرواية عن الطبقة الأولى، أو الثانية من شيوخه، وأما البخاريّ، فإنه نزل فيها عن طبقته العالية بدرجتين. مثال ذلك من هذا الحديث: أن البخاريّ إذا روى حديث شعبة عاليًا كان بينا، وبينه راو واحد، وقد أدخل بينه وبين شعبة فيه ثلاثة، وأما مسلم فلا يروي حديث شعبة بأقُل من واسطتين. والحديث الثاني من الأربعة مضى في تفسير «سورة الأنفال»، أخرجه عن أحمد، وعن محمد بن النضر النيسابوريينّ، عن عبيد اللَّه بن معاذ أيضًا، عن أبيه، عن شعبة بسند آخر، وأخرجه مسلم عن عبيد اللَّه بن معاذ نفسه. والحديث الثالث: أخرجه في آخر «المغازي» عن أحمد بن الحسن الترمذيّ، عن أحمد بن حنبل، عن معتمر بن سليمان، عن كهمس بن الحسن، عن عبد اللَّه بن بريدة، عن أبيه، في عدد الغزوات، وأخرجه مسلم عن أحمد بن حنبل، بهذا السند، بلا واسطة. والحديث الرابع: وقع في «كتاب كفارة الأيمان» عن محمد بن عبد الرحيم، وهو الحافظ المعروف بصاعقة، عن داود بن رشيد، عن الوليد بن مسلم، عن أبي غسّان محمد بن مطرّف، عن زيد بن أسلم، عن علي بن الحسين بن علي بن سعيد بن مُرجانة، عن أبي هريرة -﵁- في فضل العتق. وأخرجه مسلم عن داود بن رُشيد نفسه، وهذا مما نزل فيه البخاريّ عن طبقته درجتين؛ لأنه يروي حديث ابن غسّان بواسطة واحدة، كسعيد بن أبي مريم، وهنا بينهما ثلاث وسائط، وقد أشرت لكل حديث من هذه الأربعة في موضعه، وجمعتها هنا تتميمًا للفائدة. انتهى كلام الحافظ -﵀- ، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ) التابعيّ الكبير، روى عنه الثوريّ، ومالك، وغيرهما، وهو ممن جمع بين العلم، والزهد، والعبادة؛ أنه (قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَحْلِفُ)؛ أي: شاهدته حين حلف (بِاللَّهِ أَنَّ) بفتح الهمزة على تقدير الجارّ؛ أي: على أن إلخ، (ابْنَ صَائِدٍ) بوزن ظالم، وفي رواية عند البخاريّ: «إن ابن الصيّاد»، قال في «الفتح»: كذا لأبي ذرّ بصيغة المبالغة، ووقع عند ابن بطال مثله، لكن بغير ألف ولام، وقوله: (الدَّجَّالُ) خبر «إن»، قال ابن المنكدر: (فَقُلْتُ) لجابر: (أَتَحْلِفُ بِاللَّهِ) على أن ابنٍ صائد هو الدجّال؟؛ أي: أتحلف مع أنه أمر مظنون، غير مجزوم به؟ (قَالَ) جابر -﵁- مبيّنًا متمسّكه: (إنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ) بن الخطّاب -﵁- (يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ)؛ أي: على كون ابن صائد هو الدجّال، (عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ-)؛ أي: فسمعه (فَلَمْ يُنْكِرْهُ)؛ أي: حَلِفه على ذلك، (النَّبِيُّ -ﷺ-)، فثبت لديّ بذلك أنه هو، قال في «العمدة»: وإنما حلف عمر -﵁- بالظنّ، ولعله سمعه من النبيّ -ﷺ-، أو فهمه بالعلامات والقرائن. [فإن قلت]: جاء في خبره أن عمر -﵁- قال لرسول اللَّه -ﷺ-: دَعْني أضرب عنقه، فقال: «إن يكن هو فلن تسلَّط عليه، وإن لم يكن فلا خير لك في قتله»، فهذا يدلّ على شكه فيه، وترك القطع عليه أنه الدجال. [قلت]: يمكن أن يكون هذا الشك منه كان متقدمًا على يمين عمر بأنه الدجال، ثم أعلمه اللَّه تعالى أنه الدجال. وجواب آخر أن الكلام، وإن خرج مخرج الشك، فقد يجوز أن يراد به اليقين والقطع، كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وقد عَلِم اللَّه تعالى أن ذلك لا يقع منه، فإنما خرج هذا منه على المتعارف عند العرب في مخاطبتها، قال الشاعر [من الطويل]: أَيَا ظَبْيَةَ الْوَعْسَاءِ بَيْنَ جَلاجِلٍ … وَبَيَنَ النَّقَا آأَنْتِ أَمْ أُمُّ سَالِمِ وقال القاري -﵀-: قوله: «سمعت عمر يحلف على ذلك»؛ أي: على أن ابن الصياد الدجال عند النبيّ -ﷺ- فلم ينكره النبيّ -ﷺ-؛ أي: ولو لم يكن صحيحًا لأنكره، ولَمَا سكت عنه، قيل: لعل عمر أراد بذلك أن ابن الصياد من الدجالين الذين يخرجون، فيدّعون النبوة، أو يُضلون الناس، ويَلبِسون الأمر عليهم، لا أنه المسيح الدجال؛ لأن النبيّ -ﷺ- تردد حيث قال: «إن يكن هو، وإن لم يكن هو»، ولكن فيه أن الظاهر المتبادَر من إطلاق الدجال هو الفرد الأكمل، فالوجه حَمْل يمينه على الجواز عند غلبة الظن، واللَّه تعالى أعلم . مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٧٣٢٦] (٢٩٢٩)، و(البخاريّ) في «الاعتصام» (٧٣٥٥)، و(أبو داود) في «الملاحم» (٤٣٣١)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أنه استدلّ به جماعة على جواز اليمين بالظنّ، وأنه لا يشترط فيها اليقين، قال النوويّ -﵀-: وهذا متفق عليه عند أصحابنا، حتى لو رأى بخط أبيه الميت أن له عند زيد كذا، وغلب على ظنه أنه خطه، ولم يتيقن جاز الحلف على استحقاقه. انتهى . ٢ - (ومنها): أن البخاريّ -﵀- احتجّ به على أن ترك النبيّ -ﷺ- الإنكار على شيء حجةٌ، فقال: «باب من رأى ترك النكير من النبيّ -ﷺ- حجة»، قال في «الفتح»: وقد اتفقوا على أن تقرير النبيّ -ﷺ- لِمَا يُفعل بحضرته، أو يقال، وَيطّلع عليه بغير إنكار قال على الجواز؛ لأن العصمة تنفي عنه ما يَحْتَمِل في حق غيره مما يترتب على الإنكار، فلا يقرّ على باطل، فمن ثم قال: لا من غير الرسول -ﷺ-، فإن سكوته لا يدل على الجواز، وأشار ابن التين إلى أن الترجمة تتعلق بالإجماع السكوتيّ، وإن الناس اختلفوا، فقالت طائفة: لا يُنسب لساكت قول؛ لأنه في مهلة النظر، وقالت طائفة: إن قال المجتهد قولًا وانتشر لم يخالفه غيره بعد الاطلاع عليه، فهو حجة، وقيل: لا يكون حجة، حتى يتعدد القيل به، ومحل هذا الخلاف أن لا يخالف ذلك القول نصّ كتاب، أو سُنَّة، فإن خالفه فالجمهور على تقديم النصّ، واحتج من منع مطلقًا أن الصحابة -﵃- اختلفوا في كثير من المسائل الاجتهادية، فمنهم من كان يُنكر على غيره، إذا كان القول عنده ضعيفًا، وكان عنده ما هو أقوى منه من نصّ كتاب أو سُنَّة، ومنهم من كان يسكت فلا يكون سكوته دليلًا على الجواز؛ لتجويز أن يكون لم يتضح له الحكم، فسكت، لتجويز أن يكون ذلك القول صوابًا، وإن لم يظهر له وجهه. انتهى . ٣ - (ومنها): أن جابرًا -﵁- لمّا سمع عمر -﵁- يحلف عند رسول اللَّه -ﷺ-، فلم يُنكر عليه فهم منه جواز العمل به، ولكن بقي أن شرط العمل بالتقرير أن لا يعارضه التصريح بخلافه، فمن قال، أو فعل بحضرة النبيّ -ﷺ- شيئًا فأقرّه دلّ ذلك على الجواز، فإن قال النبيّ -ﷺ- أو فَعَل خلاف ذلك دل على نَسْخ ذلك التقرير، إلا إن ثبت دليل الخصوصية. قال ابن بطال -﵀- بعد أن قرر دليل جابر -﵁-، فإن قيل: تقدم أن عمر -﵁- قال للنبيّ -ﷺ- في قصة ابن صياد: دعني أضرب عنقه، فقال: «إن يكن هو فلن تسلَّط عليه»، فهذا صريح في أنه تردد في أمره؛ يعني: فلا يدل سكوته عن إنكاره عند حَلِف عمر على أنه هو، قال: وعن ذلك جوابان: أحدهما: أن الترديد كان قبل أن يُعلمه اللَّه تعالى بأنه هو الدجال، فلما أعلمه لم يُنكر على عمر حَلِفه. والثاني: أن العرب قد تُخرج الكلام مخرج الشكّ، وإن لم يكن في الخبر شك، فيكون ذلك من تلطّف النبيّ -ﷺ- بعمر في صرفه عن قتله. انتهى ملخصًا . ٤ - (ومنها): أن البيهقيّ -﵀- أجاب عن قصة ابن صياد بعد أن ذكر ما أخرجه أبو داود من حديث أبي بكرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: «يمكث أبَوَا الدجال ثلاثين عامًا لا يولد لهما، ثم يولد لهما غلام أعور، أضرّ شيء، وأقله نفعًا، ونَعَتَ أباه وأمه، قال: فسمعنا بمولود وُلد في اليهود، فذهبت أنا والزبير بن العوام، فدخلنا على أبويه، فإذا النعتُ، فقلنا: هل لكما من ولد؟ قالا: مكثنا ثلاثين عامًا لا يولد لنا، ثم وُلد لنا غلام أضرّ شيء، وأقله نفعًا. . .» الحديث. قال البيهقيّ: تفرّد به عليّ بن زيد بن جُدعان، وليس بالقويّ. قال الحافظ: ويوهي حديثه أن أبا بكرة إنما أسلم لمّا نزل من الطائف حين حوصرت سنة ثمان من الهجرة. وفي حديث ابن عمر الذي في «الصحيحين» أنه -ﷺ- لمّا توجه إلى النخل التي فيها ابن صياد كان ابن صياد يومئذٍ كالمحتلم، فمتى يدرك أبو بكرة زمان مولده بالمدينة، وهو لم يسكن المدينة إلا قبل الوفاة النبوية بسنتين؟ فكيف يتأتى أن يكون في الزمن النبويّ كالمحتلم؟ فالذي في «الصحيحين» هو المعتمَد، ولعل الوهم وقع فيما يقتضي تراخي مولد ابن صياد أو لا وَهْم فيه، بل يَحْتَمِل قوله: بلغنا أنه وُلد لليهود مولود على تأخر البلاغ، وإن كان مولده كان سابقًا على ذلك بمدة، بحيث يأتلف مع حديث ابن عمر الصحيح. ثم قال البيهقيّ: ليس في حديث جابر أكثر من سكوت النبيّ -ﷺ- على حَلِف عمر، فيَحْتَمِل أن يكون النبيّ -ﷺ- كان متوقفًا في أمره، ثم جاءه المثبت من اللَّه تعالى بأنه غيره على ما تقتضيه قصة تميم الداريّ، وبه تمسّك من جزم بأن الدجال غير ابن صياد، وطريقه أصحّ، وتكون الصفة التي في ابن صياد وافقت ما في الدجال. ثم أورد حديث فاطمة بنت قيس الآتي لمسلم في قصة تميم الداريّ، قال البيهقيّ: فيه أن الدجال الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان غير ابن صياد، وكان ابن صياد أحد الدجالين الكذابين الذين أخبر -ﷺ- بخروجهم، وقد خرج أكثرهم، وكأن الذين يجزمون بأن ابن صياد هو الدجال لم يسمعوا بقصة تميم، وإلا فالجمع بينهما بعيد جدًّا؛ إذ كيف يلتئم أن يكون من كان في أثناء الحياة النبوية شِبْه المحتلم، ويجتمع به النبيّ -ﷺ-، ويسأله أن يكون في آخرها شيخًا كبيرًا مسجونًا في جزيرة من جزائر البحر، موثقًا بالحديد، يستفهم عن خبر النبيّ هل خرج أو لا؟ فالأَولى أن يُحْمَل على عدم الاطلاع، أما عمر فيَحْتَمِل أن يكون ذلك منه قبل أن يسمع قصة تميم، ثم لمّا سمعها لم يَعُد إلى الحَلِف المذكور، وأما جابر فشهد حَلِفه عند النبيّ -ﷺ-، فاستصحب ما كان اطلع عليه من عمر بحضرة النبيّ -ﷺ-، لكن أخرج أبو داود من رواية الوليد بن عبد اللَّه بن جُميع، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر، فذكر قصة الجساسة والدجال بنحو قصة تميم، قال: قال -أي: الوليد-: فقال لي ابن أبي سلمة: إن في هذا شيئًا ما حفظته، قال: شهد جابر أنه ابن صياد، قلت: فإنه قد مات، قال: وإن مات، قلت: فإنه أسلم، قال: وإن أسلم، قلت: فإنه دخل المدينة، قال: وإن دخل المدينة. انتهى. وابن أبي مسلمة اسمه عمر فيه مقال، ولكن حديثه حسن، ويُتَعقَّب به على من زعم أن جابرًا لم يطّلع على قصة تميم. انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: يتبيّن مما قرّره البيهقيّ -﵀- فيما مضى من تحقيقه أن ابن صيّاد غير الدجال الموعود به آخر الزمان، لكنه أحد الدجاجلة الذين شملهم قوله -ﷺ-: «وإن بين يدي الساعة دجالين، كذابين، قريبًا من ثلاثين، كلهم يزعم أنه نبيّ»، فهو منهم يقينًا، واللَّه تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): أنه قد تكلم ابن دقيق العيد -﵀- على مسألة التقرير في أوائل «شرح الإلمام»، فقال ما ملخّصه: إذا أُخبر بحضرة النبيّ -ﷺ- عن أمر ليس فيه حكم شرعيّ، فهل يكون سكوته -ﷺ- دليلًا على مطابقة ما في الواقع، كما وقع لعمر في حَلِفه على ابن صياد هو الدجال، فلم ينكر عليه، فهل يدلّ عدم إنكاره على أن ابن صياد هو الدجال، كما فهمه جابر، حتى صار يحلف عليه، ويستند إلى حلف عمر، أو لا يدلّ؟ فيه نظرٌ، قال: والأقرب عندي أنه لا يدلّ؛ لأن مأخذ المسألة، ومناطها هو العصمة من التقرير على باطل، وذلك يتوقف على تحقق البطلان، ولا يكفي فيه عدم تحقق الصحة، إلا أن يدعي مُدّع أنه يكفي في وجوب البيان عدم تحقق الصحة، فيحتاج إلى دليل، وهو عاجز عنه، نَعَم التقرير يسوّغ الحَلِف على ذلك، على غلبة الظنّ؛ لعدم توقف ذلك، على العلم. انتهى ملخصًا. قال الحافظ: ولا يلزم من عدم تحقق البطلان أن يكون السكوت مستوي الطرفين، بل يجوز أن يكون المحلوف عليه من قِسم خلاف الأَولى. انتهى . (المسألة الرابعة): قال الخطابيّ -﵀-: اختَلَف السلف في أمر ابن صياد بعد كِبَره، فروي أنه تاب من ذلك القول، ومات بالمدينة، وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا وجهه حتى يراه الناس، وقيل لهم: اشهدوا. وقال النوويّ: قال العلماء: قصة ابن صياد مشكلة، وأمره مشتبه، لكن لا شك أنه دجال من الدجاجلة، والظاهر أن النبيّ -ﷺ- لم يوح إليه في أمره بشيء، وإنما أُوحي إليه بصفات الدجال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة، فلذلك كان -ﷺ- لا يقطع في أمره بشيء، بل قال لعمر: «لا خير لك في قتله»، الحديث. وأما احتجاجاته هو بأنه مسلم إلى سائر ما ذَكَر، فلا دلالة فيه على دعواه؛ لأن النبيّ -ﷺ- إنما أخبر عن صفاته وقت خروجه آخر الزمان، قال: ومن جملة ما في قصته قوله للنبيّ -ﷺ-: أتشهد أني رسول اللَّه، وقوله: إنه يأتيه صادق وكاذب، وقوله: إنه تنام عينه، ولا ينام قلبه، وقوله: إنه يرى عرشًا على الماء، وأنه لا يكره أن يكون الدجالَ، وأنه يعرفه، ويعرف مولده، وموضعه، وأين هو الآن. قال: وأما إسلامه، وحجه، وجهاده، فليس فيه تصريح بأنه غير الدجال؛ لاحتمال أن يُختم له بالشرّ، فقد أخرج أبو نعيم الأصبهاني في «تاريخ أصبهان» ما يؤيد كون ابن صياد هو الدجال، فساق من طريق شُبيل -بمعجمة، وموحدة، مصغرًا، آخره لام -ابن عرزة -بمهملة، ثم زاي، بوزن ضَرْبة- عن حسان بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: «لمّا افتتحنا أصبهان كان بين عسكرنا وبين اليهودية فرسخ، فكنا نأتيها، فنمتار منها، فأتيتها يومًا، فإذا اليهود يزفنون، ويضربون، فسألت صديقًا لي منهم، فقال: مَلِكنا الذي نستفتح به على العرب يدخل، فبِتُّ عنده على سطح، فصليت الغداة، فلما طلعت الشمس، إذ الرهج من قبل العسكر، فنظرت، فإذا رجل عليه قبة من ريحان، واليهود يزفنون، ويضربون، فنظرت، فإذا هو ابن صياد، فدخل المدينة، فلم يَعُدْ حتى الساعة». قال الحافظ: وعبد الرحمن بن حسان ما عرفته، والباقون ثقات. وقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن جابر، قال: «فقدنا ابن صياد يوم الحرّة»، وبسند حسن مضى التنبيه عليه، فقيل: إنه مات. قال الحافظ: وهذا يُضعف ما تقدم أنه مات بالمدينة، وأنهم صلوا عليه، وكشفوا عن وجهه، ولا يلتئم خبر جابر هذا مع خبر حسان بن عبد الرحمن؛ لأن فتح أصبهان كان في خلافة عمر، كما أخرجه أبو نعيم في «تاريخه»، وبين قَتْل عمر، ووقعة الحرّة نحو أربعين سنة. ويمكن الحمل على أن القصة إنما شاهدها والد حسان بعد فتح أصبهان بهذه المدة، ويكون جواب لِمَا في قوله: لمّا افتتحنا أصبهان محذوفًا، تقديره: صوت أتعاهدها، وأتردد إليها، فَجَرَتْ قصة ابن صياد، فلا يتّحد زمان فَتْحها وزمان دخول ابن صياد فيها. وقد أخرج الطبرانيّ في «الأوسط» من حديث فاطمة بنت قيس مرفوعًا: «إن الدجال يخرج من أصبهان»، ومن حديث عمران بن حصين، أخرجه أحمد بسند صحيح، عن أنس، لكن عنده من يهودية أصبهان. قال أبو نعيم في «تاريخ أصبهان»: كانت اليهودية من جملة قُرى أصبهان، وإنما سمّيت اليهودية؛ لأنها كانت تختص بسكنى اليهود، قال: ولم تزل على ذلك إلى أن مصّرها أيوب بن زياد أمير مِصْر في زمن المهديّ ابن المنصور، فسكنها المسلمون، وبقيت لليهود منها قطعة منفردة. وأما ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: «قال: يتبع الدجال سبعون ألفًا من يهود أصبهان»، فلعلها كانت يهودية أصبهان يريد: البلد المذكور؛ لا أن المراد جميع أهل أصبهان يهود، وأن القَدْر الذي يتبع الدجال منهم سبعون ألفًا. قال الحافظ -﵀- بعد أن ذكر في هذا الموضع كثيرًا من الآثار ما محصّله: ولشدة التباس الأمر في ذلك سلك البخاريّ مسلك الترجيح، فاقتصر على حديث جابر، عن عمر، في ابن صياد، ولم يُخرج حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم، وقد توهّم بعضهم أنه غريب فَرْد، وليس كذلك، فقد رواه مع فاطمة بنت قيس أبو هريرة، وعائشة، وجابر. أما حديث أبي هريرة: فأخرجه أحمد من رواية عامر الشعبيّ عن المحرّر بن أبي هريرة، عن أبيه بطوله، وأخرجه أبو داود مختصرًا، وابن ماجه عقب رواية الشعبيّ عن فاطمة، قال الشعبيّ: فلقيت المحرر، فذكره، وأخرجه أبو يعلى من وجه آخر، بن أبي هريرة: «قال: استوى النبيّ -ﷺ- على المنبر، فقال: حدّثني تميم، فرأى تميمًا في ناحية المسجد، فقال: يا تميم حدّث الناس بما حدثتني. . .» فذكر الحديث -وفيه-: «فإذا أحد منخريه ممدود، وإحدى عينيه مطموسة. . .» الحديث -وفيه-: «لأطأن الأرض بقدميَّ هاتين إلى مكة وطابا». وأما حديث عائشة: فهو في الرواية المذكورة عن الشعبيّ، قال: ثم لقيت القاسم بن محمد، فقال: أشهد على عائشة حدّثتني كما حدثتك فاطمة بنت قيس. وأما حديث جابر: فأخرجه أبو داود بسند حسن، من رواية أبي سلمة، عن جابر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- ذات يوم على المنبر: «إنه بينما أناس يسيرون في البحر، فنفد طعامهم، فرُفعت لهم جزيرة، فخرجوا يريدون الخبر، فلقيتهم الجساسة»، فذكر الحديث، وفيه سؤالهم عن نخل بيسان، وفيه أن جابرًا شهد أنه ابن صياد، فقلت: إنه قد مات، قال: وإن مات، قلت: فإنه أسلم، قال: وإن أسلم، قلت: فإنه دخل المدينة، قال: وإن دخل المدينة. وفي كلام جابر إشارة إلى أن أمره مُلبس، وأنه يجوز أن يكون ما ظهر من أمره إذ ذاك لا ينافي ما تُوُقِّع منه بعد خروجه في آخر الزمان. وقد أخرج أحمد من حديث أبي ذرّ: «لأن أحلف عشر مرار أن ابن صياد هو الدجال، أحب إليّ من أن أحلف واحدة أنه ليس هو»، وسنده صحيح. ومن حديث ابن مسعود نحوه، لكن قال: «سبعًا» بدل «عشر مرات»، أخرجه الطبرانيّ، واللَّه أعلم . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم أن القول الراجح في شأن ابن صيّاد أنه ليس هو الدجال الموعود به آخر الزمان، لكنه دجال من الدجاجلة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٢٧] (٢٩٣٠ و٢٩٣١) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابَ انْطَلَقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي رَهْطٍ، قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ، حَتَّى وَجَدَهُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ، وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ يَوْمَئِذٍ الْحُلُمَ، فَلَمْ يَشْعُرْ، حَتَّى ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ظَهْرَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لابْنِ صَيَّادٍ: «أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟»، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمَيِّينَ، فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَرَفَضَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَالَ: «آمَنْتُ بِاللَّهِ، وَبِرُسُلِهِ»، ثُمَّ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَاذَا تَرَى؟»، قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ»، ثُمَّ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا»، فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: هُوَ الدُّخُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ»، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ذَرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ». وَقَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الأَنَّصَارِيُّ إِلَى النَّخْلِ الَّتِي فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النَّخْلَ، طَفِقَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ ابْنُ صَيَّادٍ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشٍ، فِي قَطِيفَةٍ لَهُ، فِيهَا زَمْزَمَةٌ، فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، فَقَالَتْ لِابْنِ صَيَّادٍ: يَا صَافِ، وَهُوَ اسْمُ ابْنِ صَيَّادٍ، هَذَا مُحَمَّدٌ، فَثَارَ ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ»، قَالَ سَالِمٌ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي النَّاسِ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: «إِنِّي لأُنْذِرُكُمُوهُ، مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ، لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوحٌ قَوْمَهُ، وَلَكِنْ أَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ، تَعَلَّمُوا أَنَّهُ أَعْوَرُ، وَأَنَّ اللَّهَ ﵎ لَيْس بِأَعْوَرَ»، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيُّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ يَوْمَ حَذَّرَ النَّاسَ الدَّجَّالَ: «إِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ، يَقْرَؤُهُ مَنْ كَرِهَ عَمَلَهُ، أَوْ يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ»، وَقَالَ: «تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ -﷿- حَتَّى يَمُوتَ»). قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم هذا الإسناد نفسه في الباب الماضي، فتنبّه. [تنييه]: قال الحافظ أبو عليّ الجيّاني في «تقييده»: وقع هذا الإسناد في رواية أبي العلاء بن ماهان منقطعًا، ذكره عن الزهريّ، عن سالم، أن عمر بن الخطّاب، لم يذكر فيه عبد اللَّه بن عمر، والصواب قول من أسند. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: خلاصة ما أشار إليه الجيّاني -﵀- أنه وقع اختلاف بين رواة «صحيح مسلم»، فرواه جمهورهم متّصلًا، فقالوا: «عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد اللَّه، عن عبد اللَّه بن عمر، أن عمر بن الخطّاب إلخ، وانفرد ابن ماهان، فأسقط ابن عمر، فجعله عن سالم أن عمر بن الخطاب، وهو منقطع؛ لأن سالمًا لم يشهد القصّة، والصواب قول الجمهور، فالحديث متّصل صحيح، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ)؛ أنه (أَخْبَرَهُ)؛ أي: أخبر ابن شهاب، (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ عُمَرَ) -﵄- (أَخبَرَهُ)؛ أي: أخبر سالمًا، (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) -﵁- (انْطَلَقَ)؛ أي: ذهب (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) هذا الحديث فيه ثلاث قصص، هذه أولها، وقد ساقها مسلم هنا مساقًا واحدًا، وأما البخاريّ فقد ساقها في «الجهاد» تامّة، وقطعها في أبواب أخرى . (فِي رَهْطٍ) هو: ما دون عشرة من الرجال، ليس فيهم امرأة، وسكون الهاء أفصح من فتحها، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وقيل: الرَّهْطُ: من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نفر، وقال أبو زيد: الرَّهْطُ، والنَّفَرُ: ما دون العشرة من الرجال، وقال ثعلب أيضًا: الرَّهْطُ، وَالنَّفَرُ، وَالقَوْمُ، وَالمَعْشَرُ، وَالعَشِيرَةُ معناهم الجمع، لا واحد لهم من لفظهم، وهو للرجال دون النساء، وقال ابن السكيت: الرَّهْطُ، وَالْعَشِيرَةُ بمعنى، ويقال: الرَّهْطُ: ما فوق العشرة إلى الأربعين، قاله الأصمعيّ في «كتاب الضاد والظاء»، ونقله ابن فارس أيضًا، ورَهْطُ الرجل: قومه، وقبيلته الأقربونَ، قاله الفيّوميّ -﵀- . وفي الرواية التالية: «انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَمَعَهُ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ»، (قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ) بكسر القاف، وفتح الموحّدة؛ أي: جهته. قال القرطبيّ -﵀-: ويقال: ابن صائد، واسمه صاف، وكل ذلك في الحديث. قال الواقديّ: نَسَبه في بني النجار، وقيل: هو من اليهود، وكانوا حلفاء بني النجار، وكانت حاله في صغره حالة الكهّان يصدق مرَة، ويكذب مرارًا، ثم إنه أسلم لمّا كَبِر، وظهرت منه علامة الخير، من الحج، والجهاد مع المسلمين، ثم ظهرت منه أحوال، وسُمعت منه أقوال تشعر بأنه الدجال، وبأنه كافر، فقيل: إنه تاب، ومات بالمدينة، ووُقف على عينه هناك، وقيل: بل فُقد في يوم الحرّة، ولم يوقف عليه، وكان جابر، وابن عمر -﵃- يحلفان أنه الدجال، لا يشكان فيه، وعلى الجملة فأمره كله مُشْكِل على الأمة، وهو فتنة، ومحنة. انتهى . (حَتَّى وَجَدَهُ) قيل: «حتى» هنا حرف ابتداء، يُستأنف بعده الكلام، ويفيد انتهاء الغاية، وقوله: (يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ) بكسر الصاد، وضمها، حال من مفعول «وجده». (عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ) بفتح الميم، والغين المعجمة، ونُقل: معاوية بالضم، والعين المهملة، وهم بطن من الأنصار، «والأطم» بضمّ، وبضمتين: القصر، وكل حصن مبني بحجارة، وكل بيت مربع مسطح، والجمع: آطام، وأطوم، كذا في «القاموس» . وقال النوويّ -﵀-: قوله: «عند أطم بني مغالة» هكذا هو في بعض النسخ «بني مغالة»، وفي بعضها: «ابن مغالة»، والأول هو المشهور، و«المغالة» بفتح الميم، وتخفيف الغين المعجمة، وذكر مسلم في رواية الحسن الحلوانيّ التي بعد هذه أنه «أطم بني معاوية» بضم الميم، وبالعين المهملة، قال العلماء: المشهور المعروف هو الأول، قال القاضي: «وبنو مغالة» كلُّ ما كان على يمينك إذا وقفت آخر البلاط، مستقبل مسجد رسول اللَّه -ﷺ-، و«الأطم» بضم الهمزة والطاء: هو الحصين، جَمْعه: آطام. انتهى . وقال القرطبيّ -﵀-: ويروى: «أطم ابن مغالة»، و«بني مغالة»، وكلاهما صحيح، وبنو مغالة بغين معجمة، وفي حديث ابن حميد، وفي حديث الحلواني: بني معاوية، والأول المعروف، وبنو مغالة: كل ما كان عن يمينك إذا وقفت آخر البلاط مستقبل مسجد النبيّ -ﷺ-، وبنو جَدِيلة ما كان عن يسارك، ومسجد النبيّ -ﷺ- في بني مغالة، قاله الزبير. وقال بعضهم: بنو مغالة حيّ من قضاعة، وبنو معاوية: هم بنو جَدِيلة. انتهى . (وَقَدْ قَارَبَ) جملة في محلّ نصب على الحال، (ابْنُ صَيَّادٍ يَوْمَئِذٍ الْحُلُمَ) بضمتين، أو بضمّ، فسكون؛ أي: البلوغ بالاحتلام وغيره، (فَلَمْ يَشْعُرْ) بضم العين، وفيه إشعار بأنهم جاؤوه على غفلة منه؛ أي: لم يتفطن بإتيانهم إليه، (حَتَّى ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ظَهْرَهُ)؛ أي: ظهر ابن صيّاد (بِيَدِهِ) الكريمة، (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: لِابْنِ صَيَّادٍ: «أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟»، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ) قال القاضي -﵀-: يريد بهم العرب؛ لأن أكثرهم كانوا لا يكتبون، ولا يقرؤون، وما ذكره وإن كان حقًّا من قِبَل المنطوق، لكنه يشعر بباطل من حيث المفهوم، وهو أنه مخصوص بالعرب غير مبعوث إلى المعجم، كما زعمه بعض اليهود، وهو إن قصد به ذلك فهو من جملة ما يُلقي إليه الكاذب الذي يأتيه، وهو شيطانه. انتهى. ويمكن أن يكون مسموعه من اليهود؛ لأنه منهم، أو هذا منه على طريقة الحكماء في زعمهم أنهم يستغنون عن الأنبياء، قاله القاري -﵀- . وقال في «الفتح»: فيه إشعار بأن اليهود الذين كان ابن صياد منهم كانوا معترفين ببعثة رسول اللَّه -ﷺ- لكن يدّعون أنها مخصوصة بالعرب، وفساد حجتهم واضح جدًّا؛ لأنهم إذا أقروا بأنه رسول اللَّه استحال أن يكذب على اللَّه، فإذا ادّعى أنه رسوله إلى العرب وإلى غيرها تعيَّن صِدقه، فوجب تصديقه. انتهى . (فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟) وفي حديث أبي سعيد عند الترمذيّ: «فقال: أتشهد أنت أني رسول اللَّه؟»، (فَرَفَضَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في أكثر نُسخ بلادنا: «فرفضه» بالضاد المعجمة، وقال القاضي: روايتنا فيه عن الجماعة بالصاد المهملة، قال بعضهم: الرفص بالصاد المهملة: الضرب بالرجل، مثل الرفس بالسين، قال: فإن صحّ هذا فهو معناه، قال: لكن لم أجد هذه اللفظة في أصول اللغة، قال: ووقع في رواية القاضي التميميّ: «فرفضه» بضاد معجمة، وهو وَهَمٌ، قال: وفي البخاريّ من رواية المروزيّ: «فرقصه» بالقاف، والصاد المهملة، ولا وجه له، وفي البخاريّ في «كتاب الأدب»: «فرفضه» بضاد معجمة، قال: ورواه الخطابيّ في غريبه: «فرصّه» بصاد مهملة؛ أي: ضَغَطَه حتى ضَمَّ بعضه إلى بعض، ومنه قوله تعالى: ﴿بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]. قال النوويّ: ويجوز أن يكون معنى «رفضه» بالمعجمة؛ أي: ترك سؤاله الإسلام؛ ليأسه منه حينئذٍ، ثم شرع في سؤاله عما يرى، واللَّه أعلم. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «فرفضه» للأكثر بالضاد المعجمة؛ أي: تركه، قال الزين ابن الْمُنَيِّر: أنكرها القاضي، ولبعضهم بالمهملة؛ أي: دفعه برجله، قال عياض: كذا في رواية أبي ذرّ عن غير المستملي، ولا وجه لها، قال المازريّ: لعله رفسه بالسين المهملة؛ أي: ضربه برجله، قال عياض: لم أجد هذه اللفظة في جماهير اللغة، يعني بالصاد، قال: وقد وقع في رواية الأصيليّ بالقاف بدل الفاء، وفي رواية عبدوس: «فوقصه» بالواو والقاف. انتهى . (وَقَالَ) -ﷺ-: («آمَنْتُ بِاللَّهِ، وَبِرُسُلِهِ») قال الطيبيّ -﵀-: هو عطف على «فرصّه»، والكلام خارج على إرخاء العِنان؛ أي: آمنت باللَّه ورسله، فتفكر، هل أنت منهم؟ انتهى. قال القاري: وفيه إيهام تجويز التردد في كونه من الرسل أم لا، ولا يخفى فساده، فالصواب أنه عمل بالمفهوم، كما فعله الدجال، فالمعنى: إني آمنت برسله، وأنت لست منهم، فلو كنت منهم لآمنت بك، وهذا أيضًا على الفرض والتقدير، أو قبل أن يعلم أنه خاتم النبيين، وإلا فبعد العلم بالخاتميّة فلا يجوز أيضًا الفرض والتقدير به، وقد صرّح بعض العلماء بأنه لو ادعى أحد النبوة، فطلب منه شخص المعجزة كفر، وإنما لم يقتله مع أنه ادعى بحضرته النبوة؛ لأنه صبي، وقد نُهي عن قتل الصبيان، أو أن اليهود كانوا يومئذٍ مستمسكين بالذمة، مصالحين أن يُتركوا على أمرهم، وهو منهم، أو من حلفائهم، فلم تكن ذمة ابن الصياد لِتُنْقَض بقوله الذي قال، كذا قاله بعضهم. وقال بعضهم: هذا يدل على أن عهد الوالد يجزئ عن ولده الصغير، وقيل: إنه ما ادعى النبوة صريحًا؛ لأن قوله: «أتشهد» استفهام لا تصريح فيه . (ثُمَّ قَالَ لَهُ)؛ أي: لابن صيّاد، (رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَاذَا تَرَى؟)؛»ذا«زائدة، و»ما«استفهامية، أي ما تبصر وتُكاشف من الأمر الغيبي؟ انتهى. قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله:«ذا»زائدة، هذا أحد وجهيها، وهو أن تكون«ذا»ملغاة مركبة مع«ما»، والثاني أن تكون موصولة بمعنى«الذي»، وإلى هذا الوجهين أشار ابن مالك -﵀- في«الخلاصة»حيث قال: وَمِثْلُ«مَا» «ذَا»بَعْدَ«مَا»اسْتِفْهَامِ … أَوْ«مَنْ»إِذَا لَمْ تُلْغَ فِي الْكَلَامِ (قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: يَأْتِينِي صَادِقٌ)؛ أي: تارة يأتينى خبر صادق، أو مخبر صادق، (وَ) تارة يأتيني خبر (كَاذِبٌ) أو مخبر كاذب، وقال القاري: أي خبر صادق تارةً، وكاذب؛ أي: أخرى، أو مَلِك صادق، وشيطان كاذب، وقيل: حاصل السؤال أن الذي يأتيك ما يقول لك؟ ومجمل الجواب أنه يحدثني بشيء قد يكون صادقًا، وقد يكون كاذبًا . (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:«خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ») ببناء الفعل للمفعول، مشدّدًا للمبالغة والتكثير، ويجوز تخفيفه؛ أي: شُبِّه عليك الأمر؛ أي: الكذب بالصدق، قال النوويّ -﵀-: أي ما يأتيك به شيطانك مخلَّط، قال الخطابيّ: معناه أنه كان له تارات يصيب في بعضها، ويخطئ في بعضها، فلذلك التبس عليه الأمر. (ثُمَّ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:«إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ)؛ أي: أخفيت، وأضمرت (لَكَ) في نفسي (خَبِيئًا»)؛ أي: شيئًا مُضمَرًا لتخبرني به، وفي رواية للبخاريّ:«إني، قد خبأت لك خِبْئًا». قال في«الفتح»:«خبئًا»بكسر الخاء المعجمة، وبفتحها، وسكون الموحّدة، بعدها همز، وبفتح المعجمة، وكسر الموحدة، بعدها تحتانية ساكنة، ثم همز؛ أي: أخفيت لك شيئًا. انتهى. قيل: إنما امتحنه بذلك ليُظهر إبطال حاله للصحابة، وأنه كاهن يأتيه الشيطان، فيلقي على لسانه، زاد في رواية أبي داود، والترمذيّ:«وخبّأ له: يوم تأتي السماء بدخان مبين»، والجملة حال بتقدير«قد»، أو بدونه، قال ابن كثير في«تفسيره»: وهذا فيه إشعار بأنه من المنتظر المرتقب، وابن صياد كاشَفَ على طريقة الكهان بلسان الجانّ، وهم يقرطمون العبارة، ولهذا قال:«هو الدخ»؛ يعني: الدخان، فعندها عرف رسول اللَّه -ﷺ- مادته، وأنها شيطانية، فقال -ﷺ-:«اخسأ، فلن تعدُوَ قَدْرك». انتهى . (فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: هُوَ)؛ أي: الذي خبأته لي، (الدُّخُّ) بضم الدال المهملة، بعدها خاء معجمة، وحَكَى صاحب«المحكم»الفتح، ووقع عند الحاكم:«الزَّخّ»بفتح الزاي بدل الدال، وفسّره بالجماع، واتفق الأئمة على تغليطه في ذلك، ويردّه ما وقع في حديث أبي ذرّ:«فأراد أن يقول الدخان، فلم يستطع، فقال الدخ». وللبزار، والطبرانيّ في«الأوسط»من حديث زيد بن حارثة:«قال: كان النبيّ -ﷺ- خبّأ له سورة الدخان»، وكأنه أطلق السورة، وأراد بعضها، فإن عند أحمد، عن عبد الرزاق في حديث الباب:«وخبأت له: يوم تأتي السماء بدخان مبين». وأما جواب ابن صياد بالدخّ، فقيل: إنه اندهش، فلم يقع من لفظ الدخان إلا على بعض . وقال النوويّ -﵀-: هو بضم الدال، وتشديد الخاء المعجمة، وهي لغة في الدخان، ومعنى«خبأت»: أضمرت لك اسم الدخان، والصحيح المشهور أنه أضمر له آية الدخان، وهي قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ [الدخان: ١٠] قال القاضي عياض -﵀-: وأصح الأقوال أنه لم يأت من الآية التي أضمرها النبيّ -ﷺ- إلا بهذا اللفظ الناقص، على عادة الكهان إذا ألقى الشيطان إليهم بقدر ما يخطف قبل أن يدركه الشهاب . (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:«اخْسَأْ) بفتح السين، وسكون الهمزة: كلمة زجر، واستهانة؛ أي: امكث صاغرًا، أو ابعُد حقيرًا، واسكت مزجورًا، من الْخُسُوء، وهو زجر الكلب. (فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ)؛ أي: قدر مثلك من الكهان الذين يحفظون من إلقاء شياطينهم ما يحفظونه مختلطًا صدقه بكذبه. وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: «لن تعدو قدرك»؛ أي: لن تُجاوز حالة الكهّان المتخرّصين الكذابين، لا يليق بك إلا ذلك، وإنَّما اختبره النبيّ -ﷺ- بذلك؛ لينظر هل طريقته طريقة الكهان، أو لا؟ فظهر أنه كذلك، وأن الشياطين تلعب به، وتُلَبِّس عليه. انتهى . وقال القاري: «فلن تعدو» بضم الدال؛ أي: فلن تجاوز، «قدرك»؛ أي: القَدْر الذي يدركه الكهان، من الاهتداء إلى بعض الشيء، ذكره النوويّ. وقال الطيبيّ -﵀-؛ أي: لا تتجاوز عن إظهار الخبيئات على هذا الوجه، كما هو دأب الكهنة إلى دعوى النبوة، فتقول: أتشهد أني رسول اللَّه؟ . قال القاري: وحاصل الجملة، وزبدة المسألة: أنك وإن أخبرت عن الخبيء، فلن تستطيع أن تجاوز عن الحد الذي حُدّ لك، يريد أن الكهانة لا ترفع بصاحبها عن القَدْر الذي عليه هو، وإن أصاب في كهانته. انتهى . (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) -﵁-، قال القاري: فيه التفات، أو تجريد، ويمكن أن يكون ابن عمر مصاحبًا لهم، ويدلّ عليه ما بعده: «فقال: قال عمر: يا رسول اللَّه أتأذن لي فيه؟». انتهى . (ذَرْنِي)؛ أي: اتركني (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَضْرِبْ عُنُقَهُ)؛ أي: أقتله، (فَقَالَ لَهُ)؛ أي: لعمر، (رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنْ يَكُنْهُ)؛ أي: الدجال، قال القرطبيّ -﵀-: وقوله -ﷺ- لعمر -﵁-:»إن يكنه، فلن تسلَّط عليه إلخ« هذا يدلّ على أن النبيّ -ﷺ- لم يتضح له شيء من أمر كونه هو الدجال أم لا، وليس هذا نقصها في حق النبيّ -ﷺ-؛ لأنه لم يكن يعلم إلا ما أعلمه اللَّه -﷿-، وهذا مما لم يُعلمه اللَّه تعالى به، ولا هو مما تُرهِق إلى علمه حاجةٌ لا شرعية، ولا عاديّة، ولا مصلحيّة، ولعل اللَّه تعالى قد عَلِم في إخفائه مصلحة، فأخفاه، والذي يجب الإيمان به أنه لا بدّ من خروج الدجال يدعي الإلهية، وأنه كذّاب أعور، كما جاء في الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي قد حصلت لمن عاناها العلم القطعيّ بذلك. انتهى . ووقع في رواية للبخاريّ: «إن يكن هو»، قال في «الفتح»: قوله: «إن يكن هو» كذا للأكثر، وللكشميهنيّ: «إن يكن» على وصل الضمير، واختار ابن مالك جوازه، ثم الضمير لغير مذكور لفظًا، وقد وقع في حديث ابن مسعود، عند أحمد: «إن يكون هو الذي تخاف، فلن تستطيعه»، وفي مرسل عروة عند الحارث بن أبي أسامة: «إن يكن هو الدجالَ». انتهى . وقال الطيبيّ: قال القاضي: قوله: «إن يكن هو» الضمير للدجال، ويدل عليه ما روي أنه في قال: «إن يكن هو فلست صاحبه، إنما صاحبه عيسى ابن مريم، وإلا يكن هو فليس لك أن تقتل رجلًا من أهل العهد»، و«هو» خبر «كان»، واسمها مستكنّ فيها، وكان حقه: إن يَكُنْه، فوضع المرفوع المنفصل موضع المنصوب المتصل، عكس قولهم: لولاه، ويَحْتَمِل أن يكون تأكيدًا للمستكنّ، والخبر محذوفًا على تقدير: إن يكن هو هذا، قال: ويجوز أن يقدَّر: إن يكن هو الدجالَ، و«هو» ضمير فصل، أو هو مبتدأ، والدجال خبره، والجمله خبر «كان». انتهى . قال القاري: وعلى الأخير يكون في «يكن» ضمير الشأن، كما لا يخفى. انتهى . (فَلَنْ تُسَلَّطَ) بالبناء للمفعول، (عَلَيْهِ) أي على قتله؛ يعني: أنك لا تقدر على إهلاكه؛ لأن المقدَّر أن قاتله عيسى -﵇-، وفي حديث جابر -﵁-: «فلست بصاحبه، إنما صاحبه عيسى ابن مريم». (وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ») قال القرطبيّ: أي لأنه صبيّ حينئذٍ، وقيل: لأنه كان لقومه عهد من النبيّ -ﷺ- كما عاهد يهود المدينة، أو لأنه من حلفاء بني النجار، كما تقدَّم. وهذا الضمير المتصل في«يكنه» هو خبرها وقد وُضع موضع المنفصل، واسمها مستتر فيها، ونحوه قول أبي الأسود الدّؤليّ [من الطويل]: دَعِ الْخَمْرَ تَشْرَبْهَا الْغُوَاةُ فَإِنَّنِي … رَأَيْتُ أَخَاهَا مُغْنِيًا بِمَكَانِهَا فَإِنْ لَا يَكُنْهَا أَوْ تَكُنْهُ فَإِنَّهُ … أَخُوهَا غَذَتْهُ أُمُّهُ بِلِبَانِهَا أي: فإلّا يكن هو إياها، أو تكن هي إياه ، واللَّه تعالى أعلم. ثم ذكر القصّة الثانية بقوله: (وَقَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) وهو موصول بالإسناد الأول، وليس معلّقًا، ووقع في حديث جابر: «ثم جاء النبيّ -ﷺ-، ومعه أبو بكر، وعمر، ونفر من المهاجرين والأنصار، وأنا معهم»، ولأحمد من حديث أبي الطفيل أنه حضر ذلك أيضًا . (سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَر) -﵄- (يَقُولُ: انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ) بعد ما تقدّم ذِكره من اجتماع النبيّ -ﷺ- بابن صيّاد، ومناقشته له، وتبيّن كذبه. (رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَأُبَيُّ بْنُ كعْبٍ الأَنْصَارِيُّ) برفع «أبيّ» بالعطف على ما قبله، ويجوز على أنه مفعول معه، (إِلَى النَّخْلِ) قال الفيّوميّ -﵀-: النَّخْلُ اسم جمع، الواحدة نَخْلَة، وكل جَمْع بينه وبين واحده الهاء، قال ابن السكِّيت: فأهل الحجاز يؤنثون أكثره، فيقولون: هي التمر، وهي البرّ، وهي النخل، وهي البقر، وأهل نجد وتميم يذكِّرون، فيقولون: نَخْلٌ كريم، وكريمة، وكرائم، وفي التنزيل: ﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، و﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، وأما النَّخِيلُ بالياء فمؤنّثة، قال أبو حاتم: لا اختلاف في ذلك. انتهى . (الَّتِي فِيهَا)؛ أي: فيما بينها، أو في بستانها (ابْنُ صَيَّادٍ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النَّخْلَ، طَفِقَ) بكسر الفاء: أي شرع، وأخذ رسول اللَّه -ﷺ- (يَتَّقِي)؛ أي: يستتر (بِجُذُوعِ النَّخْلِ) جمع جَذْعٍ، بكسر، فسكون، وهو ساق النخلة، والمعنى: أنه -ﷺ- يتخبأ، ويستر نفسه عن ابن صياد؛ ليأخذه على غِرّة، وغفلة، فإن تلك الحالة أدلّ على بطلان الرهبان. (وَهُوَ)؛ أي: النبيّ -ﷺ- (يَخْتِلُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، وضمّه، يقال: ختله يَختله، من بابي ضرب، ونصر: خدعه، والذئب الصيد: تخفّى له، قاله المجد -﵀- ، والجملة حاليّة. وقال النوويّ -﵀-: قوله: «وهو يختل»؛ أي: يخدع ابن صياد، ويستغفله؛ ليسمع شيئًا من كلامه حتى يعلم هو والصحابة حاله في أنه كاهن، أم ساحر، ونحوهما، وفيه كَشْف أحوال مَن تُخاف مفسدته، وفيه كشف الإِمام الأمور المهمة بنفسه. انتهى . وقوله: (أَنْ يَسْمَعَ) مفعول «يختل»، (مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ ابْنُ صَيَّادٍ)؛ أي: يعلم بحضور النبيّ -ﷺ-، (فَرَآهُ)؛ أي: رأى ابنَ صيّاد (رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ) جملة حاليّة من المفعول، (عَلَى فِرَاشٍ، فِي قَطِيفَةٍ)؛ أي: دِثار مُخَمَّل، وقيل: لِحَاف صغير، (لَهُ) أي لابن صيّاد، (فِيهَا) أي في تلك القطيفة (زَمْزَمَةٌ) قال النوويّ -﵀-: قد وقعت هذه اللفظة في معظم نُسخ مسلم: «زمزمة» بزاءين معجمتين، وفي بعضها براءين مهملتين، ووقع في البخاريّ بالوجهين، ونقل القاضي عن جمهور رواة مسلم أنه بالمعجمتين، وأنه في بعضها: «رمزة» بِراء أوّلًا، وزاي آخرًا، وحَذْف الميم الثانية، وهو صوت خفيّ لا يكاد يُفهم، أو لا يُفهم. انتهى . (فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، وَهُوَ يَتَّقِي) جملة حاليّة، (بِجُذُوعِ النَّخْلِ، فَقَالَتْ لِابْنِ صَيَّادٍ: يَا صَافِ) بصاد مهملة، وفاء، وزان باغ، قاله في «الفتح»؛ أي: فهو منقوص، وقال القاري: صاف بالضم، وفي نسخة بالكسر، على أن أصله صافي، فحذف الياء، واكتفي بالكسرة، ويؤيد الأول ظاهر قوله: «وهو اسمه»، ويمكن أن يكون الاسم بمعنى الوصف، فإنه قد يستعمل بالمعنى الأعمّ، من نحو اللقب، والعلم. انتهى . قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: صاف بالضمّ، لا أظنّ هذا يصحّ روايةً، ولا دراية، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم. وفي حديث جابر: «فقالت: يا عبد اللَّه هذا أبو القاسم قد جاء»، وكأن الراوي عَبّر باسمه الذي تسمّى به في الإِسلام، وأما اسمه الأول فهو صاف . (وَهُوَ)؛ أي: صافٍ، (اسْمُ ابْنِ صَيَّادٍ)، وقوله: (هَذَا مُحَمَّدٌ) -ﷺ- تمام مقول «قالت»، والمعنى: أن هذا الذي وراءك محمد -ﷺ-، قد جاءك لاستماع سرّك، فتنبه له. (فَثَارَ ابْنُ صَيَّادٍ)؛ أي: نهض من مضجعه، وقام، (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ»)؛ أي: أظهر لنا من حاله ما نطّلع به على حقيقته، والضمير لأم ابن صياد؛ أي: لو لم تُعلمه بمجيئنا، لتمادى على ما كان فيه، فسمعنا ما نستكشف به أمره، قال الحافظ: وغفل بعض الشراح، فجعل الضمير لـ «الزمزمة»؛ أي: لو لم يتكلم بها لفهمنا كلامه، لكن عدم فهمنا لِمَا يقول كونه يُهمهم، كذا قال، والأول هو المعتمَد . ثم ذكر القصّة الثالثة، فقال: (قَالَ سَالِمٌ)؛ أي: ابن عبد اللَّه، وهو أيضًا موصول بالسند الماضي، وليس معلّقًا. (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عُمَرَ) -﵄- (فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي النَّاسِ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ) وفي نسخة: «بما هو أهلٌ». (ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ) في ذكره الدجّال: «(إِنِّي لأُنْذِرُكُمُوهُ)؛ أي: لأحذّركم أن تغترّوا به، وبما يظهر على يديه من خوارق العادات؛ ابتلاء من اللَّه تعالى لعباده. (مَا) نافية، (مِنْ) زائدة (نَبِيٍّ) من الأنبياء قبلي (إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ) من الافتتان به، (لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوحٌ) ﵇ (قَوْمَهُ) وفي حديث أبي عبيدة بن الجراح، عند أبي داود، والترمذيّ، وحسّنه:«لم يكن نبيّ بعد نوح إلا وقد أنذر قومه الدجال»، وعند أحمد:«لقد أنذره نوح أمته، والنبيون من بعده»، أخرجه من وجه آخر، عن ابن عمر. وقد استُشكل إنذار نوح قومه بالدجال، مع أن الأحاديث قد ثبتت أنه يخرج بعد أمور ذُكرت، وأن عيسى يقتله بعد أن ينزل من السماء، فيحكمَ بالشريعة المحمدية. والجواب: أنه كان وقتُ خروجه أُخفي على نوح؛ ومن بعده، فكأنهم أُنذروا به، ولم يُذكر لهم وقت خروجه، فحذروا قومهم من فتنته. ويؤيده قوله -ﷺ- في بعض طرقه:«إن يخرج، وأنا فيكم، فأنا حجيجه»، فإنه محمول على أن ذلك كان قبل أن يتبين له وقت خروجه، وعلاماته، فكان يُجَوِّز أن يخرج في حياته -ﷺ-، ثم بُيّن له بعد ذلك حاله، ووقت خروجه، فأخبر به، فبذلك تجتمع الأخبار. وقال ابن العربيّ: إنذار الأنبياء ﵇ قومهم بأمر الدجال تحذير من الفتن، وطمأنينة لها حتى لا يزعزعها عن حسن الاعتقاد، وكذلك تقريب النبي -ﷺ- له زيادةٌ في التحذير، وأشار مع ذلك إلى أنهم إذا كانوا على الإيمان ثابتين، دَفَعوا الشُّبَهَ باليقين . (وَلَكِنْ أَقُولُ لَكُمْ) وفي رواية للبخاريّ: «ولكني سأقول لكم»، (فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ) قيل: إن السرّ في اختصاص النبيّ -ﷺ- بالتنبيه المذكور، مع أنه أوضح الأدلة في تكذيب الدجال، أن الدجال إنما يخرج في أمته، دون غيرها، ممن تقدم من الأمم، ودل الخبر على أن عِلم كونه يختص خروجه بهذه الأمة كان طُوِيَ عن غير هذه الأمة، كما طُوِي عن الجميع عِلم وقت قيام الساعة. (تَعَلَّمُوا) قال النوويّ -﵀-: اتَّفَق الرواة على ضبط «تَعَلَّمُوا» بفتح العين، واللام المشدّدة، وكذا نقله القاضي وغيره عنهم، قالوا: ومعناه: اعلموا، وتحققوا، يقال: تَعَلَّم -بفتحات مشدد اللام- بمعنى: اعلم. قال الجامع عفا اللَّه عنه: «تعلّم» هذه هي التي تُعدّ مع أفعال القلوب التي المبتدأ والخبر على أنهما مفعولان لها، وهي التي في قول ابن مالك في «الخلاصة»: وَهَبْ تَعَلَّمْ وَالَّتِي كَصَيَّرَا … أَيْضًا بِهَا انْصِبْ مُبْتَدًا وَخَبَرَا ومنه قول الشاعر [من الطويل]: تَعَلَّم شِفَاءَ النَّفْسِ قَهْرَ عَدُوِّهَا … فَبَالِغْ بِلُطْفٍ فِي التَّحَيُّلِ وَالْمَكْرِ (أَنَّهُ)؛ أي: الدجّال، (أَعْوَرُ) وفي رواية: «أعور العين اليمنى»، (وَأَنَّ اللَّهَ) بفتح الهمزة؛ لكونه معطوفًا على «أنه»، (﵎ لَيْسَ بِأَعْوَرَ«) إنما اقتصر النبيّ -ﷺ- على هذه الصفة مع أن أدلة الحدوث في الدجال ظاهرة؛ لكون العَوَر أثرًا محسوسًا، يُدركه العالم والعاميّ، ومن لا يهتدي إلى الأدلة العقلية، فإذا ادعى الربوبية، وهو ناقص الخلقة، والإله يتعالى عن النقص، عَلِم أنه كاذب. (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ، وهو موصول أيضًا بالسند السابق، وليس معلّقًا، (وَأَخْبَرَنِي عُمًرُ بْنُ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيُّ) الخزرجيّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] أخطأ من عدّه في الصحابة (م ٤) تقدّم في «الصيام» ٤١/ ٢٧٥٨. (أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) فيه أن جهالة الصحابة -﵃- لا تضرّ بصحّة الحديث؛ إذ كلّهم عدول، كما سبق غير مرّة. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ يَوْمَ حَذَّرَ النَّاسَ الدَّجَّالَ: «إِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ) زاد في الرواية الآتية:»ثم تهجاها، فقال: ك ف ر«، (يَقْرَؤُهُ مَنْ كَرِهَ عَمَلَهُ)؛ أي: من أنكر عمل الدجّال، وردّ عليه باطله، (أَوْ) للشك من الراوي؛ أي: أو قال: (يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ») وفي الرواية الآتية: «يقرأه كل مسلم»، وفي رواية: «يقرأه كل مؤمن، كاتبٍ، وغير كاتب»، وهذا إخبار بالحقيقة؛ لأن الإدراك في البصر يخلقه اللَّه تعالى للعبد كيف شاء، ومتى شاء، فهذا يراه المؤمن ببصره، ولو كان لا يعرف الكتابة، ولا يراه الكافر، ولو كان يعرف الكتابة، إن هذا من أعاجيب صنع اللَّه -﷾-؛ إظهارًا لدحض حجج هذا الطاغية، فلا يضلّ به إلا من كتب اللَّه عليه الشقاء المؤبد. وقال النوويّ -﵀-: الصحيح الذي عليه المحققون أن هذه الكتابة على ظاهرها، وأنها كتابة حقيقة، جعلها اللَّه آيةً، وعلامة من جملة العلامات القاطعة بكفره، وكذبه، وإبطاله، ويظهرها اللَّه تعالى لكل مسلم، كاتب، وغير كاتب، ويُخفيها عمن أراد شقاوته، وفتنته، ولا امتناع في ذلك، وذكر القاضي فيه خلافًا. منهم من قال: هي كتابة حقيقة، كما ذكرنا، ومنهم من قال: هي مجاز، وإشارة إلى سمات الحدوث عليه، واحتج بقوله: «يقرأه كل مؤمن كاتب، وغير كاتب»، قال: وهذا مذهب ضعيف. انتهى كلام النوويّ -﵀- ، وهو كلام نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: (وَقَالَ) عطف على قوله: «قال يوم حذّر الناس»، أي قال -ﷺ-: («تَعَلمُوا)؛ أي: اعلموا، وفي نسخة:»تعلمون«، وهو خبر بمعنى الأمر؛ أي: اعلموا (أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ ﷿ حَتَّى يَمُوتَ») وعند ابن ماجه نحو هذه الزيادة من حديث أبي أمامة -﵁-، وعند البزار من حديث عبادة بن الصامت -﵁-، وفيه تنبيه على أن دعواه الربوبية كَذِبٌ؛ لأن رؤية اللَّه تعالى مقيدة بالموت، والدجال يدعي أنه اللَّه، ويراه الناس مع ذلك، واللَّه تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٧٣٢٧ و٧٣٢٨ و٧٣٢٩] (٢٩٣٠ و٢٩٣١)، و(البخاريّ) في «الجنائز» (١٣٥٤ و١٣٥٥) و«الأنبياء» (٣٣٣٧) و«الشهادات» (٢٦٣٨) و«الجهاد» (٣٠٥٥ و٣٠٥٦ و٣٠٥٧) و«الأدب» (٦١٧٣ و٦١٧٤ و٦١٧٥) و«القدر» (١٦٦١٧) و«الفتن» (٧١٢٧) و«الأدب المفرد» (٩٥٨)، و(أبو داود) في «الملاحم» (٤٣٢٩)، و(الترمذيّ) في «الفتن» (٢٢٣٥)، و(عبد الرزّاق) في «مصنّفه» (٢٠٨١٧ و٢٠٨١٩ و٢٠٨٢٠)، و(أحمد) في «مسنده» (٢/ ١٤٨ و١٤٩)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٦٧٨٥)، و(ابن منده) في «الإيمان» (١٠٤٠ و١٠٤١)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (٤٢٥٥ و٤٢٧٠)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان شدّة اهتمام النبيّ -ﷺ- في استكشاف أمر ابن صيّاد؛ لئلا تغترّ أمته بتلبيساته، وتمويهاته، فتضلّ عن سواء السبيل، قال العلماء: إنما استكشف النبيّ -ﷺ- أمره؛ ليبيّن لأصحابه تمويهه؛ لئلا يلتبس حاله على ضعيف لم يتمكن في الإِسلام. ومحصل ما أجاب به النبيّ -ﷺ- أنه قال له على طريق الفرض والتنزل: إن كنت صادقًا في دعواك الرسالة، ولم يختلط عليك الأمر آمنت بك، وإن كنت كاذبًا، وخُلِّط عليك الأمر، فلا، وقد ظهر كذبك، والتباس الأمر عليك، فلا تعدو قَدْرك. ٢ - (ومنها): اهتمام الإِمام بالأمور التي يُخشى منها الفساد، والتنقيب عليها، وإظهار كذب المدعي الباطل، وامتحانه بما يكشف حاله، والتجسس على أهل الريب. ٣ - (ومنها): بيان أن النبيّ -ﷺ- كان يجتهد فيما لم يوح إليه فيه. ٤ - (ومنها): الرد على من يدعي الرجعة إلى الدنيا؛ لقوله -ﷺ- لعمر -﵁-: «إن يكن هو الذي تخاف منه، فلن تستطيعه»؛ لأنه لو جاز أن الميت يرجع إلى الدنيا لَمَا كان بين قتل عمر له حينئذٍ، وكون عيسى ابن مريم هو الذي يقتله بعد ذلك منافاةٌ، واللَّه أعلم. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قيل، ولكنه محلّ نظر؛ فإن الرجوع إلى الدنيا واقع، فقد كان عيسى ﵇ يُحيي الموتى، وأحيى اللَّه -﷿- عزيرًا، ويأتي في قصّة الدجال أنه يقتل رجلًا، ثم يحييه، إلى غير ذلك من الأمثلة، فتنبّه، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى أعلم. ٥ - (ومنها): أن فيه الردَّ على من يزعم أنه يرى اللَّه تعالى في اليقظة، تعالى اللَّه عن ذلك، ولا يَرِد على ذلك رؤية النبيّ -ﷺ- له ليلة الإسراء؛ لأن ذلك من خصائصه -ﷺ-، فأعطاه اللَّه تعالى في الدنيا القوة التي يُنعم بها على المؤمنين في الآخرة. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا ذكر في «الفتح» رؤية النبيّ -ﷺ- ربه في الدنيا، وقد قدّمنا اختلاف العلماء في هذا، في «كتاب الإيمان»، وأن الصواب في ذلك عدم رؤيته -ﷺ- له؛ للأدلّة الكثيرة «الصحيحة» وبه قال جماهير الصحابة -﵁-، وقد ذكرت الأدلة مفصّلة، فراجع ذلك هناك، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٦ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀- عند قوله: «وما من نبيّ إلا وقد أنذره قومه إلخ» قال: إنما كان هذا من الأنبياء -﵈- لِمَا علموا من عظيم فتنبّه، وشدة محنته، ولأنهم لمّا لم يُعيَّن لواحد منهم زمان خروجه، توقّع كل واحد منهم خروجه في زمان أمته، فبالغ في التحذير، وفائدة هذا الإنذار الإيمان بوجوده، والعزم على معاداته، ومخالفته، وإظهار تكذيبه، وصِدق الالتجاء إلى اللَّه تعالى في التعوّذ من فتنته، وهذا مذهب أهل السُّنَّة، وعامّة أهل الفقه والحديث، خلافًا لمن أنكر أمره، وأبطله من الخوارج، وبعض المعتزلة، وخلافًا للجبائيّ من المعتزلة، ومن وافقنا على إثباته من الجهمية وغيرهم، لكن زعموا أن ما عنده مخارق، وحِيَل، قال: لأنها لو كانت أمورًا صحيحة لكان ذلك إلباسًا للكاذب بالصادق، وحينئذٍ لا يكون فرق بين النبيّ والمتنبئ، وهذا هذيان، لا يُلتفت إليه، فإنَّ هذا إنما كان يلزم لو أن الدجال يدعي النبوة، وليس كذلك، فإنه إنما ادَّعَى الإلهية، وكَذِبُهُ في هذه الدعوى واضح للعقول؛ إذ أدلة حدوثه ونقصه، وفقره مُدرَك بأول الفطرة، بحيث لا يجهله من له أدنى فكرة، وقد زاد النبيّ -ﷺ- هذا المعنى إيضاحًا في هذا الحديث من ثلاثة أوجه: [أحدها]: بقوله: «ولكن أقول لكم فيه قولًا لم يقله نبيّ لقومه، إنه أعور، وإن اللَّه ليس بأعور»، وهذا تنبيه للعقول القاصرة، أو الغافلة، على أن من كان ناقصًا في ذاته، عاجزًا عن إزالة نقصه، لم يصلح لأن يكون إلهًا؛ لعجزه وضعفه، ومن كان عاجزًا عن إزالة نقصه كان أعجز عن نفع غيره، وعن مضرّته. [وثانيها]: قوله: «إنه مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب»، وهذا أمر مشاهد للحسّ يشهد بكذبه، وكفره. [وثالثها]: قوله: «تَعَلَّموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت»، وهذا نصّ جليّ في أن اللَّه تعالى لا يُرى في هذه الدار، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]؛ أي: في الدنيا، ولقوله تعالى لموسى ﵇: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ الآية [الأعراف: ١٤٣]؛ أي: في الدنيا. ولقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١]. وحاصل هذا أن الصادق قد أخبر أن اللَّه تعالى لا يراه أحد في الدنيا، والدجال يراه الناس، فليس بإله، وهذا منه -ﷺ- نزول إلى غاية البيان، بحيث لا يبقى معه ريبة لإنسان، وقد تقدّم الخلاف في رؤية نبيّنا محمد -ﷺ- ربه في «كتاب الإيمان»، وقد قلنا: إنه لم يثبت في الباب قاطعٌ يُعتمد عليه، والأصل التمسّك بما دلت هذه الأدلة عليه. وقد تأوّل بعض الناس قوله -ﷺ-: «مكتوب بين عينيه كافر»، وقال: معنى ذلك ما ثبت من سمات حَدَثِه، وشواهد عجزه، وظهور نقصه، قال: ولو كان على ظاهره وحقيقته لاستوى في إدراك ذلك المؤمن والكافر، وهذا عدولٌ، وتحريف لحقيقة الحديث من غير موجب لذلك، وما ذكره من لزوم المساواة بين المؤمن والكافر في قراءة ذلك لا يلزم لوجهين: أحدهما: أن اللَّه تعالى يمنع الكافر من إدراكه، لا سيما وذلك الزمان قد انحرفت فيه عوائد، فليكن هذا منها، وقد نَصّ على هذا في بعض طرقه، فقال: «يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب»، وقراءة غير الكاتب خارقة للعادة. وثانيهما: أن المؤمن إنما يدركه لتثبّته، ويقظته، ولسوء ظنه بالدجّال، وتخوّفه من فتنته، فهو في كل حال يستعيد النظر في أمره، ويستزيد بصيرة في كذبه، فينظر في تفاصيل أحواله، فيقرأ سطور كفره، وضلاله، ويتبيّن عين محاله، وأما الكافر فمصروف عن ذلك كله بغفلته وجهله، وكما انصرف عن إدراك نقص عوره، وشواهد عجزه، كذلك يُصرف عن فهم قراءة سطور كفره، ورمزه. وأما الفرق بين النبيّ والمتنبئ: فالمعجزة لا تظهر على يدي المتنبئ؛ لأنَّه يلزم منه انقلاب دليل الصدق دليل الكذب، وهو محال، وللبحث فيها مجال في علم الكلام. وأما من قال: إن ما يأتي به الدجال حِيَل ومخارق فهو معزول عن الحقائق؛ لأن ما أخبر به النبيّ -ﷺ- من تلك الأمور حقائق، لا يُحيل العقل شيئًا منها، فوجب إبقاؤها على حقائقها. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.
مصادر المؤلف (٤٩)

١. «الفتح» ١٧/ ٢٥١.

٢. «الفتح» ١٧/ ٢٥٠ - ٢٥١، «كتاب الاعتصام» رقم (٧٣٥٥).

٣. بالفتح اسم موضع.

٤. «عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ» ٣٥/ ٤٧١.

٥. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٦/ ٥٣.

٦. «شرح النوويّ» ١٨/ ٥٣.

٧. النكير -بفتح النون، وزن عظيم-: المبالغة في الإنكار.

٨. «الفتح» ١٧/ ٢٤٩ - ٢٥٥، «كتاب الاعتصام» رقم (٧٣٥٥).

٩. «شرح البخاريّ» لابن بطال ١٠/ ٣٨٦.

١٠. «الفتح» ١٧/ ٢٤٩ - ٢٥٠.

١١. «الفتح» ١٧/ ٢٥٧ - ٢٥٨.

١٢. وفي نسخة: «بما هو أهل».

١٣. وفي نسخة: «تعلمون».

١٤. «تقييد المهمل» ٣/ ٩٣٣.

١٥. راجع: «الفتح» ٧/ ٣٠٥ رقم (٣٠٥٥).

١٦. «المصباح المنير» ١/ ٢٤١، ٢٤٢.

١٧. «المفهم» ٧/ ٢٦٢، ٢٦٣.

١٨. «القاموس المحيط» ص ٥١ - ٥٢.

١٩. «شرح النوويّ» ١٨/ ٥٣.

٢٠. «المفهم» ٧/ ٢٦٣.

٢١. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٦/ ٤١.

٢٢. «الفتح» ٧/ ٣٠٥.

٢٣. «شرط النوويّ» ١٨/ ٥٤.

٢٤. «الفتح» ٤/ ١٣٧، «كتاب الجنائز» رقم (١٣٥٤).

٢٥. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٦/ ٤١.

٢٦. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٦/ ٤١.

٢٧. «تفسير ابن كثير»٤/ ١٤٠.

٢٨. «الفتح»٧/ ٣٠٦.

٢٩. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٦/ ٤١.

٣٠. «المفهم» ٧/ ٢٦٥.

٣١. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٤٧٢.

٣٢. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٦/ ٤١.

٣٣. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٦/ ٤١.

٣٤. «المفهم» ٧/ ٢٦٥.

٣٥. «الفتح» ٧/ ٣٠٧ - ٣٠٨.

٣٦. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٤٧٢.

٣٧. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» ١٦/ ٤١.

٣٨. «المفهم» ٧/ ٢٦٥ - ٢٦٦.

٣٩. «الفتح» ٧/ ٣٠٧ - ٣٠٨.

٤٠. «المصباحُ المنير» ٢/ ٥٩٦ - ٥٩٧.

٤١. «القاموس المحيط» ص ٣٤٩.

٤٢. «شرح النوويّ» ١٨/ ٥٤ - ٥٥.

٤٣. «شرح النوويّ» ١٨/ ٥٥.

٤٤. «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح»١٦/ ٤١.

٤٥. «الفتح»٧/ ٣٠٧ - ٣٠٨.

٤٦. «الفتح»٧/ ٣٠٧ - ٣٠٨.

٤٧. «الفتح» ١٦/ ٥٨٢، «كتاب الفتن» رقم (٧١٢٧).

٤٨. «شرح النوويّ» ١٨/ ٦٠.

٤٩. «المفهم» ٢٣/ ١٠٧.