HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٩٦٩

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النضر. حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ، هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ. حَدَّثَنَا عبيد الله الأشجعي عن سفيان الثوري، عن عبيد المكتب، عن فضيل، عن الشعبي، عن أنس بن مالك قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فضحك فقال «هل تدرون مما أضحك؟» قال قلنا: الله ورسوله أعلم. قال «من مخاطبة العبد ربه. يقول: يا رب! ألم تجرني من الظلم؟ قال يقول: بلى. قال فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني. قال فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا. وبالكرام الكاتبين شهودا. قال فيختم على فيه. فيقال لأركانه: انطقي. قال فتنطق بأعماله. قال ثم يخلى بينه وبين الكلام. قال فيقول: بعدا لكن وسحقا. فعنكن كنت أناضل».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج8 ص216
ج ٤ ص ٢٢٨٠

سلسلة الرواة

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج · الإتيوبي · ج٤٥ ص١٢١
٢ - (ومنها): استحباب ضرب المَثَل لإيضاح المسألة. ٣ - (ومنها): إثبات سؤال الله - ﷿ - عباده عن أداء شكر ما أنعم به عليهم، كما قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣]. ٤ - (ومنها): إثبات شهادة الأعضاء على ما فعله العبد، وقد جاء هذا في آيات كثيرة، كقوله - ﷿ -: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾ [النور: ٢٤، ٢٥]، وقوله: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ [يس: ٦٥]، وقوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢] إلى غير ذلك من الآيات، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٠٩] (٢٩٦٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ، حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ الأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ، عَنْ فُضَيْلٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَضَحِكَ، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟»، قَالَ: قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قَالَ: يَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي، قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا، وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا، قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، فَيُقَالُ لأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ، قَالَ: فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ، وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ) البغداديّ، وقد يُنسب لجدّه، اسمه وكنيته واحد، وقيل: اسمه محمد، وقيل: أحمد، ثقة [١١] (ت ٢٤٥) (م ت س) تقدم في«المقدمة»٦/ ٣٦. ٢ - (أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْن الْقَاسِمِ) بن مسلم الليثيّ مولاهم، البغداديّ، مشهور بكنيته، ولقبه قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٧) وله ثلاث وسبعون سنةً (ع) تقدم في«المقدمة»٦/ ٣٦. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ الأَشْجَعِيُّ) هو: عبيد الله بن عبيد الرحمن، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ مأمون، أثبت الناس كتابًا في الثوريّ، من كبار [٩] (ت ١٨٢) (خ م ت س ق) تقدم في«الإيمان»١٠/ ١٤٦. ٤ - (سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ) بن سعيد الكوفيّ [٧] تقدّم قريبًا. ٥ - (عُبَيْدٌ الْمُكْتِبِ) هو: عبيد بن مِهْران الكوفيّ، ثقة [٥]. روى عن ابن الطفيل، ومجاهد، وفضيل بن عمرو الفُقيميّ، والشعبيّ، وأبي رَزين الأسديّ. وروى عنه السفيانان، وجرير، وشريك، وعبد الواحد بن زياد، وفضيل بن عياض، وغيرهم. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ صالح الحديث، وذكره ابن حبان في«الثقات»، وقال ابن سعد: كان ثقةً قليل الحديث، ووثقه يعقوب بن سفيان، وقال العجليّ: ثقة، في عداد الشيوخ. أخرج له المصنّف، وأبو داود في«الناسخ والمنسوخ»، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٦ - (فُضَيْلُ) بن عمرو الْفُقيميّ - بالفاء، والقاف، مصغرًا - أبو النضر الكوفيّ، ثقة [٦] (ت ١١٠) (م قد ت س ق) تقدم في«الإيمان» ٧٨/ ٤٠٥. ٧ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل الكوفيّ [٣]، تقدّم قريبًا. ٨ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) - ﵁ -، ذُكر في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من ثمانيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالكوفيين من عبيد الله، سوى أنس، فبصريّ، والباقيان بغداديان، وفيه أنس - ﵁ - من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ -؛ أنه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَضَحِكَ) النبيّ - ﷺ - (فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟»)؛ أي: من أيّ شيء أضحك؟، وفيه إيماء إلى أنه لا ينبغي الضحك إلا لأمر غريب، وحكم عجيب، (قَالَ) أنس: (قُلْنَا) معاشر الصحابة الحاضرين مجلس النبيّ - ﷺ - حين حدّث بهذا الحديث: (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) - ﷺ -: («مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ)؛ أي: أضحك من أجل مخاطبة العبد ربه - ﷾ -، ثم بيّن مخاطبته بقوله: (يَقُولُ) العبد لربه: (يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي) من الإجارة؛ أي: ألم تجعلني في إجارة منك، بقولك: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، والمعنى ألم تؤمِّنِّي (مِنَ الظُّلْمِ؟)؛ أي: من أن تظلمني؟ (قَالَ) - ﷺ -: (يَقُولُ) الربّ - ﷾ -: (بَلَى) قد آجرتك، وأمّنتك من ظلمي إياك، (قَالَ) - ﷺ -: (فَيَقُولُ) العبد لربه: (فَإِنِّي لَا أُجِيزُ) بضمّ الهمزة، من الإجازة؛ أي: لا أحلّ، ولا أقبل (عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي)؛ أي: من جنسي؛ لأن الملائكة شهدوا علينا بالفساد قبل الإيجاد. (قَالَ) - ﷺ -: (فيَقُولُ) الله - ﷿ -: (كَفَى) وفي نسخة: «فكفى» (بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ)، وقوله: (شَهِيدًا) نُصِب على الحال، و«عليك» معموله تقدم عليه؛ للاهتمام، والاختصاص، والباء زائدة في فاعل «كفى»، و«اليوم» ظرف له، أو لـ «شهيد»، (وَبِالْكِرَامِ)؛ أي: وكفى بالعدول المكرمين (الْكَاتِبِينَ) لصحف الأعمال الذين ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] (شُهُودًا) بالضمّ: جمع شاهد. قال الطيبيّ - ﵀ -: فإن قلت: دلّ أداة الحصر على أن لا يشهد عليه غيره، فكيف أجاب بقوله: «كفى بنفسك، وبالكرام الكاتبين»؟. قلت: بذل له مطلوبه، وزاد عليه تأكيدًا وتقريرًا. انتهى . (قَالَ) - ﷺ -: (فَيُخْتَمُ) بالبناء للمفعول، (عَلَى فِيهِ)؛ أي: فم العبد المذكور، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ [يس: ٦٥]، وفي آية أخرى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ [النور: ٢٤]، وفي رواية أخرى: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٠]، وهذا معنى قوله هنا: (فَيُقَالُ لأَرْكَانِهِ)؛ أي: أعضائه، وقد تقدّم حديث أبي هريرة - ﵁ - المذكور قبله: «فيُختم على فيه، ويقال لفخذه، ولحمه، وعظامه: انطقي. . .». (انْطِقِي، قَالَ) - ﷺ -: (فَتَنْطِقُ) أركانه (بِأَعْمَالِهِ)؛ أي: بكلّ ما عملته تلك الأركان، وارتكبته في الدنيا. (قَالَ) - ﷺ -: (ثُمَّ يُخَلَّى)؛ أي: يُترك (بَيْنَهُ)؛ أي: بين هذا العبد (وَبَيْنَ الْكَلَامِ)؛ أي: يُرفع الختم من فيه، حتى يتكلم بالكلام العاديّ، فشهادة ألسنتهم في الآية يراد بها نوع آخر من الكلام على خرق العادة، والله تعالى أعلم به. (قَالَ) - ﷺ -: (فَيَقُولُ) العبد لأركانه ذمًّا، وتوبيخًا لهنّ: (بُعْدًا لَكُنَّ، وَسُحْقًا) بضم، فسكون، وبضمّتين؛ أي: هلاكًا، وهما مصدران ناصبهما مقدَّر، والخطاب للأركان؛ أي: ابعُدْن، واسحقن، (فَعَنْكُنَّ)؛ أي: عن قِبَلكنّ، ومن وجهتكنّ، ولأجل خلاصكنّ (كُنْتُ أُنَاضِلُ»)؛ أي: أجادل، وأخاصم، وأدافع على ما في«النهاية»، وقال بعضهم: أي: أخاصم لخلاصكنّ، وأنتنّ تُلقين أنفسكن فيها، والمناضلة: المراماة بالسهام، والمراد هنا: المحاجة بالكلام، يقال: ناضل فلان عن فلان: إذا رمى عنه، وحاجّ، وتكلم بعذر، ودفع عنه. وقال القاري - ﵀ -: وجوابهن محذوف دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [فصلت: ٢١ - ٢٣]، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -. [تنبيه]: تكلّم الحافظ أبو الفضل بن عمّار الشهيد - ﵀ - في هذا الحديث، فقال: ووجدت فيه - أي: في «صحيح مسلم» - حديث الأشجعيّ، عن سفيان، عن عُبيد المكتب، عن فُضيل بن عمرو الْفُقيميّ، عن الشعبيّ، عن أنس بن مالك، قال: «كنا عند النبيّ - ﷺ -، فضحك، فقال: ضحكت من مخاطبة العبد ربه» الحديث، قال: فهذا حديث رواه الأشجعيّ، وأبو عامر الأسديّ، عن الثوريّ، بهذا الإسناد، ورواه شريك بن عبد الله، عن عُبيد المكتب، عن الشعبيّ، عن أنس، ولم يذكر في إسناده فضيل بن عمرو، ورواه عمارة بن القعقاع، عن الشعبيّ، عن النبيّ - ﷺ -، ولم يذكر أنسًا، ولا يُعرف بهذا الإسناد حديث غير هذا، وذِكر الشعبيّ عن أنس شيء يسير. انتهى كلام ابن عمّار - ﵀ - . قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما أشار إليه ابن عمار - ﵀ - إعلال هذا الحديث بالاضطراب، وذلك أن الأشجعيّ رواه متّصلًا، وتابعه عليه أبو عامر الأسديّ - واسمه مهران بن أبي عمر - وخالفهما شريك بن عبد الله، فأسقط من الإسناد فضيل بن عمرو، وخالف الجميع عمارة بن القعقاع، فرواه مرسلًا، هذا خلاصة إعلاله. والجواب عن مسلم - ﵀ - أن يقال: إن هذا الاختلاف لا يضرّ؛ لأن الأشجعيّ حافظ حجة، ولا سيّما في الثوريّ، فلا يؤثّر فيه مخالفة غيره له، ولا سيّما مع متابعة أبي عامر الأسديّ له، ومخالفة مثل شريك المطعون في حفظه، وكذا إرسال عمارة بن القعقاع لا يضرّ؛ لأنه ليس مثله في الحفظ. وقد وافق مسلمًا في تصحيح رواية الأشجعي أبو زرعة الرازيّ، فقد ذكر ابن أبي حاتم في «العلل» (٣/ ٢٨٥) قال: وسئل أبو زرعة عن حديث رواه سفيان عن عُبيد المكتب عن فضيل بن عمرو الفقيميّ، عن الشعبيّ، عن أنس، قال: ضحك النبيّ - ﷺ - حتى بدت نواجذه، ثم قال: «أتدرون مم أضحك. . .» وذكر الحديث، ثم قال: ورواه شريك عن عبيد المكتب عن الشعبيّ، عن أنس، عن النبي - ﷺ -، فقيل لأبي زرعة: أيهما أصحّ؟ قال: حديث سفيان. انتهى. والحاصل: أن الحديث صحيح، ولا أثر للمخالفة المذكورة، كما صححه مسلم، وأبو زرعة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٧٤٠٩] (٢٩٦٩)، و(النسائيّ) في «الكبرى» (٦/ ٥٠٨)، و(أبو بعلى) في «مسنده» (٣٩٧٥ و٣٩٧٧)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧٣٥٨)، و(البيهقيّ) في «شعب الإيمان» (١/ ٢٤٩)، «الأسماء والصفات» (ص ٢١٧ - ٢١٨)، وفوائده تقدّمت في الحديث الماضي، وبالله تعالى التوفيق. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢) - (بَابُ ذِكْرِ مَعِيشَةِ آلِ النَّبِيِّ - ﷺ -) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٧٤١٠] (١٠٥٥) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا»). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلهم تقدّموا غير مرّة. قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه، وقد مضى للمصنّف في «كتاب الزكاة» برقم [٤٢/ ٢٤٢٧] (١٠٥٥) وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ)؛ أي: زوجاته، ومن في نفقته، أو هم مؤمنو بني هاشم والمطّلب. وقوله: (قُوتًا)؛ أي: بُلغة، تسدّ رَمَقَهم، وتُمسك قوّتهم، بحيث لا ترهقهم الفاقة، وقال النوويّ - ﵀ -: قيل: معنى قوتًا؛ أي: كفايتهم من غير إسراف، وهو بمعنى قوله في الرواية الأخرى: «كفافًا»، وقيل: هو سدّ الرمق. انتهى . وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله - ﷺ -: «اللَّهُمَّ اجعل رزق آل محمد قوتًا»؛ أي: كفافًا، كما جاء في الرواية الأخرى، ويعني به: ما يقوت الأبدان، ويكفّ عن الحاجة، والفاقة، وهذا الحديث حجة لمن قال: إن الكفاف أفضل من الغنى، والفقر، وقد تقدَّمت هذه المسألة في «الزكاة». ووجه التمسك بهذا الحديث: أن النبيّ - ﷺ - إنما يدعو لنفسه بأفضل الأحوال، وأيضًا فإنَّ الكفاف حالة متوسطة بين الغنى والفقر، وقد قال - ﷺ -: «خير الأمور أوساطها» ، وأيضًا: فإنَّ هذه الحال سليمة من آفات الغنى، وآفات الفقر المدقع، فكانت أفضل منها، ثم إن حالة صاحب الكفاف حالة الفقير؛ إذ لا يترفه في طيّبات الدنيا، ولا في زهرتها، فكانت حاله إلى الفقر أقرب، فقد حصل له ما حصل للفقير من الثواب على الصبر، وكُفِيَ مرارته وآفاته. لا يقال: فقد كانت حالة رسول الله - ﷺ - الفقر الشديد المدقع، كما دلَّت عليه أحاديث هذا الباب وغيرها، ألا ترى أنه يطوي الأيام، ولا يشبع يومين متواليين، ويشدّ على بطنه الحجر من الجوع والحجرين، ولم يكن له سوى ثوب واحد، فإذا غسله انتظره إلى أن يجفّ، وربما خرج، وفيه بقع الماء، ومات ودرعه مرهونة في شعير لأهله، ولم يخلّف دينارًا ولا درهمًا، ولا شاة، ولا بعيرًا، ولا حاله في الفقر أشدّ من هذه، وعلى هذا فلم يكن حاله الكفافَ، بل: الفقر، فلم يُجبه الله تعالى في الكفاف؛ لعلمه بأن الفقر أفضل له؛ لأنَّا نقول: إن النبيّ - ﷺ - قد جمع له حال الفقر، والغنى، والكفاف، فكان أول أحواله الفقر مبالغةً في مجاهدة النفس، وخطامها عن مألوفات عاداتها، فلما حصلت له مَلَكة ملَكَها، وتخلّص له خلاصة سَبَكها، خيّره الله تعالى في أن يجعل له جبال تهامة ذهبًا، تسير معه حيث سار، فلم يلتفت إليها، وجاءته فتوحات الدنيا، فلم يعرّج عليها، بل صرفها، وانصرف عنها، حتى قال: «ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخُمس، والخمس مردود فيكم» . وهذه حالة الغني الشاكر، ثم اقتصر من ذلك كله على قَدْر ما يردّ ضروراته، وضرورات عياله، ويردّ حاجتهم، فاقتنى أرضه بخيبر، وكان يأخذ منها قوت عياله، ويدّخره لهم سنة، فاندفع عنه الفقر المدقع، وحصل الكفاف الذي دعا به، ثم إنه لما احتُضر، وقف تلك الأرض على أهله؛ ليدوم لهم ذلك الكفاف الذي ارتضاه لنفسه، ولتظهر إجابة دعوته حتى في أهله من بعده، وعلى ذلك المنهج نهج الخلفاء الراشدون على ما تدلّ عليه سِيَرهم وأخبارهم، وعلى هذا فأهل الكفاف هم صدر كتيبة الفقراء الداخلين الجنّة قبل الأغنياء بخمسمئة عام؛ لأنَّهم وَسَطُهم، والوسط: العدل، وليسوا من الأغنياء كما قرّرناه، فاقتضى ذلك ما ذكرناه. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - ، وهو جيّد مفيد، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٧٤١١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثنا الأَعْمَشُ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا»، وَفِي رِوَايَةِ عَمْرٍو: «اللَّهُمَّ ارْزُقْ»). رجال هذا الإسناد: تسعة: وكلهم تقدّموا غير مرّة، والحديث مضى القول فيه في الذي قبله. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال: [٧٤١٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الأَعْمَشَ، ذَكَرَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: «كَفَافًا»). رجال هذا الإسناد: أربعة: وكلهم تقدّموا غير مرّة، و«أبو سعيد الأشجّ» هو: عبد الله بن سعيد، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، و«أبو أسامة» هو: حماد بن أسامة. وقوله: (وَقَالَ: «كَفَافًا») فاعل «قال» ضمير أبي أسامة. [تنبيه]: رواية أبي أسامة عن الأعمش هذه ساقها ابن راهويه - ﵀ - في «مسنده»، فقال:
مصادر المؤلف (٧)

١. وفي نسخة:«فكفى بنفسك عليك».

٢. «الكاشف عن حقائق السنن» ١١/ ٣٥٠٧ - ٣٥٠٨.

٣. «علل الأحاديث في كتاب صحيح مسلم» ص ١٥٦ - ١٥٨.

٤. «شرح النوويّ» ١٨/ ١٠٥ - ١٠٦.

٥. حديث ضعيف، كما ذكره العجلونيّ في «كشف الخفا» ١/ ٤٦٩.

٦. حديث صحيح.

٧. «المفهم» ٧/ ١٣٠ - ١٣٢.