HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٠٨٧

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ ، وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْمَوْعِظَةِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللهِ - ﷿ - عُرَاةً. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حُفَاةً غُرْلًا وَقَالَ وَكِيعٌ، وَوَهْبٌ: عُرَاةً غُرْلًا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ ﵇ وَإِنَّهُ سَيُؤْتَى. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: يُجَاءُ، وَقَالَ وَهْبٌ، وَوَكِيعٌ: سَيُؤْتَى بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: رَبِّ أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الْآيَةَ، فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُدْبِرِينَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص83
  • زبير علي زئي:حسن
ج ٤ ص ١١٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن الدارمي, صحيح البخاري, صحيح مسلم وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٠ ص١٨٦
وأبو داود: ليس به بأس. ووثقه ابن معين. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، فيقدم تقوية هؤلاء على جرحهم. الثالث: أنه يشهد له حديث أبي هريرة - ﵁ - المذكور قبله. والحاصل أن الحديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ١١٩ - ذِكْرُ أَوَّلِ مَنْ يُكْسَى ٢٠٨٧ - أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِالْمَوْعِظَةِ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ -﷿-، عُرَاةً» -قَالَ أَبُو دَاوُدَ-: «حُفَاةً غُرْلًا» -وَقَالَ وَكِيعٌ، وَوَهْبٌ- «عُرَاةً، غُرْلًا، كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ»، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِبْرَاهِيمُ - ﵇ -، وَإِنَّهُ سَيُؤْتَى« -قَالَ أَبُو دَاوُدَ-: »يُجَاءُ« -وَقَالَ وَهْبٌ، وَوَكِيعٌ-: »سَيُؤْتَى بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِى، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ رَبِّ أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي، مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ، كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآيَةَ [المائدة:١١٧ - ١١٨]، فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ، لَمْ يَزَالُوا مُدْبِرِينَ« -قَالَ أَبُو دَاوُدَ-: »مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ«. رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمود بن غيلان) أبو أحمد المروزيّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] ٣٣/ ٣٧. [تنبيه]: وقع في النسخ النسخ المطبوعة: «محمد» بدل محمود، وهو غلط، والصواب ما في الهندية: «محمود»، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. ٢ - (وكيع) بن الجرّاح، الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة ثبت [٩] ٢٥/ ٢٥. ٣ - (وهب بن جرير) بن حازم بن زيد، أبو عبد اللَّه الأزديّ البصريّ، ثقة [٩] ١٩٦/ ١١٧٨. ٤ - (أبو داود) الطيالسيّ سليمان بن داود بن الجارود البصريّ، ثقة حافظ [٩] ١٣/ ٣٤٣. ٥ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] ٢٤/ ٢٦. ٦ - (المغيرة بن النعمان) النخعيّ الكوفيّ، ثقة [٦] تقدّم في الباب الماضي. ٧ - (سعيد بن جبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٨/ ٤٣٦. ٨ - (ابن عباس) عبد اللَّه الحبر البحر - ﵄ - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - حبر الأمة وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) وفي الرواية السابقة: «سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يخطب على المنبر» (بِالْمَوْعِظَةِ) اسم من وَعَظَه يَعِظه وَعْظًا وعِظَة: إذا أمره بالطاعة، ووصّاه بها، وعليه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ الآية [سبأ: ٤٦]. أي أوصيكم، وآمركم، فاتّعَظَ: أي ائتمر، وكفّ نفسه. أفاده الفيّوميّ. (فَقَالَ: «يَا أَيُّها النَّاسُ، إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ -﷿-، عُرَاةً) أي غير لابسين ثيابًا تستر عوراتكم (قَالَ أَبُو دَاوُدَ: حُفَاةً، غُرْلًا) بضم المعجمة، وسكون الراء، جمع أغرل، وهو الأقلف، وزنًا ومعنى، وهو من بقيت غُرلته، وهي الجلدة التي يقطعها الخاتن من الذكر. [فائدة]: قال أبو هلال العسكريّ: لا تلتقي اللام مع الراء في كلمة إلا في أربع:«أرل»: اسم جبل، و،«ورل»: اسم حيوان معروف. و«حرل»: ضرب من الحجارة. و«الْغُرْلَة». واستُدرِك عليه كلمتان:«هرل»: ولد الزوجة. و«برل»: الدِّيكُ الذي يستدير بعنقه. قال ابن عبد البرّ: يحشر الآدميّ عاريا ولكلّ من الأعضاء ما كان له يوم ولد، فمن قُطع منه شيء يردّ حتى الأقلف. وقال أبو الوفاء بن عَقِيل: حشفة الأقلف موقاة بالْقُلْفَة، فتكون أرقّ، فلما أزالو تلك القطعة في الدنيا أعادها اللَّه تعالى ليذيقها من حلاوة فضله انتهى. (وَقَالَ وَكِيعٌ، وَوَهبٌ:«عُرَاةً، غُرْلًا) يعني أنه اختلف شيوخ محمود بن غيلان، فقال أبو داود الطيالسيّ: »حفاة، غُرلا« بتقديم »حفاة« على »عراة«، وقال وكيع بن الجرّاح، ووهب ابن خالد: »عراة حفاة« بالعكس، وهذا من باب الإخبار بما وقع من صيغ الأداء، والاحتياط في المحافظة على ألفاظ الشيوخ، وإلا فلا اختلاف هنا من حيث المعنى في التقديم والتأخير. واللَّه تعالى أعلم. قال البيهقيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقع في حديث أبي سعيد -يعني الذي أخرجه أبو داود، وصححه ابن حبّان أنه لما حضره الموت دعا بثياب جُدُد، فلبسها، وقال: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: «إن الميت يُبعث في ثيابه التي يموت فيها». ويجمع بينهما بأن بعضهم يُحشر عاريًا، وبعضهم كاسيًا، أو يحشرون كلهم عراة، ثم يكسى الأنبياء، فأول من يُكسَى إبراهيم - ﵊ -، أو يخرجون من القبور بالثياب التي ماتوا فيها، ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر، فيحشرون عُراة، ثم يكون أولى من يكسى إبراهيم - ﵇ -. وحمل بعضهم حديث أبي سعيد على الشهداء؛ لأنهم الذين أمر أن يُزَمَّلُوا في ثيابهم، ويدفنوا فيها، فيحتمل أن يكون أبو سعيد سمعه في الشهيد، فحمله على العموم. وممن حمله على عمومه معاذ بن جبل - ﵁ -، فأخرج ابن أبي الدنيا بسند حسن، عن عمرو بن الأسود، قال: دفنّا أم معاذ بن جبل، فأمر بها، فكفنت في ثياب جدد، وقال: «أحسنوا أكفان موتاكم، فإنهم يحشرون فيها». قال: وحمله بعض أهل العلم علج العمل، وإطلاق الثياب على العمل وقع في مثل قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ الآية [الأعراف: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدّثّر: ٤] على أحد الأقوال، وهو قول قتادة، قال: معناه وعملك فأخلصه. ويؤكّد ذلك حديث جابر - ﵁ - رفعه: «يبعث كلّ عبد على ما مات عليه»، أخرجه مسلم، وحديث فَضَالة بن عُبيد: «من مات على مرتبة من هذه المراتب، بُعِث عليها يوم القيامة …» الحديث، أخرجه أحمد. ورجّح القرطبيّ الحمل على ظاهر الخبر، ويتأيّد بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآية [الأنعام: ٩٤]، وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ الآية [الأعراف: ٢٩]، وإلى ذلك الإشارة في حديث الباب بذكر قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ الآية [الأنبياء: ١٠٤] عقب قوله: «حفاة، عراة». قال: فيحمل ما دلّ عليه حديث أبي سعيد على الشهداء؛ لأنهم يدفنون بثيابهم، فيبعثون فيها تمييزًا لهم عن غيرهم. وقد نقله ابن عبد البرّ عن أكثر العلماء، ومن حيث النظر، فإن الملابس في الدنيا أموال، ولا مال في الآخرة، مما كان في الدنيا، ولأن الذي يقي النفس مما تكره في الآخرة ثواب بحسن عملها، أو رحمة مبتدأة من اللَّه، وأما ملابس الدنيا، فلا تغني عنها شيئًا. قاله الْحَلِيميّ. وذهب الغزاليّ إلى ظاهر حديث أبي سعيد، وأورده بزيادة -قال الحافظ-: لم أجد لها أصلًا، وهي: فإن أمتي تحشر في أكفانها، وساثر الأمم عراة. قال القرطبيّ: إن ثبت حمل على الشهداء من أمته حتى لا تتناقض الأخبار انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأولى في الجمع قول من قال: إنهم يخرجون من قبورهم بثيابهم التي ماتوا فيها، ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر، فيحشرون عراة، ثم يكون إبراهيم - ﵇ - أول من يُكسَى، ثم يُكسون بعد ذلك، وهذا أقرب في الجمع بين هذه الأخبار. واللَّه تعالى أعلم. («كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ») ووقع في حديث أم سلمة - ﵁ - عند ابن أبي الدنيا: «يحشر الناس حفاة، عراة، كما بُدِئوا». (قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى) وفي الرواية السابقة:»وأول الخلائق يكسى«(يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِبْرَاهِيمُ - ﵇ -) قال القرطبيّ في»شرح مسلم«: يجوز أن يراد بالخلائق مَن عدا نبينا - ﷺ -، فلم يدخل في عموم خطابه نفسه. وتعقّبه تلميذه القرطبيّ أيضًا في»التذكرة«، فقال: هذا حسنٌ لولا ما جاء من حديث عليّ - ﵁ - يعني الذي أخرجه ابن المبارك في»الزهد«من طريق عبد اللَّه بن الحارث، عن عليّ - ﵁ -، قال:»أول من يكسى يوم القيامة خليل اللَّه - ﵇ - قبطيتين، ثم يكسى محمد - ﷺ - حلة حبرة عن يمين العرش«. قال الحافظ: كذا أورده مختصرًا موقوفا، وأخرجه أبو يعلى مطوّلًا مرفوعًا، وأخرج البيهقيّ من طريق ابن عباس نحو حديث الباب، وزاد:»أول من يكسى من الجنة إبراهيم، يكسى حلة من الجنة، ويؤتى بكرسيّ، فيطرح عن يمين العرش، ثم يؤتى بي، فأُكسى حلة من الجنة، لا يقوم لها البشر، ثم يؤتى بكرسيّ، فيطرح على ساق العرش، وهو عن يمين العرش«. وفي مرسل عبيد بن عمير، عند جعفر الفريابيّ:»يحشر الناس حفاة عراة، فيقول اللَّه تعالى: ألا أرى خليلي عريانا؟ فيكسى إبراهيم ثوبا أبيض، فهو أول من يكسى«. وقد أخرج ابن منده من حديث حَيدَة -بفتح المهملة، وسكون التحتانيّة- رفعه، قال:»أول من يكسى إبراهيم، يقول اللَّه: اكسوا خليلي؛ ليعلم الناس اليوم فضله عليهم«. قيل: الحكمة في كون إبراهيم أول من يكسى أنه جرّد حين ألقي في النار. وقيل: لأنه أول من سن التستر بالسراويل. وقيل: إنه لم يكن في الأرض أخوف للَّه منه، فعجلت له الكسوة أمانًا له؛ ليطمئنّ قلبه. وهذا اختيار الحليميّ، والأول اختيار القرطبيّ. ولا يلزم من تخصيص إبراهيم - ﵇ - بأنه أول من يكسى أن يكون أفضل من نبينا محمد - ﷺ - مطلقًا، لأن المفضول قد يمتاز بشيء، يُخصّ به، ولا يلزم منه الفضيلة المطلقة. قال الحافظ: يحتمل أن يكون نبينا - ﷺ - خرج من قبره في ثيابه التي مات فيها، والحلّة التي يكساها حينئذ، من حلل الجنة خلعة الكرامة بقرينة إجلاسه على الكرسيّ عند ساق العرش، فتكون أولية إبراهيم في الكسوة بالنسبة لبقية الخلق. انتهى. وأجاب الحليميّ بأنه يكسى أولا، ثم يكسى نبينا - ﷺ - على ظاهر الخبر، لكن حلة نبينا - ﷺ - أعلى، وأكمل، فتجبر نفاستها ما فات من الأولية، واللَّه أعلم انتهى . [تنبيه]: قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقد ثبت لإبراهيم - ﵇ - أوّليّات أخرى كثيرة: منها أنه أول من ضاف الضيف، وقصّ الشارب، واختتن، ورأى الشيب، وغير ذلك، وقد أتيت على ذلك بأدلته في كتابي «إقامة الدلائل على معرفة الأوائل» انتهى . (وَإِنَّهُ سَيُؤْتَى) بالبناء للمفعول (قَالَ أَبو دَاوُدَ: «يُجَاءُ» -وَقَالَ وَهْبٌ، وَوَكِيعٌ-: «سَيُؤْتَى بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) أي إلى جهة النار، ووقع ذلك في حديث أبي هريرة - ﵁ - عند البخاريّ من طريق عطاء بن يسار، عنه، ولفظه:»فإذا زمرة، حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلمّ، فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار … «الحديث. وبين في حديث أنس - ﵁ - الموضع، ولفظه: ليردنّ عليّ ناس، من أصحابي الحوض، حتى إذا عرفتهم اختُلِجوا دوني …» الحديث. وفي حديث سهل: «ليردَنّ عليّ أقوام أعرفهم، ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم». وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: «ليُذادَنّ رجال عن حوضي، كما يُذاد البعير الضّالّ، أناديهمِ: ألا هلمّ». (فَأقُولُ: رَبِّ أَصْحَابِي) وفي رواية أحمد: «فلأقولنّ» وفي رواية للبخاريّ: «أصيحابي» بالتصغير، وهو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هؤلاء (فَيُقَالُ) وفي رواية البخاريّ: «فيقول اللَّه (إِنَّكَ لَا تَدْرِي، مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ) وفي حديث أبي هريرة عند البخاريّ الذي تقدّم الإشارة إليه:»إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى«، وزاد في رواية سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أيضًا:»فيقول: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، فيقال: إنهم قد بدّلوا بعدك، فاقول: سُحْقًا سحقًا«. أي بُعْدًا بعدًا، والتأكيد للمبالغة. وفي حديث أبي سعيد عند البخاريّ أيضًا:«فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا لمن غير بعدي». وزاد في رواية عطاء بن يسار:«فلا أراه يَخلُص منهم إلا مثل هَمَل النعَم . ولأحمد، والطبرانيّ، من حديث أبي بكر - ﵁ -، رفعه: »ليردنّ عليّ الحوض رجال ممن صحبني، ورآني«. وسنده حسن. وللطبرانيّ من حديث أبي الدرداء - ﵁ - نحوه، وزاد: »فقلت: يا رسول اللَّه، ادع اللَّه أن لا يجعلني منهم، قال: لست منهم«. وسنده حسن. (فَأقُولُ، كَمَا قَالَ: الْعَبْدُ الصَّالِحُ) يعني عيسى ابن مريم - ﵉ - ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الْآيَةَ، فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ، لَمْ يَزَالُوا مُدْبِرِينَ«قَالَ: أَبُو دَاوُد:»مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابهِمْ، مُنْذُ فَارَقْتَهُم«) قال في»الفتح«: قال الفربريّ: ذُكِر عن أبي عبد الله البخاريّ، عن قبيصة، قال: هم الذين ارتدوا على عهد أبي بكر، فقاتلهم أبو بكر. يعني حتى قُتلوا، وماتوا على الكفر. وقد وصله الإسماعيليّ من وجه آخر عن قبيصة. وقال الخطابيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: لم يرتدّ من الصحابة أحد، وإنما ارتدّ قوم من جُفَاة الأعراب، ممن لا نُصْرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحا في الصحابة المشهورين، ويدلّ قوله:«أصيحابي»بالتصغير على قلة عددهم. وقال غيره: قيل: هو على ظاهره من الكفر، والمراد بأمتي أمة الدعوة، لا أمة الإجابة، ورُجّح بقوله في حديث أبي هريرة - ﵁ -:«فأقول: بُعدًا لهم، وسحقًا»، ويؤيده كونهم خفي عليه حالهم، ولو كانوا من أمة الإجابة لعرف حالهم بكون أعمالهم تُعرض عليه. قال الحافظ: وهذا يردّه قوله في حديث أنس - ﵁ -:«حتى إذا عرفتهم»، وكذا في حديث أبي هريرة - ﵁ -. وقال ابن التين: يحتمل أن يكونوا منافقين، أو مرتكبي الكبائر. وقيل: هم قوم من جفاة الأعراب، دخلوا في الإسلام، رغبة، ورهبة. وقال الداوديّ: لا يمتنع دخول أصحاب الكبائر، والبدع في ذلك. وقال النوويّ: قيل: هم المنافقون، والمرتدّون، فيجوز أن يحشروا بالغرّة والتحجيل؛ لكونهم من جملة الأمة، فيناديهم من أجل السيما التي عليهم، فيقال: إنهم بدّلوا بعدك، أي لم يموتوا على ظاهر ما فارقتهم عليه. قال عياض وغيره: وعلى هذا فيذهب عنهم الغرّة والتحجيل، ويطفأ نورهم. وقيل: لا يلزم أن تكون عليهم السيما، بل يناديهم؛ لما كان يعرف من إسلامهم. وقيل: هم أصحاب الكبائر، والبدع الذين ماتوا على الإسلام، وعلى هذا فلا يقطع بدخول هؤلاء النار؛ لجواز أن يُذادوا عن الحوض أوّلا؛ عقوبة لهم، ثم يرحموا، ولا يمتنع أن يكون لهم غرّة، وتحجيل، فعرفهم بالسيما، سواء كانوا في زمنه أو بعده. ورجّح عياض، والباجيّ، وغيرهما ما قال قبيصة، راوي الخبر أنهم من ارتدّ بعد - ﷺ -، ولا يلزم من معرفته لهم أن يكون عليهم السيما؛ لأنها كرامة، يظهر بها عمل المسلم، والمرتدّ قد حبط عمله، فقد يكون عرفهم بأعيانهم، لا بصفاتهم، باعتبار ما كانوا عليه قبل ارتدادهم، ولا يبعد أن يدخل في ذلك أيضًا من كان في زمنه من المنافقين. وقد ثبت في حديث الشفاعة في «الصحيح»: «وتبقى هذه الأمة، فيها منافقوها»، فدلّ على أنهم يُحشرون مع المؤمنين، فيعرف أعيانهم، ولو لم تكن لهم تلك السيما، فمن عرف صورته ناداه، مستصحبًا لحاله التي فارقه عليها في الدنيا. وأما دخول أصحاب البدع في ذلك، فاستُبعد؛ لتعبيره في الخبر بقوله: «أصحابي»، وأصحاب البدع إنما حدثوا بعده. وأجيب بحمل الصحبة على المعنى الأعمّ. واستُبعد أيضًا أنه لا يقال للمسلم، ولو كان مبتدعًا: «سُحْقًا». وأجيب بأنه لا يمتنع أن يقال ذلك لمن علم أنه قُضي عليه بالتعذيب على معصية، ثم ينجو بالشفاعة، فيكون قوله: «سحقًا» تسليما لأمر اللَّه، مع بقاء الرجاء، وكذا القول في أصحاب الكبائر. وقال البيضاويّ: ليس قوله: «مرتدّين» نصّا في كونهم ارتدّوا عن الإسلام، بل يحتمل ذلك، ويحتمل أن يراد أنهم عصاة المؤمنين المرتدّون عن الاستقامة، يبدّلون الأعمال الصالحة بالسيئة انتهى. وقد أخرج أبو يعلى بسند حسن، عن أبي سعيد - ﵁ -: «سمعت رسول اللَّه - ﷺ - فذكر حديثًا، فقال-:»يا أيها الناس إني فرطكم على الحوض، فإذا جئتم قال رجل: يا رسول اللَّه أنا فلان ابن فلان، وقال آخر: أنا فلان ابن فلان ابن فلان، فأقول: أما النسب، فقد عرفته، ولعلكم أحدثتم بعدي، وارتددتم«. ولأحمد، والبزّار نحوه من حديث جابر - ﵁ -. ذكره في»الفتح«. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما تقدّم من تفسير قبيصة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أولى بحمل الحديث عليه؛ لكونه راوي الخبر، كما رجحه عياض، والباجيّ -رحمهما اللَّه تعالى-، لكن لا يبعد أن يدخل فيهم كل من كان على شاكلتهم في كلّ عصر، ومصر، من أصحاب الانحرافات التي تخالف هديه - ﷺ -. اللَّهم ارزقنا التمسّك بسنّة نبيك - ﷺ -،، اللَّهمّ أحينا عليها، وأمتنا عليها، وابعثنا عليها، واجعلنا من خيار أهلها أحياء وأمواتًا، برحمتك يا أرحم الراحمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ١١٩/ ٢٠٨٧ و١١٨/ ٢٠٨١ و٢٠٨٢ - وفي «الكبرى» ١١٩/ ٢٢١٤ و١١٨/ ٢٢٠٨ و٢٢٠٩. وأخرجه (خ) ٣٣٤٩ و٣٤٤٧ و٤٦٢٥ و٤٦٢٦ و٤٧٤٠ و٨٥٢٤ و٦٥٢٥ و٦٥٢٦ (م) ٢٨٦٠ (ت) ٢٤٢٣ و٣١٦٧ (أحمد) ١٩١٦ و١٩٥١ و٢٠٢٨ و٢٠٩٧ و٢٢٨١ (الدارمي) ٢٠٨٨ و١٨٧٠. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو بيان أول من يُكسى يوم القيامة، وهو خليل اللَّه تعالى إبراهيم - ﵇ -. ومنها: إثبات الحشر في القيامة. ومنها: بيان شدّة الأمر في ذلك اليوم، حيث إن الخلائق يحشرون عُرَاة، حُفّاة، غُرْلًا. ومنها: بيان عظمة قدرة اللَّه تعالى، حيث إنه يعيد الخلق كما بدأه على الصفة التي بدأهم عليها في الدنيا. ومنها: إثبات معجزة للنبي - ﷺ - حيث إنه أعلمه اللَّه تعالى بما سيقع من بعض أصحابه، من الإدبار على أعقابهم، وقد تقدم أنهم قليلون، وأن غالبهم من جفاة الأعراب، ولم يُعرف ذلك لأفاضل الصحابة - ﵃ -. ومنها: أنه لا ينبغي للإنسان أن يتساهل في الابتداع في الدين، وإن كان شيئا يسيرًا، لأنه يضرّ بدينه، لأن الدين قد أكمله اللَّه تعالى، فجميع أنواع المحدثات تنافيه، فالإحداث في الدين مهما كان نوعه من أخطر مهالك الإنسان، فيجب الحذر منه. ومنها: أن الذي ينفع الإنسان هو لزوم سنة النبي - ﷺ - وهديه، فمن لم يتبعه - ﷺ - لا تنفعه صحبته، ولا معرفته، بل إذا عرف انحرافه عن سنته تبرّأ منه، وقال له: «سُحْقًا سُحْقًا»، ولا يَرِد حوضه، بل يُذاد عنه، ويطرد، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]، «اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا، وعذاب الآخرة». توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، إنك أنت أرحم الراحمين. واللَّه تعالى
مصادر المؤلف (٦)

١. -«فتح»ج ١٣ ص ١٩٦.«كتاب الرقاق».

٢. -«فتح»ج ١٣ ص ١٩٥«كتاب الرقائق»-«باب الحشر». رقم ٦٥٢٦.

٣. - «فتح» ج ١٣ ص ١٩٦ - ١٩٧. «كتاب الرقائق».

٤. - «فتح» ج ٧ ص ٣٨ «كتاب الأنبياء» - «باب قول اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾» رقم الحديث ٣٣٤٩.

٥. - الهمل بفتحتين جمع هاملة، هي الإبل التي ترعى بغير راع، ويجمع على هُمَّل، كراكع ورُكّع. أفاده في «المصباح».

٦. -«فتح»ج ١٣ ص ١٩٧ - ١٩٨.«كتاب الرقاق»-«باب الحشر» رقم ٦٥٢٦.