HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٩٦١

حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (يعني ابن حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ التُّجِيبِيُّ). أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابن شهاب، عن عروة بن الزبير؛ أن المسور بن مخرمة أخبره؛ أن عمرو بن عوف، وهو حليف بن عامر بن لؤي، وكان شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أخبره؛ أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين. يأتي بجزيتها. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو صالح أهل البحرين. وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي. فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين. فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة. فوافوا صلاة الْفَجْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انصرف. فتعرضوا له. فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حين رآهم. ثم قال «أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟» فقالوا: أجل. يا رسول الله! قال «فأبشروا وأملوا ما يسركم. فوالله! ما الفقر أخشى عليكم. ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم. فتنافسوها كما تنافسوها. وتهلككم كما أهلكتهم».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص212
ج ٤ ص ٢٢٧٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٥ ص٦٢
في «مسنده» (١١٨٦)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٣١٠٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن العمل يدخل القبر مع الإنسان، فينتفع به إن كان صالحًا، ويتضرّر به، إن كان غير صالح، وقد ورد ذلك في حديث البراء بن عازب - ﵄ - الطويل في صفة المسألة في القبر عند أحمد وغيره، ففيه: «ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت تُوعَد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي». وقال في الكافر: «ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، مُنتِنُ الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت تُوعَد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تُقِم الساعة». . . الحديث. وقد ذكرت الحديث بطوله في غير هذا المحلّ. ٢ - (ومنها): التنبيه على الاهتمام بإصلاح العمل، حيث إنه لا يفارق عامله في دار البقاء. ٣ - (ومنها): أن مما يجب على العاقل عدمَ الاشتغال بالأهل والمال عن الأعمال الصالحات، إلا فيما له تعلّق بالآخرة، كتعليم أهله دينهم، وتوجيههم إلى الخير، والقيام بماله، ليصل به رحمه، ويواسي به الفقراء والمحتاجين، وينفقه في سبيل الله تعالى، فإن هذا يعدّ من أعماله الصالحات التي تدخل معه القبر، وينتفع بها، وما عدا ذلك فهو فتنة، وقد حذّر الله تعالى منها، حيث قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [الأنفال: ٢٨]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون: ٩]، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٩٥] (٢٩٦١) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ - يَعْنِي: ابْنَ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ التُّجِيبِيَّ - أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ، وَهُوَ حَلِيفُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَوَافَوْا صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - انْصَرَفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَ رَآهُمْ، ثُمَّ قَالَ: «أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ»، فَقَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَأَبْشِرُوا، وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكمْ، فَوَاللهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ، كمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ التُّجِيبِيُّ) المصريّ [١١] تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريّ الفقيه [٩] تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٠. ٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ [٧] تقدم في «المقدمة» ٣/ ١٤. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ [٤] تقدم في «شرح المقدمة» جـ ١ ص ٣٤٨. ٥ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام المدنيّ الفقيه [٣] تقدم في «شرح المقدمة» جـ ٢ ص ٤٠٧. ٦ - (الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ) بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهريّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، مات سنة أربع وستين (ع) تقدم في «الحيض» ١٨/ ٧٧٩. ٧ - (عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ) الأنصاريّ حليف بني عامر بن لؤيّ، قال ابن إسحاق: كان مولى سهيل بن عمرو، وأخرج الشيخان، وأصحاب «السنن» سوى أبي داود، من طريق الزهريّ، عن عروة، عن المسور بن مخرمة، أن عمرو بن عوف، وهو حليف بني عامر بن لؤيّ، وكان شهد بدرًا أخبره، أن النبيّ - ﷺ - بعث أبا عبيدة بن الجراح، فقدم بمال من البحرين. . . الحديث. وقال ابن سعد: عمير بن عوف، مولى سهيل بن عمرو، يكنى أبا عمرو، وكان من مولّدي أهل مكة، كان موسى بن عقبة وغيره يقولون: عمير بالتصغير، وكان ابن إسحاق يقول: عمرو، وذكره ابن حبان في الصحابة في باب عمير، وقال ابن عبد البرّ في باب من اسمه عمير: عمير بن عوف من مولدي مكة، شهد بدرًا وما بعدها، ومات في خلافة عمر، فصلى عليه، وقال في باب من اسمه عمرو: عمرو بن عوف الأنصاريّ حليف بني عامر بن لؤيّ، يقال له: عمير سكن المدينة، لا عقب له، وروى عنه المسور بن مخرمة حديثًا واحدًا، وكذا فرّق العسكريّ بين الأنصاريّ وبين حليف بني عامر، والحق أنه واحد، واسمه عمرو، وعمير تصغيره. أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له. عندهم إلا هذا الحديث. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُباعيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، والباقون مصريون، وفيه رواية صحابيّ عن صحابيّ، وتابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له إلا هذا الحديث . شرح الحديث: (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ الْمِسْوَرَ) بكسر الميم، وسكون السين المهملة، وفتح الواو، (ابْنَ مَخْرَمَةَ) بفتح الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الراء، (أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ، وَهُوَ)؛ أي: عمرو، (حَلِيفُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ) الحليف، بفتح الحاء المهملة، وكسر اللام: المعاهد، يقال: تحالفا: إذا تعاهدا، وتعاقدا على أن يكون أمرهما واحدًا في النصرة، والحماية، وبينهما حِلْف، وحِلْفةٌ؛ أي: عهد . (وَكَانَ) عمرو المذكور (شَهِدَ) بكسر الهاء، (بَدْرًا)؛ أي: غزوتها، وكان في رمضان من السنة الثانية الهجريّة، (مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَخْبَرَهُ)؛ أي: أخبر المسور، (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ) هو: عامر بن عبد الله بن الجرّاح بن هلال القرشيّ الفهريّ الصحابيّ الشهير، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة المتوفّى بطاعون عمواس سنة ثمان عشرة من الهجرة، وله ثمان وخمسون سنة، له في مسلم ذكر بلا رواية، وتقدّمت ترجمته في «الصيد والذبائح» ٤/ ٤٩٩٠. (إِلَى الْبَحْرَيْنِ) البلد المشهور بالعراق، وهي بين البصرة وهَجَر، (يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا) الجزية بكسر الجيم، وسكون الزاي: ما يؤخذ من أهل الذمّة، وجمعه جِزًى، مثلُ سدرة وسِدَرٍ ، قاله الفيّوميّ، وقال في «الفتح»: الجزية: من جزأت الشيءَ: إذا قسمته، ثم سُهِّلت الهمزة، وقيل: من الجزاء؛ أي: لأنها جزاء تركهم ببلاد الإسلام، أو من الإجزاء؛ لأنها تكفي من توضع عليه في عصمة دمه. انتهى . وقوله: «يأتي بجزيتها»؛ أي: بجزية أهلها، وكان غالب أهلها إذ ذاك المجوس، (وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ) على أداء الجزية، (وَأَمَّرَ) بتشديد الميم؛ أي: ولّى (عَلَيْهِمُ)؛ أي: على أهل البحرين، (الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ) اسم أبيه عبد الله بن عمّار، الصحابيّ الجليل، وكان حليف بني أميّة، عمل على البحرين للنبيّ - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر، ومات - ﵁ - سنة أربع عشرة، وقيل: بعد ذلك، تقدّمت ترجمته في «الحج» ٧٨/ ٣٢٩٨. وقال في «الفتح»: قوله: «صالح أهل البحرين» كان ذلك في سنة الوفود سنة تسع من الهجرة، والعلاء بن الحضرميّ صحابيّ شهير، واسم الحضرمي: عبد الله بن مالك بن ربيعة، وكان من أهل حضرموت، فقدِم مكة، فحالف بها بني مخزوم، وقيل: كان اسم الحضرمي في الجاهلية: زهرمز، وذكر عُمَر بن شَبّة في «كتاب مكة» عن أبي غسان، عن عبد العزيز بن عمران أن كسرى لمّا أغار بنو تميم، وبنو شيبان على ماله، أرسل إليهم عسكرًا عليهم زهرمز، فكانت وقعة ذي قار، فقتلوا الفرس، وأسروا أميرهم، فاشتراه صخر بن رزين الديلي، فسرقه منه رجل من حضرموت، فتبعه صخر حتى افتداه منه، فقدِم به مكة، وكان صنّاعًا، فعتق، وأقام بمكة، ووُلد له أولاد نجباء، وتزوج أبو سفيان ابنته الصعبة، فصارت دعواهم في آل حرب، ثم تزوجها عبيد الله بن عثمان، والد طلحة أحد العشرة، فولدت له طلحة، قال: وقال غير عبد العزيز: إن كلثوم بن رزين، أو أخاه الأسود، خرج تاجرًا، فرأى بحضرموت عبدًا فارسيًّا نجارًا يقال له: زهرمز، فقدم به مكة، ثم اشتراه من مولاه، وكان حميريًّا يكنى أبا رفاعة، فأقام بمكة، فصار يقال له: الحضرميّ، حتى غلب على اسمه، فجاور أبا سفيان، وانقطع إليه، وكان آل رزين حلفاء لحرب بن أمية، وأسلم العلاء قديمًا، ومات الثلاثة المذكورون، أبو عبيدة، والعلاء باليمن، وعمرو بن عوف في خلافة عمر - ﵁ - . وذكر ابن سعد أن النبيّ - ﷺ - بعد قسمة الغنائم بالجعرانة، أرسل العلاء إلي المنذر بن ساوى عامل البحرين، يدعوه إلى الإسلام، فأسلم، وصالح مجوس تلك البلاد على الجزية. (فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ) - ﵁ - (بِمَالٍ) كثير (مِنَ الْبَحْرَيْنِ) روى ابن أبي شيبة من طريق حميد بن هلال، مرسلًا أن ذلك المال كان مائة ألف، وأنه أرسل به العلاء بن الحضرميّ من خراج البحرين، قال: وهو أول خراج حُمل إلى النبيّ - ﷺ - . (فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ) بمال البحرين، (فَوَافَوْا صَلَاةَ الْفَجْرِ) وفي رواية للبخاريّ: «فوافقت صلاة الصبح» (مَع رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) قال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: «فوافوا»؛ أي: جاؤوا، فاجتمعوا عند صلاة الصبح معه؛ ليقسم بينهم ما جاء به أبو عبيدة؛ لأنَّهم أرهقتهم الحاجة، والفاقة التي كانوا عليها، لا الحرص على الدنيا، ولا الرغبة فيها، ولذلك قال لهم رسول الله - ﷺ - «أبشروا، وأمّلوا ما يسرّكم»، وهذا تهوين منه - ﷺ - عليهم ما هم فيه من الشدة، وبشارة لهم بتعجيل الفتح عليهم. انتهى . يؤخذ منه أنهم كانوا لا يجتمعون في كل الصلوات في التجميع، إلا لأمر يطرأ، وكانوا يصلّون في مساجدهم؛ إذ كان لكل قبيلة مسجد يجتمعون فيه؛ فلأجل ذلك عَرَف النبيّ - ﷺ - أنهم اجتمعوا لأمر، ودلّت القرينة على تعيين ذلك الأمر، وهو احتياجهم إلى المال؛ للتوسعة عليهم، فأبوا إلا أن يكون للمهاجرين مثل ذلك، وفي حديث أنس: «فلما قَدِم المال رأوا أن لهم فيه حقًّا»، ويَحْتَمِل أن يكون وعدهم بأن يعطيهم منه إذا حضر، وقد وعد جابرًا بعد هذا أن يعطيه من مال البحرين، فوفّى له أبو بكر - ﵁ - . (فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - انْصَرَفَ)؛ أي: رجع من صلاته، وتوجّه إلى الناس (فَتَعَرَّضُوا لَهُ)؛ أي: سألوه بالإشارة، (فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَ رَآهُمْ) تعجّبًا من حالهم؛ لأنهم ما كانوا يصلّون معه، وإنما يصلّون في مساجدهم، (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ -: («أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ) بكسر الدال، (بِشَيْءٍ) من المال (مِنَ الْبَحْرَيْنِ»، فَقَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ) قال الأخفش: «أجل» في المعنى مثل «نعم»، لكن «نعم» يحسن أن تقال في جواب الاستفهام، و«أجل» أحسن من نعم في التصديق. (قَالَ) - ﷺ -: («فَأَبْشِرُوا) بقطع الهمزة، من الإبشار، ويجوز وصلها، أمر، معناه الإخبار بحصول المقصود، (وَأَمِّلُوا) بتشديد الميم، من التأميل؛ أي: تمنّوا، قال الفيّوميّ - ﵀ -: أَملْتُهُ أَمَلًا، من باب طَلَب: تَرَقَّبتُه، وأكثر ما يُستعمل الأمل فيما يُستبعد حصوله، قال زهير [من البسيط]: أَرْجُو وَآمُلُ أَنْ تَدْنُوَ مَوَدَّتُها … وَمَا إِخَالُ لَدَيْنَا مِنْكِ تَنْوِيلُ ومَن عَزَم على السفر إلى بلد بعيد يقول: أَمَلْتُ الوصول، ولا يقول: طَمِعت إلا إذا قَرُب منها، فإن الطمع لا يكون إلا فيما قرب حصوله، والرجاء بين الأمل والطمع، فإن الراجي قد يخاف أن لا يحصل مأمُولُهُ، ولهذا يستعمل بمعنى الخوف، فإذا قوي الخوف استُعمل استعمال الأمل، وعليه بيت زهير، وإلا استُعمل بمعنى الطمع، فأنا آمِلٌ، وهو مَأْمُولٌ على فاعل، ومفعول، وأَمَّلْتُهُ تَأْمِيلا مبالغةً وتكثيرًا، وهو أكثر من استعمال المخفف، ويقال لِمَا في القلب مما يُنال من الخير: أَمَلٌ، ومن الخوف: إيجَاسٌ، ولِمَا لا يكون لصاحبه، ولا عليه: خَطْرٌ، ومن الشر، وما لا خير فيه: وسْوَاسٌ، وتَأَمَّلْتُ الشَّيء: إذا تدبرته، وهو إعادتك النظر فيه مرة بعد أخرى حتى تعرفه. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: وعلى هذا فيجوز أن يقرأ: «املوا» بقطع الهمزة، والتشديد، وبوصل الهمزة، والتخفيف، من باب طلب، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (مَا يَسُرُّكُمْ) «ما» موصولة مفعول «أمّلوا»، و«يسرّكم» بفتح أوله، وضم الراء المشدّدة، يقال: سرّه يسرّه سُرورًا بالضمّ، والاسم: السَّرُور بالفتح: إذا أفرحه . (فَوَاللهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ) قال القرطبيّ - ﵀ -: «الفقرَ» منصوب على أنه مفعول مقدم لـ «أخشى»، ولا يجوز رفعه إلا على وجه بعيد، وهو أن يُحذف ضمير المفعول، ويُعامل معاملة الملفوظ، كما قال امرؤ القيس: فَثَوْبٌ نَسِيتُ وَثَوْبٌ أَجُرُّ فكأنه قال: فثوب نسيته، وثوب أجرّه، وهي قليلة بعيدة، وفيه ما يدلّ على أن الفقر أقرب للسلامة، والاتساع في الدنيا أقرب للفتنة، فنسأل الله الكفاف، والعفاف. انتهى . وقال في «الفتح»: قوله: «ما الفقر أخشى عليكم» بنصب الفقر؛ أي: ما أخشى عليكم الفقر، ويجوز الرفع بتقدير ضمير؛ أي: ما الفقر أخشاه عليكم، والأول هو الراجح، وخَصَّ بعضهم جواز ذلك بالشعر. وهذه الخشية يَحْتَمِل أن يكون سببها علمه أن الدنيا ستُفتح عليهم، ويحصل لهم الغنى بالمال، وقد ذُكر ذلك في أعلام النبوة، مما أخبر - ﷺ - بوقوعه قبل أن يقع، فوقع. وقال الطيبيّ - ﵀ -: فائدة تقديم المفعول هنا الاهتمام بشأن الفقر، فإن الوالد المشفق إذا حضره الموت كان اهتمامه بحال ولده في المال، فأَعْلَم - ﷺ - أصحابه أنه، وإن كان لهم في الشفقة عليهم كالأب، لكن حاله في أمر المال يخالف حال الوالد، وأنه لا يخشى عليهم الفقر، كما يخشاه الوالد، ولكن يخشى عليهم من الغنى الذي هو مطلوب الوالد لولده، والمراد بالفقر: العهديّ، وهو ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من قلة الشيء، ويَحْتَمِل الجنس، والأول أَولى، ويَحْتَمِل أن يكون أشار بذلك إلى أن مضرة الفقر دون مضرة الغنى؛ لأن مضرة الفقر دنيوية غالبًا، ومضرة الغنى دينية غالبًا. انتهى . (وَلكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ، كَمَا بُسِطَتْ) ببناء الفعل للمفعول في الموضعين، (عَلَى مَنْ كَانَ قبْلَكُمْ)؛ أي: من الأمم السابقة، (فَتَنَافَسُوهَا) أصله تتنافسوها، فحُذفت إحدى التاءين تخفيفًا، كقوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، وقد تقدّم غير مرّة، والتنافس من المنافسة، وهي الرغبة في الشيء، ومحبة الانفراد به، والمغالبة عليه، وأصلها من الشيء النفيس في نوعه، يقال: نافست في الشيء منافسةً، ونَفاسةً، ونَفاسًا، ونَفُس الشيء بالضم نَفاسةً: صار مرغوبًا فيه، ونَفِستُ به بالكسر: بَخِلت، ونَفِست عليه: لم أره أهلًا لذلك. (كَمَا تَنَافَسُوهَا) قال القرطبيّ: أي: تتحاسدون فيها، فتختلفون، وتتقاتلون، فيُهلك بعضكم بعضًا، كما قد ظهر ووُجد، وقد سَمّى في هذا الحديث التحاسد تنافسًا توسُّعًا؛ لِقُرب ما بينهما. (وَتُهْلِكَكُمْ كمَا أَهْلَكَتْهُمْ»)؛ أي: لأن المال مرغوب فيه، فترتاح النفس لِطَلَبه، فتمنع منه، فتقع العداوة المقتضية للمقاتلة المفضية إلى الهلاك، قال ابن بطال: فيه أن زهرة الدنيا ينبغي لمن فُتحت عليه أن يحذر من سوء عاقبتها، وشر فتنتها، فلا يطمئنّ إلى زخرفها، ولا ينافس غيره فيها، ويُستدل به على أن الفقر أفضل من الغنى؛ لأن فتنة الدنيا مقرونة بالغنى، والغنى مظنة الوقوع في الفتنة التي قد تجرّ إلى هلاك النفس غالبًا، والفقير آمن من ذلك ، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمرو بن عوف - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٧٣٩٥ و٧٣٩٦] (٢٩٦١)، و(البخاريّ) في «الجزية» (٣١٥٨) و«المغازي» (٤٠١٥) و«الرقاق» (٦٤٢٥)، و(الترمذيّ) في «الفتن» (٢٤٦٢)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٥/ ٢٣٤)، و(ابن ماجه) في «الفتن» (٤٠٤٥)، و(ابن المبارك) في «الزهد» (١/ ١٧٣)، و(أحمد) في «مسنده» (٤/ ١٣٧)، و(الرويانيّ) في «مسنده» (٢/ ٣٦٣)، و(البيهقيّ) في «شعب الإيمان» (٧/ ٢٧٦)، و(البغويّ) في «شرح السُّنَّة» (١٤/ ٢٥٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان كرم النبيّ - ﷺ -، وعدم التفاته إلى المال قلَّ أو كثر. ٢ - (ومنها): أن الإمام ينبغي له أن يفرق مال المصالح في مستحقيها، ولا يؤخره. ٣ - (ومنها): جواز وضع ما يشترك المسلمون فيه، من صدقة، ونحوها، في المسجد، ومحله ما إذا لم يَمنع مما وضع له المسجد من الصلاة، وغيرها، مما بُني المسجد لأجله، ونحو وَضْع هذا المال وَضْع مال زكاة الفطر. ٤ - (ومنها): جواز وَضْع ما يعم نفعه في المسجد، كالماء لِشُرب من يعطش. ٥ - (ومنها): بيان أن طلب العطاء من الإمام لا غضاضة فيه. ٦ - (ومنها): أن فيه البشرى من الإمام لأتباعه، وتوسيع أملهم منه. ٧ - (ومنها): أن فيه من أعلام النبوة إخباره - ﷺ - بما يفتح عليهم. ٨ - (ومنها): أن الأمر الوارد بالصلاة في مسجد الحي، ولا يتتبّع المساجد أمر استحباب، فقد أخرج الطبرانيّ في «المعجم الكبير» عن ابن عمر - ﵄ - مرفوعًا: «ليصلّ أحدكم في مسجده، ولا يتتبّع المساجد» ، فهو محمول على الاستحباب، بدليل حديث الباب، فإن الأنصار كانت لهم مساجد، فتركوها، وصلّوا معه - ﷺ -، فلم يُنكر عليهم، والله تعالى أعلم. ٩ - (ومنها): أن المنافسة في الدنيا قد تجرّ إلى هلاك الدِّين، ووقع في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - مرفوعًا: «تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون»، أو نحو ذلك، يأتي في هذا الباب بعد حديث، وفيه إشارة إلى أن كل خصلة من المذكورات مسبَّبة عن التي قبلها، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٧٣٩٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارمِيُّ، أَخْبَرَنَا لو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِإِسْنَادِ يُونُسَ، وَمِثْلِ حَدِيثِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ صَالِحٍ: «وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُمْ»). رجال هذا الإسناد: تسعة: وكلهم تقدّموا قريبًا. وقوله: (وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُمْ) من الإلهاء؛ أي: تشغلكم عن أمور دينكم، وعن الاستعداد لآخرتكم. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ) ضمير التثنية لصالح بن كيسان، وشعيب بن أبي حمزة. [تنبيه]: أما رواية صالح بن كيسان عن الزهريّ، فقد ساقها النسائيّ - ﵀ - في «الكبرى»، فقال: (٨٧٦٧) - أنبأ عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد، قال: ثنا عمي، قال: ثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن المسور بن مخرمة أخبره، أن عمرو بن عوف، وكان شهد بدرًا مع رسول الله - ﷺ - أخبره، أن رسول الله - ﷺ - بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين، يأتي بجزيتها، وكان رسول الله - ﷺ - صالح أهل البحرين، وأمّر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بماله من البحرين، فسمعت الأنصار بقدومه، فوافت صلاة الفجر مع رسول الله - ﷺ -، فلما صلى رسول الله - ﷺ - صلاة الفجر انصرف، فتعرضوا له، فتبسم رسول الله - ﷺ - حين رآهم، قال: «أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء؟» قالوا: أجل يا رسول الله، قال:
مصادر المؤلف (١٤)

١. راجع: «تحفة الأشراف» ٨/ ١٦٨ - ١٦٩.

٢. «المصباح المنير» ١/ ١٤٦ - ١٤٧.

٣. «المصباح المنير» ١/ ١٠٠ - ١٠١.

٤. «الفتح» ٩/ ٤٤١.

٥. «الفتح» ٧/ ٤٤٦ - ٤٤٧.

٦. «الفتح» ٢/ ١٤٧.

٧. «المفهم» ٧/ ١١٢.

٨. «الفتح» ٧/ ٤٤٧.

٩. «المصباح المنير» ١/ ٢٢ - ٢٣.

١٠. «المصباح المنير» ١/ ٢٧٤.

١١. «المفهم» ٧/ ١١٢ - ١١٢.

١٢. «الفتح» ١٤/ ٥١٥.

١٣. «الفتح» ١٤/ ٥١٥ - ٥١٦، «كتاب الرقاق» رقم (٦٤٢٥).

١٤. رواه الطبراني في«الكبير»١٢/ ٣٧٠ رقم (١٣٣٧٣).