HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٩٦٨

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن أبي هريرة قال: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يوم القيامة؟ «قال: هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة، ليست في سحابة؟» قالوا: لا. قال «فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر، ليس في سحابة؟» قالوا: لا. قال «فوالذي نفسي بيده! لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما. قال فيلقى العبد فيقول: أي فل! ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. قال فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثاني فيقول: أي فل! ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. أي رب! فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك. فيقول: يا رب! آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت. ويثني بخير ما استطاع. فيقول: ههنا إذا. قال ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك. ويتفكر في نفسه: من ذا الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه. ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي. فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله. وذلك ليعذر من نفسه. وذلك المنافق. وذلك الذي يسخط الله عليه».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص216
ج ٤ ص ٢٢٧٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, مسند أحمد
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٥ ص١١٤
رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الْهمدانيّ، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، تقدّم قريبًا. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، أبو سفيان الرؤاسيّ الكوفيّ، تقدَّم أيضًا قريبًا. ٣ - (قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ) السّدُوسيّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا قبله. والحديث من أفراد المصنّف - ﵀ -، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٠٨] (٢٩٦٨) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ فِي الظَّهِيرَةِ، لَيْسَتْ فِي سَحَابَةٍ؟»، قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَيْسَ فِي سَحابَةٍ؟»، قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا، قَالَ: فَيَلْقَى الْعَبْدَ، فَيَقُولُ: أَيْ فُلُ، أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالإِبِلَ، وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: أفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي، ثُمَّ يَلْقَى الثَّانِيَ، فَيَقُولُ: أَيْ فلُ، أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالإِبِلَ، وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، فَيَقُولُ: أفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ، فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي، ثُمَّ يَلْقَى الثَّالِثَ، فَيَقُولُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ آمَنْتُ بِكَ، وَبِكِتَابِكَ، وَبِرُسُلِكَ، وَصَلَّيْت، وَصُمْتُ، وَتَصَدَّقْتُ، وَيُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتطَاعَ، فَيَقُولُ: هَا هُنَا إِذًا، قَالَ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: الآنَ نَبْعَثُ شَاهِدَنَا عَلَيْكَ، وَيَتَفَكَّرُ فِي نَفْسِهِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ؟ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ، وَلَحْمِهِ، وَعِظَامِهِ: انْطِقِي، فَتَنْطِقُ فَخِذُهُ، وَلَحْمُهُ، وَعِظَامُهُ بِعَمَلِهِ، وَذَلِكَ لِيُعْذِرَ مِنْ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ الْمُنَافِقُ، وَذَلِكَ الَّذِي يَسْخَطُ اللهُ عَلَيْهِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ [١٠]، تقدّم قريبًا. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ [٨]، تقدّم أيضًا قريبًا. ٣ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ) المدنيّ [٦]، تقدَّم أيضًا قريبًا. ٤ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السّمّان المدنيّ [٣]، تقدّم أيضًا قريبًا. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في«المقدمة» ٢/ ٤. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ -؛ أنه (قَالَ: قَالُوا)؛ أي: بعض الصحابة، (يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا) الاستفهام للاستخبار، والاستعلام، (يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟) قيّد به؛ للإجماع على أنه تعالى لا يُرى في الدنيا؛ لأن الذات الباقية لا تُرى بالعين الفانية، وقد تقدّم في قصّة الدجّال قوله - ﷺ -: «تعلمون أنه لن يرى أحد منكم ربه - ﷿ - حتى يموت». (قَالَ) - ﷺ -: («هَلْ تُضَارُّونَ) بضم التاء، وتفتح، وتشديد الراء، على أنه من باب المفاعلة، أو التفاعل، من الضرر، والاستفهام للتقرير، وهو حَمْل المخاطب على الإقرار، والمعنى: هل يحصل لكم تزاحم، وتنازع يتضرر به بعضكم من بعض (فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ)؛ أي: لأجل رؤيتها، أو عندها (فِي الظَّهِيرَةِ) بفتح الظاء المعجمة، وكسر الهاء: هي نصف النهار، وهو وقت ارتفاعها، وظهورها، وانتشار ضوئها في العالم كله، (لَيْسَتْ) الشمس (فِي سَحَابَةٍ؟ »)؛ أي: غيم يحجبها عنكم، (قَالُوا)؛ أي: الصحابة، (لَا) مضارة علينا في ذلك، (قَالَ) - ﷺ -: («فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ) هي ليلة كمال نوره، وسُمي بدرًا؛ لمبادرة طلوعه غروب الشمس، (لَيْسَ) القمر (فِي سَحَابَةٍ؟ »)؛ أي: غيم يحجب عن رؤيته، (قَالُوا: لَا، قَالَ) - ﷺ -: («فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ إِلَّا كمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا) قال النوويّ - ﵀ - : وروي «تضارون» بتشديد الراء، وتخفيفها، والتاء مضمومة فيهما، وفي الرواية الأخرى: «هل تضامون» بتشديد الميم، وتخفيفها، فمن شددها فتح التاء، ومن خففها ضمّها، وفي رواية البخاريّ: «لا تضارون، أو لا تضامون» على الشكّ، قال القاضي البيضاويّ - ﵀ -: وفي «تضارون» المشدد من الضرر، والمخفف من الضير؛ أي: تكون رؤيته تعالى رؤية جلية بيّنة، لا تقبل مراء، ولا مرية، فيخالف فيها بعضكم بعضًا، ويكذبه، كما لا يشك في رؤية أحدهما؛ يعني: الشمس والقمر، ولا ينازع فيها، فالتشبيه إنما وقع في الرؤية باعتبار جلائها، وظهورها، بحيث لا يُرتاب فيها، ولا في سائر كيفياتها، لا في المرئيّ، فإنه سبحانه منزه عن الجسمية ، وعما يؤدي إليها، وفي «تضامون» بالتشديد من الضمّ؛ أي: لا ينضم بعضكم إلى بعض في طلب رؤيته؛ لإشكاله، وخفائه، كما يفعلون في الهلال، أو لا يضمكم شيء دون رؤيته، فيحول بينكم وبينها، وبالتخفيف من الضيم؛ أي: لا ينالكم ضيم في رؤيته، فيراه بعض دون بعض، بل يستوون فيها، وأصله: تُضْيَمُون، فنُقلت فتحة الياء إلى الضاد، فصارت ألفًا؛ لسكونها، وانفتاح ما قبلها، وكذلك «تُضارُون» بالتخفيف، وأما المشدد فيَحْتَمِل أن يكون مبنيًا للفاعل، على معنى: لا تضارون؛ أي: تتنازعون في رؤيته، هذا. وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: «إلا كما تضارون» كان الظاهر أن يقال: لا تضارون في رؤية ربكم، كما لا تضارون في رؤية أحدهما، ولكنه أُخرج مخرج قوله [من الطويل]: وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ … بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ أي: لا تشكّون فيه إلا كما تشكون في رؤية القمرين، وليس في رؤيتهما شكّ، فلا تشكّون فيه البتة. انتهى . (قَالَ) - ﷺ -: (فَيَلْقَى) بالبناء للفاعل، من اللقاء، (الْعَبْدَ) بالنصب على المفعوليّة؛ أي: يَلقَى اللهُ - ﷿ - العبد من عباده (فَيَقُولُ: أَيْ فُلُ)، «أي» حرف نداء للأوسط على الراجح، كما قال في «الكوكب الساطع»: «أَيْ» لِنِدَا الأَوْسَطِ فِي الشَّهِيرِ … لَا الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ وَللتَّفْسِيرِ لكن هنا مستعملة للقريب، كما لا يخفى. و«فُلُ» بضم الفاء، وسكون اللام، وتفتح، وتضم؛ أي: فلان، ففي «النهاية» معناه: يا فلان، وليس ترخيمًا له؛ لأنه لا يقال: إلا بسكون اللام، ولو كان ترخيمًا لفتحوها، أو ضموها، قال القاري: وقيل: فُلا، كما يقال: سَعِي في سعيد، قال سيبويه: ليست ترخيمًا، وإنما هي صيغة ارتُجلت في باب النداء، وقد جاء في غير النداء، قال [من الراجز]: فِي لُجَّةٍ أَمْسِكْ فُلَانًا عَنْ فُلِ بكسر اللام؛ للقافية، وإنما قيل: ليس مرخمًا؛ لأن شرط مثله أن يبقى بعد حذف النون والألف ثلاثة أحرف، كمروان. وقال الأزهريّ: ليس بترخيم فلان، ولكنها كلمة على حِدَة، فبنو أسد يوقعونها على الواحد، والاثنين، والجمع، والمؤنّث بلفظ واحد، وغيرهم يثنّي، ويجمع، ويؤنّث. وقال قوم: إنه ترخيم فلان، فحُذفت النون؛ للترخيم، والألف لسكونها، وتُفتح اللام، وتُضم على مذهب الترخيم. انتهى . (أَلَمْ أُكْرِمْكَ) بضمّ الهمزة، من الإكرام؛ أي: ألم أُفَضِّلك على سائر الحيوانات، (وَأُسَوِّدْكَ) بتشديد الواو، من التسويد؛ أي: ألم أجعلك سيّدًا في قومك، (وَأُزَوِّجْكَ) من التزويج؛ أي: ألم أعطك زوجًا من جنسك، ومكّنتك منها، وجعلت بينك وبينها مودةً، ورحمةً، ومؤانسةً، وألفةً، (وَأُسَخِّرْ) من التسخير، وهو التسهيل، والتيسير، (لَكَ الْخَيْلَ وَالإِبِلَ)؛ أي: ألم أُذَلِّلهما لك، وخُصَّتا بالذِّكر؛ لأنهما أصعب الحيوانات، (وَأَذَرْكَ)؛ أي: ألم أذرك، والمعنى: ألم أَدَعْك، ولم أمكّنك على قومك، (تَرْأَسُ)؛ أي: تكون رئيسًا على قومك، والجملة حال، (وَتَرْبَعُ؟) من باب فتح يفتح؛ أي: تأخذ مِرباعهم، وهو ربع الغنيمة، وكان ملوك الجاهلية يأخذونه لأنفسهم. وقال النوويّ - ﵀ -: أما ترأس فبفتح التاء، وإسكان الراء، وبعدها همزة مفتوحة، ومعناه: تصير رئيس القوم، وكبيرهم، وأما تربع، فبفتح التاء، والباء الموحدة، هكذا رواه الجمهور، وفي رواية ابن ماهان: ترتع بمثناة فوق، بعد الراء، ومعناه بالموحدة: تأخذ المرباع الذي كانت ملوك الجاهلية تأخذه من الغنيمة، وهو ربعها، يقال: ربعتهم؛ أي: أخذت ربع أموالهم، ومعناه: ألم أجعلك رئيسًا مطاعًا، وقال القاضي بعد حكايته نحو ما ذكرته عندي أن معناه: تركتك مستريحًا، لا تحتاج إلى مشقة، وتعب، من قولهم: اربع على نفسك؛ أي: ارفُق بها، ومعناه بالمثناة: تتنعم، وقيل: تأكل، وقيل: تلهو، وقيل: تعيش في سعة. انتهى . (فَيَقُولُ) ذلك العبد في كلّ سؤال من الأسئلة المذكورة: (بَلَى) يا رب أكرمتني، وسوّدتني، وزوّجتني، وسخّرت لي الخيل والإبل، وجعلتني أرأس، وأربع. (قَالَ) - ﷺ -: (فَيَقُولُ) الربّ - ﷿ - (أَفَظَنَنْتَ)؛ أي: أفعلمت (أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟) بضم الميم، وتشديد الياء المحذوفة العائدة بحذف التنوين، والثانية ياء المتكلم المضاف إليه؛ أي: أظننت أنك تلاقيني في الآخرة لأجازيك على عملك؟ (فَيَقُولُ) العبد: (لَا)؛ أي: لم أظن أني ملاقيك في الآخرة للمجازاة، (فَيَقُولُ) الربّ - ﷾ -: (فَإِنِّي أَنْسَاكَ) اليوم (كَمَا نَسِيتَنِي) أنت في الدنيا جزاء وفاقًا. وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: «فإنِّي أنساك» مسبَّب عن قوله: «أفظننت أنك ملاقيّ»؛ يعني: سوّدتك، وزوّجتك، وفعلت بك من الإكرام حتى تشكرني، وتلقاني؛ لأزيد في الإنعام، وأجازيك عليه، فلمّا نسيتنا في الشكر، نسيناك، وتركنا جزاءك، وعليه قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٦] قال: ونسبة النسيان إلى الله تعالى إما مُشاكَلة، أو مجاز عن التَّرك. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: من المعلوم أن الطيبيّ مؤوّل لأحاديث الصفات، ويدّعي أنها مجاز، وليست حقيقة، وهكذا كثير من الشرّاح المتأخّرين هذا دأبهم، ودينهم تجاه أحاديث الصفات، ونحن نتبرأ من هذا المذهب، ونعتقد مذهب السلف، فنثبت ما أثبته النصّ الصحيح، فنقول هنا: صفة نسيان الله - ﷿ - عبده صفة ثابتة كما أثبتها هذا النصّ الصحيح، فنُثبتها على ظاهرها، على ما يليق بجلاله - ﷾ -، لا نمثّل، ولا نكيّف، ولا نعطّل، ولا نؤوّل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وقد مضى لي مثل هذا في هذا الشرح غير مرّة، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (ثُمَّ يَلْقَى) الربّ ﷻ العبد (الثَّانِيَ)؛ أي: غير الأول، (فَيَقُولُ) له: (أَيْ فُلُ، أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ والإِبِلَ، وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ) العبد الثاني: (بَلَى أَيْ رَبِّ، فَيَقُولُ) الربّ - ﷿ - (أفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ، فَيَقُولُ) العبد: (لَا، فَيَقُولُ) الربّ: (فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي، ثُمَّ يَلْقَى) الله - ﷾ - العبد الثَّالِثَ، (فَيَقُولُ) الربّ (لَهُ)؛ أي: لهذا الثالث، (مِثْلَ ذَلِكَ)؛ أي: مثل ما ذكر في الأول والثاني من سؤال الله تعالى له، (فَيَقُولُ) العبد الثالث جوابًا عن السؤال: (يَا رَبِّ آمَنْتُ بِكَ، وَبِكِتَابِكَ، وَبِرُسُلِكَ، وَصَلَّيْتُ، وَصُمْتُ، وَتَصَدَّقْتُ، وَيُثْنِي) على نفسه (بِخَيْرٍ) من الأعمال الصالحة (مَا اسْتَطَاعَ)؛ أي: يكثر الثناء قدر استطاعته، (فَيَقُولُ) له الربّ - ﷿ -: (هَا هُنَا إِذًا) بالتنوين، قال الطيبيّ - ﵀ -: «إذا» جواب وجزاء، والتقدير: إذا أثنيت على نفسك بما أثنيت إذا، فاثبُت هنا كي نُريك أعمالك، بإقامة الشاهد عليها، وقال بعضهم: أي: يقول: إذا تُجزى بأعمالك ههنا، وقال ابن الملك: أي: أقر الثالث بظنه لقاء الله تعالى، وعدّ أعماله الصالحة، فيقول: ههنا إذًا؛ أي: قف في هذا الموضع، إذا ذكرت أعمالك، حتى تتحقق خلاف ما زعمت. (قَالَ) - ﷺ -: (ثُمَّ يُقَالُ لَهُ)؛ أي: لهذا الثالث الذي أثنى على نفسه (الآنَ)؛ أي: في الوقت الحاضر (نَبْعَثُ شَاهِدَنَا عَلَيْكَ، وَيَتَفَكَّرُ) العبد المذكور (فِي نَفْسِهِ) قائلًا: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ؟) من مخلوقات الله تعالى، وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: «من ذا الذي يشهد عليّ» حال، تقديره: يتفكّر في نفسه قائلًا: من ذا الذي يشهد عليّ؟ . (فَيُخْتَمُ) بالبناء للمفعول، (عَلَى فِيهِ)؛ أي: فمه، (وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ، وَلَحْمِهِ، وَعِظَامِهِ، انْطِقِي) بأعماله، (فَتَنْطِقُ فَخِذُهُ، وَلَحْمُهُ، وَعِظَامُهُ بِعَمَلِهِ)؛ أي: بكل ما عمله في الدنيا، (وَذَلِكَ)؛ أي: إنطاق أعضائه، أو بَعْث الشاهد عليه، وقال الطيبيّ - ﵀ -: أشار إلى المذكور من السؤال والجواب، وخَتْم الفم، ونطق الفخذ، وغيره (لِيُعْذِرَ مِنْ نَفْسِهِ) قال التوربشتيّ - ﵀ -: «ليُعذر» على بناء الفاعل، من الإعذار، والمعنى: ليزيل الله عذره من قِبَل نفسه، بكثرة ذنوبه، وشهادة أعضائه عليه، بحيث لم يبق له عذر يتمسك به، وقيل: ليصير ذا عذر في تعذيبه من قِبَل نفس العبد. انتهى . (وَذَلِكَ)؛ أي: العبد الثالث هو (الْمُنَافِقُ، وَذَلِكَ الَّذِي يَسْخَطُ)؛ أي: يغضب (اللهُ) - ﷾ - (عَلَيْهِ») لمخادعته ربّه، وتظاهره بمظاهر مَن عنده حسنات، وليس عنده شيء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٧٤٠٨] (٢٩٦٨)، و(أبو داود) في«السُّنّة»(٤٧٣٠)، و(الترمذيّ) في«صفة القيامة»(٢٤٢٨)، و(أحمد) في«مسنده»(٢/ ٤٩٤)، و(الحميديّ) في«مسنده»(١١٧٨)، و(ابن خزيمة) في«التوحيد»(ص ١٥٢ - ١٥٣)، و(ابن أبي عاصم) في«السُّنَّة»(٤٤٥)، و(ابن حبّان) في«صحيحه»(٧٤٤٥)، و(ابن منده) في«الإيمان»(٨٠٩)، و(اللالكائيّ) في«اعتقاد أهل السُّنّة»(٨٢٣)، و(البيهقيّ) في«شعب الإيمان»(١/ ٢٥٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): إثبات رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، وهو مجمَع عليه بين أهل السُّنّة، دلّ عليه الكتاب، والسنن الصحيحة.
مصادر المؤلف (٨)

١. «شرح النوويّ على صحيح مسلم» ٣/ ١٨.

٢. هذا لم يرد في النصوص لا إثباتًا، ولا نفيًا، فينبغي التوقف فيه، والله تعالى أعلم.

٣. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٥٠٩.

٤. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٥٠٩.

٥. «شرح النوويّ» ١٨/ ١٠٣ - ١٠٤.

٦. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٥٠٩.

٧. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٥٠٩.

٨. «مرقاة المفاتيح» ١٠/ ٢١٤.